ذكريات عبقة من الديوانية



 بيت السيد جعفر العذاري

 زهير كاظم عبود

 كانت محلة الجديدة في الستينات من القرن الماضي تموج بأهلها وأكثرهم من مالكي البيوت الفقيرة والبسيطة ، مع أن بيوتا لأثرياء يقيمون وسط تلك المحلة منهم بيت البو شنين وبيت الصكبان وراجي الحاج جلاب وبيت البو جمعة وبيت سيد جعفر العذاري وبيت مجيد الحاج حسن وبيت الشاروط ، ولهذه المحلة اولادها وبناتها ، مثلما لها رجالها وأشقيائها ، وكانت تعج بمقاهي الفقراء التي تنتشر في منطقة ( الكرفت ) قرب ماكنة طحين المرحوم محمد منسي ، حيث تحيط بها تجمعات العمال والقادمين من الريف الى المدينة . لم نكن نحن ابناء الجديدة نشعر بأي فوارق طبقية بالرغم من كون الأغلبية منا من ابناء الفقراء ، وبالرغم من كون بيت السيد جعفر السيد سلمان العذاري كان من البيوت المعروفة بأصالتها وكرمها و بتمكنها المادي ، فقد كان اولادهم طارق وخالد وفائز وحامد وعدنان وقيس وسعد وسلمان ينتشرون بين الصبية المتقاربين مع اعمارهم ، فلاتشعر انك مع اولاد لعائلة متمكنة مادياً ، او تتمايز عنا بأي شكل كان . كنا نجتمع في بيت السيد جعفر بزعم اننا ندرس حين كنا في المدرسة المتوسطة ، والحقيقة يتحول الأجتماع الى قصص وضحك وتسلية قد نفتقدها في أماكن أخرى ،ولم تكن أم طارق تفرق بيننا وبين اولادها ، وهي حريصة علينا جميعاً ، فقد كانت نعيمة أم للجميع تعرفنا بأسماء أمهاتنا وتحنو علينا وتتفقدنا . كان المرحوم هادي حلواص عامل المرطبات في باب مدرستنا وصاحب محل بيع الحلويات في باب السينما وهي ملاذنا الوحيد ، كان هادي حلواص يغيضنا بمعرفة أسماء أمهاتنا ، غير انه لايستطيع ان يتبارى مع خالتنا أم طارق التي تعرف جميع نسوة المحلة . وبالرغم من كوننا نخشى السيد جعفر حين يقدم الى بيته من محل الأثاث الكبير الذي يملكه في السوق الكبير ، الا انه يعرفنا من اسماء آبائنا بعكس خالتنا نعيمة ، والسيد جعفر بالرغم من الضائقات المالية والخسارة التجارية التي يقع بها مراراً ، الا انه يستطيع ان يستعيد مكانته التجارية في السوق ، بالنظر لما يملكه وأخوة من عقارات مهمة في المدينة تشكل رصيده الدائم في مكانته التجارية . لاتوجد فعالية في المحلة لايشترك