مفهوم الربا والاكتناز وجهة نظر اقتصادية لعلة تحريمهما في الشريعة الاسلامية...؟(بحث) - الحلقة الثانية - اعداد المحاسب القانوني : فلاح شفيع 
خاص للأرشيف العراقي في الدنمارك
falahfamily@hotmail.com
تناولنا في الحلقة الاولى تطور مفاهيم الربا والاكتناز في الحضارات الانسانية ، سنتاول في هذه الحلقة بحث علة تحريم الربا والاكتناز في الشريعة الاسلامية من وجهة نظر اقتصادية ، وخصصنا الحلقة الثالثة والاخيرة لجملة التوصيات والاقتراحات بهذا الخصوص . المبحث الثالث - وجهة نظر اقتصادية في علة التحريم الاسلامي للربا والاكتناز : اتضح لنا مما سبق ان مفهوم الفائدة الربوية مرت في الحضارات الانسانية بمراحل متعددة ، وتمثل مفاهيمها وتطبيقاتها في النظام الراسمالي احدى اهم الركائز الاقتصادية لهذا النظام . ارتبط النشاط الربوي في الغالب بالمؤسسات المالية مثل المصارف وبيوتات المال واسواق البورصة ... وغيرها ، شهدت في الفترة الحالية حصول وتطور كبير في حجم ونشاط هذه المؤسسات ، واصبحت انشطتها متواجدة في جميع اقتصاديات المجتمعات العالمية المعاصرة ، وتمثل حاليا جزءا اساسيا من الانشطة الاقتصادية والمالية لديها بحيث لا يمكن ان نتصور وجود كيان اقتصادي دون ان تتواجد فيه هذه المؤسسات المالية . تعتبر المعاملات الربوية من اهم الموضوعات التي تثيرا جدلا واسعا ، في اوساط الفقهاء والمفكرين الاقتصاديين الاسلاميين ، وتمثل احدى المعوقات في سبيل انجاز المعاملات التجارية وفي تحقيق التنمية الاقتصادية في المجتمعات الاسلامية . ازاء ذلك جرت محاولات عديدة من قبل فقهاء ومفكرين اسلاميين لاجراء توفيق بين موقف الشريعة الاسلامية من تحريم المعاملات الربوية وبين اهمية وضرورة وجود المؤسسات المصرفية واهميتها في تمويل وعمل جميع الانشطة الاقتصادية والمالية على الاطلاق . وهناك محاولات عديدة هدفت للتخلص من اوجه الربا في المعاملات التجارية بشقيها ( المعاملي والقرضي ) . سنتناول بحث وجهة النظر الاقتصادية في التحريم ، نبين من خلالها اهمية الاموال السائلة ودورها الهام لانجاز المعاملات التجارية ، وفي اجراء عملية التنمية الاقتصادية . سيتم توضيح فكرة علة التحريم من منظورها الاقتصادي ، حسبما نعتقد بان المشرع الاسلامي قد قصدها . ان التوصل لعلة التحريم الاقتصادية وتحديد ابعادها بشكل سليم يساعدنا كثيرا في ايجاد الصيغة الملائمة لممارسة المصارف انشطتها دون تعرضها للممارسة الربوية المحرمة من جهة ، وبما يحقق الغاية المطلوبة من اداء اعمالها بفعالية وبكفاءة عالية من جهة اخرى .
يلاحظ تركيز الشريعة الاسلامية على تحريم النشاط الربوي كما مبين في نصوص الايات القرانية المتعلقة ( بالربا والاكتناز ) من حيث تكرار ذكرها في ايات قرانية عديدة وشدة العقوبة لمن يمارسها ، مما يعكس الاهتمام الكبيرللمشرع الاسلامي بهما ، والتنبيه لخطرهما على مجرى الانشطة الاقتصادية للمجتمعات الانسانية .
نبين ادناه توضيح مختصر لبعض المصطلحات الاقتصادية والمالية ، والتي لها علاقة بالموضوع :
1 - القيمة : هناك تعاريف متعددة للقيمة ، اهمها كونها تمثل ( التقويم الذاتي للمنفعة التي تتضمنها سلعة معينة للمستهلك ) ، وهناك مفاهيم متعددة للقيمة هي القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية ، وهناك عوامل عديدة تؤثر في تحديدها مثل ( المنفعة الحدية ، العرض والطلب عليها ، حجم العمل المنفق عليها ، ندرتها في الطبيعة وغيرها ) .
2 - السعر : هو التعبير النقدي للقيمة في وقت محدد وبشروط متفق عليها ، ليس من الضروري تساوي السعر مع القيمة لوجود عوامل عديدة اهمها المضاربة التي تعمل على حصول التفاوت بينهما ، وبذلك فهناك علاقة بين القيمة والسعر ولكل منهما تأثيرعلى الاخر . ويتحقق التساوي بين القيمة والسعر عند اجراء عملية البيع في السوق في وقت ومكان محددين وضمن عوامل اقتصادية ومالية معينة . وبذلك فالسعر يقوم بدور المنظم للعلاقة بين العرض والطلب لسلعة ما في السوق وله تأثير على مسار تطور العرض والطلب عليها .
3 - الدورات الاقتصادية : يتعرض النظام الاقتصادي الراسمالي بشكل دوري لتقلبات في انشطته الاقتصادية ، وهي ظاهرة طبيعية نتيجة لتركيب هيكليته والمفاهيم التي يعتمدها . وتبذل الجهات المسؤولة جهود كبيرة لتفسير وتحديد اسباب وعوامل حصول هذه الدورات ، وتعتمد لهذا الغرض مجموعة من الخطط وبرامج العمل لتوقي اقتصادياتها من تاثيراتها السلبية ، وهي تعمل على اعادة التوازن المطلوب في الانشطة الاقتصادية المختلفة . تعرف الدورة الاقتصادية ، انها تمثل تقلبات منتظمة بصورة دورية في مستوى النشاط الاقتصادي الكلي ، وهي تمثل الخلل الحاصل في مقومات وعناصر الاقتصاد القومي . مراحل الدورات الاقتصادية: مرحلة الانتعاش: هي التوسع التدريجي في النشاط الاقتصادي ، وفيها يميل المستوى العام للأسعار إلى الثبات ، وينخفض سعر الفائدة ، ويتضاءل المخزون السلعي نتيجة تزايد الطلبات على السلع ، ويحصل توسع ملحوظ في الائتمان المصرفي مع توسع في التسويات والإيداعات . مرحلة الرواج : وتتميز بارتفاع مطرد في الأسعار، وتزايد حجم الإنتاج الكلى بمعدل سريع ، وتزايد حجم الدخل ومستوى التوظيف و تصبح الطاقة الانتاجية مستغلة بالكامل ، ويبدأ ظهور النقص فى العمالة وفي بعض المواد الخام الأساسية. مرحلة الركود : وفيها يحصل هبوط تدريجي في مستوى الأسعار، وينتشر الذعر التجاري ، وتطالب البنوك قروضها من العملاء وترتفع أسعار الفائدة ، وينخفض حجم الإنتاج والدخل ، وتتزايد البطالة وحجم المخزون السلعي . و تنخفض التسهيلات المصرفية مقابل ارتفاع في حجم الاحتياطي النقدى لدى البنوك وضعف التسويات والإيداعات المصرفية. مرحلة الكساد : وتتسم بانخفاض الأسعار ، وانتشار البطالة ، وكساد التجارة والنشاط الاقتصادي في عمومه ، وهي تمثل اسوء حالة في النشاط الاقتصادي . 4 – التضخم : التعريف التقليدي للتضخم يمثل ( زيادة في عرض النقود والائتمان اتجاه كمية السلع ) ، يطلق على هذا التعريف بالتضخم المالي الذي يعتمد على العامل النقدي في تفسير ظاهرة التضخم ، نتيجة حصول زيادة في كمية النقود المعروضة دون ان يقابلها زيادة مماثلة في السلع والخدمات مما يؤدي الى انخفاض القيمة الشرائية للنقود وحصول ارتفاع حاد في مستوى الاسعار . والتعريف الحديث للتضخم فانه ياخذ بنظر الاعتبار العوامل الاقتصادية اضافة للعامل النقدي ، لذا فقد عرفه بعض الاقتصاديين كونه يمثل (ارتفاع في مستوى العام للاسعار ناتج من عن عدم حصول توازن بين التيار النقد والتيار السلعي ) . واجه هذا التعريف انتقادات معينة كونه لا يستطيع تمثيل كامل الحالة ، ازاء ذلك ظهر تعريف يجمع كل العناصر المؤثرة على حصول ظاهرة التضخم وعرفته بمايلي : ( الارتفاع في مستوى الاسعار دون تدخل قوى غير اقتصادية ، نتيجة حصول زيادة في الطلب الكلي على العرض الكلي لا يستطيع العرض من تلبيتها ) . وللتضخم اثار عديدة على مشاريع التنمية ، وعلى الاستقرارالاقتصادي والاجتماعي والسياسي لكونها تمثل خلل كبير في سير وانسيابية حركة العمليات الجارية للانشطة التجارية . 5– نشاط العمليات التجارية الجارية ، والناتج القومي الاجمالي : يتكون حجم اي نشاط اقتصادي من مجموع عمليات البيع والشراء المتكررة في السوق خلال فترة زمنية معينة ويطلق عليها بالعمليات التجارية الجارية ، و يتكون اجمالي الناتج القومي من مجموع اجمالي الانتاج في لبلد من العمليات التجارية الجارية للانشطة الاقتصادية خلال فترة زمنية تحدد عادة بسنة تقومية .
6- الاموال السائلة ( النقود) : تعرف الاموال السائلة ( بانها الوسيلة التي يتمكن بواسطتها الاشخاص والمؤسسات من ابراء ذممهم اتجاه الغير ) . ويمكن تعريفها بكونها سلعة خاصة تلعب دور المعادل العام للقيم في المجتمع . تتكون الاموال السائلة من ( النقود ، بكل انواعها واصنافها وحسب مراحل تطورها ، ومن الائتمان ، بكل انواعه واشكاله المتطورة في الوقت الحالي ) . عرفت المجتمعات الانسانية النقود منذو القدم وتعاملوا بها ، ومرت باطوار تاريخية متعددة الى ان وصلت للشكل المتعرف عليه حاليا . اما الائتمان فانه حديث العهد وبدء العمل به عند نشوء المصارف وبيوت المال التي تطورت وتنوعت انشطتها انسجاما وتماشيا مع التطورات والتعقيدات الحاصلة في الانشطة التجارية والمالية والاقتصادية في العالم . لذا فان استخدام كلمة الاموال السائلة تعني النقود والائتمان ، ويشترك كل منهما في نفس المعنى والمقصد في كثير من الاحيان عدا ما يخص احدهما كما مبين في سياق البحث . تحتكر الدولة عن طريق الجهة المختصة ( البنك المركزي ) مهمة اصدار العملة وتحديد حجمها في السوق وفق متطلبات السوق اعتمادا على معايير معينة ، وتقوم كذلك برسم وتنفيذ السياسة الائتمانية بالتنسيق مع المؤسسات المصرفية .
