الفصل الثاني

 

آليات الإرهاب في العراق

 

د. زهير المخ

 

 

مقدمة

 

من ركام نظام صدام حسين قرع الإرهاب بعنف على أبواب العراق معلناً هذا المستوى المقلق للعراقيين من صحبة الموت. جاء الإرهاب هذه المرة متكئاً على أعمال قتل وذبح وخطف وتفجيرات تطال عواقبه المدنيين الأبرياء. كانت إطلالته اقتحامية وكأنه اندفع لحجز مقعد في مكان فارغ يتسابق مع آخرين لاقتسامه.

ففي غضون أشهر قليلة من رحيل النظام السابق، تحول العراق إلى ملجأ مثالي للإرهاب والإرهابيين. ومن عدد محدود من التنظيمات الإرهابية المسلحة التي ظهرت على التوالي بعد سقوط صدام تزايد العدد على نحو مطّرد: جماعات إرهابية مسلحة من فلول صدام، جماعات إرهابية مرتزقة وأخرى متسربة إلى العراق عبر حدوده الشاسعة وثالثة نائمة بانتظار إشارة الانطلاق.

بكلام آخر، جاء الإرهاب مسلحاً بعموميات لا يصح البتة وصفها بالبرنامج أو حتى مقدمات برنامج في مواجهة الاحتلال، وبدا باكراً أنه يؤمن بأسلوب انتزاع الأدوار والمواقع عبر تحويل العراق إلى "حقول للقتل" أكثر مما يؤمن بالتنافس السياسي، وبالتالي أوحت ممارساته الأولى في الذبح المجاني بأنه قادر أن يخيف أكثر مما هو قادر أن يقنع.

هكذا تحول الإرهاب مشكلة للبناء السياسي الجديد للدولة بعدما نجح في اجتذاب الناقمين والمهمشين وبعدما تسلل إلى تياره الباحثون عن فرصة احتماء أو فرصة استقواء أو ارتزاق. لا يستطيع أحد الانحناء أمام مطالبه ولا يستطيع شطبه أو تنظيم الرقصة معه، فقد تحول تحدياً يومياً لا بد من الاصطدام به.

وفي الوقت الذي يحاول فيه العراق تجاوز آلام المرحلة الانتقالية العسيرة من قبضة الاستبداد والديكتاتورية إلى رحاب الديمقراطية والتعددية السياسية، مازال السؤال الذي يحوم فوق الرؤوس دونما إجابة شافية: من هم هؤلاء الإرهابيون ؟ وماذا يريدون ؟

وإذا كان القول بأن نصف الإجابة ليس بالأمر العسير، فهذا من باب تحصيل الحاصل، ذلك أن الهجمات الإرهابية المبكرة التي حصلت في مناطق عراقية متعددة حملت بصمة عناصر حزب البعث المنحل المتحالفة مع مجموعات ذات طبيعة شبيهة بـ "المافيا"، ترعرعت في كنف النظام المخلوع، أما برنامجها الوحيد فهو الانتقام الحرفي من كل العراق، وبالتالي فإن معظم الهجمات التي قامت بها هذه العناصر استخدمت فيها المتفجرات والأسلحة التي نهبت من المخازن الخاصة بالجيش العراقي المسرّح، فيما ظهرت بصمات أجهزة استخبارات النظام السابق بالتعاون مع الإرهاب القادم من الخارج واضحة على بعض العمليات التي طاولت اغتيال عدد من الشخصيات السياسية والدينية العراقية من بينهم  رئيس "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" السيد محمد باقر الحكيم في 29 آب/ أغسطس 2003 في مدينة النجف في انفجار أسفر عن مقتل عشرات المدنيين الأبرياء واغتيال عضو مجلس الحكم عقيلة الهاشمي التي تعرضت لحادث إطلاق نار في 20 أيلول/ سبتمبر 2003 على أيدي "فدائيي صدام" في بغداد.

والحقيقة أن العمليات الإرهابية التي نفذتها هذه العناصر يمكن وصفها بأنها "تقليدية"، بمعنى أنها إحدى الوسائل المعروفة التي تلجأ إليها عادة أجهزة أمن النظام العراقي السابق، إلا أنها، مع ذلك، ليست سوى ديكور هش لواقع أعقد، حيث يتسلل ناشطون بعثيون من خلال ثغرات أمنية كبيرة وفي حوزتهم مبالغ كبيرة يمكن استثمارها لإنتاج "مقاومة" وأعمالاً عسكرية مختلفة.

ومما لا جدال فيه أن هذه العناصر الموالية للنظام السابق شكلت بالفعل خلايا ضمت أطيافها عناصر من قيادات أمنية واستخباراتية عملت مع أجهزة النظام السابق السرية، فضلاً عن قيادات عسكرية وبعثية، تركت على عجل مراكزها وحملت معها أدواتها التقنية، الاستخباراتية والعسكرية، واستفادت أيضاً من مخابىء للأسلحة وزعها النظام السابق في شتى أنحاء البلاد، وبالتالي برعت بأداء قسطها في تحويل الساحة العراقية إلى "حقول للقتل".

تتعقد اللوحة العراقية أكثر فأكثر مع بروز نوع آخر من الإرهاب الذي ظلت البلاد تشهده، على نحو متكرر، منذ الإطاحة بالنظام السابق، يمكن وصفه بأنه "غير تقليدي"، لأن منفذيه الذين يتسرب معظمهم إلى العراق عبر حدوده الشاسعة يستخدمون أسلوب العمليات الانتحارية على نحو متكرر، وهذا ما يجعل الأخطار غير المتوقعة يحوم دائماً في الأجواء، لكنه يستهدف بالدرجة الأساس إبطاء بسط الاستقرار السياسي وتخريب مرافق البنية الأساسية للبلاد من أجل زيادة معاناة الشعب العراقي، وهم مصممون على جعل المسرح العراقي "ميدان المعركة الأول"، في التصدي للوجود العسكري الأمريكي حيناً، ومراكز الشرطة العراقية والحرس الوطني العراقي حيناً آخر. ولكن هذا الإرهاب الأعمى طالت عواقبه أيضاً ضحايا أبرياء عديدون أكثر مما يطال قوات التحالف، من بينهم أطباء وأكاديميون واقتصاديون ومهندسون وكوادر سياسية وقضاة ومحامون وشخصيات دينية وإعلاميون ومقاولون وآخرون غيرهم.

وإذا كانت مواصلة حساب سقوط الضحايا البريئة تبدو مستحيلة في بلد ما يزال يزرع الجثث ويسقيها كل يوم، فالثابت أيضاً هو أن هذه الظاهرة موروثة، إلى حد كبير، من سلوك النظام السابق، الذي أشاع مناخاً سياسياً واجتماعياً لا يهنأ إلا بفتح مواسير الدم على مصراعيها، حيث دفع العراقيون وما زالوا يدفعون ثمنه من اللحم الحيّ المتناثر على أرصفة الطرق وفي المقابر المقفرة.

 
في المخطط

 

سوف يركز هذا الفصل على ثلاثة محاور رئيسة، تستهدف بمجملها إثارة بعض القضايا التي تنبّه إلى آليات الإرهاب في العراق. ولتحقيق هذا الهدف، يستعرض المحور الأول البنية الاجتماعية والسياسية للمنظمات الإرهابية في العراق بصفتها مسؤولة عن إنتاج هذا النوع من التيارات العنفية، كما يمكن استخلاصها من خلال استعراض عدد من النماذج الرئيسة للتنظيمات الإرهابية الفاعلة على الساحة العراقية. ومن الجدير بالذكر، هنا، أن استعراضنا لهذه النماذج كان انتقائياً بعض الشيء. غير أننا حرصنا، في المقابل، على أن يكون الانتقاء منطلقاً من الحرص على تعميم الفائدة للقارىء من خلال التركيز على محطات أساسية تتعدى صعود نجم هذه التنظيمات إلى بنية وظروف ووقائع أخرى.  

ويرتكز المحور الثاني، بصورة أكثر تحديداً، على التقديرات الأولية للخسائر البشرية على مدى العامين المنصرمين التي تسبب فيه الإرهاب، إضافة إلى استعراض بعض صور الجرائم الإرهابية في العراق التي تقشعر لها أبدان سكان المعمورة، فيما يطلب الإرهابيون المزيد منها.

ويستشرف الفصل الثالث، الآثار السلبية للعمليات الإرهابية التي تستهدف أساساً اغتيال مستقبل العراق الجديد، بما فيها وقف عملية إعادة الإعمار وإلحاق الضرر بالعراق والعراقيين وحرمان الشعب من ممارسة حياته الطبيعية والنهوض بمسؤوليته والتمتع بحقوقه المكتسبة.

 على أن صوغ التوقعات والاستنتاجات سيكون الناتج النهائي للفصل الذي تسجله الخاتمة.

 

المحور الأول

 

مصادر الإرهاب في العراق:

البنى التنظيمية وآليات العمل

 

لا شك أن تحديد هياكل القوى الإرهابية وتنظيماتها الفاعلة على الأرض العراقية تكتنفه صعوبات جمّة، خصوصاً في ضوء التعقيد الذي يحيط بهذه القوى سواء لغياب "واجهة سياسية" معلنة لها أو لعدم وجود قيادات ميدانية معروفة تتبنى مسؤولية العمليات المسلحة وأعمال القتل والخطف والذبح والتفجيرات تطال عواقبها المدنيين الأبرياء. وفي المقابل، تعدد الجهات والحركات والتنظيمات التي تتبنى هذه العمليات، سواء من خلال بياناتها الصادرة في وسائل الإعلام وشبكات الإنترنيت، أو من خلال المعلومات الرسمية الصادرة عن السلطات الأمنية العراقية أو عن القوات متعددة الجنسية.

من هنا، فإن السبيل الأمثل للتصدي إلى آليات الإرهاب في العراق هو دراسة واختبار الهياكل التنظيمية لعينة عشوائية للتنظيمات التي نمت وتكاثرت "كالفطر بعد الشتاء" في الساحة العراقية وبلغت أرقاماً من الصعب التدقيق في صحتها. والحقيقة أن بعض هذه التنظيمات ليست سوى مسميات لمجوعات أو وحدات تظهر وتختفي حسب ما تقتضيه الحاجة أو الظروف، فبعضها اكتفى ببيان واحد ثم اختفى عن الساحة مثل جماعة "مجاهدو صدام" التي تعهدت في بيانها للثأر من مقتل عدي وقصي صدام حسين، وهناك بعض المسميات ظهرت مشابهة لأسماء بعض تشكيلات الجيش العراقي السابق، مثل "سرية حطين فرقة المدينة المنورة"، وهذا يجد تفسيره، جزئياً على الأقل، في انخراط بعض الضباط العسكريين السابقين في هذه التشكيلات. كما أن هناك تشكيلات تنتسب بأسمائها إلى المناطق التي تنطلق في عملياتها العسكرية منها مثل، "مجاهدو الفلوجة"، و "مجاهدو حديثة"، وأخرى تحمل تسميات مستوحاة من البنى والهياكل التنظيمية الموروثة من النظام السابق كـ "فدائيو صدام" و "جيش القدس" .

غير أن قيادة الجماعات المسلحة في العراق هي، في العموم، من نصيب تنظيمات "المجاهدين" الإسلاميين الذين تضم أطيافهم عناصر محلية من قيادات أمنية واستخباراتية عملت في أجهزة صدام السرية مثل تنظيم "جيش أنصار السنة"، فضلاً عن "مقاتلين" متشددين تسللوا من خارج الحدود، لعل من أبرزها تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي، وجميعها تبدو مصرة على الاستمرار في نهجها الذي يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في أسلوب العمليات الانتحارية ضد المدنيين الأبرياء وقوات الشرطة العراقية بهدف تحويل العراق إلى "إمارة" رديفة لنظيرتها السابقة في أفغانستان.

ففي ظل ما تشهده الساحة العراقية كل يوم من عمليات انتحارية ومن سيارات مفخخة ومن عبوات تزرع في حاويات القمامة وفي جنبات الطرق المزدحمة بالمارة وفي الأسواق الشعبية التي تغص بالمواطنين الأبرياء وفي الفنادق التي يرتادها رجال الأعمال الذين يغامرون في حياتهم وبأموالهم من أجل إنعاش اقتصاد البلاد وفي أماكن تجمع رجال الأمن والشرطة وأفراد القوات المسلحة الذين يسعون إلى العمل من أجل كسب رزقهم ويسهمون في الوقت نفسه في بناء المؤسسة التي من شأنها إحلال الأمن والاستقرار اللذين ينشدهما الشعب العراقي بحرقة وبمرارة، في ظل كل هذا الذي تشهده الساحة العراقية من أساليب قتل جماعي عبثي مدمر، يسعى الإرهابيون، بدم بارد، إلى إدخال البلاد في أتون حرب ضارية لا تستهدف سوى قتل العباد وتخريب البلاد.

ولعلنا لا نجانب الصواب كثيراً إذا ما اعتبرنا أن جناحي الإرهاب في العراق، اليوم، هما تشكيلات حزب البعث المنحل من جهة، والتنظيمات "الجهادية" المحلية منها أو تلك المرتبطة بتنظيم "القاعدة" من جهة أخرى، وكلاهما لا يقدمان سوى أعمال قتل وذبح وتفجيرات في إرهاب مكشوف تطال عواقبه المدنيين الأبرياء، وبرنامجهما الوحيد هو تحويل المسرح العراقي إلى ساحة قتل مجاني.

 

أولاً: تشكيلات الفصائل "البعثية" المسلحة

 

مما لا جدال فيه أن العناصر الموالية للنظام السابق شكلت بالفعل خلايا مسلحة على قاعدة العلاقات العائلية والمهنية، مستندة في ذلك إلى بيئة اجتماعية حاضنة لهذه العناصر، أخذت، بعد بداية عشوائية، بالتشكل شيئاً فشيئاً لتعيد إنتاج الهرمية التي كانت سائدة قبل الحرب. لكن لا يجدر بنا الافتراض أن وحدات الحرس الجمهوري و"جهاز المخابرات العامة" ذابا في "المثلث السني" من أجل مواصلة العمليات العسكرية، ذلك أن هذا "المثلث" كان واحداً من أكثر المناطق العراقية ولاء للنظام، وقناة الولاء كانت، بطبيعة الحال، المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن المختلفة، وهذا "المثلث" أيضاً مركز العشائر الأول. فاللحمة العشائرية مع الانتماء إلى المؤسسة العسكرية وما رافقها من امتيازات سمحت لأهل "المثلث"، نسبياً، بتجاوز المحن التي عاشها العراق كله في العقدين الأخيرين.

ولا ريب فإن التدقيق بهوية سكان مناطق "المثلث" يؤدي، بالضرورة، إلى استنتاجات تكفي لتكوين صورة أكثر تنوعاً في سياق محاولة تفسير ظاهرة اتساع نطاق النشاطات المسلحة في هذه المناطق بالمقارنة مع باقي مناطق العراق.

ولئن تجلى ميل سكان مناطق "المثلث، في الغالب، للانتماء إلى حركات ذات نزعة "عروبية"، من بينها حزب البعث، فإن ذلك يجد تفسيره، جزئياً على الأقل، في أن هؤلاء السكان ارتبطوا تاريخياً بعرى وثيقة مع امتداد البادية السورية. فعشائر آلبو نمر والمحاميد وآلبو عيسى وآلبو خليفة، على سبيل المثال، يمتد نفوذها إلى منطقة الرطبة على الحدود مع سوريا والأردن، وصولاً إلى عمق بادية الشام، الأمر الذي يتيح لأبنائها حرية الحركة في الصحراء، خصوصاً تلك الطرق الصحراوية التي غالباً ما تكون هدفاً لعمليات الخطف والسلب، حيث تنهل الخلايا المسلحة في هذه المناطق من تقاليد الغزوات ودفع الفديات ولكن أيضاً مع أشكال جديدة من العنف والإرهاب.

ومن الواضح أن البطش الذي عهده العراقيون في نظامهم السابق لم يعامل بموجبه سكان هذه المناطق، فنظام صدام حسين كان يستمد قوته من هذه البيئة وبالتالي كان من الصعب عليه أن يمارس قوته في المركز الذي يستمدها منه، فاضطر إلى إقامة معادلة تقضي بمنح زعماء العشائر بعض الامتيازات في مقابل مساهمة هؤلاء بحماية خاصرة العراق الغربية عبر التغاضي عن التحالف بين بعض قادة الأجهزة الأمنية وبين عشائر تلك المنطقة. وكان لافتاً أن النظام تغاضى تماماً عن عمليات التهريب التي شهدتها طرق الصحراء الشاسعة عبر التحايل على نظام النفط مقابل الغذاء باستبدال السلع المقايضة بالنفط، واستبدالها بسيولة نقدية عبر إعادة بيعها من جديد. وكان لضباط الأجهزة الأمنية امتيازاتهم وهباتهم كما كان لرؤساء العشائر مهمة "تصريف" الشحنات النفطية من خلال علاقاتهم التاريخية عبر الحدود مع امتداداتهم العشائرية في الدول المجاورة.[1]

هذا التحالف الضمني الذي أتاح إقامة توازن ما، سيكون بعد سقوط النظام بمثابة "الملاذ الآمن"، ليس لبعض العناصر القيادية في حزب البعث ولمسؤولي الأجهزة الأمنية فقط، بل لعسكريي الجيش العراقي السابق كذلك، خصوصاً أصحاب المراتب العليا الذين وجدوا أنفسهم، بعد قرار حل الجيش والأجهزة والتشكيلات الأمنية والعسكرية التابعة له، عاطلين عن العمل، وشوكتهم مكسورة، مما لم يكن يجرؤ أحد على تخيّله حتى في أضغاث الأحلام.

