spacer
spacer


spacer
New Page 5
New Page 1
New Page 3

صالون فينيسيا

صالون توب كليب
TOP KLIP

شروط الاعلان في الموقع

للاتصال بنا على البريد الالكتروني
iraqdk@hotmail.com

New Page 1

 
الصفحة الرئيسية

كتاب شخصية الفرد العراقي .. الجزء الاول .. للدكتور المرحوم علي الوردي

كتاب شخصية الفرد العراقي .. الجزء الاول .. للدكتور المرحوم علي الوردي

نقله حرفيا صديق الارشيف الاخ صفاء علي ..مع شكرنا واعتزازنا به وبكل من يحيي تراث علماء العراق في كافة المجالات

شخصية الفرد العراقي

بحث في نفسية الشعب العراقي

على ضوء علم الاجتماع الحديث

الدكتور علي الوردي

1

بسم الله الرحمن الرحيم

2

 

تمهيد :

لست ادعي بان هذه المحاضرة بحث قد استوفى شروطه العلمية . و ربما ح القول : بانها اشبه بالمقالة الادبية منها بالبحث العلمي . و عذري في ذلك : انها محاضرة كتبت لكي تقلى في حفل عام , و لم يكن الغرض منها اول الامر ان تطبع او تنشر على القراء بهذا الشكل الحاضر . انها قد كتبت على فصول منظمة او حلقات متتابعة كل حلقة تؤدي الى ما يليها , على حسب ما يستوجبه التسلسل المنطقي . و ربما تاه القاريء في طيات ما فيها من افكار شتى لا يجمعها نظام موحد .

و على اي حال , فان القاريء قد يستبين , بعد انتهائه من قراءة المحاضرة , بانها تنقسم الى قسمين رئيسين :

القسم الاول منها أريد به بحث الشخصية بوجه عام , اما القسم الثاني فقد اختص ببحث (شخصية الفرد العراقي ) .

و لسوف يجد القاريء ان القسم الاول منها مطول و قد لا يخلو من خروج عن الموضوع . ان هذا امر لا اعتذر عنه و لعلي قصدته قصدا و عزمت عليه . فقد رايت اني غير قادر على دراسة الشخصية العراقية ما لم ادرس , قبل ذلك , الشخصية البشرية بشيء كثير من التفصيل . و اضافة الى ذلك : فان موضوع الشخصية بوجه عام لم يبحث في اللغة العربية بحثا وافيا . فان اغلب من بحثوا او ترجموا عنه كانوا من المختصين بعلم النفس . و معنى هذا ان الشخصية لم تبحث الا من ناحيتها الفردية حيث لم يعن بالناحية الاجتماعية فيها الا قليلا .

3

هذا و ينبغي ان لا ننسى بان للشخصية مفهوما في علم النفس يختلف عن مفهومنا في علم الاجتماع او علم الحضارة . فعلم النفس نيطر الى الانسان كفرد قائم بذاته , و لذا فهو يدرس شخصية الانسان من حيث كانها مجموعة الصفات الخاصة التي تميز اي فرد عن الاخر . و هذا مفهوم لا يخلو من صواب و لكن علماء الاجتماع يضيفون الى ذلك بان الشخصية , في كثير من و جوهها , ممثلة للمجتمع , و هم اليوم يكادون يجمعون على ان الفرد و المجتمع ما هما الا وجهين لحقيقة و احدة , أو كما قال ( كولي ) : ان الفرد و المجتمع توأمان يولدان معا .

فشخصية الانسان اذن بسبك في قوالب يصنعها المجتمع . و لذا نرى ابناء المجتمع الواحد متشابهين في كثير من صفاتهم الشخصية . انهم يتفاونون عادة , في بعض دقائق الصفات العامة , تفاوتا يجعل لكل فرد منهم شخصيته الخاصة به . و لكنهم رغم ذلك يتشابهون في الخطوط الرئيسية لتلك الصفات .