وظائف النقود : تنقسم وظائف النقود الى وظائف تقليدية واخرى مستحدثة . ا – الوظائف التقليدية : تتحدد اهم الوظائف التقليدية للنقود كونها تمثل الوسيلة الاساسية لقياس اثمان السلع والخدمات وتستخدم كاداة لتسهيل عملية التبادل التجاري ( البيع والشراء ) .
القيمة الذاتية للنقود : تمثل قيمة النقد بما تساويه من القدرة الشرائية ، فالدينار يساوي كذا عدد من السلع او الخدمات ، فانخفاض القيمة الذاتية للنقود تعني انخفاض في عدد السلع او الخدمات التي كانت تشترى في السابق ، وتقاس القيمة الذاتية للنقود حسب نسبتها الى عيار معين من الذهب او حسب نسبتها الى العملات الشبيهه لها السائدة في الاسواق المحلية والعالمية . واصبح للنقود في الوقت الحاضر معايير اخرى في تقدير قيمتها الذاتية تعتمد هذه المعاييرعلى قوة الاقتصاد القومي ومستويات الاداء العام وعلى جملة من المؤشرات الاقتصادية والمالية ، كما مبين ادناه .
العوامل التي تؤثر على القيمة الذاتية للنقود : - عوامل اقتصادية اهمها ( معدل التضخم الاقتصادي ، معدل الاداء الاقتصادي ومعدل النمو المتحقق في الناتج الاجمالي القومي ومستوى التوازن المتحقق ) . - عوامل مالية اهمها ( معدل الفائدة واسعار صرف العملة اتجاه العملات العالمية ، السياسة المالية والنقدية ومدى كفائتها ، نسبة الدين العام وحجم الاحتياطي الوطني من العملات العالمية وغيرها ) . - عامل المضاربة يلعب عامل دورا مهما في تحديد القيمة الذاتية للنقود ، وتتاثر القيمة الذاتية للنقود بالدورة الاقتصادية التي يمر بها البلد او الاقتصاد العالمي .
ب – الوظائف غير التقليدية للنقود : يمكن تحديد وظيفتين غير تقليدية للنقود هما : ( 1 ) – خزن القيم : اعطى ( كنز ) للنقود دورا وظيفيا مهما وفاعلا في النشاط الاقتصادي تجاوزت وظيفتها التقليدية كونها وسيلة للتبادل لتمثل ايضا وسيلة لخزن القيم ، وبذلك فقد ( اخرجت النقود من دورها الحيادي في الحياة الاقتصادية ) ، وايد هذا الدور بعض المفكرين الاسلاميين . بموجب ذلك اكتسبت النقود صفات السلع اوالخدمات المعروضة في السوق وتنطبق عليها القوانيين الاقتصادية في تحديد قيمتها السوقية ، كقانون العرض والطلب مثلا . ان خضوع النقد كسلعة لقانون العرض والطلب سيجعل من قيمتها السوقة تتذبذ طبقا لميكانيكية هذا القانون ، فالقيم الذاتية للنقود سترتفع وتنخفض طبقا لهذا القانون ، وهذه الحالة تسمى بتذبذب ( اسعارالصرف ) للعملة الوطنية اتجاه العملات الاخرى في السوق المالية . فالنقود طبقا لتعريفنا للاموال تتضمن قيمة عمل متراكم مختزن ، وان هذه النقود باعتبارها اموال سائلة يستطيع مالكها تحويلها بسهولة ضمن عملية الشراء الى اموال ثابتة او متداولة بموجبها تكتسب تلك الصفة بشكل طبيعي . هناك من يقول ان النقود الورقية التي يجري التعامل بها في الوقت الحالي تمثل اوراق مطبوعة تستخدم كاداة للقياس وتسهيل عملية التبادل التجاري فمن اين جاءت لها هذه القيمة المختزنة ؟ جواب ذلك ان النقود بما تمثله من قدرة برائية لتسوية الذمم في عمليات البيع والشراء فهي تقوم بهذه العملية بما تملكه من ( قيمة اعتبارية تتضمنها ) وتستند القيمة الاعتبارية لها الى الصفة القانونية التي تتمتع بها في ابراء الذمم ، والجهة التي منحتها هذه القوة هي الدولة وثقت الجمهور بها . ( 2 ) – ان صفة الاختزان الاعتباري للنقود تمكن المالك لها من خزنها او ادخارها لفترة زمنية معينة ليتم استخدامها لاحقا ، فالبائع الذي يتخلى عن ملكيته للسلعة او الخدمة التي ينتجها مقابل حصوله على كمية من النقود تساوي سعرها في السوق ، فهو يستطيع استخدام هذه النقود في عمليات شراء لاحقة او اكتنازها اوادخارها ، بموجب ذلك فقد وفرة النقود للافراد فرصة الاكتناز النقدي وهي تمثل كما بينا انفا حجب جزء من النقد مما يعني تاجيل عمليات بيع وشراء محتملة في السوق ، واستنادا لصفة الاختزان التي تتمتع بها النقود يحصل الخلل في التوازن الاقتصادي بين عاملي العرض والطلب في السوق . ان هذه الصفة اعطت للنقود وظيفة اخرى اضافة لوظيفتها الاصلية كوسيلة لتسهيل عملية التبادل التجاري ، لتتحول الى سلعة خاصة ذات قيمة اعتبارية تستخدم لاغراض الاكتناز او الادخار. بموجب هذه الصفات الغير تقليدية يتمكن المرابين من التجارة بالنقد السائل التي يرافقها بطبيعة الحال تطبيق الفائدة الربوية باعتباره مكسب طبيعي لهذه التجارة .
اركان البحث : يعتمد اركان بحث الموضوع النقاط التالية : 1 - التفسيرات التي اوردها الفقهاء والمفكريين الاسلاميين لسبب تحريم القرض الربوي ، اغلبها تدور حول وجود خلل في صياغة العقد الربوي من الناحية القانونية ، او الى الاضرار الاجتماعية والاقتصادية الناشئة عنهما ، هذه الاسباب صحيحة ولكنها من وجهة نظرنا لا تمثل لوحدها العلة او السبب الاقتصادي للتحريم ، لان هناك قسم كبير من المخالفات الحاصلة في المعاملات التجارية مثل الاحتكار والغش وغيرها لم يكن لها في الشريعة الاسلامية نفس التركيز ودرجة التحريم والعقوبة الواردة الى النشاط الربوي . 2 - لغرض البحث العلمي نعتمد منهجية جديدة في تفسير ايات القران الكريم ، تعتمد هذه المنهجية على ان عناوين الحلال والحرام الوارد ذكرها في الايات القرانية لا تمثل كونها اجراء قضائي ذات طبيعة اجرائية فقط ، لتحريم او اجازة العمل لموضوع معين ، بل انها تمثل عناوين رئيسية للمواضيع التي تخصها ، وتتضمن هذه العناوين القيم والمفاهيم التي ارادها المشرع تجسيدها في الفكرالاسلامي ، وكلف الفقهاء والعلماء الاسلاميين على استنباط هذه المفاهيم والافكار التي تتضمنها العناوين المذكورة ، وتمثل تلك المفاهيم المستنبطة من العنوان الذي يخصها قاعدة اساسية لتفسير وتنظيم مسيرة الحياة الانسانية من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها . بموجب هذه المنهجية يتم تجميع كل النصوص المتعلقة بموضوع معين بغرض بحثه وتحديد المفاهيم والابعاد الفلسفية الخاصة به ، حسب تعلق النص او الحكم بها ، ان كان الموضوع اقتصاديا ، اجتماعيا ، سلوكيا او سياسيا ...الى اخره . وتمثل درجة ومستوى العقوبة المعيار الحقيقي للاهمية النسبية لذلك الموضوع ، (سنتاول بحث هذه المنهجية في نهاية هذا البحث ) . 3 – يمثل المعيار الاساسي للتحريم اجراء العملية الربوية خارج النطاق الطبيعي للعملية التجارية المتمثلة بعملية البيع ، وتعني كلمة البيع في القاموس القراني العملية التجارية بطرفيها البيع والشراء كما في الاية رقم ( 275 ) من سورة البقرة على اعتبار الحلال في العملية التجارية هو البيع ، والحرام فيها هو الربا . وبذلك تم التميز بين نوعين من العمليات التجارية في الشريعية الاسلامية سميت بموجبها الاولى بعملية البيع وسميت الثانية بالعملية الربوية ، فاي عملية تجارية تكون خارج نطاق البيع تكون محرمة . فمعيار الحلال والحرام (هو اجراء العمليات التجارية ضمن النطاق القانوني والاقتصادي لعملية البيع التجارية الطبيعية ) ، استنادا لذلك فان العملية الربوية التي تجري بين الوالد ووالده اوبين الرجل وعبده تعتبر غير محرمة بسبب وحدة الملكية بين الاثنين ، حيث تفترض الشريعة بان العملية الربوية لم تحصل لان عملية البيع لم تحصل اصلا بسبب وحدة الملكية بين الطرفين كما ذكرنا انفا . 4 – ميزت الشريعة بين الاموال السائلة ( النقود ) من جهة ، والاموال المتداولة والثابتة ( العينية ) من جهة اخرى عند استخدامهما في النشاط التجاري او الاستثماري ، حيث اعتبرت عملية الاتجار بالمال العيني حلال في حين اعتبرت عملية الاتجار بالمال السائل حرام باعتباره عملية ربوية . لتوضيح ذلك نطرح السؤالين التالين : ( لماذا يعتبر ايجار المال المتداول والثابت حلال ؟ في حين يعتبر ايجار المال السائل ( الفائدة ) حرام ويعاقب عليه اشد العقوبات في الشريعة الاسلامية ؟ ) . ( لماذا تعتبر الشريعة الاسلامية الاموال النقدية المختزنة لدى ( الافراد اوالمؤسسات ) حرام ؟ في حين يعتبر الاحتفاظ بالاموال المتداولة والثابتة غير محرم ؟ ) . 5 – تتطلب الاجابة على هذين السؤالين من خلال توضيح وظيفتين اساسيتين يختص بهما المال السائل النقدي عن المال العيني ، تجعل التجارة بالمال السائل ( النقدي ) عملية ربوية محرمة . واعمال التجارة في الاموال الثابتة والمتداولة غير محرمة ، بل هي من الاعمال الصالحة التي تشجع عليها الشريعة الاسلامية .
تتحدد تلك الخاصتين او الوظفتين ، بما يلي : اولا – دور المال السائل في النشاط التجاري ، وفي تحقيق التوازن الاقتصادي . ثانيا – دور المال السائل في تمويل المشاريع وتحقيق التنمية الاقتصادية .
(من خلالها شرحنا لهاتين الوظيفتين ، تتوضح لنا العلة الاقتصادية لتحريم الربا والاكتناز في الشريعة الاسلامية وهو موضوع وجوهر هذا البحث ) .