وليس من المستغرب القول إن هؤلاء المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين باتوا يشكلون واحدة من الحقائق الثقيلة لعراق ما بعد صدام حسين. فقد وجد هؤلاء أنفسهم، فجأة ومن دون سابق إنذار، أفراداً بعيدين عن مصدر القرار ومحرومين من المنافع والامتيازات التي كانوا يتمتعون بها في ظل النظام السابق، يعيشون على هوامش علاقاتهم العائلية والعشائرية، قضت الظروف بالوجود على رقعة أرض مشتركة، ولم يعرفوا من تقاليد التعايش إلا احتراف الأوامر.

وبحسب بعض التقديرات, فإن نحو 300 ألف من سكان الموصل, وهي ثاني أكبر مدن العراق ويبلغ عدد سكانها نحو مليونين, كان معيلوهم ينتسبون إلى هذه التشكيلات الأمنية والعسكرية، وهؤلاء أيضاً وجدوا أنفسهم على حين غرة عاطلين عن العمل بعد إطاحة صدام وصدور قرار حل القوات المسلحة، وبالتالي كان من المنطقي أن ينتقل بعض هؤلاء إلى صفوف "المقاومة" في الموصل.

هكذا اتسع مسرح "المثلث" للاعبين جدد انتشروا في معظم مناطقه يتميزون بالوجوه السمراء والمنتفخة، المحددة شواربهم الكثيفة بدقة، لكنهم راحوا يتحدثون بأصوات غير معهودة بالعسكر. يقول أحدهم: "أنا ضابط متقاعد في الجيش أسرت في إيران خلال معركة القادسية وبقيت في الأسر عشر سنوات، ثم أفرج عني قبل نحو ثلاث سنوات، وأنا اليوم من دون عمل بعد أن حلّ الجيش ولم أتقاض في الأشهر الستة الفائتة سوى مبلغ مئة دولار، في حين أنا أب لتسعة أطفال إضافة إلى زوجتي". أما الضابط الآخر الذي كان يقف مستمعاً لشكوى زميله، فله قصة مختلفة، فهو مقدم في الجيش لكنه حرم من أي راتب بسبب عضويته في فرقة حزبية إلى جانب عسكريته وهو جزء من عقاب جماعي يتعرض له البعثيون في العراق كله، علماً أنه زوج لامرأتين ولديه من الأبناء عشرة.[2] أما العقيد السابق مزهر العزاوي الذي انضم لجيش العاطلين في بعقوبة، فهو الآخر يشعر بالمرارة والحسرة على "أيام العز" الغابرة حين كان يستمتع بمنصبه العسكري في ظل النظام السابق بكل ما يعنيه ذلك من منافع وامتيازات، فيقول: "كنا نحصل على رواتب مجزية وحوافز سخية، مساكن رخيصة وسيارة، والآن ضاع كل شيء، فقد ولت أيام المنح والسيارات".[3] 

هذه العينات من الضباط المسرّحين الذين باتوا يشعرون بمهانة كبيرة لما آل إليه وضعهم الاجتماعي، هم، في المقابل، مادة جاهزة لاستقطاب "قوى الظل" البعثية الناشطة في هذه المناطق التي تستغل هذه الثغرات وفي حوزتها مبالغ كبيرة من المال تستثمر لإنتاج "مقاومة" وأعمالاً عسكرية مختلفة، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني المريع لتجنيد هؤلاء الضباط والاستفادة من خبراتهم المكتسبة.

وتتحدث التقارير الأمنية العراقية في منطقة الأنبار عن عضو القيادة القطرية لحزب البعث فرحان المحمدي وهو من أبناء الفلوجة يقوم بتجنيد الضباط السابقين عبر تقديم إغراءات مادية كبيرة. كما تشير التحقيقات الأمنية مع ابن عم الرئيس العراقي المخلوع عز الدين المجيد، الذي ألقي القبض عليه، إلى أن الأخير كان يستخدم مبالغ تتراوح بين مليارين وسبعة مليارات دولار كان قد سرقها عناصر النظام السابق للاستفادة منها في استقطاب هؤلاء الضباط للاستفادة من خبراتهم المتراكمة في العمليات الإرهابية.[4]

لم يحتكر البعثيون لوحدهم استقطاب هؤلاء الضبط فحسب، بل أن تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" استقطب كذلك بعضاً من الرموز العسكرية هذه، من بينها رئيس الجهاز الإعلامي في التنظيم "أبو ميسّرة العراقي" والقائد العسكري لعمليات منطقة بغداد الكبرى "أبو الدرداء العراقي"، وهما ضابطان خدما في الجيش العراقي وعملا مع بداية "الحملة الإيمانية" التي أطلقها النظام في مطلع التسعينات على تشكيل "تيار سلفي جهادي" داخل قطاعات الجيش والحرس الجمهوري، كما أشرفا على تدريب "جيش القدس"، وتكوين خلايا من المتطوعين العرب، إضافة طبعاً إلى اللواء السابق في الجيش العراقي عبد داود سليمان الذي يشغل حالياً منصب المستشار العسكري لتنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".

وحسب بعض المصادر العسكرية العراقية، إن "أبو ميسرة و"أبو الدرداء"، هما ضابطان سابقان في الجيش برتبة عقيد، وكانا ضمن الذين دربوا صغار الضباط في الجيش العراقي وجهاز الاستخبارات على أساليب القتال وفنونه المختلفة، وهي التدريبات التي أمر صدام حسين بها على ثلاثة مراحل داخل العراق واستمرت 6 سنوات، درّب خلالها نحو 70 ألف ضابط وضابط صف من نخبة القوات المسلحة العراقية.

وفيما بقي هؤلاء الضباط مشمولين بالحماية العشائرية أولاً وبشبكة العلاقات مع مسؤولين سابقين في الأجهزة الأمنية المختلفة ثانياً، فمن البديهي أن ينخرطوا في صفوف "مقاومة" هي الأحوج لخبراتهم العسكرية المكتسبة، بما فيها القصف بالهاونات وزرع العبوات الناسفة وما إلى ذلك، خصوصاً أن هذه الفئة تمتلك الخبرات القتالية الممزوجة بقدر عال من التدريب والممارسة التي اكتسبتها خلال اشتراكها في الحروب المتتالية التي خاضها النظام السابق. ولم يكن عديم الدلالة ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن أحد القياديين في "المقاومة" حين أشار إلى "أن الأكثر عدداً من المجموعات المقاتلة أولئك الذين طردوا من الخدمة العسكرية" لأنهم، حسب اعتقاده "الأفضل تنظيماً ويقفون وراء العمل النوعي، ويتمتعون بقدرة عملياتية كبيرة لا تتوفر لأنواع المقاومة الأخرى، فهناك عمليات تنفذها مجموعات كبيرة منهم تضم ما بين 60 إلى 70 مقاتلاً".

وإذا أضفنا حقيقة أن قنوات التهريب وطرقه وأمواله هي اليوم نفسها قنوات "المقاومين" وطرقهم وأموالهم ومؤيديهم من "المجاهدين" العرب، فيصح القول عندئذ إن بيئة هذه المناطق تشكل "الحاضن الأول" لهؤلاء "المقاومين"، فطرق الصحراء عينها تلك التي طالما سلكوها لأغراض الالتفاف على مقايضة النفط بالغذاء والتسلل عبر الحدود ربما مقايضات وعلاقات مع عشائر أخرى من خارج الحدود. كما يصح الاستنتاج هنا أن "المقاومة" في هذه المناطق أصبحت "نمط حياة" ألفه أصحابها وشكل امتداداً لنشاطات عادية كانوا يؤدونها في السابق، وهم الذين رأوا في "المقاومة" بوابتهم الذهبية للانتقال إلى موقع يحاولون فيه استعادة بعض النفوذ الغابر.

ومن خلال تتبع نشأة وتطور هذا النوع من "المقاومة" يمكن القول إنها بدأت بمجموعات صغيرة من مختلف أجهزة حزب البعث، خصوصاً من المكتب العسكري، ومن عناصر الأجهزة الأمنية وبقايا ضباط الحرس الجمهوري المسرحين، حيث راحت تجمع الأسلحة من معسكرات الجيش المنهار، وتطورت إلى خلايا تقوم بأعمال مسلحة فردية، وتبلورت في هياكل تنظيمات مسلحة بعد اندماجها في خلايا أخرى.

وتبين التقارير الاستخباراتية الأمريكية أن كل خلية تتبع هيكلاً تنظيمياً يقف على رأسه قائدان وأربعة مساعدين، إضافة إلى ثلاثين عضواً آخر، وهذه مقسمة، بدورها، إلى كيانات أصغر حسب طبيعة كل نشاط منها، فهناك متخصصون بتفخيخ السيارات وآخرون قتلة محترفون، إضافة إلى عناصر متخصصة في القيام بهجمات الهاون والصواريخ، وآخرون مختصون في زرع القنابل على جوانب الطرق ونصب الكمائن.[5]

إلا أن التقارير الاستخباراتية هذه تتفاوت في تقديراتها لعدد هذه المجموعات المقاتلة، ففي حين يذهب بعض التقارير إلى التأكيد على أن حجم الأفراد المشاركين في العمليات الإرهابية لا يتعدى 5 آلاف عنصر، تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي لهؤلاء الأفراد أكبر بكثير مما كان مقدراً سابقاً، حيث يتجاوز العدد ما يقرب من 20 ألف عنصر يتوزعون على تشكيلات مسلحة[6]، لعل من بين أهمها:

 

( أ ): مجاهدو صدام

 

برزت هذه المجموعة على الساحة العراقية بعد إعلان مسؤوليتها عن هجمات إرهابية في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2003. ومقاتلو هذه المجموعة جميعاً من العناصر الموالية لرأس النظام السابق. وما يشاع أن هؤلاء من العناصر البعثية الناشطة الذين أشرف صدام حسين بنفسه على تنظيمهم في إطار وحدات من "النخبة" التي أنشأها في العام 1998 في إطار الاستعداد لمرحلة ما بعد سقوط النظام. وتتكون نواة التنظيم من نحو 3 آلاف ضابط بين سن 20 و 30 سنة ينحدرون، في غالبيتهم العظمى، من مناطق تكريت والموصل وديالى والرمادي، إضافة إلى منطقة الأعظمية في بغداد. وظلّت نواة هذا التنظيم سراً حتى لأجهزة الأمن والعاملين داخل القصر الجمهوري، فيما خضع أفراد هذا التنظيم لتدريبات قاسية شملت صناعة قنابل شديدة الانفجار باستخدام مواد متاحة محلياً، كما تدربوا على استخدام بنادق قناصة بمناظير ليزرية تمّ سحبها من معسكرات الجيش العراقي، كما تمّ لهذا الغرض شراء منازل مدنية تحولت لأوكار سرية في مناطق متفرقة من العاصمة العراقية والمدن الرئيسية الأخرى.

وبالرغم من السرية البالغة التي يحيط تنظيم "مجاهدو صدام" أنفسهم بها، فقد أشيع أن عدداً من الضباط السابقين انخرطوا في صفوفه، لعل من بينهم اللواء الركن محمود عايز نجم حنيش المرسومي واللواء الركن رعد عبد المهدي كريم الجبوري واللواء الركن حمود المحمود حمادي عودة الجنابي واللواء الركن رعد عبد المهدي كريم الجبوري والعميد سامر كامل توفيق الناصري وآخرين غيرهم.

 

( ب ): جيش محمد

 

تشكّلت هذه المجموعة في نيسان/أبريل 2003 عقب سقوط النظام. وبحسب التقارير الصادرة تباعاً عن وزارة الداخلية العراقية، فقد جاء تشكيل "جيش محمد" من بقايا عناصر جهاز الاستخبارات وبعض الضباط العاملين ضمن قوات الحرس الجمهوري المنحل بأمر مباشر من الرئيس المخلوع صدام حسين، ليكون بمثابة "الجناح العسكري" لحزب البعث، حيث يوحي الاسم وكأن المجموعة تعمل تحت راية "الجهاد" الإسلامي.

ولا يعرف، بالضبط، عدد عناصر هذه المجموعة، إلا أن البعض يقدرها بنحو 5 آلاف عنصر جميعهم ينتشرون في مناطق "المثلث"، يخضعون لقيادة من 6 أشخاص جميعهم عراقيون. ويقال أن معسكرات تدريب هذه العناصر تقع في منطقة بعقوبة وجوارها. وتنتشر خلايا "جيش محمد" في العاصمة بغداد ومدينتي الرمادي والموصل، كما أن ساحة عملياتها تمتد بين مطار بغداد وقاعدة الحبانية الجوية، وهي مسلحة بصواريخ "سام 7" المضادة للطائرات.[7]

وفي 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 ألقت السلطات الأمنية العراقية القبض على أحد قادة "جيش محمد" المدعو مؤيد ياسين أحمد الملقب بـ "أبو أحمد" وهو أحد الضباط السابقين في قوات الدفاع الجوي العراقي التابعة لقوات الحرس الجمهوري المنحل. وبحسب مصادر وزارة الداخلية العراقية، فإن أحمد قام، في وقت سابق، بزيارة إلى سوريا التقى فيها محمد يونس الأحمد الوزير السابق وعضو القيادة القطرية لحزب البعث العراقي للتنسيق فيما بينهما "لمواصلة العمل في التخريب والقيام بعدد من العمليات التخريبية التي نجم عنها قتل العديد من الأبرياء من أجهزة الشرطة والجيش، إضافة إلى قتل العديد من المدنيين".[8]

 

( ج ): فدائيو صدام

 

من المعروف أن تأسيس هذه المليشيا شديدة الفتك كان في العام 1995 بمبادرة من عدي الابن الأكبر لصدام حسين أسبغ عليها هذا الاسم كقوة قمع حسنة التدريب، طويلة اليد، متفوقة التجهيز العسكري، تضرب بسرعة وبصورة موجعة كل أشكال المعارضة الممكنة، إن جاءت من ضمن المؤسسة العسكرية بصورة مشروع انقلاب أو من خلال المجتمع الأهلي بصورة تمرد أو عصيان.

وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين في نيسان/أبريل 2003، انتشر العديد من أفراد هذه المليشيا في أماكن متفرقة من العراق، وخصوصاً في محيط العاصمة العراقية وفي مناطق غرب العراق. وفي بداية نشاطها، لجأت عناصر من هذه المليشيا إلى تشكيل عصابات مسلحة لإرهاب المواطنين وللقيام ببعض أعمال السرقة والسلب. إلا أن أفراداً آخرين من هذه المليشيا انخرطوا في تشكيل مجموعات مدربة تدريباً كافياً لشن "حرب عصابات"، ومرتبطة تنظيمياً بالمقدم فارس عبد الغني الناصري، ابن عم عدي، قامت بتنفيذ بعض العمليات التخريبية تحمل بصمات "فدائيو صدام"، حسب مصادر عسكرية واستخباراتية عراقية مطلعة، لأن طبيعتها تحمل طابع التدريبات التي تلقاها عدد من عناصر هذا التنظيم خلال وجودهم في معسكرات التدريب خصوصاً المتعلقة منها بالتفجيرات وزرع الألغام الأرضية ومهاجمة الدروع من خلال الاستعانة بمجموعات صغيرة، كما كان يحدث خلال عمليات التدريب.[9]

لكن هذا التنظيم ظل "وكراً" للعديد من قادته السابقين، من بينهم على سبيل المثال للحصر الفريق الركن على عبد محمود على اللهيبي، واللواء الركن عوين جمعة التكريتي، واللواء الركن مكي مصطفى، واللواء الركن جاسم حسن علي صالح الدليمي، واللواء الركن صدر هاشم حسن لطيف الراوي، واللواء الركن رياض عبد أحمد التكريتي، وآخرين غيرهم. 

 

( د ): قيادة قوات المقاومة والتحرير في العراق

 

يتبين للمتابع الحصيف للبيانات التي تصدرها هذه المجموعة أن خطابها في الإجمال بعثي، ولكنه ممزوج بنكهة إسلامية. وفي الحقيقة، تظل هذه المجموعة الأكثر تميزاً من نظيراتها، سواء من زاوية الفعل الإعلامي أو من زاوية العمليات الإرهابية التي تنفذها.

وتشير تقارير استخباراتية عراقية أن هذه المجموعة تتألف أساساً من عناصر "جهاز المخابرات العامة" ومن أعضاء سابقين في الحرس الجمهوري الخاص، إضافة إلى عدد من الضباط السابقين في "فرع العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب"، وان هذه العناصر خططت للقيام بما يمكن أن يطلق عليه بـ "حرب العصابات" حتى قبل انهيار النظام البعثي في بغداد.

وتستند هذه التقارير على التحقيقات التي أجريت مع بعض المعتقلين من هذه المجموعة، إضافة إلى الوثائق التي تم العثور عليها في أماكن متفرقة من البلاد، حيث تبين أن هناك هيكلية قيادية محترفة لقيادة حرب العصابات والشوارع ولتخطيط وتنفيذ الهجمات في كل أرجاء العراق.