بها اولاد السيد جعفر ، فهم حاضرين في العزاء ، وفي الأفراح ، وفي التعاطف مع الحركات السياسية ، ولاتستطيع أن تصنف من بينهم من تعتبره صديقا لواحد منا ، بالنظر لكونهم جميعا أصدقاء الجميع . وبالرغم من النسب العلوي للعائلة المذكورة فلم يتميز بها أحد من اولاده علينا مطلقاً ، نحن نعرف أنهم سادة ومن العذاريين ، لكنهم يعتزون بأنتسابهم لمدينتهم الطيبة والفقيرة أكثر من انتسابهم للعشيرة ، ولهذا فقد كان السيد جعفر حاضراً في كل أجتماعات المدينة ومع النخبة من رجالها الطيبين . تنقل السيد جعفر في عدة بيوت يملكها في المحلة لاتبعد عن بعضها كثيراً ، غير اننا فوجئنا مرة ونحن نعرف من اولاده ، ان السيد قرر أن يبني له دار واسعة تتسع لجميع أولاده ، وأن هذه الدار في أقصى أطراف المدينة ، بحيث يستحيل علينا أن نزورهم ونراهم كل يوم ، وحقا شاهدنا البيت الفخم الذي شيده السيد ، والذي تحــول موقعه القصي الى موقع وسط المدينة بعد ان كان بعيداً . وبالرغم من سكن العائلة لهذا البيت البعيد وانتقال قسم من اولاد السيد الى بغداد للدراسة ، الا ان محلة الجديدة بقيت سرهم وأسرارهم ، فلا يستطيعون فراقها ، فنجدهم في المقاهي أو في بيوت الأصدقاء أو في السينما التي نعتز بها وبأهلها – البو جمعة – وحين كبرت الديوانية كبر معها الاولاد وانتشروا ، بعد ان رحل السيد الكبير ، وبالرغم من هذا الأنتشار الذي فرضته الحياة الجديدة على الاخوة ، الا ان بيتهم بقي رمزاً للأصالة والنخوة والشهامة والكرم ، فقد كان جميع أولاد السيد جعفر من الطيبين الكرماء الذين تدفعهم نخوتهم وشهامتهم الفراتية لمد يد المساعدة لأخوتهم وأصدقائهم . ورغم هذا الزمن الغريب والغربة القاحلة التي عاشها اهل العراق وتغيرت بها قيم الرجال ، ومالت الدنيا ، يبقى أولاد السيد جعفر السيد سلمان العذاري نوارس تعتز بقيمها الثابتة وتجسد مازرعته فيهم المحلة والتي لاتملك من التجديد غير أسمها ، غير أن لها من القيم مايتفاخر به الانسان ، وقد خرجت المحلة الفقيرة العديد من الأسماء اللامعة ، ليس في تاريخ المدينة فحسب ، بل في التاريخ العراقي المعاصر . وتبقى المدينة تعتز بهذه الأسماء التي فرضت محبتها وأعتزازها على الجميع .
 