لابد ان نشير ان هاتين الوظفتين متداخلتين في مواضيعها ، ليس من السهل فصل موضوع عن الاخر لتداخل وتأثير كلا منهما على الاخر ، فالسياسة المالية والنقدية والاقتصادية وهي مواضيع هذا البحث متداخلة مع بعضها ، فالقرار او الظاهرة لاي منها تتداخل وتؤثر على الطرف الاخر بشكلا من الاشكال . سنحاول بحث كلا منهما بشكل مستقل مع الاشارة للتداخل بينهما في حينه .
اولا – وظيفة المال السائل في النشاط التجاري، وفي تحقيق توازن الدورة الاقتصادية :
العلة الاقتصادية لتحريم الشريعة الاسلامية للربا والاكتناز في النشاط التجاري : بعد استعراضنا اهم المفاهيم والمصطلحات الاقتصادية والمالية المتعلقة بالموضوع ، نحاول ان نبين علة تحريم الربا والاكتناز في النشاط التجاري طبقا لمفاهيم الشريعة الاسلامية من وجهة نظر اقتصادية . تعتمد علة التحريم على الدور السلبي في ممارسة الدور الوظيفي غير التقليدي للنقود في النشاط التجاري الناتج من عملية المتاجرة في النقود ، وتمثل عملية المتاجرة بالنقد بالنشاط الربوي . فبموجب هذه المتاجرة يحصل التحول في وظيفة النقود في النشاط التجاري من دورها الوظيفي الطبيعي الى دور وظيفي غير تقليدي وتظهر على اثرها السلبيات والاضرار المبينية ادناه .
مخاطر وسلبيات وظيفة النقد في النشاط التجاري نتيجة المتاجرة فيه :
( 1 ) – تعطيل قانون العرض والطلب للسلع والخدمات في السوق : كما بينا سابقا ان الدور التقليدي للنقود هو تحقيق عملية التقابل بين العرض والطلب في السوق اي تسهيل انجاز عملية البيع والشراء الطبيعية . يعرف الطلب كونه يمثل ( القدرة الشرائية المتوفرة في المجتمع في لحظة زمنية معينة ) . ويعرف العرض ، كونه يمثل ( الانتاج المتوفر من السلع والخدمات في المجتمع في لحظة زمنية معينة ) . كانت العمليات التجارية تتم في السابق عن طريق المقايضة ، فالبائع يبيع سلعته ليحصل على سلعة اخرى يحتاجها ، ولكن تطور وتوسع عمليات المقايضة ادى الى صعوبة انجازالعمليات التجارية بواسطتها ، لذلك استحدث استخدام النقود لتقوم بدور وظيفي يستطيع بموجبها الطرفان تنفيذ العملية التجارية بسهولة ، وبموجبها انقسمت عملية المقايضة الواحدة الى عمليتين تمثل الاولى عملية بيع لسلعة او خدمة ليتم بعدها تنفيذ عملية لاحقة لشراء سلعة اخرى . ان انتقال ملكية السلعة او الخدمة موضوع التعاقد لا تتم الا بعد تسديد ثمنها ( نقدا او عن طريق الائتمان ) ، فدور النقود يتمثل بكونها الوسيلة التي يستطيع بموجبها الطرفان من براءة ذمتهما اتجاه الطرف الاخر وانتقال الملكية بينهما ، فالعملية التجارية لايمكن ان تتم لولا الوظيفة التي توفرها النقود . ان اي عملية تجارية لايمكن ان تتم الا من خلال حصول مقابلة بين العرض والطلب ، فالية السوق تعتمد على هذه المقابلة وبدونهما لاتحصل عمليات البيع والشراء ، وان عملية المقابلة تلك لا يمكن ان تتم في حالة عدم توفر النقد بالكميات المطلوبة لانجاز هذه المقابلة .
ان حصول اي زيادة او نقصان بين احد الطرفين ( العرض او الطلب ) ينتج عنها حصول خلل في العمليات التجارية ، يتطلب معالجته اعادة التوازن المذكور ، ضمن معالجات وادوات اقتصادية ومالية معينة . فالاموال النقدية تمثل قدرة مختزنة لدى المشتري، تمكنه من تنفيذ عملية الشراء لوجود مصلحة له في الحصول على السلعة او الخدمة فهي في هذه الحالة تمثل ( الطلب في السوق ) . وفي نفس الوقت يقال عن البائع الذي يقوم باستلام النقود مقابل تنازله عن ملكيته للسلعة او الخدمة في الوقت الذي يراه مناسبا له حيث يمثل في هذه الحالة ( العرض في السوق التجارية ) ويستطيع عند استلامه النقود تنفيذ عملية شراء لاحقة . وتكرر هذه العملية في السوق باعداد هائلة حيث يتضمن السوق حصول عمليات بيع وشراء هائلة بشكل متلاحق ومترابط فاي تعطيل جزئي لهذه العمليات يعقبها تعطيل لعمليات لاحقة لان البائع عند اتمامه عملية البيع يقوم باستخدام امواله النقدية المستحصلة لتنفيذ عمليات شراء لاحقة ، لذا فان عملية البيع الاولى يعقبها لاحقا عمليات شراء لاحقة وهكذا دوليك تتكرر عمليات البيع والشراء في السوق بشكل متواصل ومترابط وبصوره هائلة جدا ، تشكل في مجموعها النشاط التجاري الجاري في المجتمع ضمن فترة زمنية معينة . لذا فان حجب اي جزء من الاموال النقدية في فترة زمنية معينة يعني تعطيل جزء من العرض او الطلب حسب موقع العملية ، يعقب هذا التعطيل الجزئي حصول تعطيل مضاعف لعمليات تجارية كبيرة لاحقة كما بينا انفا . فبموجب هذا الحجب في احد طرفي العملية التجارية ( البيع او الشراء ) اوفي كليهما وما يعقبه من تأثير لعملية الحجب المضاعف يحصل الخلل في الدورة الاقتصادية في المجتمع . لان المال بكل انواعه يمثل العنصر الاساسي بالاشتراك مع العناصر الانتاجية الاخرى في نشوء وتحريك النشاط التجاري وتوازن الدورة الاقتصادية في المجتمع .
الاطراف التي بموجبها يتم حجب النقود عن التداول في السوق التجارية : ا - الجهة المرابية : بحكم تجارتها في المال السائل يتجمع ويتراكم لدى هذه الجهات المرابية افراد او مؤسسات النقد ، بموجب هذا التراكم النقدي للاموال تستطيع هذه الجهات التحكم على مقدار حجم النقد المتواجد في السوق لاغراض التداول لانجاز العمليات التجارية الجارية ، فالجهات المحتكرة لتجارة الاموال السائلة تستطيع ان تمارس وظيفة حجب النقد عن السوق متى شاءت وفق مصالحها الذاتية الخاصة بها ، ولا يهمها عند قيامها بهذه الممارسة بتعطيل مصالح المجتمع الاساسية نتيجة تعطيلها الجزئي اوالكلي لتنفيذ العمليات في النشاط التجاري للمجتمع اوحصول خلل معين في الدورة الاقتصادية نتيجة شمول الخلل كامل النشاط الاقتصادي في الدولة ، وقد يتوسع ليشمل منطقة اقليمية مرتبطة معها اقتصاديا ، او يتوسع ليشمل تاثيره الاقتصاد العالمي . وهناك شواهد كثيرة على تاثير حجب النقود في فعالية الدورات الاقتصادية وحصول الازمات في النظام الراسمالي الربوي ، يعتمد حجم الضرر وشدته على حجم الحجب ، وعلى درجة ارتباط النشاط المتاثر بالازمة بشكل مباشر ، وعلى درجة حساسيته . من ذلك يتضح لنا دور الاموال النقدية الاساسي في تفعيل وتحريك النشاط التجاري للمجتمع .
ب – الاكتناز : يؤدي الاكتناز الى حجب الجزء المكتنز من الاموال النقدية عن التداول واخراجه من التوسط في انجاز العمليات التجارية ، وهو عكس الادخار الذي يشترك بشكل لاحق في تسهيل التبادل التجاري وتلعب الفائدة كدور محفز للافراد في ادخار اموالهم تقوم بهذه المهمة المصارف المؤسسات المالية ، لا يمكن تساوي الادخار مع الاكتناز لان الاول سيدخل السوق لاحقا عن طريق اعادته من قبل المصارف اما الاكتناز فانه يحجب عن السوق بشكل كامل وهو يسمى بالادخار السلبي ، وهذا عكس ما ذهب اليه بعض المفكرين الاسلامين بتساويهم بين الحالتين من هذه الناحية .
ج – هروب الاموال الى الخارج : يعتبر خروج الاموال النقدية الى الخارج حجب هذه الاموال للاشتراك في النشاط التجاري والتنموي في البلد مما ينتج عنها حصول ضررين ، الضرر الاول ، يتمثل بحجب الاموال النقدية المهربة عن النشاط التجاري مما ينعكس سلبا على الدورة الاقتصادية وتسببه في حصول خلل فيها بسبب حصول تعطيل جزيء في العرض والطلب كما بينا ذلك انفا . الضرر الثاني ، يتمثل بخروج احد مقومات عناصر التنمية التي يتم بواسطتها تنفيذ الخطط التنموية في البلد ، لان الاموال النقدية تمثل احد المقومات الاساسية لعناصر الانتاج ، فخروج اي جزء منها يعني حصول انخفاض او ضعف في قوة احد الاركان الاساسية لعناصر النشاط التجاري والتنموي في المجتمع . استنادا لذلك فان الدول المتقدمة اقتصاديا تفرض سيطرة ورقابة فعالة على مراقبة حركة رؤوس الاموال النقدية في البلد ، تقديرا منها لاهمية هذا العنصر في النشاط التنموي والتجاري في البلد ، لكونها تمثل ثروة تراكمية تخص المجتمع مع ان عائديتها تعود للافراد او المؤسسات المالكة لها ، اضافة لتاثيرها الكبير على حصول تذبذب في اسعارصرف العملة الوطنية ، لهذا السبب ولاسباب اخرى تؤثر على حصول خلل في الدورة الاقتصادية .
ان المصادر الثلاث تمثل العوامل الاساسية المسؤلة عن حجب الاموال النقدية عن السوق ، تستطيع الجهات المرابية التتحكم بعملهما ، نتيجة التراكم النقودي لديها ومتاجرتها بالنقد بتوجيه حركتها حسب مصالحها .