وتشير التقارير ذاتها إلى أن لدى هذه المجموعة خبرة في تصميم الأحزمة المعبأة بالمتفجرات لتستخدمها العناصر الانتحارية في شن الهجمات، إضافة إلى تدريب العناصر الإرهابية على استخدام المتفجرات والأسلحة الخفيفة وأعمال الخطف والاغتيالات والتفجيرات.[10]

وبالرغم من الضربات التي تلقتها هذه المجموعة على أيدي القوى الأمنية العراقية وقوات التحالف، إلا أن النواة المركزية ما تزال فاعلة، خصوصاً في مناطق "المثلث"، حيث يشاع أن هناك تقسيم عمل بين قيادتها تتيح لها بعض المرونة في اتخاذ القرار، سواء لجهة تمويل العمليات الإرهابية أو لجهة تسهيل دخول الإرهابيين الأجانب وتقديم الدعم المالي واللوجستي لهم. ومن بين هؤلاء الذين يشكلون قمة الهرم اللواء السابق في الحرس الجمهوري خليل أحمد علي الويس ومهدي ناصر العبيدي ومحمد يونس ورمضان زيدان الجبوري وياسر سبعاوي إبراهيم الحسن ومثنى شهاب أحمد الدوري (ابن أخت عزت إبراهيم الدوري) وهاشم حسين رضوان الجبوري ومحمد رجب الناصر وحامد إسماعيل درويش المعروف أيضاً باسم (أبو أمجد)، وهو أحد كبار الضباط في فرقة نبوخذ نصر التابعة لقوات الحرس الجمهوري السابق، ومن المتخصصين بتنفيذ هجمات بالعبوات الناسفة ضد البنى التحتية العراقية.

 

( هـ ): حزب العودة

 

على الرغم من المعلومات الشحيحة المتوافرة عن حزب العودة، فإن الاسم يوحي بمحاولة إعادة تنظيم خلايا سرية تابعة لحزب البعث بغية السعي من جديد إلى الإمساك بالسلطة الضائعة. إلا أنه مع ذلك لا يعرف له وجود في الساحة العراقية سوى من خلال البيانات التي يوزعها في الشارع والتي لا يبيّن فيها الحزب برنامجه السياسي أو توجهاته الفكرية ما عدا التحريض لشن هجمات على قوات التحالف.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه الجماعة التي تتمركز قيادتها في الموصل ويقودها محمد الصميدعي، أحد قيادات حزب البعث في المدينة الشمالية، تتكون أساساً من العناصر السابقة من الأجهزة الأمنية، إضافة إلى عدد من العسكريين والبعثيين هم، في الإجمال، من الكوادر البعثية الوسطى، تم تنظيمهم في خلايا منتشرة في بغداد والموصل وتكريت والفلوجة والرمادي.

لكن اعتقال أمين سر حزب البعث في بلدة الحويجة مؤخراً وهو العميد الركن السابق مجيد الحميد المعروف بـ (أبو أزهار) من قبل الأجهزة الأمنية العراقية أماط اللثام عن بعض المعلومات المتعلقة بهذا الحزب، من بينها أن جناحه العسكري يضم أفضل المقاتلين في الجيش العراقي المنحل وأرفعهم تدريباً وأحسنهم تجهيزاً، وبالأخص القوات الخاصة، ويتألفون من ضباط سابقين يمتلكون كميات كبيرة من المال ويمنحون 500 دولار نقداً لأي عراقي يرغب في الانضمام إلى التنظيم. كما كشفت المعلومات الأمنية أن العديد من قيادات هذا التنظيم موجودون في سوريا، من بينهم عضو القيادة القطرية لحزب البعث محمد يونس الأحمد، وزميله الآخر عضو القيادة القطرية والمسؤول السابق عن تنظيمات البعث في محافظة ديالى عبد الباقي عبد الكريم عبد الله السعدون، حيث خصصت الحكومة مبلغ مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى إلقاء القبض عليهما.[11] إضافة إلى النائب السابق لمدير الاستخبارات العسكرية حسيب الرفاعي الذي تعتبره المصادر الاستخباراتية العراقية أحد مهندسي العمليات الإرهابية في العراق.

وتشير المعلومات الأمنية إلى أن الرجلين، قاما بإعادة تشكيل الشبكات الإرهابية تحت اسم "حزب العودة" ومن بينها مجموعة كريم عباس ساري التي ألقت الشرطة العراقية القبض عليه، وهو قائد مجموعة مسلحة مسؤولة عن شن عدد من الهجمات على البنى التحتية النفطية في كركوك، بما فيها هجمات على الآبار النفطية وعلى المصافي وتفجير خط الأنابيب الناقل للنفط إلى تركيا، وأن ساري يتلقى الأوامر من محمد يونس الأحمد مباشرة.

كما كشفت المعلومات الأمنية أحد أقارب الرئيس العراقي المخلوع المدعو بشير مطر التكريتي الذي يعد بمثابة "عضو ارتباط" للتنظيم في مدينة الشرقاط، القريبة من الموصل، ويقوم بتمويل الإرهابيين وتجهيزهم بالسلاح. كما أن أحد قادة المكتب العسكري لحزب البعث في بغداد، فاضل إبراهيم محمد المشهداني، هو مسؤول، أيضاً، عن تنسيق وتمويل هجمات إرهابية وإنه يعمل بمنزلة "حلقة وصل" بين قادة حزب البعث المختبئين في سوريا والإرهابيين في داخل العراق، إضافة أحمد حسن كاكا العبيدي، أحد أركان النظام المخلوع، والذي كان مسؤولاً عن تنظيمات البعث المنحل في محافظة كركوك وأحد الأعضاء البارزين في تنظيمات ما يسمى بـ (فدائيو صدام)"، حيث بذل العبيدي جهداً دائبا لمحاولة إعادة تشكيل فلول البعث بعد سقوط النظام المباد، وقام من أجل ذلك بالسفر مرارا إلى سوريا من أجل التخطيط للهجمات والحصول على التمويل والأسلحة من خلال اجتماعاته مع أعضاء النظام السابق الهاربين مثل محمد يونس الأحمد الذي يستخدم الأراضي السورية كـ "ملاذ آمن" للتخطيط والقيام بالعمليات الإرهابية بشكل مباشر". كما قام العبيدي يقوم بتجنيد عناصر من حزب البعث المنحل ومن السلفيين "الجهاديين" وتوجيههم للقيام بعمليات إرهابية ضد المدنيين العراقيين والقوات الأمنية العراقية في المناطق الشمالية وخاصة في محافظتي كركوك والموصل، إضافة إلى تواطئه مع مجاميع إرهابية من أمثال " فدائيو صدام"، فضلا عن كونه المشتبه الأساسي وراء هجمات القناصين التي تستهدف ضباط الشرطة، وقيامه بتمويل العمليات التخريبية التي تستهدف أنابيب النفط في مناطق كركوك.

 

( و ): الجبهة الوطنية لتحرير العراق

 

تشير المعلومات المستندة إلى تقارير أمنية عراقية أن الإعلان عن ولادة هذه الجبهة جاء حصيلة سلسلة من الاتصالات المكثفة بين ممثلين ميدانيين لاثني عشر تنظيماً مسلحاً من فلول النظام السابق. وفيما لا يعرف الكثير عن القوة الحقيقية لهذه الجبهة، فإنه من المؤكد أن بضع مئات على الأقل من بين أعضائها هم من بعض ضباط الحرس الجمهوري المسرحين، إضافة إلى بعض المسؤولين السابقين في تنظيمات حزب البعث المنحل، وهو ما يمكن استنتاجه من مفردات البيان الذي أصدرته الجبهة غداة الإعلان عن تأسيسها، حيث أكد البيان على أن الجبهة "ستعمل تحت راية الله أكبر"، مطالباً الشعوب العربية بأن "تشد أزرنا، لأن الجرح واحد والمعركة واحدة والعدو واحد"، وهي كناية على التمسك بشعارات النظام السابق الذي ظل يردد باستمرار مثل هذه المقولات.

ووفقاً لمعلومات استخباراتية عراقية وأوروبية متطابقة، أن عدداً من أبناء عمومة الرئيس المخلوع صدام حسين، بعضهم يقيم في كل من سوريا وأوروبا، هم الذين وقفوا وراء تشكيل هذه الجبهة ويقومون بتقديم الدعم اللوجستي لها، بما فيها عمليات تهريب الأسلحة والأفراد والمال إلى داخل العراق لدعم العمليات الإرهابية هناك.

وتشير هذه المعلومات إلى أن "الجبهة الوطنية لتحرير العراق" يقودها ثلاثة على الأقل من أبناء عمومة صدام من أسرة المجيد، الذين يعيشون في سوريا وأوروبا، طبقا لما ذكرته هذه المعلومات. ومن بين الشخصيات الرئيسية، فاتك سليمان المجيد، وهو من أبناء عمومة صدام وضابط سابق في قوات الأمن الخاصة هرب من العراق إلى سوريا في ربيع 2003 وربما لا يزال يعيش هناك.

وقد تبلورت وجهة النظر القائلة أن أبناء عمومته يساعدون على تمويل هذه الجبهة انطلاقاً من حقيقة أن تلك المعلومات معتمدة، جزئيا، على شكوك في تحركات أخيرة للأموال والبضائع، بما في ذلك نقل مبالغ نقدية إلى سوريا، اكتشفتها أجهزة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وأوضحت المعلومات الاستخباراتية أن فاتك المجيد الذي يعتقد انه في الثلاثينات من عمره ويوصف بأنه رجل التمويل الرئيسي في العمليات، يعيش في سوريا بعلم من السلطات السورية. وبالإضافة إلى كونه من أبناء عمومة صدام فهو شقيق زوجة قصي صدام حسين وهو ابن شقيق علي حسن المجيد المعروف أيضاً باسم "علي الكيماوي". وأشارت هذه المعلومات إلى أن فاتك المجيد، الذي لم يكن ضمن أي قائمة أمريكية للمطلوبين،  قد نقل كميات كبيرة من الأموال إلى سوريا، وربما كان متورطا في شراء أسلحة ومساعدة المقاتلين الأجانب على التسلل إلى داخل الأراضي العراقية.

أما الشخص الآخر من أفراد أسرة المجيد، فهو عز الدين الذي وصفته التقارير الاستخباراتية بأنه كان قبل اعتقاله من قبل السلطات العراقية " ممولاً للعديد من التنظيمات المسلحة، بما فيها الجبهة الوطنية لتحرير العراق". وقد أكد مسؤولون أمريكيون أن التقارير الاستخباراتية احتوت على معلومات تربط عز الدين المجيد وفاتك المجيد وشخصية أخرى على الأقل من الأسرة، بالإضافة إلى عدد من المساعدين بعمليات دعم التنظيمات البعثية المقاتلة في العراق. وحدد المسؤولون الأمريكيون الشخصية الثالثة باسم عز الدين المجيد التكريتي وهو من أبناء عمومة حسين كامل، وقالوا إنه يملك مطبعة وله علاقات بالسوق السوداء. وتضيف تلك المعلومات بعدا جديدا لصورة باتت أكثر وضوحاً من ذي قبل للعناصر المنخرطة في هذه الجبهة، بل أخذت تتبلور في الآونة الأخيرة لتلقي الضوء على تركيبة هذه الجبهة التي تضم مجموعة عريضة من الضباط العسكريين والاستخباريين السابقين.[12]

كما أن هناك معلومات استخبارية محددة حول القيادة والسيطرة لهذه الجبهة. وأوضحت أن الجهود الهادفة إلى الكشف عن مسارات التمويل والتسليح قادت إلى "عدة دول، والعديد من الأفراد، الذين يمولون هذه الجبهة". فبالإضافة إلى أسرة المجيد، يبدو أن بعض رجال الأعمال والأصدقاء المقربين يشاركون، أيضاً، في تمويل العمليات المسلحة لهذه الجبهة.

 

( ز ): كتائب الفاروق

 

يعتقد على نطاق واسع أن "كتائب الفاروق" التي أعلن عن تأسيسها في حزيران/يونيو 2003 هي مزيج من عناصر "جهادية" إسلامية ومن بقايا الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام السابق. ويمكن للمرء أن يصل إلى استنتاج مفاده أن "كتائب الفاروق" تضم في صفوفها عناصر "جهادية" غير عراقية أيضاً.

وبالرغم من أن أدبياتها ونشراتها توحي للقارىء أنها تقتصر في عملياتها العسكرية على استهداف القوات الأمريكية في مناطق مثل الرمادي والفلوجة، إلا أن الاعترافات التي أدلى بها بعض عناصر "كتائب الفاروق" الذين ألقي القبض عليهم مؤخراً، تشير إلى مسؤولية "كتائب الفاروق" على ذبح الناس على الهوية، على امتداد الطريق بين اللطيفية والحصوة والإسكندرية والمحاويل، وهم المسؤولون عن مقتل العديد من رجال الدين وقاصدي العتبات المقدسة في النجف وكربلاء في محاولة لإشعال نار الفتنة الطائفية، وجلب الانتباه إلى مناطق أخرى بعيداً عن مناطق "المثلث السني" الأخرى التي تعدها القوات متعددة الجنسيات والحكومة العراقية مركزاً لتصدير"التمرد المسلح" وبؤرة لتوزيع الإرهاب الوافد من خارج العراق.

وفي هذا الصدد، أكدت بعض قيادات "كتائب الفاروق" في اللطيفية أنها نفذت مذابح في حق مسافرين أبرياء في المنطقة التي أطلقت عليها تسمية "مثلث الموت"، وإنها على استعداد دائم لتنفيذ المزيد، وإن عناصرها هم الذين رفعوا ثلاث لافتات على الطريق العام عند مدخل المدينة، يحذرون علناً سكان مدينة الحلة من سلوك هذا الطريق والمرور بمنطقة اللطيفية.

كما أفادت مصادر استخباراتية عراقية أن كتائب الفاروق تتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من عناصر بعثية مقيمة في الخارج، وأنها تنسق هجماتها مع قيادة قوات المقاومة والتحرير في العراق.

ثانياً: "إسلاميو" العراق و "مجاهدو" الخارج

يخطىء من يعتقد أن بروز "الإسلام الجهادي" في العراق إلى واجهة الأحداث كان حصيلة لسقوط النظام السابق، بل يعود بروزه إلى الساحة منذ منتصف السبعينات، وهو التيار الذي انبثق مما يمكن تسميته "عودة الروح" للحركات ذات المشروع السياسي القائم على فرض الإسلام وشرعيته كمنهج سياسي اجتماعي مركزي. 

ففي الوسط السني العراقي، دخلت بصورة متتالية أفكار الأصوليين لاسيما أبو الأعلى المودودي وقادة الأخوان المسلمين في مصر وحزب التحرير الإسلامي. ويمكن للمرء أن يجد امتداداً لها في الأفكار والتنظيمات في مناطق "المثلث السني"، بل يمكن القول إن الولاء لحزب البعث لم يكن سوى ديكور هش لواقع أعقد، ملأت فراغاته أفكار وانتماءات أخرى لم تعلن عداءها للبعث ولا غربتها عنه: إنه التحول من التدين التقليدي إلى الإسلام "الجهادي" الذي أتاحه سقوط النظام في بيئة مؤيدة لهذا النظام ولكنها في الوقت نفسه جاهزة تماماً للابتعاد عنه.

هذان النقيضان الظاهريان، أي تأييد النظام والابتعاد عنه في آن معاً، لم يكونا، على أي حال، ابنا اللحظة الراهنة، ذلك أن مناطق كالفلوجة والرمادي وغيرها من مناطق "المثلث" حصلت فيها اختراقات طفيفة شكلت في ما بعد نواة التحول الذي تشهده هذه المناطق اليوم. في هذا السياق حددت صحافية من مدينة الفلوجة مرحلة التسعينات باعتبارها بداية لتشكل مجموعات إسلامية لم يسبق أن عرفتها المدينة، فبدأت لحى طويلة وملابس شرعية، ومجموعات سلفية قامت ذات مرة بشراء مجموعة أجهزة تلفزيونية وحطمتها أمام حشد من الناس في أحد شوارع المدينة، مما اضطر النظام، في عزّ "الحملة الإيمانية"، إلى إقفال أحد المساجد لإيوائه عناصر تنتمي إلى هذه المجموعات المتشددة. لكن النظام سعى، من جهة أخرى، إلى محاولة كسب عطف هذه المجموعات من خلال "الحملة الإيمانية" التي أطلقها في مطلع التسعينات، حيث بادر إلى بناء المساجد العملاقة وإلى ترميم المساجد القديم، وأضاف عبارة "ألله أكبر" إلى العلم العراقي.

لقد بدا من الواضح بالنسبة للنظام السابق أن سياسة العنف التي كانت إحدى أعمدة حكمه لم تمارس بالصورة المعهودة ضد هذه المجموعات بالمقارنة مع مناطق أخرى من العراق، لأن النظام كان ضعيفاً إلى حد ما في مناطق "المثلث"، خصوصاً الفلوجة والأنبار، لأنه كان يستمد قوته من هذه المناطق، وبالتالي كان من الصعب عليه أن يمارس بطشه فيها، فاضطر إلى إقامة نوع من التوازن أتاح هامشاً واسعاً للجماعات الإسلامية الحركية من اختراقه على الرغم من حال المراقبة الدائمة التي كانت الأجهزة الأمنية للنظام تخضعهم، باستمرار، إليها.