لعلني استطعت , في القسم الاول من المحاضرة , ان اعرض على القاريء هذه الناحية الهامة من الشخصية , و ان اظهر له كيف ان الفرد ما هو في حقيقته الا صنيعة من صنائع المجتمع الذي يعيش فيه .  لقد اهملت في هذا القسم اذن , الناحية الفردية من الشخصية , و ركزت انتباهي على الناحية الاجتماعية . و لا اعني باني قد اصبت في ذلك كل الاصابة . انما قصدت ان الفت نظر القاريء العربي الى ناحية لم تكن يلتفت اليها من قبل التقاتا كافيا .

و عند انتقالي الى دراسة شخصية الفرد العراقي جابهتني صعوبه كبرى , و هي اكتشاف ما في المجتمع العراقي من خصائص و مميزات تجعله ينتج في ابنائه نموذجا معينا من الشخصية لا يشاكه فيه ابناء المجتمعات الاخرى .

4

لقد حاول كثير ن الباحثين , عراقيين و اجانب , ان يكتشفوا خصائص هذا المجتمع , وقد جاء كل منهم براي في هذا السبيل يخالف ما جاء به الاخرون . لقد حاولوا , كالاطباء ان يكتشفوا داء هذا المريض , و لكنهم , مع الاسف لم يكونوا متفقين على الطريقة التي يفحصون بها اعراض الداء . لقد كانوا ادباء او مؤرخين او سواحا او مستشرقين , و لكن قليلا منهم حاول ان يدرس الداء على ضوء علم النفس او علم الاجتماع او علم الحضارة . لقد كانوا كمثل من يحاول فحص مريض و هو لا يعرف من علم الطب شيئا .

ان هذه المحاضرة , رغم ما فيها فقص بارز في الناحية العلمية , هي محاولة مفردة في سبيل فحص المجتمع العراقي وكيف تنمو فيه شخصية الفرد على ضوء علم الاجتماع الحديث . و لقد كابدت في سبيل اعدادها الاما لا يستهان بها , اذ لم اجد في طريقي الذي حاولت السير فيه علامة ترشدني و كاني بذلك اشق طريقا جديدا لم تطأه قدم من قبل .

انها على كل حال , محاولة مبدأية بالقاريء ان يشتشدد في نقدها و في النظر اليها الشاك المستريب , و ربما كنت غير مغال اذا قلت بانها اول محاولة في هذا السبيل على هذه الشاكلة . و لست اعني بهذا انها محاولة قمينه بالقبول من الوجهة العلمية . فمشلكة الانسان انه لا يستطيع ان يصل الى الصواب راسا , و من الممكن القول : بان الخطأ طريق الصواب . و الذي اقصده اذن من هذه المحاولة هو تحفيز غيري على دراسة هذا الموضوع الهام و اثارة بعض مفكرينا لكي ينزلوا قليلا من أبراجهم العاجية فيتغلغلوا في المجتمع العراقي باحثين منفبين , حيث لا يستنكفون من ملامسة أدرانه و لا يستحقرون ما فيه من سفه أو تسفل .

علي حسين الوردي

5

 

سيداتي سادتي

يجدر بنا قبل ان ندرس شخصية الفرد العراقي ان ندرس مفهوم الشخصية بوجه عام . فللشخصية مفهوم لدى العلمه يختلف عن مفهومها لدى العلماء فقد تعود الناس ان يقولوا عن احدهم بان له شخصية و عن انه لا شخصية له . كأن الشخصية في عرفهم كالجمال مثلا موجود عند بعض الناس و مفقود لدى الاخرين . الواقع ان كلا منا له  شخصيته الخاصة به . و لا يخلو احد منا من شخصية . انما بين بعض الناس و بعضهم الاخر هو في قوة الشخصية و ضعفها و ليس و جودها و عدمها .

و اننا في هذا المساء لا نقصد ان نبحث في موضوع الشخصية من حيث قوتها او ضعفها . فهذا امر لعلنا نخصص  له يوما اخرا نبحثه فيه . ان بحثنا يدور الان عن ماهية الشخصية بصورة عامة و عن خصائص الشخصية العراقية بصورة خاصة .