( 2 ) - علة تحريم مكسب ايجار الاموال النقدية ( الفائدة ) : ان الاموال النقدية يتم تحويلها الى مال ثابت او متداول من خلال اشتراكها في النشاط الاستثمارية او التجاري وتحصل عملية التغير عن طريق عمليات البيع والشراء كشراء ماكنة او سيارة او دار او بضائع او خدمات معينة ، او ان يتم التحويل بشكل غير مباشر عن طريق المؤسسات المالية الربوية باعادة اقراضها الى المستثمرين او التجار ليقموا بدورهم باعادة استثمارها في النشاط الاستهلاكي او الاستثماري ، او ان تبقى الاموال النقدية غير مشتركة بالكامل في العملية التجارية او الاستثمارية وبقاءها على شكل اموال مكتنزة . استنادا لذلك يعتبر المكسب المتحقق من ايجار الدار اوالسيارة وغيرها ، حلال ، والمكسب المتحقق من ايجار النقد ( الفائدة ) عن طريق النشاط الربوي حرام ، واعتبارعملية اكتناز المال النقدي حرام . مما سبق يتضح ان علة التحريم يرجع الى صفة المال كونه يمثل عمل مختزن . وبغرض الاجابة عن السؤال الذي طرحناه سابقا عن سبب تحريم الشريعة الاسلامية الكسب الناتج عن ايجار الاموال النقدية واجازتها الكسب الناتج عن ايجار الاموال الثابتة والمتداولة ( العينية ) ، نكتشف ان علة التحريم يرجع لوجود فرق في طبيعة وظيفة المال النقدي عن المال العيني . علل المفكر الشهيد محمد باقر الصدر اجازة الكسب الناتج عن ايجار المال الثابت اوالمتداول لحصول استهلاك في المال المؤجر واستنزاف جزء من قيمته المختزنة نتيجة استخدام المال الثابت اوالمتداول المؤجر من قبل المستاجر ، فالاجرة المدفوعة الى صاحب المال تمثل بدل القيمة المستهلكة من القيمة المختزنة في الاصل المؤجر . في حين لا يحدث نفس الشيء للمال النقدي المؤجر فاجرة المال النقدي ( الفائدة ) ليس هناك ما يبررها من الناحية النظرية لان انتفاع المقترض في المال النقدي الذي استخدمه لا يتعرض الى الانتقاص ، ولا يؤدي استخدامه الى استهلاك اي جزء منه لان المال النقدي سوف يرجع الى صاحبه كما هو بدون نقص او زيادة ، لذلك لا يحق لصاحب المال النقدي اخذ بدل ايجار عنه لانه سوف يسترجع ماله كما هو بدون استهلاك . ولكن هناك من يرى ان المال النقدي يتعرض كذلك الى الاستنزاف او الاستهلاك بفعل عاملين اساسين هما : العامل الاول ان المال النقدي يتعرض الى الاستهلاك نتيجة حصول انخفاض في القيمه الشرائية للنقد للفترة بين تاريخ عقد قرض وتاريخ استرجاع القرض بفعل عوامل عديدة اهمها عامل التضخم المالي والاقتصادي . العامل الثاني يتمثل بفقدان صاحب المال النقدي الفرصة الاستثمارية نتيجة تنازله عن هذه الفرصة الاستثمارية وتحويلها الى المقترض ، لان المال النقدي والعيني يمثل احد عناصر الانتاج الاساسية . فند الشهيد الصدر هذا الادعاء لان نظرية التوزيع ما بعد الانتاج في الاسلام منفصلة عن نظرية القيمة ، وان توزيع الدخل في الاسلام لا يرتكز على اساس القيمة التبادلية لكي يمنح كل عنصر من عناصر الانتاج نصيبا من الناتج ، وربط توزيع الثروة المنتجة وفق مفاهيم مذهبية تعتمد تصورات الاسلام عن العدالة ، بموجبها لا يتم دفع الى الراسمالي فائدة عن القرض لان ذلك لا يكفي مذهبيا في تبرير الفائدة الربوية باعتبارها تمثل الفارق بين القيمتين لاختلافها مع تصورات المذهب لمفاهيم العدالة . وهناك رد على هذا التبرير باعتباره يعتمد بالاساس على تصورات المذهب الاقتصادي الاسلامي حول منظور العدالة ولا يمثل تحليل علمي لها . وهناك من يعتبر ان انخفاض القيمة الشرائية للنقود يعود لاسباب خارج نطاق ذاتية النقود فليس للنقود دخل في حصولها . جواب ذلك ان انخفاض القيمة الشرائية للنقود شيء وتفسير اسباب الانخفاض شيء اخر ، وان الانخفاض الحاصل في قيمتها قد حصل بغض النظر عن تعليل الاسباب . مما سبق نتوصل الى النتائج التالية : ان المال العيني اخذ حصه من الايراد المتحقق نتيجة استهلاك جزءا منه عند الاستخدام . اما المال النقدي مع كونه يمثل عمل مختزن كالمال العيني ، ولكن لا يسمح عند استخدامه اخذ حصة من الايراد المتحقق عنه ، الا بعد تحويله الى مال عيني .
يتضح مما سبق ان تفسير علة التحريم كما ورد انفا لم يكن كافيا ، نرى هناك اسباب اخرى تتعلق بطبيعة الاختلاف بين وظيفة المال النقدي عن المال العيني لتفسير هذه العلة . كما مبين ادناه .
علة التحريم : ان تمتع النقود بصفة اختزانها للعمل هي ( صفة اعتبارية ) منحت لها ، لان النقود لذاتها كاوراق مطبوعة لا قيمة لها سوى مايعادل تكاليف طبعها كاوراق ، واهم مظهر لقيمتها الاعتبارية هي قدرتها البرائية للذمم ومن قوتها الشرائية في السوق . اكتسبت النقود هذه القوة من الجهة التي منحتها هذه القوة وهي الحكومة وما اقرها عليه المجتمع ، وبذلك فانها تضمنها القيمة الاختزانية للعمل هو تضمن اعتباري ناتج من القيمة الاعتبارية الممنوحة لها . وان القيمة الاعتبارية للنقود لا يمكن تجزئتها باستهلاك جزء منها عند الاستخدام .
ان الغرض من اعطاءها هذه القوة البرائية اريد منه ان تمارس فقط وظيفتها الاساسية في تسهيل عملية التبادل التجاري السوق ، وعدم السماح لها بممارسة وظائف اخرى ناتجة من اختزانها للعمل اعتباريا . ان قيامها باي وظيفة خارج نطاق وظيفتها الاصلية يؤدي الى تعرض مجمل الاقتصادي الوطني الى اضرار خطيرة . بغرض تجاوز هذه الاضرار حرم المشرع الاسلامي النشاط الربوي وعنوان هذا التحريم ورد بمنع المتاجرة بالنقود ، ومن ممارستها وظائف غير محددة لها ، وجاء صياغة هذا المنع بتحريم الايراد المتحقق من ممارسة النقود لهذا النشاط . فتحريم الفائدة الربوية اريد منه منع النشاط الغير وظيفي للنقود . بموجب ذلك سمح لمن يملك النقود انفاقها في السوق لاغراض الاستهلاك او الاستثمار او الادخار لتنفيذ عملية انفاق لاحقة . لقد اراد المشرع الاسلامي التنبه الى الخاصية الحساسة التي تتمتع بها النقود وعدم جعلها بيد اطراف غير مسؤولة لا تراعي المصالح العامة يستطيعوا التحكم بها لتراكمها لديهم نتيجة ممارستهم النشاط الربوي . استنادا لهذا السبب حرم المشرع الاسلامي المتاجرة بالنقد ،ومن التحكم به وتسخيره في غير الاوجه التي وظفة من اجله .
( 3 ) - المسار الاخلاقي للنظام الربوي : يرافق النشاط الربوي في الغالب جملة من الممارسات والعمليات المخلة بمفاهيم القيم المعنوية للمجتمع ، يؤثر الانحرافات في هذه القيم على مسيرة عمل النشاط التجاري واجاز عملياته بشكل سليم ، يمثل هذا الانحراف سلوكيات التجار باستخدام الاحتكار والغش والتدليس والبخل والجشع ... وغيرها . ان الدافع المادي في النظام الراسمالي الربوي يمثل المحرك الاساسي للانشطة ، ويعتبرالغاية والهدف الاساسي للافراد عند ممارسة نشاطهم الاقتصادي ، وبموجبه يتم صياغة المفاهيم والقيم الاجتماعية والسلوكيات الاخلاقية السائدة في المجتمع . لذلك نرى افراد المجتمع في النظام الراسمالي يسعون من خلال تنفيذ نشاطهم الاقتصادي تحقيق مصالحهم الضيقة في الربح المادي ، ويستخدمون لاجل هذه الغاية ما يملكون من امكانيات مادية وبما يمنحهم القانون والعرف الاجتماعي من قوة ودعم لتحقيق غرضهم . استنادا لذلك فان الجهات التي تمارس الاعمال المرابية ( افرادا ومؤسسات ) تتجه سلوكياتها الى تعزيز مفاهيم معينة في المجتمع متلائمة مع معايير الربحية بالدرجة الاولى . لذلك فان المفاهيم الاجتماعية المعتمدة ونماذج السلوكيات الاخلاقية السائدة في المجتمع الراسمالي وضعت طبقا لنظرتها للحياة وبما ينسجم مع مفاهيمها للحريات وبما يضمن حصول التوازن لقوى الانتاج او قوى السوق . وكذلك فان صياغة القوانيين الوضعية في النظام الراسمالي وضعت بصورة منسجمة مع منظورها الفكري هذا ، بموجب هذه القوانيين والاعراف تتمتع الجهات المرابية حماية قانونية واجتماعية في ممارسة نشاطها الربوي بحرية كاملة . لذلك تجتمع لدى الجهات المرابية القوة المالية والحماية القانونية والاجتماعية التي تمكنها من ممارسة انشطتها بفعالية عالية وليمتد تاثيرها مختلف الانشطة الاقتصادية والاجتماعية في البلد .
( 4 ) - توازن الانشطة الاقتصادية : يعتبر التوازن في الدورة الاقتصادية من الامور الاساسية وذات الاهمية القصوى في حياة المجتمع لدورها الاساسي في استمرار الانشطة وحفظها من الخلل . ان حصول الخلل في التوازن لايشمل فقط الانشطة الاقتصادية بل يتعداها ليشمل مختلف الانشطة السياسية والاجتماعية ... الخ في البلد او في بلدان اخرى مرتبطة بها ، وذلك للترابط الموجود بين مختلف الانشطة الحياتية للمجتمعات العالمية . لقد بينا انفا جزء مهم من مواقع الخلل الممكن ان يحصل في النشاط التجاري والاقتصادي والاجتماعي في البلد، نتيجة احتكار الجهات المرابية لتجارة المال السائل وتحكمها في تحديد مساراتة في النشاط التجاري وفق مصالحها الضيقة ، وتمتعها بحماية القانون الوضعي لتصرفاتها وسلوكياتها ، وتشترك عملية الاكتناز مع النشاط الربوي في حصول الاضرار المشار اليها في هذا الموضوع . ولاعطاء توضيح اكبر لهذا الموضوع نبين قسم اخر من مواقع الخلل الممكن حدوثة نتيجة ممارسة المرابين تجارة النقد والتحكم في قوانيين عرض وطلب النقود في السوق . ان تحكم المرابين في تحديد حجم المعروض النقدي في السوق لاغراض التداول في الوقت والزمان المحددين لهما ، له تاثير كبير بشكل مباشر او غير مباشر على حصول الخلل في الموازنات التالية : ا – مستويات الاسعار للسلع والخدمات : ان تعطيل عمليات البيع المستحقة في حينها له تاثير كبير على مستوى الاسعار لسلعة او نشاط معين ، فمثلا عدم تحقيق عمليات البيع للسلع الزراعية التي لا تتحمل الانتظار يؤدي الى تخفيض اسعارها بغرض التخلص منها بدلا من ان تتلف ، وينطبق نفس الكلام لباقي السلع والخدمات الاخرى ، واذا ما علمنا ان عدم تحقيق البيع لاي سلعة او خدمة يعقبها تاثير مباشر اوغير مباشر لعمليات بيع وشراء لسلع وخدمات اخرى لاحقة تتعلق بها بشكل مباشر او غير مباشر، فتعطيل اي جزء لنشاط معين يعقبة تعطيل مضاعف لعمليات اخرى في نفس النشاط او في انشطة اخرى متعلقة به .