وجوه هذه الجماعات ولحاها كانت تفصح، بصورة جلية، عمّا كان يعتمل في الرؤوس، إنه عالم السلفيين "الجهاديين" الذي كان آخذاً بالاتساع في هذه المناطق، على الرغم من الخبرات الكبيرة التي أظهرتها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام في مجال ملاحقة هذه الجماعات وضبطها، لكنها مع ذلك أحدثت اختراقات كبيرة في صفوف هذه الجماعات، الأمر الذي مكّن الطرفين من إجادة لعبة الرسائل المتبادلة ومن إيجاد مساحة انكشاف مشتركة يستفيد كلاهما منها، مع غلبة الفائدة التي تجنيها الأجهزة الأمنية طبعاً بفعل تغلغلها وضبطها حدود اللعبة.

إلا أن متابعي التيار السلفي "الجهادي" في هذه المناطق يجمعون على أن المساجد كانت عقدة أساسية في بنيانه. ولهذا الارتباط صورة مختلفة، من بينها اعتماده على مجموعة متنوعة من الروافد الفكرية، لعل أهمها توظيف مقولات ابن تيمية ومدرسته المتمثلة في بعض ميراث شيوخ الدعوة الوهابية، كما كان هناك تأثراً واضحاً في مدرسة سيد قطب المتمثلة في "جماعة الجهاد" المصرية، وهناك كذلك "التكفيريون" من أمثال أبو محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) وأبو بصير الطرطوسي ( عبد المنعم مصطفى حليمه)، وبالتالي كان معين هذا التيار مزيجاً من أكثر الأفكار السلفية تطرفاً.

وفي مطلع التسعينات، شهدت العراق تبدلات كبيرة، خصوصاً إثر هزيمة الجيش العراقي بعد احتلال النظام السابق للكويت في العام 1991، بما تمثله من فشل جديد يضاف إلى قائمة طويلة من مغامرات النظام السابق الفاشلة، وما تولد عنه من خيبات وإحباطات أدت إلى لجوء الكثيرين للمساجد باعتبارها باب الخلاص المنشود لانتشالهم من حال الإحباط الذي بات يكتنف تفاصيل حياتهم اليومية، فتغذت السلفية "الجهادية" من معين جديد.

وترسم شخصية علي جاسم محمد المشهداني العضو الناشط في تنظيم "جيش أنصار السنة" في الموصل صورة معبّرة عن التحول الذي طرأ، ولو بصورة بطيئة، على بعض الجماعات العراقية في الانخراط بعالم السلفية " الجهادية". ففي الثمانينات كان علي في عداد الجنود الذين قاتلوا في الصفوف الأمامية في الحرب العراقية الإيرانية، وانضم بعد ذلك إلى قوات "الحرس الخاص"، لكنه في مطلع التسعينات شعر بخيبة الأمل من حزب البعث الحاكم، وبدا حينها يتردد كثيراً على أحد المساجد في منطقة حمام العليل ويقضي معظم وقته هناك. وبسبب هذه التوجهات الدينية، طرد علي من الخدمة العسكرية، لكنه في المقابل أصبح عضواً في جماعة "أنصار الإسلام"، وتحول لاحقاً إلى تنظيم "جيش أنصار السنة"، حيث تشير التقارير الأمنية أن علي أحد المسؤولين عن العملية الإرهابية التي وقعت في كانون الأول/ديسمبر 2004 في قاعدة أمريكية بالقرب من الموصل وراح ضحيتها 22 جندياً أمريكياً.[13]  

وليس بالمستغرب أن يوفر غياب النظام واختفاء مؤسساته الأمنية ظروفاً يمكن على أساسها أن نؤرخ لبداية إعلان التيار السلفي الجهاد عن نفسه، والذي يتصدر ناشطوه الإرهاب في العراق اليوم، من بينهم الشيخ عبد الله الجنابي الذي برز إلى واجهة الأحداث كأحد أمراء "إمارة الفلوجة" على خلفية المواجهات التي شهدتها المدينة مع القوات الأمريكية في ربيع 2004.

وبالفعل، فقد بدا الشيخ الجنابي زعيماً مطلقاً لـ "المجاهدين" الذين ضمت أطيافهم متشددين إسلاميين، بعضهم كان التحق بتنظيم "أنصار الإسلام" في الشمال وعاد إلى المدينة بعد سقوط نظام صدام حسين، وعناصر من قيادات أمنية واستخباراتية عملت في الأجهزة السرية للنظام السابق، مثل عمر حديد الذي كان يشغل مرتبة متقدمة في الحرس الخاص للرئيس العراقي السابق قبل أن يلتحق بتنظيم "القاعدة" ويتدرب في قواعده في أفغانستان،  فضلاً عن قيادات عسكرية وبعثية.

أكثر من ذلك، وسّع الشيخ عبد الله الجنابي منطقة نفوذه إلى اللطيفية وتحويلها "إمارة" رديفة لنظيرتها في الفلوجة، مستنداً، في الأساس، على أبناء عشيرته المتوزعين إلى الجنوب من اللطيفية وتحديداً في بلدات الإسكندرية والحصوة والمسيب وجرف الصخر التي تحولت إلى مراكز متقدمة لهجمات إرهابية مسلحة ضد قوات الشرطة العراقية وإلى فخ قاتل وقع فيه الكثير من المدنيين الأبرياء كما ابتلع المئات من المسافرين خصوصاً على الطريق الرئيسي الذي يصل بين العاصمة بغداد ومحافظات الفرات الأوسط، ما عرف لاحقاً بـ "مثلث الموت".[14]

ويبدو واضحاً أيضاً أن السلفية "الجهادية" العراقية اختارت المسجد كمكان هو الأرسخ من غيره في استقطاب المناصرين لدعوى "الجهاد"، وكمصنع لتفريخ "المجاهدين". ففي مدينة الفلوجة، مثلاً، يصعب على أي إمام مسجد هناك أن يلقي خطبة لا تتضمن الدعوة إلى الجهاد، فالناس يطالبون بإلحاح بالحض على "الجهاد".

ولئن كانت السلفية "الجهادية" تطل برأسها في هذه المناطق التي ساهم واقعها الاجتماعي والسياسي في إنتاج هذا النوع من التيارات العنفية،  فإنها كانت، أيضاً، البيئة الحاضنة لـ "المجاهدين" العرب من أنصار التيارات السلفية الجهادية، أمثال تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي يتزعمــه الإرهابي الأردني أحمد فضيل الخلايلة المعروف بـ" أبو مصعب الزرقاوي"، و "كتائب المجاهدين" و "الجماعة السلفية الجهادية"، وجميعها تيارات "جهادية" تسللت إلى داخل الأراضي العراقية سواء ضمن ما عرف حينها بـ "الدروع البشرية" لقتال القوات الأمريكية في أثناء المعارك التي كانت تدور رحاها قبل انهيار النظام السابق أو ضمن أفواج "الأفغان العرب" بتوجيه مباشر من تنظيم "القاعدة"، لكي تتحول مناطق مثل الفلوجة والرمادي وبعقوبة وبلد والموصل وتكريت عواصم "الجهاد". إنها البيئة الأهلية الأكثر تجانساً في عملية هضمها للوافدين الجدد، حتى وإن أظهرت في بعض الأحيان معارضة لهم.

بدا الأمر إذا صحت الرواية، وهي في الغالب صحيحة، لقاء مبكراً بين مجاهدين "مهاجرين" وبين آخرين "أنصار" في هذه البيئة، بما في ذلك عناصر من حزب البعث، في استحضار لا يخلو من مغزى للفجر الإسلامي الأول، أو بلغة أكثر حداثة، بين القضايا الاستراتيجية الكبرى والعمل التكتيكي المباشر الذي يعالج الوضع العراقي المعقد بالسكاكين والقنابل البشرية. وعاشت الشراكة هذه في حضن شراكة أوسع يتخلل كل واحد من ثناياها ذاك اللقاء بين الشيطاني والرباني، فـ "الأنصار" قدموا المال والمكان وجسر العبور، فيما تبرع "المهاجرون" بالعقيدة "الجهادية".

ومن المسائل التي تحتاج بعض التمعن، في هذا المضمار، هي الطبعة الجديدة لحزب البعث، حيث أن "الصحوة السلفية" ميزت السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين بتشجيع مباشر منه شخصياً. لكن غيابه عن المسرح العراقي ترك بصمات واضحة للخطاب الديني الفائق المميز لبيانات "جهاز الإعلام و النشر" و بيانات "القيادة القطرية" لحزب البعث التي تجعلنا نتساءل عن الحدود التي تفصل حزب البعث "العلماني" عن الفصائل السنية السلفية "الجهادية". ففي حين يصرح "القاعديون" و خاصة "جماعة التوحيد و الجهاد" بتكفير صدام حسين و النظام البعثي السابق، فإن الفصائل السلفية الأخرى تتجنب مهاجمة القيادة البعثية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التحالف بين الطرفين. فبيانات البعث التي تؤكد على قيادته للمقاومة تشير إلى نوع من تشوش العلاقة بينهما: فبالرغم من تجنب الفصائل السنية "المعتدلة" في "المقاومة العراقية" مهاجمة حزب البعث ورموزه، فإن ذلك لا يعني أنها جزء منه و أنها تأتمر بقيادته فهي تصر، على أي حال، على التميز من خلال عناوين سياسية وعسكرية خاصة بها.[15] 

ولكن، ما هي الخطوط العامة لتوجهات هؤلاء "المهاجرين" الذين يغذون يومياً ما يطلق عليه "الجهاد في العراق" ؟ 

ربما نجد بعض ملامح الإجابة لدى رئيس "للجنة الشرعية لجماعة التوحيد والجهاد" عمر يوسف جمعه الملقب بـ (أبو أنس الشامي)، ليس باعتباره شخصاً مقرباً من (أبو مصعب الزرقاوي) فحسب، بل لأنه، ربما الوحيد بين أقرانه، يمتلك موهبة الكتابة أيضاً. ولئن لا يعرف الكثير عن شخصه، إلا أن التدقيق المتأني في قراءة بعض كتاباته والاستماع للبعض الآخر من تسجيلاته الصوتية قبل مقتله في أيلول/سبتمبر 2004 في الفلوجة تتيحان ما يكفي لتقصي برنامج "جماعة التوحيد والجهاد" ورؤيتها.

كان أبو أنس الشامي تلقى تكوينه الفكري، فقهياً ومذهبياً، في الكويت، قبل أن تنقلب الساحة العراقية إلى "ساحة جهاد" بزمن طويل، وكان متأثراً على ما تشير إليه بعض كتاباته اللاحقة بمجموعة سلفية "جهادية" بزعامة الشيخ محمد بن سرور زين العابدين. ويشير الشامي، في هذا الخصوص، إلى أن أول ما دفعه للارتباط الروحي بهذه الجماعة تأثره الكبير، في ظل أجواء حرب الخليج الأولى، بمحتويات المجلة الفصلية التي كانت لسان حال الجماعة وهي مجلة "السنة" التي تصدر عن مركز الدراسات الإسلامية ببرمنغهام في بريطانيا، ولكنه سرعان ما انتقد هذه الجماعة بشدة في الأشهر الأخيرة قبل مقتله لأسباب تتعلق، أساساً، بقراءتها للوضع العراقي وتحديداً لدعمها "هيئة علماء المسلمين في العراق".[16]

وقبل انضمامه إلى تنظيم (أبو مصعب الزرقاوي)، تأثر الشامي بمرشد التيار "الجهادي" في الأردن الشيخ أبو محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) الذي لعب دوراً مركزياً في تقوية عضد الحركة السلفية "الجهادية" بالأردن، ويعدّ كذلك بمثابة "الأب الروحي" للزرقاوي نفسه. ولعل أكثر ما تأثر الشامي به من بين مؤلفات أبو محمد المقدسي كتاب "ملة إبراهيم" الذي يعدّ شبيهاً إلى حد كبير بكتاب سيد قطب "معالم في الطريق" في مستوى تأثيره وصياغته لإيديولوجيا "السلفية الجهادية". ويقوم الكتاب على فكرة بسيط مؤداها الأخذ بنص الآية الكريمة: "وقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده". وهذا الأخذ و"التأسي" يتمثل بالكفر بـ "الطاغوت" والبراءة منه. 

إلا أن لأبي أنس الشامي مصدرين أساسيين آخرين تمكن من خلالهما الإطلالة على تفكير الجماعة و طموحاتها في سياق علاقتها بالوضع العراقي: أولهما "مذكرات مجاهد في الفلوجة"وهي متداولة عبر المواقع الالكترونية سواء بصوته مباشرة أو على شكل ورقة ويرجح أنها منشورة في نيسان/أبريل 2004؛ وثانيهما تسجيل صوتي بعنوان "الرد على شبهات حول الجهاد في العراق" و يُرجح أنه يؤرخ للفترة التي سبقت مقتله بقليل.[17]

المصدر الأول مهم من جوانب مختلفة منها الجانب الإخباري، حيث كان أحد الشهادات القليلة الصادرة من داخل الفلوجة عن الاشتباكات المسلحة التي جرت مع قوات "المارينز" قبل اقتحامها بشهور قليلة. وتمّ فيها، طبعا، التركيز بصورة خاصة على دور "جماعة التوحيد و الجهاد" في سير المعارك التي شارك فيها الشامي قتالا و تحريضا. و في المقابل، تم التهوين من دور الفصائل المقاتلة الأخرى من دون تسميتها بل والتهجم عليها من خلال التشكيك في عزيمتها على القتال وثباتها في "ساحات الوغى"، خاصة تجاه الدعوات التي كانت تنطلق بين الفينة والأخرى لوقف القتال.

ويذكر الشامي، على سبيل المثال، أنه عند انطلاق المفاوضات تفادى الظهور في الصورة كمتحدث باسم "المجاهدين" وقدّم بدلاً منه قائد مجموعة يصفها بـ "المغمورة و قلة العدة والعتاد" للتقليل من شأنها. وهنا يركز الشامي على تنظيم "الإخوان المسلمين" من خلال الدور الذي لعبه "الحزب الإسلامي العراقي" في وقف القتال، و يشير، هنا، إلى محور أساسي في تفكير جماعته نجده في كتابات أخرى يقوم على النقد الجذري لتجربة "الإخوان المسلمين" كونها "أثبتت فشلها" في تحقيق شعاراتها. و تصل هذه الطروحات بالشامي إلى حد تصنيف الإخوان "ضمن خانة أعداء الإسلام".

ويصف الشامي، في هذا الإطار، تركيبة الجماعة حيث تكثر الإشارات إلى أعضاء عرب وغير عراقيين في الجماعــــة، و يقوم بذلك من خـلال تصنيف طريف حيث ينعت العراقيين الأعضـــاء في الجماعـة بـ "الأنصار" ، مثل "الحاج ثامر" الذي ينسب إليه تهيئة عملية اغتيال آية الله السيد محمد باقر الحكيم في مدينة النجف أواخر آب/أغسطس 2003، ويصنف بقية المقاتلين العرب بـ "المهاجرين" في استحضار واضح للفجر الإسلامي الأول، وهو ما يعكس نظرة الجماعة العامة للوضع العراقي، حيث أن المعركة لا تتعلق، بالأساس، بعمليـــة "تحرير وطني للعراق بل بمعركة شاملــة بين قوى "الكفر والردة " من جهـة، وبين "المجاهدين" من جهة أخرى، تخترق الحدود الإقليميــة و ليس العراق إلا أحدى ساحاتها.

وما يكرّس هذه النظرة التي لا تكترث كثيرا ببناء "جبهة وطنية عراقية"  تضم جميع مكونات المجتمع العراقي هو الموقف العدائي تجاه الشيعة، أو كما يحرص الشامي على تسميتهم بـ "الرافضة"، حيث يتم تكفير أئمتهم و تفادي تكفير "عامتهم"، وهو تقسيم معقد يمكن من خلاله تبرير القتل العشوائي للشيعة بسهولة بدعوى إتباعهم لأئمتهم، مثلما حدث في عملية اغتيال آية الله الحكيم. ولا يتعلق الأمر فقط بالقوى الشيعية المكونة للطيف السياسي العراقي كـ  "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" و "حزب الدعوة"، بل يشمل أيضا "التيار الصدري" الذي لا يدخر الشامي جهدا في التشكيك في صدق نواياه حيال "مقاومة الاحتلال" وهو ما تعرض إليه في "الرد على شبهات حول الجهاد في العراق".

 وتنسجم هذه المواقف الراديكالية المتشددة، إلى حد مــا، مع بعض الأفكـار المتقطعة لأبي مصعب الزرقاوي التي كثيرا ما تتردد بصورة تنطوي على الكثير من التشويش وعدم الوضوح الفكري. ففي الورقة المعنونة "من وصايا المجاهدين" يشن الزرقاوي هجوما شرساً على الإمام الشيعي جواد الخالصي الذي يُعرف بمواقفه القريبة من "المقاومة العراقية"، كما وصف محاولات "هيئة علماء المسلمين" مد "حبال الود" للحكومة العراقية بـ "المذلة"، بما في ذلك وصفه للشيخ الخالصي بـ "الرافضي". فالحرب الأمريكيـــــة في العراق تهدف، من وجهة نظر الزرقاوي و الشامي وجماعتهما، إلى "استئصال أهل السنة و الجماعة" من العراق لا أكثر ولا أقل، وهو ما يعني ضمناً أن الشيعة العراقيين هم "عملاء" بالضرورة لـ "الاحتلال الأمريكي". وفي النهاية، فإن الشعار الذي ترفعه الجماعة في علاقة بإنشاء "دولــة إسلامية" قاعدتها العراق، و هو ما يأتي على لسان الشامي وفي أدبيات الجماعة لا يعني إقامة دولة دينية فحسب، بل يعني، أساسا، إقامة دولة سنية سلفية، وبالتالي دولة طائفية لا تعترف، أساسا، بالمكونات الأخرى للواقع الطائفي والديني المميز في العراق.