وقد يسال احدكم فيقول : ما هو هذا الشيء الذي نسمية بالشخصية , و اذا كان كل منا له شخصيته الخاصة به فاين هي اذا يا ترى ؟ و ما هو مصدرها و منشؤها و كيف نستطيع ان نتحسس بها في انفسنا و ندرك انها موجودة فينا حقا ؟ سالني مرة احد الصدقائي و هو يهمس في اذني كانه كان يخشى ان يسمعة احد . و يحك يا اخي . اني اسمع كثيرا عن الشخصية و التظاهر غلابا من الفضيحة و لكني في الواقع لا افهم عنها شيئا فهل لك ان تعطيني بعض الفكرة عنها حتى استطيع ان اخوض مع الناس اذا جاء البحث او ادلي دلوي في الادلاء عنها .

 

6

 

سيداتي سادتي

وجه الي الصديق هذا السؤال في وقت لم اكن انا اعرف عن الشخصية اكثر مما يعرف , و قد احاولت على كل حال ان اقدم له بعض التعاريف المألوفه , فلم يفهمني او بالاحرى لم اكن انا افهم ما كنت اقول , و بقينا ساعة من الزمن نتجادل من غير جدوى حتى انتهى الامر بي الى ان اعترف له بجهلي المطبق في هذا الموضوع ثم نمت مستريحا .

هذه القصة تعطينا صورة مصغرة لما عليه اغلب مثقفينا و طلابنا من جهل في موضوع الشخصية , و ارجوا ان اوفق الان في بحث موضع الشخصية معكم بصورة اوضح مما وفقت بها انذاك مع الصديق العزيز .

ليس من السهل علينا ان نحدد الشخصية او نعرفها تعريقا جامعا مانعا فهي كالكهرباء او الاثير الو المغاناطيس لا تعرف الا باثارها 1 و من الصعب تحليل الشخصية الى عناصرها الاولية , فهي اذا حللت وفصلت عناصرها بعضها عن بعض فقدت ارتباطها العضوي وقيمتها الكلية , انا اذن كالمركب الكيماوي يحتوي على صفات خاصة به تختلف عن صفات العناصر المكونه له كل الاختلاف .

و على كل حال يمكن تعريف الشخصية بايجاز فيقال بانها : ( مجموعة منظمة من الافكار و السجايا و الميول و العادات التي يتميز بها شخص ما عن غيره 2 .

………………

1-                                                                                                                انظر محمد عطية الابراشي , الشخصية , ص9 .

2-انظر K. Young < Personality … p3

7

 

يقول (موري ) و كلوكهوهن ) ان الشخصية البشرية تكوين حركي و محاولة مستمرة في سبيل التوفيق بين رغبات الانسان الطبيعية و قواعد  المجتمع المفروضة عليه 3 .

سيداتي سادتي !

ان الانسان يولد وقد ورث ميولا او اندفاعات بهيمية غير مهذبة . فتوضع هذه الاندفاعات العارمة تحت تاثير القيم الحضارية و القيود الاجتماعية حيث يبدا الطفل ساعيا في سبيل التوفيق بين ما يشتهي  من حاجات انية و ما يفرضه عله المجتمع من اصلاحات و اعتبارات وقيم . انها صراع متواصل بين قوتين متعاكستين : فوة بهيمية لا تفهم قيدا و لا تدرك معنى و قوة اخرى اجتماعية تحاول ان تسيطر على تلك القوة الغاشمة و تسبكها في قوالب حضارية مقبولة . ان الشخصية كما يقول فرويد : نزاع بين ذاتين / بين الذات السفلى و الذات العليا . فمن الناس من ينجح في المصالحة و التوفيق بين القوتين و المتنازعتين فيصبح اذن شخصا سويا و منهم من يفشل فيصبح مجنونا او مجرما او منطويا على نفسه او مستهترا او معتديا حقودا .

و من الملاحظ ان رجال الدين و رجال الفكر قديما احسوا بهذه الحقيقة و اعتبروا النفس الانسانية ميدانا لنزاع مرير بين هدى الله  و نزعات الشيطان , او كما قال الفلاسفة بين وحي العقل و اندفاع العاطفة . اجل ادرك القدماء هذه الحقيقة بشان الشخصية و لكنهم فشلوا رغم ذلك في دراسة

........