ب – اسعارصرف العملات : هناك جملة عوامل ( اقتصادية ومالية ونفسية ) تعمل على تحديد القيمة الذاتية للنقود ( سعر الصرف ) ، اهم تلك العوامل هي المضاربة في تجارة النقد ، ان عمليات المضاربة غير المنضبطة للنقد والتي تدارمن قبل الجهات المرابية ذات السلوكية الانتهازية لها تأثير كبير على تحديد سعر صرف العملة الوطنية في السوق ، من خلال تاثيرها على عوامل العرض والطلب على النقد في عمليات المضاربة ، فهي تسعى لتحقيق اعلى الارباح بغض النظر عن حجم الاضرار التي تلحقها في الاقتصاد القومي نتيجة المضاربة في اسعار صرف العملة . ان التغيرات الحاصلة في اسعار الصرف الغير مدروسة تؤثر بشكل سلبي على مستوى الاداء الاقتصادي ، وعلى حفظ التوازن المعتمد لموازنات الانشطة الاقتصادية والمالية ( الميزان التجاري وميزان المدفوعات ) .
د – مستويات الاجور : تتاثر مستويات الاجور بالتذبذبات الحاصلة في مستويات الاسعار للسلع والخدمات ولسعر صرف العملة الوطنية . تحصل هذه التذبذبات نتيجة عوامل التضخم النقدي والاقتصادي ، واحد عوامل التضخم النقدي هو عامل المضاربة في العملة التي تؤدي كما ذكرنا انفا الى تذبذب في القيمة الذاتية للعملة وحصول انخفاض او ارتفاع في القيمتها الشرائية للنقود . ان هذا التذبذب يؤدي في الغالب الى حصول انخفاض في قدرة الشرائية العاملين الشرائية مما يدعوهم للمطالبة بزيادة الاجور .
ه – الاداء الاقتصادي العام : ان حصول الخلل في مستويات الاجور واسعار السلع والخدمات وفي اسعار صرف العملة الوطنية ، يعقبها حصول تاثير مهم على مختلف عناصر تكاليف الانتاج الاخرى في المجتمع وخصوصا مايسمى بالتكاليف الفوقية ، يمثل عنصر التكاليف الفوقية احد االعناصر الاساسية المكونة لتكاليف جميع السلع والخدمات المنتجة في المجتمع ، وهو يمثل احد مؤشرات العامة لمجمل التكاليف في البلد . ان الخلل الحاصل في مستويات الاجور والاسعار ومؤشر التكاليف الفوقية له تاثير كبير على مستوى كفاءة الاداء في المجتمع ، وعلى مجمل الموازنات الموضوعة في البلد لجميع الانشطة الاقتصادية والاجتماعية ، يتطلب اصلاح هذا الخلل اعادة تقيم مجمل الموازنات وتدعيمها لضمان استقرارها وتنفيذ مهماتها دون خلل او تقصير في تحقيق اهدافها . ويؤثر الخلل الحاصل في الموازنات على الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في المجتمع ، نتيجة حصول ارباك في الدورة الاقتصادية .
ثانيا – وظيفة المال السائل في تمويل المشاريع، وتحقيق التنمية الاقتصادية :
تطورت ظاهرة الاستثمار بشكل مترافق مع التطورات الحاصلة في مختلف الانشطة المالية ، الاقتصادية ، التجارية ، الصناعية والخدمية .. الخ في الدول المتقدمة ، ونتيجة التقدم في الجانب التقني وحصول متغيرات عالمية عديدة وظهور منظمات عالمية ناظمة لهذه الانشطة على المستوى الوطني والعالمي . يعد التمويل الاستثماري من اهم مقومات تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع ، وهي تمثل احد عناصر الانتاج الاساسية ، وهي القناة الرئيسية التي تتدفق من خلالها الاموال لتنفيذ وعمل المشاريع التنموية ، لذلك لابد من تنظيم حركة رؤوس الاموال المحلية والاجنبية واستغلالها بشكل امثل لتحقيق هذه الغاية . والاستثمار الامثل في المفهوم الاقتصادي ، يعني استغلال وتوظيف كامل قدرات المجتمع المادية والمعنوية وتوجيهها في مشاريع ناجحة وهادفة . يتطلب الاستثمار الامثل ايجاد بيئة ملائمة له ، من خلال تنظيم هيكلية المؤسسات المسؤولة عن تنفيذ العمليات التمويلية ، واصدار التشريعات القانونية الضامنة للاستثمار ، وتوفر الظروف الاقتصادية والمالية والسياسية لتحقيق الاستثمار الناجح . ان توفير هذه الظروف ضروري ومهم ليستطيع النشاط التمويلي ممارسة عمله بحرية وانسيابية دون معوقات تعرقل مسيرته الانتاجية . ويتم بموجبها تحقق الانسجام بين الخطط والسياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الموضوعة من جهة وبين العقائد والاعراف السائدة في المجتمع من جهة اخرى ، بما يضمن تحقيق عوامل التوازن بين المصالح التجارية المتعارضة للاطراف المشتركة في العملية الاستثمارية من ( اصحاب اموال ومستثمرين ... وغيرهم ) بموضوعية وحيادية لضمان حقوق الجميع . للاستثمار المالي اشكالا متعددة ، فاما ان يكون على شكل اموالا مادية ( نقدية او عينية ) او اموالا معنوية ( كبرءات الاختراع وعلامات تجارية ومستوى الاداء الانتاجي وغيرها ) .
سنحاول من خلال البحث بيان اهمية راس المال النقدي في تمويل وتشغيل المشاريع الاستثمارية والخدمية في المجتمع ، وتوضيح مخاطر العمل الربوي والاكتنناز في عرقلة حركة انسيابية الاموال وعرقلة عملها في تحقيق اهدافها بفعالية ونزاهة ، دون حصول خلل في الموازين المتعلقة بها .
المؤسسات المالية : المقصود بالمؤسسات المالية هي الكيانات التي تمارس الانشطة المالية باشكالها التمويلية المختلفة (الاستثمارية ، المضاربة والخدمات المالية المتنوعة ) ، والمؤسسات والهيئات التي تقوم بتنظيم اعمال هذه المؤسسات على المستوى الوطني والعالمي اوالاقليمي ، لذا فان المؤسسات المالية تنقسم الى قسمين اساسين هما : المؤسسات الي تمارس النشاط المالي بشكل مباشر هي : المصارف بكل انواعها ، بيوتات المال واسواق البورصة وغيرها . المؤسسات التي تقوم بمهمة مراقبة وتنظيم انشطتها هي : المصارف المركزية الوطنية ، المصارف المركزية الاقليمية ، المؤسسات والهيئات العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ، هيئات تابعة للامم المتحدة وغيرها .
المصارف : سنتاول بحث نشاط المصارف بشكل مختصر ، لكونها المؤسسة التمويلية الاساسية في النظام الراسمالي الربوي التي تقوم بتنفذ الجزء الاهم من عملية الاستثمار للمشاريع الانمائية وتشغيلها. تعريف المصارف : هي مؤسسات تجارية تتلقى الاموال من الافراد والمؤسسات على شكل ودائع اوحسابات جارية تستخدمها وفق نظامها في عمليات تمويلية مختلفة بتطبيق نظام الفائدة الربوية متفق عليها .
اهميتها : تعتبر المصارف اهم معلم من معالمه النظام الراسمالي في ادارة الانشطة المالية والاقتصادية ولها دور حاسم في تشغيل عجلة الاقتصاد ، وهي تمثل العمود الفقري في تحريك الانشطة الاقتصادية كافة ، وهي تمارس انشطتها وفق النظام الربوي بشكل مباشر. تطورت في الفترة الاخيرة انشطتها من الناحية الوظيفية ، وتوسعت بشكل عمودي وافقي ، وتمثل في الوقت الحاضر اهم اداة لتطبيق السياسة المالية والنقدية المعتمدة في البلد ، ويتم من خلالها توجيه الاستثمارات نحو الوحدات الاقتصادية والانشطة المراد تنميتها . على العموم يمكن القول ان للمصارف اهمية كبيرة لاقتصاديات جميع الدول بحيث لا يمكن ان نتصور وجود نشاط اقتصادي فاعل دون ان يرافقه وجود مؤسسات مصرفية فاعلة ، لذا فاهمية المصارف في الوقت الحاضر اصبحت من الاهمية والضرورة التي لا يمكن لاقتصاد اي دولة من دول العالم الاستغناء عن خدماتها. وظائفها، وطريقة تنظيم عملها : يمكن تقسيم نشاط المصارف الى جزئين اساسين هما : الاول - يتعلق بجهودها في جذب الاموال الفائضة عن الاستهلاك من الجمهور وتشجيعهم على وضعها في المصرف ضمن اشكال متعددة وفق نظام الفائدة الربوية ، والقسم الثاني - يتمثل بجهودها في توظيف الاموال المتجمعة لديها ضمن اساليب وانظمة عمل خاصة بها ، سواءا باقراضها الى رجال الاعمال او استخدامها في مجالات استثمارية متعددة ، او توظيفها في عمليات المضاربة في اسواق البورصة المحلية او العالمية ، وغيرها من الانشطة المختلفة ، استنادا لذلك تنقسم المصارف حسب نوع النشاط او دائرة العمل التي تعمل في اطاره الى مصارف تجارية وصناعية وعقارية .. الخ . يتمثل دور المصرف في المجتمع من ( الناحية الاقتصادية ) كونها الجهة الوسيطة بين ( راس المال والعمل ) ، اي بين اصحاب رؤوس الاموال الغير قادرين على استثمار اموالهم في مشاريع ناجحة وبين رجال الاعمال الذين يملكون الخبرة والدراية وعنصر المخاطرة التي تمكنهم من تنفيذ مشاريع ناجحة . وتنظم اعمالها من الناحية القانونية ، باجراء تنظيم صيغتين عقديتين مستقلتين عن بعضهما ، الاولى صيغة عقدية بينها وبين جمهور المودعين باعتبارها الجهة المدينة والمودعين الجهة الدائنة تدفع لهم فائدة متفق عليها . والصيغة الثانية بينها وبين رجال الاعمال المستثمرين ، في هذه الحالة يكون المصرف الجهة الدائنة ورجال الاعمال الجهة المدينة ، يحقق بموجبها فوائد متفق عليها . وعليه يمكن تقسيم وظائف المصارف الى ثلاث اقسام رئيسية هي : ( الخدمات الصيرفية ، الوظائف الائتمانية والنشاطات الاستثمارية المختلفة )
تجربة المصارف ( الاسلامية ) الغير ربوية : جرت محاولات عديدة نظرية وتطبيقية من قبل مفكريين وفقهاء اسلاميين لتطبيق تجربة اسلامية لمصارف لاربوية ، حاولوا من خلالها الجمع بين اهمية دور المصارف في الحياة الاقتصادية والمالية للمجتمع وبين متطلبات الشريعة الاسلامية من جهة تحريمها للربا والاكتناز . تركزت تلك المحاولات على ركيزتين اساسيتين ، الاولى تتعلق بتعزيز نشاطها ودورها باعتبارها الجهة الوسيطة بين طرفي العلاقة الاستثمارية . والركيزة الثانية تتمثل بابراز عنصر العمل كاساس في ممارسة انشطتها واعتبار الايراد المتحقق لها ( كأجر ) تستحقها مقابل الخدمات التي تقدمها لطرفي العلاقة الاستثمارية . اعتمدت تلك التجارب على تخريجات فقهية تم بموجبها توليف ممارسة المصرف لوظائفه الرئيسية طبقا لاحكام الشريعة الاسلامية ، وحددت انشطة المصرف كونه جهة وسيطة بين طرفي العلاقة الاستثمارية ، بموجبها حولت الايراد المتحقق للمصرف من فائدة ربوية الى اجور على شكل جعالة او حصة من الارباح المتحققة - لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع الى بحوث المفكرين والفقهاء المتعلقة بهذا الموضوع - . واعتمد بغرض انجاح هذه التجربة على تعزيز العامل او الاجر المعنوي في نفوس طرفي العلاقة الاستثمارية .