البو شنين

البو شنين وسط مركز المدينة ينتصب البيت المهيب الذي نستظل نحن المارين من تحته بالطارمة الكبيرة والأعمدة العريضة التي تسندها ، والسعة التي تحتويها الدار الكبيرة التي تطل بابها العريضة على الشارع العام للضيوف وفي الشارع الفرعي للعائلة العفيفة والثرية بأخلاقها انه بيت ( البو شنين ) . يمتد بيت البو شنين الذي يواجه الشارعالعام وله باب تطلعلى شارع سلمان الجبار المحاذي بيته الى بيت البو شنين ، ثم يلتصق ببيت سيد نور وسيد بدرآل سيد طالب وهما من عوائل السادة الأشراف في المدينة . بيت كبير تدل مهابته على مهابة العائلة الاصيلة ، بيت لشيوخ حقاً في الأخلاق والوداعة والطيبة ، أكثر منها شيوخ لعشائر في المنطقة ، وليس الكرم والألتزام مايمكن ان نصف به هذه العائلة النابتة وسط قلوب اهل المدينة ، وليس الخلق العالي والتواضع الذي عرف به كبارها وصغارها ، أنما كانت العائلة جزء لايتجزأ من تاريخ المدينة وبيتها معلماً من معالم المدينة الدافئة . يتجسد لي صورة الرجل المهيب الشيخ كاظم شنين وهو يتميز بملابسه الأنيقه ووجهه الجميل وطوله الفارع بعد أن يفتح لنا قلبه قبل بيته في مجالس رمضان ، نستمع فيها أجمل المواعظ والقصص التي تغنينا عن مطالعة العديد من كتب التاريخ . كان الشيخ الجليل الشيخ عزيز رحمه الله خطيباً مفوهاً ومحدثاً بارعاً يسيطر على عقولنا الصغيرة ، متواضعاً ورقيقاً لايتوانى عن الأجابة عن أسئلتنا الصغيرة وتقديم النصح والمشورة لنا ، ولم يكن يرتدي مايرتديه المشايخ والملالي ، انما كان متميزاً حتى في ملابسه وعقاله الرفيع وغترته البيضاء . وبيت عبود شنين من بيوتات الديوانية العبقة والجديره بالتقديروالأستذكار ، فقد ساهم البيت في تربية أجيال من أولادهم من من المتعلمين والأساتذة والأطباء الذين تفتخر بهم المدينة ، ويحق لي أن افتخر أني درست الأٌقتصاد على يد الأستاذ المربي السيد حكمت كاظم شنين وزاملت بعمري الأستاذ جودت شنين وهو من لاعبي المنتخب العراقي لكرة السلة ومن المحكمين المتميزين ومديراً للمصرف في الديوانية أخيراً ، وكنت أسمع بأسم نايف شنين كثيراً ، وكنا نحن ابناء فقراء المدينة تواقين لرؤيته وهو الذي يدرس الطب في لندن ، وتشاء الأقدار أن اجلس الى جواره في أحد المحاضرات في منتدى الكوفة بلندن لنتعارف بالصدفة . كما تردني رسائل من الدكتورمالك آل شنين من المانيا أعتز بها وتشكل مصدر فخر لي بما تحمله من عواطف نبيلة وسعة في القلب والضمير ، بالأضافة الى متابعة أمينة وحرص وطني لما يحدث في العراق وهو والد كل من رابفد وسامر ورياض شنين الساكنين معه في ألمانيا . تميز بيت ألبو شنين بالألتزام الصارم والتقيد بالأعراف والتقاليد ومحبة الناس ، مثلا اشتهر رجالهم بالحكمة والخلق والمتابعة العلمية ، لذا حق أن نقول أن البيت الذي سكنته العائلة المذكورة بعد ان تشعبت وتوزعت في انحاء الأرض جدير بأن يبقى معلماً من معالم الديوانية الآثرية ، لأنه يشير الى جزء من تاريخها وله علاقة وطيدة بمجتمعها ، ونأمل ان لاتطاله التطويرات التجارية وأن يبقى ملكاً للدولة تستملكه من أصحاب الشأن برضاهم ووفق منطق الأستملاك الرضائي القانوني ، وأن يقوم هذا الرمز الذي لاتملك المدينة الفقيرة أي رمز غيره بعد ان زالت معالم العديد من البيوت الجميلة في الديوانية ، وبأستثناء بيت اليهودي ساسون الذي أصبح في يوم ما محكمة الديوانية قبل أن تنتقل الى بنايتها الجديدة ، ويتحول الى محلات ومخازن متعرضاً للأندثار والأهمال . كما أن بقاء هذا الرمز التراثي بعد ترميمه يمكن أن يكون متحفاً لأنتفاضة الديوانية الخالدة في آذار 1991 وتاريخاً للشهداء ، بالأضافة الى كونه تكريم منطقي وفاعل لأسرة من أطيب العوائل في هذه المدينة الطيبة . لم تترك عائلة البو شنين غير الذكر الطيب والسمعة العالية والمثال النموذجي لخلق ابناء الفرات الأوسط ، ولم تترك عائلة البو شنين في ذاكرة الطيبين غير أن يترحم المرء على موتاهم ويترحم على تلك الأيام الطيبة في المدينة الطيبة . حقاً كانت المدينة تتشرف وتفتخر بهذه العائلة ، وكان بيتهم الواقع في قلب المدينة يضم تحت سقفه في خارجه تحت طارمته المزينة بأعمدة حجرية عريضة تحمل دعامات البيت ، موقعاً معروفاً لشباب المدينة حيث يقيم ( الملا ) وهو بائع حب الرقي بكل أنواعه وبأسعار رخيصة تتناسب مع جيوب الفقراء ، والذي كان يغرينا بشراء كمية من الحب حسب امكانيات جيوبنا الخاوية دائما . وبقيت العائلة مابقي الضمير في نفوس الطيبين من اهل الديوانية .