3-Kulckhohn & Murray : Personality .... p27

8

 

الشخصية , دراسة واقعية . فقد كان دابهم الموعظه و الارشاد و ان ينصحوا الانسان بان يكون عافلا او خيرا من غير ان يقفوا لحظة يبحثون فيها عن السبب الذي جعل كثيرا من الناس منحرفين مع تيار العاطفة متنكبين عن طريق العقل او بعارة اخى : متبعين لاوامر الشيطان تاركين اوامر الرحمن .

يحكى ان اعرابيا مر ذات يوم بمكتبة مملؤة بالكتب فهتف فائلا اني اعرف جميع ما في هذه الكتب و خلاصة ما فيها . ( يا ايها الانسان كن خيرا ) او كما نطق هو بلهجته الاعرابية : ( يا ابن ادم صير خوش ادمي ) .

ان كلمة هذا الاعرابي , و الحق يقال , تنطبق كل الانطباق على ما كان القدماء يكتبون فيه و يخطبون . لقد اخفقوا حقا في العثور على الحقيقة الكبرى يخص الشخصية و هي ان اوامر الله ما هي في حقيقتها الا اوامر المجتمع و تقاليده و مثله العليا , و ان هذه التقاليد و المثل لا يكاد يضعف سلطانها في النفس الانسانية حتى نرى الانسان ينجرف وراء شهواته البهيمية قدما لا يلوى على شيء . فامشكلة اذن ليست هي مشكلة نزاع بين العقل و العاطفة كما كان القدماء يعتقدون . انما هي في الواقع مشكلة التكتل و التفكك في النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه الانسان . فاذا تفكك المجتمع نتيجة تحركه و اتصاله بغيةه من المجتمعات الاخرى ضعف سلطان المثل العليا الخاصة به و قل لذلك ايمان الافراد بها فانساقوا اذن و اراء ما يشتهون رغم الخطب و المواعظ .

لقد كان القدماء بالاضافة الى ذلك يعتقدون بان الانسان وهو مخير يصنعها فيما يعمل كل الخيار , اي . انه يستطيع ان يركب شخصية و يصنعها كما يشاء او ان يصبها بالقالب الذي يريد , فهو قادر على زععمهم ان

9

 

يجمع في نفسه جميع الخصال الحسنه و ينفي عنها جميع الخاصل السيئة كأن الشخصية قطعة من الشمع يكيفها الانسان حسب ما يريد , غير داري بان الشخصية تنشأ و تتنوع و تنضج حسب قواعد يصعب المحيد عنها , و انها تسير في الطريق المرسوم حسب تفاعل الطبيعة و المجتمع سواء اخطب الواعظون ام لم يخطبوا او نصح المفكرون ام لي ينصحوا .

ان استقامة الشخصية لا تقاس بالمقاييس المنطقية المطلقة التي كان يتخيلها الحكماء . انها بالاحرى نسبية , فاذا ربى الانسان في مجتمع معين و اقتبس منه قيمة و تقاليده فمن السخف ان نلطب منه الاصغاء الى  نصائح الحكماء  التي تخالف ما تعود عليه . ان من دواعي الفخار لنا حقا ان نجد ان الحضارة الاسلامية قد انتخبت مفكرا مختلف في هذا الصدد عن غيره من القدماء , هو المفكر العربي المشهور عبد الرحمن بن خلدون . فقد حاول هذا المفكر ان يدرس شخصية الانسان , لا على اساس الموعظة و الارشاد كدأب الناس قبلة , بل على أساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها .

وجد ابن خلدون ان البدو كانوا موسومين في ذلك العهد بالتخريب و بالنفرة من العلم و الصناعة , فقام مدافعا عنهم بأسلوب يقرب من أسلوب علماء الاجتماع الحديث , يقول ابن خلدون : ان البدوي بطل شجاع و فاتح باسل و هو ابي للظيم و حام للجار , و مثل هذه الصفات لا تتلائم و صفات طلب العلم او الصبر على الصناعة و فنون العمران . و في رايه ان الشخصية الانسانية على انماط شتى فان هي كانت من نمط معين صعب عليها ان تكون من النمط الاخر . و على هذا استنتج ابن خلدون ان طلب العلم و البراعة الصناعية صفة الامة  المغلوبة الخانعة ذلك لانها صفة تستدعي

10

 

الخضوع و العمل الكادح , و هذه مزايا لا تتفق مع مزايا الاباء و البطولة و النجدة التي اتصف بها البدوي . فاانسان في نظر ابن خلدون لا يستطيع ان يكون محاربا باسلا و طالبا للعلم في نفس الوقت , و كذلك لا يقدر ان يكون بطلا ابيا و صانعا ماهرا في ان واحد 4 .

و كذلك اثبت ابن خلدون بان العلوم و الفنون لا تنشأ الا في المجتمع المتفكك الذي ينشأ فيه  الميل الى الاجرام و السفه و الخلاعه . فهو يرى بان المجتمع البدوي الخالي من العلم و الصناعة خال ايضا من مقتضيات التفسخ الشخصي و أسباب الرذيلة . في نظره , أسلم فطرة و أفرب الى روح الفضيلة من المدني . كان مجتمع المدينة الذي يشجع النبغاء و أصحاب الفنون و العلوم يشجع أيضا أصحبا الجريمة و التهتك و سوء الاخلاق 5 .

...................

4- ان هذا الاستنتاج الذي جاء به ابن خلدون يمكن تطبقه على الحضارة التي كانت سائدة في عسر ابن خلدون حيث كان من الممكن تصنيف الناس الى صنفين تمعاكسين : غالب و مغلوب , صاحب سيف و صابح مهنه , او كما قال (فبلن ) : غازي و منتج اما اليوم فقد أصبح هذا التصنيف غير ممكن التطبيق بالنسبة للحضارة الغربية الراهنة , اذ أن السيف و المهنة قد اتحدا أو بعبارة أخرى أصبح الغلب و الانتاج مترادفين , و لا ينكن للامة أن تكون غالبة في المعترك  الدولي الا اذا كانت متفوقة في الميدان الصناعي و العلمي , و هذا عكس ما كان يجري في لاعصور القديمة و الوسطى , لان صاحب اليسف كان يابى ان يكون صانعا او عالما و قد كان يسمي الصناعة (منهة) أي ممتهنا ( انظر ابن خلدون , المقدمة , ص544) .

5- انظر ابن خلدون , المقدمة , ص 121 و غيرها .

11

 

سيداتي سادتي !

ان هذه النظرية , رغم ضعفها الظاهر بالنسبة للحضارة الحديثة , تحتوي على دقة نظر في موضوع الشخصية بالنسبة للحضاة القديمة , و هي تعتبر ضربة قوية ضد التفكير القديم الذي كان يرى الانسان قادرا على تكوين شخصيته كما يهوى و يجمع فيها من الفضائل ما يشاء .

كانت نظرية بن خلدون هذه كالومضة الخاطفة تبزغ في حلك الظلام ثم تنطفي سريعا , حيث كانت سابقة لاوانها بعدة قرون و ما كاد صاحبها يموت حتى نسى العالم موضوع الشخصية كما نسى اسم ابن خلدون , و قد ظل المفكرون بعد ابن خلدون  كما قبله قابعين في اراجهم العاجية و قد بحت اصواتهم من خطب الوعظ و مؤلفات الارشاد .

و لم يلتفت العالم الى موضع الشخصية من جديد الا في عصر النهضة الاوريبة . اذ قد حصل ذاك رد فعل سديد ضد التفكير القديم و ضد مصطلحات القرون الوسطى جميعا . فبعد ما كان القدماء مثلا يرون بان الانسان حر في صنع شخصيته , أصبح مفكروا النهضة يرون الشخصية كالالة الميكانيكية التي لا ارادة فيها و لا حرية لها . اذ هي في نظرهم اداة طيعه بيد أخلاط البدن الاربعة : أي الدم و البلغم و الصفراء و السوداء 6 .