نورد ادناه ثلاث تجارب اسلامية بخصوص اسلمة عمل المصارف الربوية ، هي كما يلي : ( 1 ) – تجربة البنك اللاربوي في الاسلام للمفكر الشهيد محمد باقر الصدر : تركزت هذه التجربة على صياغة تخريجات فقهية لتوليف عمل المصارف في ممارسة وظائفها الاساسية طبقا لمتطلبات الشريعة الاسلامية ، استطاع المؤلف بما يملك من مقدرة فكرية واسعة في المجال الفقهي والاقتصادي من بلورة اطروحة متينة وشاملة من الناحية النظرية ، وهي تعتبر من اوائل التجارب المحكمة في هذا الاتجاه . ( 2 ) – مقترح المفكر الاسلامي علال الفاسي : اعتمدت اطروحته على ابقاء النظام المصرفي الحالي في ممارسة وظائفه كما هي عليه ، والعمل لاحقا باعتماد التحليل العلمي لتصفية المظاهر الربوية التي يتضمنها النشاط المصرفي . ( 3 ) – مقترح المفكر الاسلامي فاروق الرحالي : اعتمد هذا المفكر على تحويل هيكلية تنظيم عمل المؤسسات المصرفية من شكلها الحالي الى التنظيم التعاوني ، حيث يستمر المصرف في ممارسة نفس الوظائف الحالية مع تبني الصيغة التعاونية التي يتم بموجبها الغاء الفائدة الربوية من خلال سن قانون ينظم عمل المصارف وفق الصيغة التعاونية . يقوم المصرف بموجب هذه الصيغة بتنفيذ الاستثمار المباشر للاموال ، يتمثل دور المصرف كونه الجهة الوسيطة بينهما ، بموجب ذلك يتم انشاء شركات مساهمة بين طرفي العلاقة الاستثمارية ، يتفق بموجبها على صيغة معينة لتوزيع الارباح والخسائر المتحققة عنها بينهما .
تقييم التجارب الاسلامية : يمكن القول ان جميع التجارب الاسلامية في هذا المضمار جاءت للتوفيق بين اهمية الوظائف المصرفية في المجتمع وبين متطلبات الشريعة الاسلامية ، لم تعتمد هذه التجارب على التحليل العلمي للوصول الى مفاهيم فكرية تفسر علة التحريم الاسلامي لها ، لذلك فان التطبيق العملي لهذه التجارب لم يستطيع تحقيق النجاح المطلوب ولم يبلغ مستوى اداء المصارف الاسلامية الغاية المرجوه منها ، ولم تستطيع منافسة المصارف الربوية بتقديم نفس المستوى من الخدمات بنفس الكلفة ، واعتمدت في استمرارعملها في الغالب على الجانب المعنوي الموجود لدى طرفي العلاقة في سبيل انجاح التجربة ، وعلى الدعم الممنوح لها على المستوى الشخصي والحكومي .
المصارف المركزية : المصرف المركزي مؤسسة حكومية تتمتع بشخصية اعتبارية تمثل السلطة النقدية في البلد . تعتبر المصارف المركزية الجهة المسؤولة عن رسم السياسة النقدية وتحديد الحجم المطلوب من النقد ، باعتبارها الجهة المسؤولة عن اصدار النقد . وتحديد حجم وشروط الائتمان بالتنسيق مع الجهاز المصرفي العامل في البلد المصرفي لتلبية احتياجات السوق منها . وبذلك فانها الجهة المسؤولة عن تحديد مقدار النقد والائتمان الضروريين توفرهما في السوق لاغراض التداول . وتقوم كذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية برسم وتنفيذ السياسة المالية وجعلها منسجمة ومتناسقة مع الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية المعتمدة في البلد ، وتقوم بدور الاستشاري للحكومة . لاجل ذلك تقوم بمراقبة جميع المصارف العاملة في البلد للتاكد من التزامها بالقوانيين المتعلقة بتنظيم عملها وتنفيذ التعليمات التي تصدرها بهذا الخصوص ، لذا فقد سمي المصرف المركزية بأم المصارف لدوره المركزي في مراقبة عمل المصارف العاملة في البلد . وهي الجهة المسؤولة عن تحديد اسعار الفائدة السائدة في البلد . وتمارس صلاحيات واسعة في تحديد سعر صرف العملة الوطنية ، تختلف المصارف في تحديد مستوى تدخلها بهذا الخصوص حسب النموذج الذي تعتمده الدولة كونه نموذج مقيد او نموج مرن يمنح حرية معينة لقوى السوق للعمل طبقا لظروف السوق المالية ، او تطبيق نموذج وسط يمنح حرية ضمن ضوابط ومعاييرمعينة . واخيرا فان للمصرف المركزي دور مهم في مراقبة اداء النقود لوظائفها الايجابية المحددة لها وعليه مسؤولية التاكد من عدم تجاوز هذه الوظائف ، كما سنبينه لاحقا .
العلة الاقتصادية لتحريم الربا والاكتناز في الشريعة الاسلامية في تمويل النشاط الاستثماري :
نبين ادناه تعريف ومفاهيم راس المال : تعريف راس المال : يعتبر راس المال (النقدي والعيني ) من اهم المقومات التي يستند عليها منظومة هيكل المفاهيم والقيم للحضارة الغربية المعاصرة ، واستنادا لدرجة تأثر هذه المفاهيم بها جرى تسمية نموذجه الحضاري المعاصر بالنظام الراسمالي ، كما انه يمثل احد عناصر الانتاج الاساسية . أ - تعريف الفكر الراسمالي للمال : عرف المفكر الاقتصادي الراسمالي ( ادم سمث ) راس المال ، بمقدار السلع الاستهلاكية التي يدخرها المجتمع . والتعريف الحديث لراس المال ( انه يمثل انواع الثروة التي انتجت في الماضي لتساهم في انتاج ثروة اخرى ) ، بموجب هذا التعريف شمل جميع اشكال وعناصر راس المال . وهناك العديد من النظريات التي تفسر تكوين راس المال اهمها (نظرية التضحية بوقت الفراغ ، نظرية الانتاج الدائري ، نظرية تاجيل الاستهلاك الحاضر ونظرية الادخار ) . ب - تعريف الفكر الاشتراكي لراسمال : عرفه المفكر الاشتراكي ( كارل ماركس ) بانه يمثل العمل المختزن والمدخر . ج - تعريف الفكر الاسلامي لراس المال : عرفه ( ابن الاثير ) بالذهب والفضة وما يملك من الاعيان ، وعرفه ( الشافعي ) كل ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وان قلت وما يطرحه الناس مثل الفلس وما اشبه . اتفق جمهور الفقهاء على تسمية المال ( على كل ما ينتفع به من وجوه النفع ) .
من كل ما سبق يتضح ان النقود تمثل شكل من اشكال راس المال تستخدم لانتاج السلع والخدمات في المجتمع ، سواءا بشكلها السائل او عند تحويلها الى راس مال عيني ، وتقوم كذلك بدور الوسيط في اجراء عملية التبادل العام للعمليات الانتاجية والتجارية في المجتمع .
مفاهيم راس المال : يختلف تحديد مفهوم راس المال حسب الانظمة العالمية كما يلي : ا - مفهوم راس المال في النظام الراسمالي ( هو نتيجة عمل مجسد يستخدم لايجاد ثروة اخرى من الدخل والانتاج ) ، فيشترك العمل مع راس المال في تحقيق الانتاج ، لذا فلكل منهما حصة من الايراد المتحقق ، ويتضمن مفهوم راس المال ( المال العيني والمال النقدي ) ، لذا فان راس المال النقدي يستلم حصته من الايراد المتحقق اما على شكل فوائد او حصة من الارباح . ب - النظرة الاسلامية الى مفهوم راس المال فهي تنقسم الى جزئين . الجزء الاول يتعلق براس المال العيني لها نفس وجهة النظر الراسمالية كونه يمثل عمل مختزن يستحق حصة من الايراد المتحقق . اما الجزء الثاني المتعلق بالمال النقدي فوجهة النظر الاسلامية تعتقد ( بانه مع كونه يمثل عمل مختزن ولكنه لا يتمتع بهذه الصفة الا من الناحية الاعتبارية فقط ) ، وتتحدد وظيفته في النشاط الاقتصادي كونه اداة لتسهيل عملية التبادل التجاري - كما وضحنا ذلك سابقا - ، لذلك فانه لايستحق حصة من الايراد الا اذا اشترك بشكل مباشر في العملية الانتاجية من خلال تحويله الى مال عيني . الثروة : مفهوم الثروة يشمل ( كمية السلع الاقتصادية الموجودة في فترة زمنية معينة ) وهي تشمل راس المال زائدا الثروات الطبيعية التي لا يساهم الانسان في انتاجها ، وبذلك فان كل راس مال هو ثروة والعكس ليس صحيحا .