وفي سياق "الرد على شبهات حول الجهاد في العراق"، يتعرض الشامي، بإسهاب، إلى الاتهامات الموجهة إلى جماعته في علاقة بالتفجيرات العشوائية التي تقوم بها والتي غالبا ما تطال ضحايا أبرياء. و يعتمد في تبرير ذلك على الفتاوى الخاصة بـ"التترس" والتي ازدهرت، بشكل خاص، خلال الحرب الأهلية الجزائرية، وهي الفتاوى ذاتها التي اعتمدت عليها "الجماعة الإسلامية المسلحة" في تبريرها للمجازر التي ارتكبتها أواسط التسعينات حين جمعت في قائمة المستهدفين كل من له علاقة بـ"الطاغوت" حتى من خلال جوار السكنى وهي النقطة التي يركز عليها الشامي. و حين يريد الأخير عقلنة تحليله للنصوص التي تتعرض لمسألة "التترس"، فإنه يشير إلى أهمية التركيز على الظروف الواقعية المفروضة على العمل العسكري و الضرورات المحيطة به، و يشير هنا، بشكل مثير للانتباه، إلى أن "الإسلام دين واقعي" و هو تلميح واضح إلى ضرورة الأخذ بالمستجدات و تفسير النصوص على أساسها، استلهاماً للإيديولوجيا "الجهادية" التي نادى بها أبو محمد المقدسي.[18]

وبصفة عامة، يبرهن الشامي على عزيمة نظرية خاصة لا تتوانى عن استخدام جميع الوسائل المنهجية حتى و لو كانت متباينة "الواقعية و النصية"، كما يقول، لتبرير المنهج الإرهابي للجماعة. وفي الواقع، فإن "مذكرات مجاهد في الفلوجة" تكشف معطيات مهمة في التركيبة التنظيمية لتنظيم "التوحيد والجهاد" التي تفسر، إلى حد كبير، التركيز على عمليات التفجير العشوائي من خلال السيارات المفخخة، حيث يبدو أن العناصر المنخرطة في التنظيم، و خاصة منها العناصر الأردنية التي تكونت نواتها الأولى قبل الحرب في ضيافة منظمة "أنصار الإسلام" قد كانت متدربة بشكل خاص على تفخيخ السيارات. وهذه الحقيقة تؤكدها باستمرار تقارير الأجهزة الأمنية العراقية حيث تشير بالاسم إلى بعض خبراء المتفجرات في "جماعة التوحيد و الجهاد"، من بينهم الإرهابي الأردني "أبو محمد (نضال) من مدينة السلط الذي كان يعتبر "العقل المدبر" لهذه العمليات، و هو ما ينطبق، بالإجمال، على مواصفات هذه العمليات ومنفذيها.    ومهما يكن من أمر، لا يمكننا أن نحصر"القاعديين" في العراق في "جماعــة التوحيد و الجهاد"، فتنظيمات أخرى مثل تنظيم "أنصار الإسلام" و "جيش أنصار السنة" و"الجيش الإسلامي في العراق" و "الجيش الإسلامي السري" و "المجموعة السلفية المجاهدة" تتنافس في إظهار ولائها صراحة لرموز القاعدة و خاصة تجاه أسامة بن لادن و أيمن الظواهري، بالإضافة إلى تخصصها تقريبا في أساليب "قاعدية" وخاصة التساهل و حتى التحمس في مسألة ذبح الرهائن وفي عمليات القتل الجماعي للمواطنين الآمنين.

لكن من الضروري التفريق في هذا الإطار بين الجماعات السلفية "الجهادية" المشاركة في العمليات الإرهابية الجارية في العراق التي لا تعبر بالضرورة عن تعلق خاص بالمدرسة الوهابية-السعودية و بين التنظيمات" القاعدية" في العراق و التي ترتبط فقهيا أو سياسيا بالحلقات الوهابية المتمركزة في المملكة العربية السعودية أو التي يعبر عنها علماء دين سعوديون، من أمثال الشيخ علي الخضير والشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي وغيرهما.

في هذا الخصوص، تُظهر الخلفية التاريخية لإحياء الحركة السنية السلفية في العراق تميزها، منذ البداية، عن توجهات أئمة الوهابية في المملكة العربية السعودية، حيث حرص علماء السلفية في العراق منذ القرن التاسع عشر كأبي الثناء الآلوسي، ثم في القرن العشرين مثل محمد الصواف وهو أيضا أحد مؤسسي جماعة" الإخوان المسلمين" في العراق، إلى التميز عن الوهابيين في العلاقة بكيفية التعامل مع المذاهب الإسلامية والفرق الدينية الأخرى و خاصة منهم الشيعة و الصوفية، حيث حرص السلفيون العراقيون بفعل التركيبة المعقدة للعراق إلى تفادي تكفير المذاهب و الفرق الدينية الأخرى والعمل على مد جسور التواصل معهم و هو التوجه ذاته الذي تمارسه "هيئة علماء المسلمين" الآن. و لا يلقى هذا التوجه عداء كل الأئمة الوهابيين حيث يبرز عدد من هؤلاء كمدافعين عن "هيئة العلماء" التي تتعرض، في المقابل، إلى اتهامات متواصلة بالتخاذل و الخيانة من قبل أطراف "جهادية" مثل تنظيم أبو مصعب الزرقاوي.

و ليس من الغريب في هذا الإطار تعرض "هيئة العلماء المسلمين" إلى انتقادات قوية من قبل أبي أنس الشامي في "مذكرات مجاهد من الفلوجة" حيث هاجم ربطها بين صفتي "الإسلام" و "الوطنية" واعتبرها امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين في العراق. و يبدو أن ضغوطات "مجاهدي" الخارج و ضرورات تطوير أداء العمل العسكري المشترك، قد بدأ يثمر تطورا في نسج التحالفات بين المنظمات المختلفة المعبرة عنه، حيث أن التحالف الذي أُعلن أواخر أيلول/ سبتمبر 2004 بين جماعات سلفية "جهادية" مختلفة خاصة في محيط مدينة الرمادي يأتي على ما يبدو في هذا الإطار.

ولكن أمر بعض الجماعات العراقية الأخرى يبقى محيرا مثلما هو الحال بالنسبة لمنظمة "جيش أنصار السنة". ففي حوار مع أميرها "أبي عبد الله الحسن بن محمود" نشر في صيف 2004 على موقع "البصرة . نت يبدو خطاب هذا التنظيم سلفيا معتدلا حيث يؤكد على مفهوم "الوحدة الوطنية العراقية" من خلال التركيز على ضرورة التحالف مع المقاومة الشيعية للاحتلال و تحديدا "التيار الصدري" الذي أشاد به بشكل كبير، كما كشف عن وجود تعاون عسكري بين "جيش المهدي" و "جيش أنصار السنة" و ذلك في خضم معركة النجف.         ولكن بتاريخ 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2004 أعلنت "الهيئة العسكرية لجيش أنصار السنة" عن إعدام "عميل" عراقي كان واسطة، حسب البيان المنشور، "بين التيار الصدري والمخابرات المركزية الأمريكية "و هو ما يؤكد "وجود علاقة خفية" بينهما و "أن المؤامرة هي في الحقيقة على أهل السنة فقط". و لا يُعرف إن كان التفاهم بين القوات الأمريكية و مقتدى الصدر على تسليم سلاح عناصر "جيش المهدي" في بغداد سببا لهذا التغير المفاجئ. و لكن مؤشرات كثيرة تؤكد التوتر الفكري و السياسي للعديد من التنظيمات العراقية المسلحة و التي تتغير مواقفها أحيانا بسرعة قياسية بشكل يعكس قلة نضجها السياسي، و هو ما يعني أيضا أن الهوية السياسية للأطراف السنية السلفية "الجهادية" لم تستقر بعد حيث مازال بعضها لم يحسم أمره في تحليل المعركة الحالية: معركة "تحرير وطني" بروح إسلامية أم معركة ضد "قوى الكفر و الردة" ساحتها العراق.[19]
إلا أن ما هو بحكم المؤكد أن المقاومة السلفية السنية المتباينة مع التنظيمات ذات التوجهات "القاعدية" هي طرف أساسي في تصعيد العنف الجاري في العراق اليوم. فبالرغم من تباينها السياسي مع "قاعديي" العراق، إلا أنهم مشتبكون معا عسكريا في الساحة العراقية بأساليب قتال متشابهة من حيث الاعتماد على تكتيك حرب العصابات و استراتيجيا القتل العشوائي و لو أنها غير متطابقة تماما من حيث أساليب قتالية أخرى تميز التنظيمات "القاعدية" و خاصة التفجير العشوائي و الاختطاف الفوضوي و الذبح الأعمى للرهائن. أما سياسيا، فلكل منهما معركته الخاصة. وما هو مؤكد أن "قاعديي" العراق لا يرون أنفسهم كجزء من "مقاومة عراقية"، و هم بالتالي لا يتصرفون ضمن
أجندة وأهداف عراقية.

العراق، إذاً، هو وجهة "الخروج" للجهاد، وهو ساحة جنود "الجهاد الجديد"، حيث تتفاوت التقديرات بشأن العدد الحقيقي لهؤلاء "المقاتلين"، ففي حين تشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن عددهم لا يتجاوز بضع مئات من المصريين والأردنيين والسوريين والفلسطينيين واللبنانيين والسودانيين والسعوديين والكويتيين واليمنيين والتونسيين والمغاربة وبعض الجنسيات الأجنبية، تؤكد مصادر استخباراتية عراقية بأن عدد هؤلاء يتجاوز 5 آلاف عنصر.

ومعادلة وجهة الخروج لـ"الجهاد" إلى العراق مع ترجيح ألا يكون تنظيم "القاعدة" هو من شق هذه الطريق, تفترض أن تنظيم أسامة بن لادن هو شيء محدد له قيادته الواضحة وخلاياه المرتبطة بهذه القيادة والتي تتولى تنفيذ توجيهات هذه القيادة تبعاً لخطط مرسومة. لكن الخبراء في شؤون الإرهاب يميلون هذه الأيام إلى الاعتقاد بأن تنظيم "القاعدة" تحوّل إلى فكرة يمكن كل من يؤمن بها أن يعمل على هداها ويصبح، بالتالي، عضواً في هذا التنظيم العالمي والفاعل.

وإذا كان مقاتلو "الدروع البشرية" الأوائل دخلوا العراق بتسهيلات وفرها النظام السابق لهم، فإن تسلل الجماعات المقاتلة الأخرى التي التحقت، متأخرة ربما، بركب "الجهاد، جاء التحاقها مدوياً أكثر. فمع استمرار "السيولة" في ضبط الحدود العراقية مع دول الجوار، خصوصاً سوريا وإيران، انتقلت مجموعات كبيرة من "المجاهدين" إلى الساحة العراقية انتشروا في المدن التي كانت تخضع لنفوذ قيادات أجهزة النظام السابق من ضباط في "الحرس الجمهوري" والمخابرات العامة التي تؤمن "حماية شعبية" للقادمين من الخرج، بما يجعلهم قادرين على التحرك بسهولة نسبية في مناطق عدة من "المثلث".

إشارات كثيرة تدلل على صحة ذلك، ليس أقلها دلالة قول أحد وجهاء مدينة القائم العراقية الذي أشار ذات مرة إلى أنه من الصعب على هؤلاء "المجاهدين" الإقامة في المدينة دون دعم القوى المتنفذة من قيادات أجهزة النظام السابق لهؤلاء واحتضانها لهم. وفي مدينة الفلوجة التي تضم بين أبنائها مئات من ضباط الاستخبارات في الأجهزة الأمنية العراقية السابقة، تشير التقارير إلى استعانة "المجاهدين" القادمين من الخارج بخبراتهم في المسألة الأمنية التي لهؤلاء خبرات لا يستهان بها. وفي هذا السياق تستوقف المرء ملاحظة ضآلة التناقضات بين الفريقين، حيث التأمت الشريحتان في عقدة عنف واضطراب واحدة، من دون أن يعني ذلك أن هذا الالتئام إيجابي، وإنما هو أقرب إلى تجاوز الخلافات إلى وحدة المصير المشترك.

التساؤل الذي يمكن أن يراود القارىء لا بد أن يدور حول هوية هؤلاء "المجاهدين" الذين "خرجوا" إلى العراق، حيث قتل بعضهم وعاد الآخر إلى وطنه الأصلي فيما لا يزال البعض الثالث في العراق، لعل من بينهم المقاتلون القادمون من مصر، حيث قدرت المصادر الأمنية عدد المصريين الذين توجهوا إلى العراق بنحو 750 عنصراً ضمن صفوف المقاتلين العرب ينخرطون سواء في تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" أو في تنظيم "جيش أنصار السنة"، استخدم البعض منهم البوابة السورية للنفاذ إلى الساحة العراقية، فيما تسلل البعض الآخر عبر الحدود الإيرانية.

وفي هذا الصدد، كشفت المعلومات الأولية التي حصلت عليها أجهزة الأمن المصرية، أن نحو 200 من هؤلاء المقاتلين دخلوا الأراضي العراقية عن طريق الحدود السورية عقب بدء الحرب مباشرة في صورة متطوعين عرب للقتال ضد قوات التحالف، وأن السلطات الأمنية العراقية قامت باحتجاز 75 منهم، تم القبض عليهم عقب الاجتياح العسكري لمدينة الفلوجة في أيلول/سبتمبر 2004 .

لكن أهم الجماعات المصرية "المجاهدة"، التي توصف بالمحترفة، لم يتجاوز عددها المائة عنصر، تسللوا إلى الأراضي العراقية عبر البوابة الإيرانية ضمن أفواج "الأفغان العرب" بتوجيه من تنظيم "القاعدة" الذي كان أعدّ خطة لانتشار مقاتليه في حال سقوط نظام "إمارة طالبان" في أفغانستان. وتشير تقارير أجهزة المن المصرية أن أيمن الظواهري أصدر تكليفاً للعقيد محمد مكاوي، ضابط الاتصال بين التنظيم و"الحرس الثوري" الإيراني، للتحرك باتجاه إقامة "قاعدة" لهم في داخل الأراضي العراقية.

وبالفعل، ففي كانون الأول/ديسمبر 2001 دخل الأراضي الإيرانية أكثر من 500 عنصر من "الأفغان العرب"، بينهم مائة مصري، تقول التقارير ذاتها أنهم مكثوا أكثر من شهرين في منازل جاهزة على الحدود الإيرانية العراقية المشتركة، ثم انتقلوا في شباط/فبراير 2002 إلى المناطق الكردية التي كانت جماعة "أنصار الإسلام" تسيطر عليها التي ظلت توفر المأوى والتدريب لكوادر تنظيم "القاعدة" حتى آذار/مارس 2003 عندما قصف الطيران الأمريكي هذه المناطق، الأمر الذي أدى إلى تشتت عناصر جماعة "أنصار الإسلام" فيما تسللت عناصر من المجموعة المصرية لمناطق عراقية أخرى تقع جميعها في "المثلث"، حيث انضم هؤلاء سريعاً إلى جماعة "جند الشام" التي استبدلت اسمها إلى "التوحيد والجهاد" نظراً للثقل المصري في صفوف أعضائها.[20]

لم يكن المقاتلون المصريون وحدهم قد رفدوا ميدان الجماعات الإرهابية في العراق، فهناك أيضاً العناصر السعودية التي تسللت عن طريق الحدود الشمالية الغربية لإيران أو تلك التي قدمت عن طريق سورية لتصبح جزءاً من تصعيد المشهد الدامي على المسرح العراقي. وتقدّر مصادر أمنية رسمية سعودية عدد العناصر السعودية التي تدفقت إلى الأراضي العراقية بنحو 2000 إلى 3000 آلاف عنصر، فيما صرحت مصادر تنظيم "القاعدة" بأن عدد هؤلاء السعوديين يفوق الـ 5000 عنصر، يتوزعون تنظيمياً بين تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" وتنظيم "جيش أنصار السنة". وقد أظهرت البيانات التي أصدرتها جماعة الزرقاوي في الشهور القليلة الماضية أن غالبية العمليات الانتحارية التي نفذت في العراق قام بها سعوديون، قاموا بتصوير وصاياهم قبل تنفيذ عملياتهم، كما أن بعض أشرطة الفيديو التي نشرتها الجماعة في شبكة الإنترنيت أظهرت أشخاصاً يتحدثون بلكنة سعودية لا يرقى إليها الشك.[21]

 ومؤخراً، كشف 4 سعوديين عادوا من العراق إلى منطقة القصيم عن حقائق خطيرة حول كيفية جذب الشباب السعودي إلى الجهاد في العراق. وأكد الشبان الأربعة أن الجماعات ألمسلحة في العراق تجبر الشباب السعودي على تنفيذ عمليات تفجيرية من خلال قيادة سيارات مفخخة أو تنفيذ عمليات انتحارية بأحزمة ناسفة. وروى الشبان العائدون تفاصيل رحلتهم إلى العراق والعودة منها عبر سوريا، وقالوا إنهم تعرضوا لإقناع من بعض المتحمسين لفكرة الجهاد، الذين ركزوا خلال أحاديثهم معهم على أن الجهاد فريضة على المسلم، وأن إخوانهم في العراق يحتاجون إلى مساعدتهم والدفاع عنهم، في ظل الأخبار التي تزدحم بها وسائل الإعلام عن الممارسات الأمريكية ضد المسلمين العراقيين، وخاصة بعد أحداث الفلوجة والرمادي وغيرهما من المدن العراقية. وأكدوا أن هؤلاء المتحمسين لفكرة الجهاد يختارون الشباب ما بين سن 21 و25 عاما.