فاذا زادت احد هذه الاخلاط عن حده في البدن اصبحت الشخصية مطبوعة بطابع ذلك الخليط الزائد . فاشخصية الصفروية في نظرهم معندة سريعة الغضب قوية الارادة بينما الشخصية البلغمية هادئة يغلب عليها الكسل و قلة

...........

6- W.E.Sargent . teash yoursjlf psychology , p.9

12

 

الاكتراث . اما الشخصية الدموية فهي منبسطة و متفائلة و اثقة بنفسها بعكس الشخصية التي يغلب عليها الوسواس و الحزن و الانكماش عن الناس 7 .

لا نكران بان نظرية الاخلاط هذه لم تبتكر في عصر النهضة , فهي في المجال الطبي و حده . فاخذ مفكوا عصر النهضة يطبقونها في المجال الاجتماعية ايضا و ينبغي ان نذكر : انها اليوم لا تؤخذ بعين الاعتبار في الدوائر العلمية اذ تعتبر انها مستندة على اساس مغلوط .

و لكنها مع ذلك كانت ذات أهمية كبيرة في حينها اذ هي وجهت الانظار في موضوع الشخصية نحو ناحية كان القدماء قد غفلوا عنها و هي ناحية تصنيف الشخصية على اساس واقعي غير متأثر بالوعظ أو بالدعوة للمثل العاليا .

 

و في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت للوجود قضية الغدد الصماء . و هذه النظرية تشبه في ظاهراها نظرية الاخلاط القديمة و كلنها تستند في اساسها على بحوث عليمة لا تفبل الشك . و على اي حال فقد تطرف بعض العلماء في تبيان اثر الغدد في تكوين الشخصية و تحمسو لها اصبحت الصماء تسمى بناء على ذلك ( عدد الشخصية ) 8 .

و لقد مر على العماء عهد كانوا فيه لا يكادون يلاحظون طاهرة شخصية في احد الناس حتى يسرعوا الى تفسيرها بزيادة افراز في احدى الغدد الصماء او نقصه . فاذا رأوا على سبيل المثال , شخصا ذكيا و نشيطا عزوا ذلك الى زيادة في الغدة النخامية الموجودةو في اسفل المخ , و اذا رأوا امرأة

.......

7- انظر الدكتور محمود حب الله , الحياة و الوجدانية و العقيدة الدينية ص 35 و بعدها .

8- انظر دكتور صبري جرجيس , مشكلة السلوك السيكوبائي , ص:196 .

13

 

مسترجلة تحب تقليد الرجال في ملابسها او اعمالها او ميولها الجنسية قالوا بان ذلك راجع الى زيادة في افراز لحاء غدة الادرنالين و الواقعه فوق الكليتين , و اذا شاهدوا شخصا سريع الغضب متحفزا للقتال في اكثر الاحيان نسبوه الى زيادة الافراز في قلب الغدة الادرنالية , و اذا سمعو عن رجل انه شبق شديد قالو انه ضحية التضخم في الغدة التناسلية , و كذلك اذا راوا رجلا دائم التهيج و الانفعال عزوا ذلك الى نقص في الغدد الصغيرة الواعقة تحت الغدة الدرقية . اما الغدة الدرقية فيسبب نقصها في زعمهم الخمول و اكسل و ضعف الحيوية , الى غير ذلك من اقاويل 9 .