على العموم ليس هناك اختلاف جوهري بين المذهب الاقتصاد الراسمالي والاسلامي حول اهمية التنمية الاقتصادية دور راس المال في تحقيق هذه التنمية للمجتمع ، وباعتباره عنصرا من عناصر الانتاج . ولكنهما يختلفان في احتساب حصة الى راس المال النقدي من الايراد المتحقق ، حيث اقر النظام الرسمالي وجود حصة للمال النقدي في حين حرمت الشريعة الاسلامية هذه الحصة باعتبارها فائدة ربوية . لذلك فقد اهتمت الشريعة الاسلامية بضرورة اشراك جميع الاموال النقدية العائدة ( للافراد والمؤسسات ) في العملية التنموية للمجتمع ، من خلال العمل على تحويلها الى ( اصول متداولة وثابتة او لتلبية متطلبات التشغيل ) ، حسب متطلبات عملية التنمية الاقتصادية . واعتبر بقاء اي جزء منها خارج العملية التنموية من الامور المحرمة ، طبقا لاية الاكتناز .
توطئة : تستند علة التحريم لهذا النشاط الى نفس الاسس والمعايير التي استخدمت لبيان علة تحريم الربا في النشاط التجاري والناتجة من ممارسة الوظائف المنحرفة للمال النقدي . يشترك المال النقدي في تمويل النشاط الاستثماري ضمن اشكال وانواع مختلفة ، وذلك حسب طريقة التمويل المستخدمة مباشرة اوغير مباشرة ، وكونها تستخدم لتمويل مشاريع جديدة او تمويل مشاريع قديمة بغرض تطويرها ، وحسب مصادر التمويل محلية او خارجية . استطاع النظام الراسمالي تفعيل دور راس المال بالاشتراك مع عناصر الانتاج الاخرى وبالخصوص انظمة العمل المتطورة بتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية لمجتمعه . بخصوص تفعيل راس المال في عملية التنمية فقد استطاع النظام الراسمالي استخدام اليات ووسائل فاعلة وناجحة عملت على تشجيع وحث الافراد على ادخار جزء مهم من ايرادهم بدلا من استهلاكه او اكتنازه ، وتحويل هذه الاموال المدخرة وتوجيهها نحو المشاريع الاستثمارية بشكل مباشر باستثمارها مباشرة في مشاريع استثمارية ، او طريق غير مباشر من خلال استثمارها في البورصة او ايداعها لدى المصارف مقابل فائدة متفق عليها ، ليقوم المصرف لاحقا باعدة ادخالها في الاستثمار عن طريق المضاربة بالاسهم او السندات او تقديمها على شكل قروض ائتمانية للمستثمرين او استثمارها بشكل مباشر من قبله . لقد ساهمت المؤسسات المالية من خلال نشاطها التمويلي على نجاح التجربة التنموية في الدول المتقدمة ، واصبحت هذه المؤسسات التي تدار اعمالها وفق النشاط الربوي تمثل جزء مهم وحيوي في حياتها الاقتصادية . استنادا لذلك فان المفاهيم وانظمة العمل التي تدار بموجبها الانشطة الاقتصادية في النظام الراسمالي صيغت بشكل ينسجم مع ممارسة النشاط الربوي ومن تحكم راس المال في الانشطة الاقتصاد بشكل واسع . استطاع النظام الراسمالي من خلال هذه التجربة تحقيق فوائد ومزايا عديدة لمجتمعه وحدثت لديه ثورة نوعية في حجم التطور الاقتصادي والتقني حقق بموجبها رفاهية واسعة في مستويات المعيشة لافراد مجتمعه . رافق هذه الفوائد اخطار وعيوب عديدة عانى منها اقتصاديات الدول الراسمالية واقتصاديات شعوب الدول النامية الفقيرة بشكل خاص ، ترتب عنها حصول خسائر اقتصادية ومالية كبيرة . يتبين لنا من خلال توضيح هذه الاخطار علة تحريم الشريعة الاسلامية للعمل الربوي في النشاط الاستثماري .
علة التحريم : ان اسباب هذه العيوب والسلبيات ناتجة كما ذكرنا سابقا من تحكم راس المال الربوي في ادارة النشاط الاقتصادي ، ينتج من هذا التحكم اثار كبيرة على مجمل الاقتصاد الوطني والعالمي ، سنحاول بيان اهم انواع هذه الاخطار والعيوب التي ترافق النشاط المالي الربوي والمواقع التأثير التي تحصل ، كما يلي :
( 1 ) – تأثير السيولة المالية على النشاط الاقتصادي : يمكن توضيح تأثير الاموال النقدية في مسار العملية الانتاجية والاستثمارية للمشاريع الاقتصادية طبقا للطريقة التي تم اختيارها لاستثمار الاموال فيها ، كما مبين ادناه : ا – استثمار الاموال للمضاربة في الاسهم والسندات : يمكن توظيف الاموال ( المحلية اوالخارجية ) في اوجه الاستثمار بشكل مباشر او غير مباشر ، الاستثمارالمباشر يتم من خلال تاسيس مشاريع جديدة او تطوير مشاريع قديمة ، اما الاستثمار غير مباشر فيتم عن طريق استثمارها في عمليات المضاربة بالاسهم والسندات في اسواق البورصة المحلية او العالمية . ان الصنف الاول من الاستثمار اذا احسن استخدامه من الناحية الوظيفية ودراسة الجدوى الاقتصادية له ، يحقق نتائج مفيد وجيد لعملية التنمية الاقتصادية في المجتمع . اما الصنف الثاني فيحفه كثير من المخاطر والاضرار على مصالح الاقتصاد الوطني وعلى مصالح عامة المستثمرين وبالتالي على مصالح المجتمع . تحصل هذه المخاطر والاضرار بسبب ادارة النشاط المالي للنظام الراسمالي وفق النظام الربوي ، ان تنفيذ عمليات المضاربة في اسواق البورصة دون وجود ضوابط تحكمها وبالعكس تتمتعها بحماية قانونية على المستوى المحلي والعالمي ، مما يزيد من تعزيز تحكمها في توجيه مسارات المضاربة طبقا لمصالحها المادية ، وقيام الاطراف المرابية باستغلال ظروف السوق واجراء المضاربات بما يمكنها من جني اكبر الارباح دون مرعاة لمصالح المجتمع ، وذلك وفق مايلي :
ان تطبيق النظام الربوي يؤدي كما ذكرنا سابقا الى تمركز الاموال لدى طبقة معينة من المجتمع هي طبقة ( المرابين ) مكنتهم من استخدام قدراتهم المالية في اجراء عمليات المضاربة ضمن السلوكية المرابية ذات المسار المصلحي الضيق . ساعدهم في تحقيق اغراضهم العوامل التالية : المفاهيم الربوية المعتمدة في ادارة النشاط المالي ، والحماية التي حصل عليها المرابين بموجب القوانيين الوضعية وقرارات الهيئات الناظمة للعمليات المالية والتجارية في العالم اهمها ( منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين ) ، مكنت هذه العوامل المرابيين بشكل كبير على تحقيق مصالحها بحرية كاملة حققت بموجبها ارباح ربوية كبيرة جدا ، وتمثل هذه الارباح استنزاف لمصالح قوى الانتاج الاخرى المشتركة معها في العملية الانتاجية . وهناك امثلة كثيرة توضح الاثار السلبية لهذه المضاربة على نشاط معين والتي قد تتطور في حالة عدم التمكن من معالجتها في الوقت المناسب انتقال تاثيرها ليشمل انشطة اقتصادية اخرى او تصبح مشكلة لكامل النشاط الاقتصادي لبلد معين وسرعان ما تتطور لتشكل ازمة عالمية . ان العلاقات المالية والاقتصادية ضمن قوانيين العولمة الاقتصادية مترابطة ومتشابكة مع بعضها بشكل كبير ، كما ويتمتع النشاط المالي بحساسية كبيرة عند حصول اي خلل فيه بسبب العوامل السيكولوجية المتعلقة بالنشاط ولدى الافراد ، فاي ازمة تحصل في نشاط معين ستتاثر الانشطة الاخرى بها وقد تنتقل الى باقي الاسواق المحلية او الاقليمية والعالمية ، كما حصل للاسواق المالية لدول جنوب شرق اسيا في نهاية التسعينات من القرن الماضي .
( ب ) – سيولة المشاريع الاستثمارية : تتعرض كثير من المؤسسات الاقتصادية الناجحة الى مشاكل في السيولة تؤدي في بعض الاحيان الى فشلها اوافلاسها . ان مشاكل السيولة ناتجة في الغالب من سببين اساسين هما : السبب الاول داخلي يتعلق بسوء الادارة المالية لدى المؤسسة وقدرتها على توفير الاموال السائلة في وقتها المناسب مما يسبب للمؤسسة مشاكل يعرقل نشاطها الانتاجي اوافلاسها ، اما السبب الثاني فهو خارجي يتعلق بالضغوطات التي تتعرض لها المؤسسات الانتاجية من الجهات الممولة المرابية ، حيث تتمتع هذه الجهات بقدرات رهيبة في عرقلة او تسهيل عمل نشاط المؤسسات الاقتصادية من خلال الشروط التمويلية التي تفرضها والمتعلقة بالائتمان واسعار الفائدة الربوية وغيرها ، فتستطيع المؤسسات التمويلية المرابية استغلال ظروف الوحدات الاقتصادية وتفرض عليها شروط تمويلية قاسية تؤدي الى حصول مشاكل في سيولتها او زيادة في التكاليف المالية نتيجة رفع اسعار الفائدة ، تنعكس هذه الشروط سلبا على نشاط الوحدات وتعرضها الى مشاكل تؤدي الى فشلها . وهناك امثلة عديدة لمؤسسات ناحجة من الناحية الاقتصادية والانتاجية ولكن نتيجة تعرضها لمشاكل في السيولة ضمن ظروف معينة ادت الى فشلها وافلاسها . ان الخسارة او الفشل التي تتعرض له هذه المشاريع الاقتصادية نتيجة مشاكل السيولة لا يتحدد ضررها في الجهات المالكة لها فقط بل تمتد الخسارة لتشمل النشاط الانتاجي المختص حسب تاثر النشاط والوحدات الاقتصادية بهذا الفشل للترابط والتشابك الموجود بين الوحدات العاملة في نفس النشاط او مع الانشطة الاخرى ، ويشمل الضرر الاقتصاد القومي للبلد لان ثروة اي مشروع تمثل جزء من ثروة المجتمع ككل ، فالخسارة الحاصلة فيه تمثل خسارة لثروة المجتمع لذلك فالخسارة المتحققة لاي مشروع لها نتائج عرضية مؤثرة على مشاريع وانشطة اخرى بشكل مباشر او غير مباشر .