 وكشف هؤلاء الشبان عن وجود نحو 300 سعودي من أبناء منطقة القصيم فقط وصلوا إلى العراق خلال الفترة الماضية، ولكن بعضهم آثر العودة إلى السعودية بعد أن اقتنع بعدم جواز الجهاد في العراق فور صدور فتوى من بعض العلماء في هذا الشأن، واكتشافهم أن سبيل الجهاد الوحيد المتاح أمامهم هو تنفيذ عمليات انتحارية بسيارات مفخخة أو أحزمة ناسفة، وقالوا إنهم عندما عقدوا العزم على "الخروج" إلى "الجهاد" في العراق، أخفوا الموضوع عن أسرهم، وتمكنوا من استخراج جوازات سفر، وركب الأربعة سيارة أحدهم، عبر الحدود السعودية- السورية. وما إن وصلوا إلى سوريا حتى توجهوا إلى قرى تقع على الحدود السورية- العراقية. وأشاروا إلى أنهم اجتازوا نقاط التفتيش السورية عند عودتهم من العراق بشكل طبيعي، فيما كانوا يجتازون نقاط التفتيش العراقية بالالتفاف حولها.[22]

وقد بيّنت دراسة تحليلية قام بها أحد المعاهد المتخصصة بشؤون الإرهاب لقوائم قتلى "المجاهدين" في العراق، فوجدت أن هناك 154 عربيا قُتلوا هناك خلال الفترة الواقعة بين تشرين الثاني/نوفمبر 2004 و نيسان/أبريل 2005 حيث يشكل السعوديون منهم نسبة 61 في المائة بينما يشكل العراقيون والسوريون والكويتيون معا نسبة 25 في المائة. كذلك وجدت أن نسبة 70 في المائة من المهاجمين الانتحاريين الذين ذكرت أسماؤهم عبر مواقع الانترنت هم سعوديون. وفي ثلاث حالات وجدت الدراسة أن أخوين نفذا هجومين انتحاريين. كما أن الكثير من هؤلاء المهاجمين الانتحاريين متعلمون بشكل جيد، وفي أواخر العشرينات من أعمارهم، حسبما جاء في قوائم القتلى. ولاحظت الدراسة أنه"على الرغم من عدم اكتمال هذه القوائم، فإن هناك مشاركة كثيفة للمتطوعين السعوديين لغرض القتال في العراق". وهذه القائمة التي تم جمعها من خلال متابعة ما يقرب من عشرة مواقع انترنت خاصة بـ "المجاهدين"، والتي تضم ما يقرب من 200 اسماً، تتضمن الكثير من الطلبة أو أشخاص ينتمون إلى عائلات ثرية، وهي ميزة اجتماعية مماثلة إلى حد كبير لمنفذي هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية.[23]

أما المقاتلون السوريون فقد جاؤوا بصفة أساسية من مناطق السنة المحيطة بمدينتي حلب وحماة ومن أقاليم شمالية عشائرية تشترك في الوشائج مع قبائل مماثلة في العراق، فيما جاء مقاتلون آخرون من المخيمات الفلسطينية في سوريا. وعلى الرغم من أن ليست هناك أرقام محددة لعدد المقاتلين السوريون في العراق، إلا أن بعض التقارير الأمنية الصادرة في صيف 2003 أشارت إلى أن عددهم في مناطق "المثلث" كان يفوق، في بعض الأحيان، المقاتلين المحليين.
هذه الحقيقة لا تنفي طبعاً توجه عشرات من الشباب اللبنانيين إلى العراق بهدف
الخروج إلى "الجهاد" هناك. فثمة دلائل لا تقبل الدحض تؤكد فقدان الكثير من العائلات اللبنانية أبناءها فجأة ووصول أخبار عن مقتل الكثيرين من هؤلاء في المدن العراقية، خصوصاً في الفلوجة وسامراء. وإضافة إلى هؤلاء الشباب ثمة من بين الذاهبين إلى "الجهاد" في العراق عشرات من الشباب الفلسطينيين المقيمين في لبنان، لعل أبرزهم القيادي في تنظيم المتشدد الأردني "أبو مصعب الزرقاوي" الذي يدعى "أبو محمد اللبناني"،
وهو قتل أخيراً في الفلوجة.

وعلى الرغم من الكنية "اللبنانية" التي يحملها "أبو محمد "، تؤكد مصادر أمنية عراقية انه يحمل هوية اللاجئين الفلسطينيين من أحد مخيمات لبنان، وانه كان أحد المساعدين الأساسيين للزرقاوي، وقد تولى نعيه عندما قتل على أحد مواقع الإنترنت، المسؤول الشرعي في تنظيم الزرقاوي "أبو انس الشامي" الأردني الفلسطيني الذي قتل قبله بأيام معدودة لكن من هم هؤلاء اللبنانيون الذين توجهوا إلى "الجهاد" في العراق ؟  وما هي القنوات التي سلكوها خلال توجههم هذا ؟ يبدو إن المناطق اللبنانية الأكثر تساهلاً في ذهاب أبنائها إلى العراق هي بعض المناطق السنّية التي تعيش على هامش الانتعاش الذي شهدته أوضاع هذه الطائفة بعد انتهاء الحرب في لبنان. فمعظم الذين أعلن مقتلهم في العراق هم أبناء مناطق وقرى البقاع الغربي اللبناني وتحديداً القرعون ومجدل عنجر والمنارة، ومنهم فادي غيث وعمر درويش من بلدة القرعون وعلي الخطيب وحسن صوان من بلدة مجدل عنجر وجميع هؤلاء قتلوا في الفلوجة وسامراء.  ولكن بين قتلى "الجهاد" العراقي من اللبنانيين أيضا عدداً من سكان المدن وتحديداً من مدينتي صيدا وطرابلس السنيتين. ومن بين هؤلاء فلسطينيون من سكان المخيمات اللبنانية؛ إذ وصل قبل شهور قليلة خبر مقتل الشاب محمد فران من سكان مدينة صيدا الجنوبية، وبعده بقليل أقام الشيخ جمال سليمان، وهو فلسطيني منشق عن حركة "فتح"، مجلس عزاء وتبريك في مخيم عين الحلوة اثر تنفيذ نجله عملية "استشهادية" في مدينة الموصل الشمالية.
وما يجمع بين هذه المجموعات انتماؤها إلى التيارات السلفية "الجهادية"
التي يبدو أنها لا تتقاطع عند قيادة واحدة في لبنان. فجميع هؤلاء الشباب هم "أبناء الحركة السلفية في لبنان". وهذه الحركة الآخذة في التوسع في أوساط المهمشين من أبناء المناطق الطرفية السنية ترتبط بعلاقات متفاوتة مع مثيلات لها في دول الجوار.

ويبدو أن قنوات الاتصال بين السلفيين الجدد في لبنان وبين نظرائهم في الدول القريبة والبعيدة شقت عبر مشايخ معروفين ومكرسين في دولهم. وقد استعملت هذه القنوات في عمليات المفاوضة على إطلاق مخطوفين لبنانيين في العراق, وكذلك توصل عدد من أهالي "المجاهدين" إلى أبنائهم واطمأنوا إليهم عبر هذه القنوات. فقد زار لبنان أخيراً الشيخ السلفي مهدي الصميدعي والتقى بعدد من الأهالي القلقين على أبنائهم "المجاهدين" وعندما عاد إلى العراق سعى إلى معرفة مصير هؤلاء الشباب وطمأن أهاليهم.[24]

ويبقى الوافدون من الأردن في مشهد بين الظلال والأشباح، فالأسماء التي يروج عادة لها وهي في معظمها من أصول أردنية معروفة، لكن تفاصيل أعداد المنحدرين من أصول أردنية تبقى غائمة. وتتفاوت تقديرات الذين "خرجوا" لـ "الجهاد" إلى العراق كثيراً، ففي حين تقدّر الأجهزة الأمنية الأردنية أن عددهم لا يتجاوز الخمسمائة عنصر، يؤكد آخرون أن هذا العدد هو من مدينة الزرقاء لوحدها وهي منبت التيار السلفي "الجهادي" التي ينتمي إليها أبو مصعب الزرقاوي، إلا أن مدينة السلط الشرق أردنية التي التحقت متأخرة ربما بركب السلفية "الجهادية" جاء التحاق أبنائها بـ "الجهاد" على الساحة العراقية مدوياً أكثر. أما البرهان الساطع على هذا التأكيد هو أن عدد القتلى من أبناء هذه المدينة في العراق يتعدى عددهم في أي مدينة أردنية، حتى أطلق عليها البعض تسمية "مدينة الشهداء"، من بينهم رائد خريسات ولؤي الكايد ومعتصم درابكة ومحمود النسور وقتيبة أبو عبود وأمجد دباس.

وثمة "مجاهدون" آخرون عادوا من الساحة العراقية، ومعظم هؤلاء في السجون الأردنية اليوم من بينهم حمدان خالد الخطيب غنيمات ، وهو من مواليد عام 1972، الذي يروي قصة التزامه بالتيار السلفي "الجهادي"  منذ العام 1993، حيث يقول إن تحولاً كبيراً حدث في حياته تمثل في حالة من التدين الممزوج بموقف سياسي متلبس بأفكار تدعو إلى تطبيق الشريعة، وتكفر من لا يحكم بها، وتأخذ موقفا متشددا من الحكومات والجيوش والشرطة، مما أدى إلى خروجه من سلك الجيش.

وفي العام 2000 "هاجر" إلى كردستان العراق لينضم إلى زملائه الذين سبقوه للجهاد مع "أنصار الإسلام" ، ثم اعتقلته إيران وأرسلته إلى سوريا، ومنها عاد إلى الأردن، إذ جرى اعتقاله على الحدود، ومكث في السجن قرابة ستة شهور. يقول غنيمات: "سافرت إلى كردستان للقيام بفريضة الجهاد في سبيل الله، وقد سمعت عن استشهاد الأخوة الذين سبقونا رائد ومعتصم ومحمود ولؤي في كردستان، فقررت الذهاب هناك والالتحاق بالمجاهدين في سبيل الله، وذلك لأن راية الجهاد واضحة في تلك المناطق. فسافرت إلى إيران، ومن هناك بطريقة التهريب دخلت إلى كردستان إلى المناطق التي تسيطر عليها أنصار الإسلام. آنذاك كان شمال العراق دون سلطة سياسية، وإنما كانت تتنافس الفصائل الكردية على السيطرة على المدن والتجمعات والمناطق، وأغلب التيارات علمانية، فكانت هناك مواجهات وصراعات دائمة بينها وبين أنصار الإسلام، والتي كانت بدورها تطبق الشريعة الإسلامية، وتقيم الحدود في المناطق التي تسيطر عليها".

طريق "الخروج" لـ "الجهاد" في العراق ليست هاجساً بالنسبة إلى هذه المجموعات ولكل من يرغب في "الجهاد"، فالحدود العراقية قريبة جداً عبر سوريا أو إيران. ولكن الأهم من ذلك هو تلك الرابطة التي عقدت من جديد بين الجماعات السلفية؛ ثمة بيئات يمكن "الإسلام الجهادي" أن يستثمر فيها، وان تضيع ملامح الفئات المستثمِرة والمستثمرة، فيصير من الصعب التمييز بين حقيقة الانتماء إلى تنظيم "القاعدة" أو إلى مجموعات تأتمر بتوجيهات هي عبارة عن نداءات بعيدة للانخراط في "الجهاد" العالمي.

ومهما يكن من أمر، فثمة صعوبة واضحة تواجه الباحث في تسليط الضوء على دور هذه المجموعة أو تلك في العمل الإرهابي الجاري في العراق اليوم لأن طبيعة المرحلة بأحداثها السريعة وتناقضاتها الواضحة تؤلف، بحد ذاتها، الصعوبة الأولى التي تواجه من يتصدّى لمعالجة الهياكل التنظيمية للمجموعات ذات الطابع السلفي "الجهادي"؛ إذ أن ردم الفجوات العديدة والمتشابكة ليس بالأمر الهيّن، خصوصاً أن الوثائق الخاصة ليست، جميعها، في متناول اليد، مما يدفع بالمحلل، في حالات غير قليلة، إلى المقارنة والتحليل والاستنتاج، ولكن، أيضاً، إلى الاستعانة بحدسه، بل إلى قدر ما من الانطباعية لتفسير دوافع هذه المجموعة أو تلك في هذا الموقف أو ذاك.

وإذا كان من الصعوبة رصد هذه المجموعات التي شهدت ازدهاراً لم يسبق له مثيل، فإن ذلك يعود بالدرجة الأساس إلى أن "بورصة الأسماء" في تغير مستمر حسب ما تقتضيه الظروف والمستجدات. فأسماء تنظيمات مثل "كتائب أبو حفص المصري" و "فصيل حمزة" و"منظمة الجهاد الإسلامي" و "الجماعة السلفية الجهادية" و "جماعة أبناء الإسلام" و "مجاهدو الطائفة المنصورة"، قد غابت عن واجهة الأحداث، فيما أضيفت إلى القائمة أسماء تنظيمات أخرى مثل "حركة الجهاد الإسلامية" و "منظمة الجهاد" و "كتائب خطاب الاستشهادية"، وكأنها "لعبة" مستمرة لا يبدو لنهايتها أفق محدد أو معلوم. ولعل أبرز التنظيمات التي ثبتت أقدامها في الساحة العراقية، هي: 

 

( أ ): أنصار الإسلام

 

وفرت الأوضاع في إقليم كردستان العراق وعلى نحو متواصل ظروفاً يمكن على أساسها أن نؤرخ لبداية نشوء التيار السلفي الجهادي الذي يتصدر ناشطو "أنصار الإسلام" السابقين بعض العمليات الإرهابية في العراق اليوم. فالمحطة الأساسية الأولى كانت في العام 1978 التي تؤرخ لأول ظهور علني لفكر سلفي جهادي في شمال العراق يختلف جذرياً عن الفكر التقليدي لحركة الأخوان المسلمين. فقد كان نجاح الثورة الإسلامية في إيران والاحتلال السوفياتي لأفغانستان بداية تحفيز ظاهرة ازدهار تيار السلفية "الجهادية" في البيئة الكردية العراقية بشكل خاص، وكان تشكيل "الجيش الإسلامي الكردستاني" في العام 1980 في جبال كردستان بمثابة التعبير الحيّ عن تبلور هذا التيار المقاتل.[25]

لكن يبدو أن السلفية "الجهادية" دخلت المجتمع الكردي العراقي من أبواب أخرى. ففي العام 1985 تم الإعلان عن تأسيس "الرابطة الإسلامية الجهادية"، وبعد ذلك بعامين تم تشكيل "تنظيم الحركة الإسلامية" في كردستان العراق على يد الشيخ عثمان عبد العزيز. ورغم "التكفير" الذي بدأ يطلقه بعض المنتمين إلى الحركة السلفية "الجهادية" على تنظيم الحركة الإسلامية، إلا أن التعايش بين الاتجاهين ظل قائماً ولو إلى حين.

في هذه الفترة، اضطر عشرات الآلاف من الأكراد للنزوح الجماعي من أراضيهم باتجاه الحدود مع إيران والإقامة في مخيمات مؤقتة، أسهمت على نحو مباشر في تعمق الفكر السلفي "الجهادي" في صفوف الشباب الكردي هناك، حيث برز شكل من أشكال صراع الأجيال داخل الحركة الإسلامية التقليدية التي كان خطابها الهادىء وقبولها الدخول في العملية السياسية يشكل استفزازاً إضافياً للأجيال الجديدة التي لم يعد يشبع حاجاتها في ظل ازدهار الدعاوى العنفية وانعدام الأفق السياسي؛ ذلك أن تداخل المخيمات كان يضفي على المشهد مزيداً من القسوة والغرابة والاضطراب، يضاف إليها احتقان سياسي مصدره أحداث حلبجة ونتائج موجات النزوح الجماعي نحو الحدود الإيرانية، ربما تفسر، إلى حد كبير، تفشي الدعاوى السلفية "الجهادية" في أوساط الشباب الكردي المحبط.