بيت ( الحاج جعفر ) في الديوانية

رقم 1 بيت الحاج جعفر بيت من بيوت المدينة الفقيرة والغنية بشبابها ومساهمتها في الحركة السياسية الوطنية في العراق . بيت ( الحاج جعفر ) في الديوانية ، ومن لايعرف بيت الحاج جعفر لايعرف شيء من تاريخ المدينة الطيبة العبقة والأصيلة . من بيت الحاج جعفر تخرج مواكب العزاء في ذكرى أستشهاد سيد الشهداء الحسين ( ع ) ، ومن بيت الحاج جعفر نتجمع لنشكل مواكب اللطم مع ترديد المستهلات الحسينية ، والتي غالباً مايكون لها معاني سياسية عميقة تعارض السلطات التي تعاقبت على العراق . في بيت الحاج جعفر نأكل من خيرهم ونتذوق حلو طعامهم ونحضر مجالس رمضان الساحرة ، حيث المنبر الحسيني الذي يعلمنا قصص التاريخ وسيرة أل البيت ، حيث كان الشيخ عباس الليباوي يتصدر القراءات . وفي بيت الحاج جعفر تعلمنا الألتزام والخلق والصدق وحب الناس وأحترامهم . الحاج جعفر والحاج عبد الحميد والحاج موسى الأخوة الطيبين من أنبل ما شهدته الديوانية من ألتزام ديني ومروءة وتقدير وبساطة وألتزام . ولهذا خرج أولادهم الجيل الذي شهدناه في أعمارنا ليكونوا نسخة طبق الأصل من نبل وشهامة اهلهم ، غير أنهم كانوا أكثر ميلاً للدفاع عن حقوق الفقراء وتطلعاتهم ، فكانوا جميعهم لصق العمل السياسي اليساري بالرغم من تميزهم المادي وأمكانياتهم الأجتماعية . وبقيت مدينة الديوانية تزهو بهذه النماذج الخيرة والعائلة المضيئة المستورة . وبقيت المدينة تحتفي بقدوم أيام عاشوراء وتنتظر الأيام الدينية بفارغ الصبر ليصير البيت الجميل الذي يتوسط المدينة الى بيت مملوك للناس مغطى بالقماش الأسود ومفروش بأحلى السجاد ومفتوح لجميع الفقراء ، حيث تتوفر لنا فرصتين ، الأولى في موافقة اهلنا على السهر ليلا خارج البيت ، والثانية أن نتجمع ونتحادث ونتسامر قبل أن تبدا القراءة الحسينية . وكان أبناء الحاج جعفر والحاج عبد الحميد أخوة حقيقيين لكل الشباب الذين زاملوهم في المدارس أو المعاهد . وفي ليلة كالحة من ليالي البعث البائد ، هجمت زمرة الشر والسفلة على هذا البيت الكريم النقي ليتم تسفيرهم بحجة ( التبعية ) السيف الذي تسلط فوق رأس كل محب لأل البيت . وتشردت العائلة وصودرت أموالهم وأستملكت دورهم البهية وأنطفأت أضواء المواكب الحسينية ، وهكذا ظنوا !! بقيت بيوتهم تبكي أصحابها ومالكيها وحين كنا نمر على البيوت الخالية والموحشة كنا نلمح دموع بعضنا ونحن نمسحها دون أن يشعر بنا أحد . صارت بيوتهم سكناً لشذاذ الأفاق ومرتكبي الجرائم الخسيسة بأسم السلطة من ضباط الأمن ، ثم صارت دوائر حكومية رسمية دون وجه قانوني أو شرعي . وهكذا ترتب لبيت الحاج جعفر وعبد الحميد حقوق قانونية وشرعية بذمة السلطة العراقية الجديدة ، وبقي حقهم في ضمير أبناء المدينة التي لم ولن تنساهم مهما جار الزمن وأختلت الموازين ، فقد كانوا ممن تتشرف بهم المدينة ويليق بهم العراق . وليس أكثر تكريما للجنسية العراقية أن تقترن بهذه العائلة الكريمة لتعيد لها الأعتبار العراقي ، وليس أكثر أحتفاء لهذه العائلة الكريمة والطيبة من أن نعيد لهم أملاكهم وحقوقهم وتكريمهم في الديوانية ، وليس أكثر وفاء من أستذكارنا لهم بعد هذا الزمن المرير الذي زعم صدام البائد أنه يستطيع أن يدمر الطيبين من أهل العراق وينتقم منهم لطيبتهم وأصالتهم وعراقيتهم فخاب وسكن الجحور وبقي الطيبون أهلاً للعراق ويتباهى بهم أهل العراق أبداً .