( 2 ) – تأثير السياسة المالية والنقدية على سعر صرف النقود وسعر الفائدة ، واثر ذلك على معدلات نمو الناتج القومي : تعتمد الدولة سياسة مالية تضبط بموجبها اسعار صرف العملة الوطنية اتجاه العملات الاجنبية ، واسعار الفائدة السائدة وجعلها ملائمة للظروف الاقتصادية السائدة . ان حصول اي تغير غير منضبط لهذه السياسة له تاثير كبير على تكاليف الانتاج للوحدات الاقتصادية وعلى معدلات النمو في الناتج الاجمالي . ضمن ظروف الحرية الاقتصادية التي تتمتع بها قوى السوق في المجتمعات الراسمالية يمكن ان يحصل اختراق لهذه السياسة من خلال المضاربات في السوق التي تقوم بها المؤسسات المالية المرابية بموجبها يحصل الخلل في المعدلات سابقة الذكر . ان توجه اصحاب الاموال باستخدام الاموال المتجمعة لديهم في مجال المضاربة بالنقد تقود هذه المضاربات في احيان كثيرة الى حصول تذبذب في اسعار صرف العملة الوطنية في السوق اتجاه العملات الاجنبية ، ان لعملية المضاربة الغير منضبطة سلبيات كبيرة على مسار العملية الاستثمارية للمشاريع لان التذبذب في اسعار الصرف بالصعود اوالانخفاض له تأثير على حساب التكاليف الاستثمارية والانتاجية للمشاريع الاقتصادية ، كما ويؤثر التنافس في السوق في مجالات الاستثمار والاضطراب الحاصل في حركة رؤوس الاموال الى حصول ضغوط تضطر المصرف المركزي الى تغير اسعار الفائدة المعتمدة من قبله بغرض ايجاد التوازن المطلوب . ان ارتفاع او انخفاض اسعار صرف العملة واسعار الفائدة له تأثير كبيرعلى مستوى تكاليف الانتاج العام وعلى مستوى الاداء الاقتصادي العام واخيراعلى مسار العملية التنموية في البلد وتأثيره على معدلات التنمية في الناتج الاجمالي القومي .
( 3 ) – اداء المصارف العاملة : ان ممارسة المصارف الربوية انشاطتها في توظيف الاموال المتجمعة لديها يحفه كثير من الاخطار التي قد تؤدى الى وقوع المصارف في مشاكل مالية بخصوص الربحية او السيولة قد تؤدي الى افلاسها ، تحصل هذه المشاكل في الغالب بسبب ادارة المصارف انشطتها طبقا للنظام الربوي الذي بينا عيوبه سابقا ، او بسبب سوء الادارة ، او ظروف السوق السائدة . ان فشل المصارف او افلاسها اي كانت الاسباب يعرض مجمل النشاط المالي والاقتصادي للخطر ، لتاثيرها الكبير والواسع على المصارف الاخرى وعلى الوحدات الاقتصادية التي تتعامل معها ، ان تاثير مثل هذه الحالة يكون مضاعفا على الانشطة المالية والاقتصادية للعامل السيكولوجي على السلوكيات ومسارات الاعمال حسب درجة تعلقها به .
( 4 ) – استراتيجية التنمية تعتمد معايير الجدوى الاقتصادية عند اختيار المستثمرين في تنفيذ مشاريعهم الاستثمارية في ظل النظام الراسمالي على عوامل عديدة ، اهم تلك العوامل هو توقع حجم الطلب المحلي والخارجي لمنتجات المشاريع المراد تنفيذها ( السلعية والخدمية ) فغاية الانتاج هة تلبية احتياجات السوق من السلع والخدمات القديمة او خلق طلب لسلعة جديدة او اضافة منفعة لسلعة او خدمة قديمة ، فتوقع حجم الطلب يمثل المؤشر والمعيار الاساسي في تأسيس اوتوسيع المشاريع الاقتصادية القديمة . كما ويعتمد في تحديد الطلب على مؤشرات وعوامل عديدة اهمها حاجة الافراد للمنفعة الخاصة بتلك السلعة او الخدمة ، فالحاجة بهذه الحالة تعتبر اهم العوامل المؤثرة في تحديد الطلب . يختلف مفهوم الحاجة في الفكر الراسمالي عنه في الفكر الاسلامي والاشتراكي ، فالابعاد الفلسفية للحاجة في النظام الراسمالي تعتمد على معايير الربحية والمنفعة المادية المرتكزة على نظرية علم النفس النفعي التي تجعل المنفعة اساسا لتوفير اكبر قسط من السعادة ويقول بهذا الصدد ( جيفنيز ) ان جميع سلوكيات الانسان مؤطرة ومرتكزة على مبدأ استقصاء فائض اللذة التي تقوده لتملك السلع مقابل الجهد المبذول للحصول عليها ، فعليه فان علم الاقتصاد هو حساب اللذة والالم ، و لخصها ( ادم سمث ) فكرة المصلحة الخاصة بالسعي لتحقيق اكبر مقدار ممكن من الثروة ، واشار ( ريكاردو ) الى ان المصلحة الخاصة تقود جميع المضاربات في التجارة . لذلك فان محددات الحاجة واسعة طالما هي تحقق الغايات المذكورة . استنادا لذلك نجد في السوق عدد هائل من السلع والخدمات مطروحة للبيع لتلبية حاجات غير ذات قيمة نفعية او انها تتعارض مع الجانب الاخلاقي . لذا فان اصحاب الاموال والمؤسسات الممولة للاستثمار وفق النظام الربوي يعتمدوا في بناء استراتيجية التنمية في ظل النظام الراسمالي على اسس غير منطقية تعتمد على سلوكيات المستثمرين الربوية وعلى رغبات مادية لمجموع من الافراد يملكون المقدرة الشرائية ، استنادا لذلك يحصل تبذير كبير في الطاقات المادية والمعنوية للمجتمع لان اسس التنمية وضعت على هذا الاساس ، وهناك امثلة كثيرة لمشاريع تنتج سلع وخدمات توضح هذه الحالة . ومفهوم الحاجة في الشريعة الاسلامية فهي مخصصة للاهداف السامية وهي خالية من المفاسد المتعددة في الاستثمار ، لذلك فان الاموال المزكاة تتجه للاستثمار في مجالات تحقق الغايات السامية للانسان وتنفذ مبدأ خلافة الانسان في الارض المبنية على فكرة عمارة الارض على اسس حددتها الشريعة الاسلامية ضمن محددات واضحة ، بموجبها يتحقق الاستثمار الامثل والاعدل لطاقات المجتمع المتاحة المادية والمعنوية .
( 5 ) – التوازن بين قوى السوق ( المحلية والخارجية ) : ان ادارة النشاط المالي في النظام الراسمالي يتم وفق النظام الربوي ، ينتج من هذا التطبيق اثر كبيرعلى طبيعة المفاهيم والسلوكيات المعتمد لديه ، اصبح لمفاهيم لراس المال دور مركزي وتم بموجبها تعزيز تحكمه وتأثيره على قيادات الدولة المسؤولة عن ادارة النشاط الاقتصادي والسياسي . استنادا لهذا الدور حصل الخلل في طبيعة التوزان بين قوى الانتاج او قوى السوق المحلية تمثل ذلك بحيازة اصحاب الاموال على فائض القيمة المتحقق من العملية الانتاجية ، ولكن بعد صراع طويل بين هذه القوى استطاع النظام ايجاد صيغة توافقية ضمنت تحقيق توازن مصلحي بين اطراف الصراع ، حقق النظام بموجبها حصول استقرار في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع ، وتم بموجبها مشاركة جميع قوى السوق بفعالية في تنفيذ وتطوير العملية التنموية . بعد حصول الاستقرار الداخلي وحصول التوافق وتوازن المصالح بين قوى السوق لضرورات تتعلق ببقاء واستمرارية النظام ، انتقل الصراع الى الخارج لان دوافع الصراع موجودة ضمن ذاتية ومفاهيم النظام الراسمالي ، وتحولت اطراف الصراع من الصراع بين قوى السوق الى الصراع بين اصحاب رؤوس الاموال في الدول الغنية مع شعوب الدول الفقيرة ، اخذ هذا الصراع اشكال سياسية واقتصادية وثقافية متعددة ومر بادوار مختلفة بدءا بالاستعمار المباشر لشعوب الدول الفقيرة ثم تحول الى حالة متطورة من الاستعمار الاقتصادي سميت بالسيطرة الامبريالية ، وتطور في الوقت الحاضر نتيجة التطوير الحاصل في الاساليب والتقنيات الى نموذج جديد اطلق عليه ( بالعولمة ) ،وتشمل العولمة مجالاتها متعددة اهمهاالجانب الاقتصادي - لسنا هنا بصدد بحث تفاصيل هذا الموضوع - ولكن ما يمهمنا منها هو دور اصحاب راس المال وقدرتهم على توجيه سياسات وخطط قيادات بلدانهم طبقا لمصالحهم المادية ، ان القيادات السياسية لحكومات دول النظام الراسمالي حسب طبيعة تكوينها ملتزمة برعاية وحماية مصالح المجتمع الاقتصادية لذلك فانها عندما تقوم بتنظيم علاقاتها الخارجية تراعي ان تكون تلك العلاقات منسجمة مع هذه المصالح ، ولما كانت تلك المصالح تتحدد بالاساس بالاستثمارات الداخلية والخارجية لاصحاب رؤوس الاموال التي لها تتعامل مع الخارج ، لذلك فان الحماية المقصودة هي حماية مصالح اصحاب رؤوس الاموال . بموجب هذه الحماية عانت شعوب الدول الفقيرة ومازالت تعاني لتاريخه من حالة استغلال وصراع دامي مع مصالح الدول الكبرى الممثلة لمصالح محتكري المال وممارستهم في مختلف مجالات واساليب الاستغلال والنهب . حصل هذا الاستغلال من تحكم اصحاب رؤوس الاموال ذوي النزعة الربوية وتاثيرهم على الخطط والسياسات الاستعمارية التي تنفذها قياداتهم السياسية اتجاه شعوب الدول الفقيرة ، ونتيجة تبني النظام الراسمالي مفاهيم وقوانيين عمل تعتمد مفاهيمها على الابعاد المادي والربوية .
( 6 ) – التنمية المستدامة : ان الافكار المادية الضيقة التي تحكم تصرفات وسلوكيات اصحاب رؤوس الاموال انعكست بشكل سلبي على طريقتهم في الانتاج وسلوكيتهم في استهلاك وفي استغلال الموارد الطبيعة ، تناولنا في بحث سابق للتنمية المستدامة تفاصيل هذه الاخطار والافرازات السلبية نتيجة طريقة الانتاج الجشعة والغير مسؤولة التي يعتمدها النظام الراسمالي والتي اثرت بشكل كبيرعلى البيئة وعلى مصالح جمهور الناس في العالم وعلى استنزاف موارد الطبيعة وعدم العدالة في الدخل ، وتناولنا الجهود المبذولة في سبيل تجاوز هذه السلبيات . ان القضاء على اضرار التي تفرزتها التنمية الحالية تتم باعتماد مفاهيم جديدة للتنمية المستدامة تستند الى مفاهيم العدالة واعتماد موازين القسط ، واعطاء كل عنصر من عناصر الانتاج حقه الملائم له واعتماد سلوكية في كافة المجالات والانشطة تراعي بموجبه مصالح الجميع دون ان تحصل اضرار لاي طرف ، ان هذا النوع من التفكير لا يتوافق مع الفكر الذي يعتمد المفاهيم التي تؤدي الى تحكم راس المال الربوي في سير الانشطة الاقتصادية ، ان المفاهيم الربوية لا تنسجم مع مفاهيم العدالة وموازين القسط في توزيع الدخل بين قوى الانتاج .
|