من هنا يمكن فهم الانشقاقات التي توالت داخل الحركة الإسلامية الكردستانية، خصوصاً بعد عودة النازحين من المخيمات بعد اندحار القوات العراقية عن إقليم كردستان في العام 1991 . ومن بين التنظيمات التي راحت تنشأ تباعاً في تلك الحقبة، ولعل أبرزها "حركة النهضة" التي اندمجت، في وقت لاحق، مع الحركة الإسلامية الكردستانية لتكونا معاً "حركة الوحدة الإسلامية" التي سرعان ما دبّ الانقسام في صفوفها، هي الأخرى، لينفي واحدها الآخر. ففي بداية أيلول/سبتمبر 2001 أعلنت منظمة "جند الإسلام" عن نفسها ضمت في صفوفها عدداً من "المجاهدين" العائدين للتو من إمارة أفغانستان، لعل أبرزهم قائد الجماعة هوليري ووريا هوليري الملقب بـ "أبو عبيد الله الشافعي" الذي كان منخرطاً في السابق بحركة الوحدة الإسلامية في مدينة أربيل قبل "خروجه" للجهاد في أفغانستان في العام 1994، وعمر بازياني الذي كان أحد العناصر القليلة التي تلقت تدريباتها في معسكرات تنظيم "القاعدة" في أفغانستان. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2001، اندمجت منظمة "جند الإسلام" مع كل من حركة "حماس" الكردية و "حركة التوحيد" في تنظيم "أنصار الإسلام" بزعامة نجم الدين فرج (الملا فاتح كريكار) وشقيقه خالد سيدو (قتل مؤخراً) و أبو عبيد الله الشافعي وعمر بازياني ورزكار أحمد وآسو هاولير وأيوب أفغاني ومحمد وميض عبد عيسى المعروف أيضاً باسم "محمد الحويجي"وآخرين غيرهم.

وتتفاوت تقديرات أعضاء "أنصار الإسلام" كثيراً. ففي حين تؤكد مصادر "الاتحاد الوطني الكردستاني" أن عددهم الإجمالي لا يتجاوز عدة مئات، تشير مصادر أخرى أن العدد يتراوح بين 1000-1500 عنصراً، من بينهم نحو 80 من المجاهدين "الأفغان العرب" من أصول مغربية وسورية وأردنية وفلسطينية ومصرية، إضافة إلى 60 من المجاهدين "الأفغان العراقيين" الذين تلقوا، جميعاً، تدريباتهم في معسكرات في أفغانستان.[26]

كان معقل "أنصار الإسلام" قرى بيارة وخورمال وسركت ودركاي شيخان في المنطقة الواقعة بين مدينة حلبجة والجيب الجبلي على الحدود مع إيران، حيث أطلق عليها بعض الأهالي لقب "تورا بورا العراق"، بصفتها محطة تبدل اجتماعي لمسه العديدين من سكان المنطقة "الأصليين" من تكاثر المسلحين ذوي الوجوه العابسة والكالحة وكأن أصحابها يعلنون استياءهم من العزوف التقليدي عن طابع التديّن عند السكان القرويين من ذوي المزاج الجبلي الكردستاني، ويمتد إلى رسوخ اللحية وتجذرها في الوجه، إضافة إلى تمتعهم بالبنية الجسمانية المتينة.

لقد فرض هؤلاء المسلحون المتشددون "ورعهم" و "تقواهم" على القرى التي كانت خاضعة لسيطرتهم، حيث مورست الحسبة على نطاق واسع، فكان هؤلاء يأمرون بإغلاق المتاجر في أوقات الصلاة، وحرموا سماع الموسيقى وأتلفوا أشرطة الغناء ومنعوا بيع الخمور وتعاطيها ولعب النرد في المقاهي، وتضاعف الضغوط على النساء لجهة أنواع الملابس وشكل الحياة بفرض الالتزام باللباس الشرعي تحت طائلة العقوبة الجسدية.

دشن تنظيم "أنصار الإسلام" أحداث العنف في أيلول/سبتمبر 2001 عندما نصب أفراده كميناً قتل فيه 42 مقاتلاً من الاتحاد الوطني الكردستاني. وشكل هذا العمل إنذاراً للأكراد الذين سارعوا لإقامة جبهة دفاع تقليدية. وأصبح من الواضح أن الأكراد كانوا بين أهداف الحرب الجهادية الجديدة.

وبالفعل فقد انطلقت موجة جديدة من العنف في نيسان/أبريل 2002 بدأت بمؤامرة مدبرة سياسياً، حيث حاولت الجماعة اغتيال برهم صالح أحد قادة الاتحاد الوطني الكردستاني، وقتل في الاشتباك الذي نشب عقب المحاولة خمسة من حرسه الشخصي واثنين من المهاجمين. وأصبح تكتيك "أنصار الإسلام" أكثر دموية وذلك لإحداث أكبر قدر ممكن من التخريب. ففي حزيران/يونيو من العام ذاته، فجرت الجماعة مطعماً جرح فيه عشرون شخصاً وقتل طفل. وفي تموز/يوليو 2002 قتلت الجماعة تسعة مقاتلين من الاتحاد الوطني الكردستاني. وفي حركة تستلهم ما قامت به حركة "طالبان" من تفجير تماثيل بوذا في ولاية باميان بأفغانستان، أقدمت جماعة "أنصار الإسلام" على تدمير مجموعة من المقامات والمقابر الصوفية قرية بيارة. وفي كانون الأول/ديسمبر، شنت الجماعة هجوماً مفاجئاً على الاتحاد الوطني بعد إرسال الأخير لـ 1500 من البيشمركه لقضاء إجازة عيد الفطر. وحسب المعلومات الواردة على موقع أنصار الإسلام على الإنترنت فإن الجماعة قتلت 103 مقاتلين من الاتحاد الوطني الكردستاني وجرحت 117، ونشرت صوراً بشعة لبعض الضحايا على الإنترنت.

ومع تزايد أعمال العنف بدأت تظهر معلومات عن الجماعة تتعلق بأمور أخرى مثيرة للقلق.  ففي مطلع العام 2003 تم اعتقال 30 مقاتلاً من الجماعة (15 إلى 20 منهم عرب) في محافظة السليمانية. وأكدت مصادر استخباراتية أن هناك معلومات هامة عن هذه الشبكة ظهرت أثناء استجواب المعتقلين. وبناءًا على هذه الشهادة وأنباء أخرى توضحت المعلومات عن منشآت أنصار الإسلام الكيماوية الجديدة. ولقد تأكد بصورة دقيقة أن غاز السيانيد ومادة الرايسن السامة كانت من ضمن المواد التي تعاملت بها الجماعة. وما تسرب من التحقيقات أن جماعة "أنصار الإسلام" قامت بتهريب غاز الأعصاب VX عبر تركيا في نهايـة العام 2001 . وصرح أحد المسؤولين في الاتحاد الوطني الكردستاني أن هناك دليلاً واضحاً على إجراء الجماعة تجارب على الحيوانات. وقال مسؤولون أكراد آخرون أن لديهم "شهود عيان، واعترافات السجناء، وأدلة محسوسة" تدعم هذه التصريحات.

من جهة أخرى، تزايدت الشكوك بأن جماعة "أنصار الإسلام" تتعامل بشكل مباشر مع نظام صدام حسين. وأشارت بعض التقارير إلى أن نظام صدام ساعد في تهريب الأسلحة إلى الجماعة من أفغانستان. وادعى خبراء المتفجرات الأكراد أيضاً أن الـ TNT الذي تستخدمه الجماعة من تصنيع الجيش العراقي وأن المناطق التي يتم تهريب الأسلحة منها خاضعة لنفوذ نظام صدام، وقيل أن التعاون يجري عبر رجل يدعى أبو وائل من تنظيم القاعدة يعمل في تنظيم جداول الرواتب في نظام صدام.

وكان من المعتقد أيضاً أن أبو مصعب الزرقاوي العضو البارز في القاعدة والذي رتب الهجوم على صالح في ربيع 2002 له صلة بصدام. ومع اقتراب موعد الحرب أعلنت السلطات الأمريكية أن أبو مصعب تلقى عناية طبية في بغداد، حيث آوى صدام الزرقاوي ومساعديه لمدة ثمانية أشهر. وتوصلت الاستخبارات إلى أن أبو مصعب له اتصال مباشر بأنصار الإسلام حيث أشرف على معسكر تدريب إرهابي شمال العراق قبل الحرب.  ويعتقد أنه المنسق لقتل موظف USAID لورنس فولي في عمــان في تشرين الأول/أكتوبر 2002 . وأشار المحلل السابق في مكتب التحقيق الفدرالي ماتيو ليفيت إلى أن الزرقاوي كان يتزعم 116 شخصاً في شبكة القاعدة وأن "السلطات ربطت بينه وبين هجمات المغرب وتركيا ومناطق أخرى في أوربا". 

كما أشير أيضاً إلى أن إيران لعبت دوراً هاماً في دعم أنصار الإسلام. وبالفعل سمحت إيران للجماعة بالنشاط بحرية على طول الحدود رغم علاقة الجماعة بتنظيم القاعدة. وقد ادعى الأكراد فيما بعد أن إيران تقدم دعماً لوجستياً عن طريق سماحها بتدفق البضائع والأسلحة، وتأمينها منطقة آمنة خلف الجبهة.

وكانت هناك علاقة أخرى، حيث قضى الزعيم الروحي للجماعة ملا كريكار سنوات عديدة في إيران واعتقل في أمستردام بعد وصوله من طهران. وذكرت صحيفة "ملييت" التركية أن أفراد الجماعة غادروا مقرهم متجهين بالسيارات إلى إيران في إشارة إلى التنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولكن طهران نفت وجود أي علاقة مع الأنصار.

وما لبثت ظروف مثلى أحاطت بنشأة هذا التنظيم، فطهران قدمت المكان وجسر العبور فيما تبرع زعيم تنظيم "القاعدة أسامة بن لادن بالمال والعقيدة. وطبقاً لمصادر مطلعة، تلقى تنظيم "أنصار الإسلام" مبالغ مالية راوحت بين 300 إلى 600 ألف دولار جرى تحويلها من الحساب الشخصي لبن لادن من أجل تغطية مصروفات التنظيم اليومية والتزود بمعدات وأسلحة كان "أنصار الإسلام" في أمسّ الحاجة إليها.[27]

واستناداً إلى مصادر استخباراتية فإن الجماعة تلقت المال من أحد أعضاء القاعدة البارزين في لندن عمر محمود أبو عمر المدعو "أبو قتادة".  وفي نيسان/ أبريل 2003 أفادت تقارير استخباراتية أن الشرطة الإيطالية سجلت مكالمة لأحد أئمة المساجد في مدينة كريمونا بإيطاليا مفادها أن سوريا كانت تلعب دوراً محورياً في تجنيد المتطوعين. وتتلقى الجماعة تمويلاً بشكل دائم من ممولين سعوديين.

في هذه الأثناء، اكتملت الولايات المتحدة الأمريكية التحضيرات للحرب تقريباً بحلول شهر شباط/فبراير 2003. ووجه وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول أثناء خطابه في الأمم المتحدة دعوة إلى دول العالم لمجابهة نظام صدام، واعتمدت هذه الدعوة على دليل يتعلق بأنصار الإسلام. ولم يترك باول مصدراً للشك بأن أنصار الإسلام ستكون الهدف الثاني بعد صدام في الحرب الأمريكية المقبلة. وكان من المفترض بجماعة أنصار الإسلام أن تسعى إلى تحسين صورتها، لكنها نحت منحى الهجوم وأعلنت مسؤوليتها عن عملية اغتيال الوزير الكردي شوكت حاجي مشير العضو المؤسس للاتحاد الوطني الكردستاني في 8 شباط/فبراير 2003، حيث أطلق عناصر الجماعة النار على رأس مشير، وقتل في هذه العملية أربعة من المدنيين من بينهم فتاة في الثامنة من عمرها ولاذ المسلحون بالفرار. وفي الشهر ذاته قام رجل يعتقد بانتمائه إلى الجماعة بعملية تفجير انتحارية قرب نقطة تفتيش كردية استخدم فيها قنبلة محشوة بالشظايا المعدنية، ومثلت هذه العملية أول استعمال للقنابل الانتحارية.

وفي 20 شباط/فبراير 2003 اعتبرت وزارة الخزانة الأمريكية "أنصار الإسلام" منظمة إرهابية. ونجح هذا الاعتبار في إعطاء القوات الأمريكية صلاحيات مطلقة في تعقب أفراد الجماعة. ومع اقتراب الحرب هيأ تنظيم "أنصار الإسلام" نفسه لمواجهة عدوان أمريكي كردي مشترك. وأشار مسؤول كردي إلى أن الهلع الذي أصاب الجماعة دفع أفرادها إلى التراجع إلى الجبال العالية والاحتماء داخل الكهوف. 

في 23 آذار/مارس 2003 أي بعد ثلاثة أيام من انطلاقة الحرب، هاجم مقاتلو الاتحاد الوطني الكردستاني معقل جماعة أنصار الإسلام بدعم من القوات الخاصة الأمريكية، وباستعمال طيارات من دون طيار وقصف جوي وصواريخ كروز، مما أدى إلى تدمير معظم النقاط التابعة للجماعة. وترك الهاربون وراءهم المدافع والبنادق الرشاشة ومدافع الهاون وصواريخ كاتيوشا. في 25 آذار/مارس قام مقاتلو الأنصار بهجوم يائس على القوات الكردية قرب حلبجة لكن الهجوم أحبط وقتل وجرح العشرات من الأنصار. وتم القضاء على القسم الأعظم من الجماعة خلال ثمانية أيام حيث قتل 259 مقاتلاً على الأقل. ونقلاً عن قائد الجماعة فإن نحو 28 طيارة و 108 صواريخ استخدمت في تدمير معقل الجماعة.

وفي أثناء المعارك، اعتقلت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني ثمانية مقاتلين من جنسيات مختلفة: أردنيين وسورييين وتونسيين وفلسطيني قال أنه جاء إلى العراق بهدف "قتل الأمريكيين". واللافت  للنظر أن معظم المقاتلين كانوا يحملون جوازات سفر عليها فيزا عراقية، مما يدل على أن الحكومة العراقية كانت موافقة على وجودهم في العراق.

لقد وجدت قوات التحالف أثناء البحث بين الأنقاض في معقل الجماعة العديد من الأدلة الاستخباراتية كان من بينها قائمة بأسماء مقاتلين يشتبه بانتمائهم إلى الجماعة يعيشون في الولايات المتحدة، ورقم هاتف لإمام كويتي، ورسالة من وزير الأوقاف اليمني. وأظهرت الأدلة أيضاً أن لقاءات خاصة عقدت بين أنصار الإسلام وناشطين من القاعدة. وذكرت وسائل الإعلام الألمانية أنه تم العثور على ثلاثة كتيبات تتضمن تجارب كيمائية وبيولوجية، تشير هذه التجارب إلى استخدام مادتي الرايسن والسيانيد. 

وقام مقاتلو الأنصار الجرحى بعد الهجوم الأمريكي على معقل الجماعة في 23 آذار/مارس بالتسلل عبر الحدود الإيرانية طالبين اللجوء. لكن حسب أحد أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني فإن "المقاتلين لم يقطعوا سوى كيلومتر واحد داخل الحدود حيث أجبرهم الإيرانيون على التراجع"، بينما ذكرت مصادر كردية أن عشرات المقاتلين الذين فروا إلى إيران في 30 آذار/مارس تم احتجازهم كأسرى. وأكد الناطق باسم الخارجية الإيرانية حامد رضا آصفي أنه لا توجد علاقة بين إيران وأنصار الإسلام. ولكن إيران كانت تتفاوض مع الولايات المتحدة في الأشهر التي تلت هذا التاريخ بشأن تسليم مقاتلين من الجماعة كانوا لا يزالون في إيران، وكان من بين هؤلاء المقاتلين أبو وائل ورجل آخر يدعى أيوب أفغاني، وهو خبير متفجرات تدرب في أفغانستان. 

ولم تكن الولادة الجديدة لأنصار الإسلام مستغربة، فقد تمكن حوالي 300-350 عضواً من الأنصار من مغادرة المعقل قبل بدء الحرب على العراق، مما يعني أن الجماعة عادت للحياة مرة أخرى. وكما صرح أحد السجناء أثناء الحرب "لا أظن أن قتال الأنصار سينتهي بتدمير الولايات المتحدة لمعسكرات الجماعة". وفي نيسان/أبريل 2003 حدثت مصادمات بين مقاتلي الأنصار وقوات الأمن الكردية المحلية على بعد 45 كيلومتراً شرق السليمانية. وفي الشهر التالي أي بد انتهاء الحرب مباشرة صرح ناطق كردي أن الجماعة تحاول التجمع من جديد في المنطقة الجبلية الحدودية بين إيران والعراق، وأن عدداً من الأنصار يحاولون الاتصال بجماعة إسلامية أخرى في المنطقة.

واستشهد المسؤولون الأكراد بتقرير غير مؤكد يفيد بأن عدة آلاف من مقاتلي القاعدة يحاولون إحياء نشاطات الأنصار. وقال متحدث كردي: "لو وجهت الضربات إلى الأنصار السنة الماضية لكانت كفيلة بالقضاء عليهم. لقد كانوا يتوقعون الضربات هذه السنة، مما أعطاهم المزيد من الوقت للانتشار، وفرصة لتغيير أماكنهم"وأشار المتحدث إلى أن الجماعة قد طورت الرايسن وأسلحة كيماوية أخرى ومن المحتمل أن تكون قد نقلتها قبل الهجوم، الأمر الذي يعني مقدرة الأنصار على شن هجمات بالأسلحة الكيماوية.