ان هذا الاتجاه في تفسير الفروق الشخصية على اساس الغدد الصماء غلو اصبح علماء النفس الاجتماعي لا يستسيغونه . فلا نكران لديهم ان العوامل البيوليجية من غدد و غيرها دورا كبيرا في تكوين الشخصية البشرية و كلنه ليس بالدور الحاسم . لان هذه العوامل البيولوجية كثيرا ما تتفاعل مع عوامل المحيط الاجتماعي و تتنوع بانواعه . فكثيرا ما نجد شخصا قد ورث في تكوينه البيولوجي عوامل تدعوه الى الغضب و سرعة الاغناء مثلا و لكنه ولد في جماعة لا يجد هذه الصفة فيه ولذا تراه قد حول طبيعته البيولوجية الى مجرى اخر غير مجرى الاعتداء و الاذى , و يصبح بتاثير بيئته الاجتماعية خانعا بكاءا يحب ان يؤذيه الغير بدلا من ان يؤذي هو الغير . و كذلك قد تجد شخصا قد ملك ذكاءا مفرطا وهو عائش في مجتمع لا يقدر الذكاء انما يقدر الضخامة البدنية و شدة البأس , و لهذا فهو قد يصبح خاملا لا ينتج علما و لا يفكر بفلسفة , انما ينزوي عن الناس و يندب حظه .

 ........

9- انظر روبرت ودروث , علم النفس . ( ترجمة عبد الحميد كاظم ) ص :218 و بعدها .

14

 

 

و قد يصاب احد الناس بالصرع او بنوع خفيف من الجنون فيكون في بعض المجتمعات قديسا و في البعض الاخر مجحورا عليه في مستشفى الامراض العصبية 10 .

اننا هنا نستطيع ان نشبه العوامل البيولوجية بالمواد الخام و العوامل الاجتماعية بالمعامل التي تصنع من هذه المواد الخام بضائع شتى , فشخصية كل بضاعة اذن ليست نتيجة المواد الخام  وحدها ولا نتيجة نوع المعمل فقط , انها بالاحرى نتيجة كلا العاملين بعد تفاعلها تفاعلا قليلا او كثيرا .

يذكر ( موتران ) على سبيل المثال : ان فراز الفص الامامي من الغدة النخامية يؤدي بالشخص الى ان يكون قزما , و من الملاحظ احيانا ان الاقزام يميلون الى حسن الهندام و التباهي و حب الفتنة , هذا ولكن ليس من الصواب ان يقال . بان نقص الافراز في الغدة النخامية هو السبب المباشر في التباهي و حب الفتنة , انما الاصح ان يقال : بان تاثير البيئة الاجتماعية على خلق القزم هو الذي ادى به الى ذلك , ولو انه نشأ في بيئة اكثر عطفا لكان الارجح ان يكون على خلق اخر 11 .

و على كل حال . لقد اختلف العلماء حينا من الدهر في مسالة ايهما اهم في تكوين الشخصية البشرية :

الوراثة ام المحيط , او بعبارة اخرى : العوامل البيولوجية ام العوامل الاجتماعية .

لقد مال العلماء اول الامر نحو التاكيد على العوامل البيولوجية , اما اليوم

........

10- R. Linton . The Study of Man  p 31

11 – Mottran . The Physical Basis of Personality . p. 57

15

الى اللقاء في الجزء القادم من الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



spacer

الصفحة الرئيسية
Dansk
أخبار العراق
أخبار العراق الأقتصادية
عن الدنمارك
اخبار الدنمارك السابقة
عراقيون في الدنمارك
دراسات وابحاث عراقية
المقالات السابقة
تاريخ البعث الاسود
الدستور العراقي
المدن العراقية
مواقع عراقية
شعر وشعراء
الاسرة العراقية
التراث العراقي
منتديات عراقية
فنون عراقية
تهاني وتبريكات
اتصل بنا
الارشيف

حالة الطقس في كوبنهاگن
مع شروق وغروب
الشمس والقمر

Click for København, Danmark Forecast

عدسة وفيديو الموقع

گاليري الموقع

موقع الدكتور سالم الخفاف

العائلة,والمرأة والرجل
والحقوق في الدنمارك
وزارة المساواة الدنماركية

دليل التسوق لمرضى
السكري..جمعية
مرضى السكري الدنماركية

أوقفو العنف ضد النساء
اكسرو الصمت

الخط الساخن
70203082

مكتبة الموقع

خدمات ومنوعات

عنوان سفارة العراق في الدنمارك

تقارير سابقة

Online
لدينا 41 زائر متواجد
Antal besøg
زائر: 13744982

 
Copyright Iraker.dk. All rights reserved.
spacer