ومؤخراً عبر المسؤولون الأكراد عن مخاوفهم من أن الخلايا النائمة تنتظر تفعيل نشاطها في المنطقة الكردية، ومن قدرة هذه الخلايا على استعمال تكتيك التفجيرات الانتحارية. وأتت هذه المخاوف من العمليتين اللتين وقعتا أثناء الحرب: التفجير الانتحاري عند نقطة تفتيش قرب حلبجة في 22 آذار/مارس  الذي نفذه انتحاري سعودي وقتل بنتيجته مصور استرالي، والسيارة المفخخة في 27 آذار/مارس عندما أطلقت قوات الأمن النار على المهاجم قبل وصوله إلى نقطة تفتيش.

وعرض موقع الأنصار على الانترنيت خلال الحرب وبعدها رسالة من أمير الجماعة أبو عبيد الله الشافعي إلى مسلمي كردستان والعراق ومسلمي العالم. وهددت الرسالة أن "300 استشهادي يجددون عهدهم لله وجل بأن يكونوا استشهاديين في سبيل دين الله".

وظهرت مخاوف كردية بررها إعلان جماعة الأنصار فتح باب التطوع لقتال الولايات المتحدة الأمريكية في العراق. وفي بيان أرسل إلى صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية افتخر فيه قائد الجماعة أبو عبيد الله الشافعي بأن جماعته دمرت عشر دبابات أمريكية.

وعندما هز انفجار سيارة مفخخة السفارة الأردنية في العراق في 7 آب/أغسطس 2003 وأودى بحياة سبعة عشر شخصاً، كانت أنصار الإسلام من المشتبهين الأوائل. وحسب تقرير الجنرال نورتون شوارتز، لا تتوفر معلومات أكيدة عن تورط الجماعة في العملية، لكنه أشار إلى أن الأنصار "لا تزال لديهم بنية تحتية في العراق ويجب تركيز الجهود على إزالتها". وكررت مصادر أمنية عراقية مخاوف شوارتز  مشيرة إلى أن المقاتلين الإسلاميين يتسللون إلى شمال العراق بمساعدة بن لادن. ويشتبه بأن للأنصار علاقة بالمقاومة الإسلامية في الفلوجة وتكريت وبيالي وبغداد حيث كانت تقع الهجمات ضد القوات الأمريكية. وعبرت واشنطن عن قلقها من أن عدد المقاتلين ربما يصل إلى المئات. وعبرت الإدارة الأمريكية أيضاً عن قلقها من تأمين تنظيم "أنصار الإسلام" الملاذ الآمن والدعم اللوجستي للمقاومة العراقية.

في هذه الأثناء، أعلن الاتحاد الوطني الكردستاني في آب/أغسطس 2003 عن اعتقال قواته لعدد من المقاتلين من بين حوالي خمسين شخصاً ضبطوا وهم يتسللون إلى شمال العراق من إيران. وكان من بينهم خمسة عراقيين وفلسطيني وتونسي. وبقيت المعلومات الواردة في الاستجوابات المتلاحقة للمعتقلين حكراً على المسؤولين الأكراد.

وبعد الهجوم على السفارة الأردنية، كان هناك تخوف من أن أنصار الإسلام تخطط لعملية أكبر. وبالفعل فقد صرح رئيس الإدارة المدنية في العراق بول بريمر قائلاً: "تعتقد الاستخبارات أن أنصار الإسلام تخطط لعمليات إرهابية واسعة النطاق في العراق، وأنا أظن أن علينا أن نكون حذرين أكثر لأننا ربما سنرى المزيد من العمليات".

وفي 13 آب/أغسطس 2003 هاجم عدد من المسلحين مصفحات أمريكية داخل بغداد، ثم لاذوا بالفرار تاركين بطاقات كتب عليها "الموت لأعوان أمريكا، القاعدة". وربما يكون لهذا الحادث علاقة بتفجير السفارة الأردنية، أو حتى بتفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد في 19 آب/أغسطس 2003 عندما فجر انتحاري يرتدي حزاماً إسمنتياً مليئاً بالمتفجرات نفسه محدثاً انفجاراً عنيفاً أدى إلى مقتل 17 شخصاً وجرح أكثر من مئة. وفي الوقت الذي تبنت فيه جماعتان مجهولتان الهجوم ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن محور الاهتمام المباشر كان أنصار الإسلام، أي "جماعة المقاتلين الإسلاميين الذين يعتقد الأمريكيون أنهم خططوا لشن هجمات على المصالح الغربية في بغداد".

زادت هذه العمليات في قلب بغداد من احتمال قيام تعاون بين بقايا النظام البائد وأنصار الإسلام. وفي هذا السياق أكد مسؤولون أمريكيون إن كوادر الأنصار يجرون اتصالات مع بقايا نظام صدام لمهاجمة الأمريكيين والمنظمات غير الحكومية العاملة في العراق. وكان هناك اعتقاد بأن عزت إبراهيم الدوري، أول المسؤولين المطلوبين في القائمة الأمريكية، كان يخطط وينسق عمليات "المقاومة العراقية". وقد أشير إلى الدوري في اعترافات اثنين من أعضاء الأنصار المعتقلين كمحرض لهجمة العنف الأخيرة على القوات الأمريكية في العراق. لكن تقارير أمنية لاحقة أشارت إلى أن الدوري كان يعاني من مرض اللوكيميا وكان على الأرجح غير قادر على التنسيق للهجمات ضد الأمريكيين.

وذكر تقرير لمجلة "نيوزويك" الأمريكية، يتفق مع الرأي السابق أن "مقاتلي الأنصار يتصلون مع قوات من البعثيين والقاعدة". وأشار التقرير أيضاً إلى أن تركيبة الأنصار لها شكل مماثل لجماعات المقاومة، حيث "تتألف القوة المقاتلة من جماعات مؤلفة من 10-15 عضواً يرأس كل منها أمير". وبحسب هذا التقرير فإن أنصار الإسلام قد أصبحت من خلال استعمالها لنظام الخلايا والمقاتلين المستأجرين نموذجاً مصغراً للقاعدة التي تنشئ نماذج مشابهة في مختلف أنحاء العالم.

وعاد التخمين القائل بوجود علاقة بين أنصار الإسلام وإيران إلى الظهور. ففي آب/أغسطس 2003 استمر من يشتبه في انتمائهم إلى الأنصار وكوادر القاعدة بالتسلل عبر الحدود الإيرانية. وإذا كانت القوات الكردية قد ضبطت نحو خمسين مقاتلاً في آب/أغسطس 2003 فإن العدد الفعلي الذي نجح في التسلل يبقى غير معروف.

وكان من بين المتسللين من أتى بجوازات سفر مزورة، وحمل البعض الآخر بطاقات شخصية من تونس وحتى من بعض الدول الأوروبية. وحالما كان المتسللون يتجاوزون إيران كانت عناصر الأجهزة الأمنية للنظام السابق تساعدهم في الوصول إلى قلب العراق لقتال القوات الأمريكية. وبإمعان النظر، يتبين أن إيران كانت تؤوي المزيد من نشطاء القاعدة السابقين. وتم ترحيل بعض هؤلاء النشطاء إلى بلدانهم المضيفة. أما البقية فلا يعرف أي شيء عن أماكن تواجدهم.

لم تعد جماعة "أنصار الإسلام" لمزاولة نشاطاتها في العراق فحسب، بل بدا أنها تمد نشاطها وتوسع نطاق عملياتها. وذكرت صحيفة "الشرق الأوسط" في نيسان/أبريل 2003 أن تونسيين اعتقلا في إيطاليا بتهمة الارتباط بأنصار الإسلام وفي آب/أغسطس من العام ذاته ألقي القبض على خمسة من كوادر الجماعة كانوا يحملون جوازات سفر إيطالية. وبدت إيطاليا كأنها المركز الجديد لأنصار الإسلام؛ ويؤكد ذلك التسجيلات التي بحوزة الشرطة الإيطالية.

وتوصلت الاستخبارات الإيطالية مؤخراً إلى اكتشاف وجود شبكة دعم واسعة للقاعدة في شمال إيطاليا. وتأسست الشبكة في ربيع 2002 في كل من ميلان، فارس وكريمونة. وكانت تقدم باستمرار الدعم المالي لأنصار الإسلام والقاعدة.

لكن تبقى أسئلة كثيرة حول امتداد شبكة أنصار الإسلام. فقد قاتل ضمن صفوف الجماعة لبنانيون وسوريون وأردنيون ومغاربة وفلسطينيون وأفغان. هذا يعني أنه توجد أو كانت توجد منظمات في كل من الدول المذكورة لتجنيد المتطوعين وإحضارهم إلى شمال العراق. وإذا كانت الجماعة تتلقى دعماً مالياً من أبو قتادة في لندن فهذا يعني أن للجماعة وجوداً في بريطانيا أيضاً. وإذا صدقت التسجيلات الإيطالية بأن سورية مسرح لتدريب مقاتلي الأنصار فهذا يعني أيضاً أن الأنصار من ضمن المنظمات الإرهابية التي تعمل بالتواطؤ مع دمشق أو بموافقتها. وأخيراً إذا كانت الجماعة تتلقى دعماً مالياً من ممولين سعوديين، فإننا نستطيع أن نفترض وجود بنية تحتية سلفية "جهادية" تدعم نشاطات الجماعة.

ولسوء الحظ لا توجد أجوبة شافية لهذه الأسئلة. أنصار الإسلام جماعة إرهابية جديدة ما تزال المعلومات عنها غير ناضجة. لكن الواضح أن أنصار الإسلام واحدة من أخطر المؤسسات التابعة للقاعدة القادرة على ضرب المصالح الأمريكية الحيوية في العراق. وبالنظر إلى الارتباطات والعلاقات الخارجية للجماعة فإن الجماعة ربما توسع نشاطها لتصبح أكثر امتداداً من القاعدة نفسها.[28]

 

( ب ): جيش أنصار السنة

 

ربما يكون تنظيم "جيش أنصار السنة" الفرع العربي من تنظيم "أنصار الإسلام" الكردي، ولعله النموذج الأقرب إلى روحية تنظيم "القاعدة" في سلوكه العسكري والفكري والسياسي. ففي خريف 2003 كانت أول البيانات التي أصدرها "جيش أنصار السنة" تشير، بصورة واضحة، إلى فتح مواسير جديدة للدم وصفحة أخرى من المجازر القادمة بتوقيع "أمير" الجماعة أبو عبد الله الحسن بن محمود. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يختار هذا التنظيم يوم عيد الأضحى الموافق الثاني من شباط/فبراير 2004 لارتكاب مجزرة في مقري الحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ذهب ضحيتها نحو 50 شخصاً؛ فالرمز على ما يبدو يظل قوياً لأنه ينطوي على مفهوم "التضحية" بأقرب الناس تقرباً إلى الباري عز وجلّ بالدم !

ولم يكن مستغرباً أن تصف هذه الجماعة نفسها بأنها تضم "أناساً ذوي معرفة، ودهاء سياسي، ومراس عسكري[29]. ففي الآونة الأخيرة، لقي قياديين بارزين في الجماعة مصرعهما في كمين نصبته القوات العراقية جنوبي بغداد، أحدهما يدعى أبو بكر محمد الجنابي (35 عاماً) الذي كان قائداً للجماعة في منطقة الليطيفية. في حينها، أفادت المعلومات المتوافرة لدى الجهات الأمنية العراقية المختصة أن أبي بكر الجنابي كان ضابطاً في جهاز مخابرات النظام السابق، وأنه على اتصال مباشر بالجماعات الإرهابية المسلحة الناشطة في المحافظات الوسطى المتوترة أمنياً. أما مساعده "الأمير" عمر الجنابي، فقد كان مسؤولاً عن العديد من العمليات الإرهابية التي نفذت في مناطق اللطيفية واليوسفية والمحمودية.[30]

وإذا كان "جيش أنصار السنة" يضم هذه النوعية من الكوادر "ذوي المعرفة والمراس العسكري"، فقد يصح الاستنتاج بأن عدداً متزايداً من عناصر المخابرات العراقية السابقة قد وجدت "ملاذاً"، ولو مؤقتاً، لمواصلة الأساليب الإرهابية التي كانت تمارسها بالعلن، وهو أمر يشير إلى أن هناك خزاناً لا ينضب من هذه العناصر في داخل جسم هذا التنظيم، وتعمل تحت مظلته، من بينها "مجموعة الشهيد عزيز طه"، و "مجموعة سعد بن أبي الوقاص"، وكتائب "أبو حنيفة النعمان"، و "كتيبة أسد الإسلام"، و"مجموعة عبد الله بن الزبير"، و "وحدة معاذ بن جبل"، و "فوج ياسين البحر".[31]

وفي المقابل، يُعتقد أن تشابه أسلوب جماعتي تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"  و" جيش أنصار السنة" مرده إلى تبنيهما الفكر السلفي "الجهادي" ذاته، كونهما نشآ في بيئة واحدة هي بيئة "أنصار الإسلام" في كردستان العراق في بداية الألفية الجديدة. لكن في حين كانت جماعة أبو مصعب الزرقاوي "ضيفاً" عند "أنصار الإسلام" كون غالبية عناصرها من العرب الوافدين من أفغانستان أو الفارين من دول الجوار (الأردن وسورية على وجه الخصوص)، فإن الثانية (أي أنصار السنة) تعتبر نفسها "صاحبة الأرض" كونها عراقية في المقام الأول و"الوريث الشرعي" لـتنظيم "أنصار الإسلام" التي انشقت على نفسها بعد الضربة الأمريكية لقواعدها في كردستان العام 2003. وفي حين التحق القسم الأكبر من عناصر "أنصار الإسلام" بـ " جيش أنصار السنة" بعد الانشقاق، فإن قسماً آخر التحق بتنظيم "التوحيد والجهاد الذي كان يقوده أبو مصعب الزرقاوي. لكن الاعتماد الأكبر للأخير بقي على العرب من غير العراقيين، وهو ما يظهر بوضوح من هوية "الانتحاريين" الذين نفّذوا عمليات تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".

ويقول متابعون لشؤون الجماعات المسلحة في العراق إن بعض الإسلاميين اعتبر أن زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن "تسرّع" في إعلان أبو مصعب الزرقاوي أميراً على "بلاد الرافدين"، مما ولّد حساسية لدى إسلاميين يعتقدون أن "جيش أنصار السنة" كان الأولى بالمبايعة كونه تنظيماً عراقياً ولا تختلف فكرياً مع بن لادن. والأرجح أن بن لادن اتخذ قراره بعدما أرسل موفداً إلى العراق لتقويم الأوضاع هناك ونجح في فتح قناة اتصال بالزرقاوي. والأخير يعرف زعيم لقاعدة" منذ أيام أفغانستان على رغم انه كان يعمل في شكل مستقل عنه (في معسكرات تضم أردنيين وسوريين وفلسطينيين في المقام الأول). وساهم الدعم الذي قدّمه بن لادن للزرقاوي في تقديم مد بشري كبير من العرب الراغبين في "الجهاد" الذي تدفقوا على الساحة العراقية في السنتين الماضيتين، وهو ما قوّى من عضد"القاعديين" على غيرهم من الجماعات المسلحة الأخرى.

 

( ج ): الجماعة السلفية في العراق (كتائب المجاهدين)

 

برزت هذه المجموعة في أواخر حزيران/يونيو 2003 من خلال قيامها بعدد من العمليات العسكرية في مناطق الفلوجة والرمادي والخالدية. وتفيد مصادر حسنة الإطلاع، أن ملهم هذه الجماعة هو الشيخ عبد الله عزام الذي قتل في مدينة بيشاور الباكستانية في تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وهو أحد أهم منظري "الجهاد" في أفغانستان.[32]

ويبدو أن الجماعة استقطبت في صفوفها عدداً من العسكريين السابقين، إضافة إلى بعض المقاتلين الأجانب، بقيادة أميرها المدعو (أبو دجانة العراقي)، الذي دعا في بيان له في أيار/مايو 2004 سكان العاصمة العراقية بالويل والثبور إذا ما حاولوا التجول في الأسواق أو الذهاب إلى المدارس أو الجامعات لأن مجموعته تنوي "جلب نار المقاومة" إلى بغداد، في محاولة دأبت عليها هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة إلى ترويع المواطنين الآمنين لفرض أجندتها بأسلوب القتل المجاني.

 

( د ): الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع)

 

أعلنت هذه المجموعة عن نفسها عبر بيان مؤرخ بتاريخ 28 أيار/مايو 2004، وتعهدت بـ"طرد المحتل" الذي جاء إلى العراق لتحقيق أهداف "خبيثة"، منها محو الهوية الإسلامية للعراق وارتهان إرادته ونهب خيراته، والتمهيد "للتوغل الصهيوني في البلاد والمنطقة".

وبعيداً عن التعابير الإنشائية التي تتصدر "مانشيتات" تصدير الحال، فإن هذه المجموعة الإرهابية تتميز بالتزامها باستهداف "قوات الاحتلال" بواسطة ذراعها العسكري "كتائب صلاح الدين الأيوبي"، وتحرص على اجتناب الاحتكاك بالأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، حتى إنها أصدرت أثناء الانتخابات الأخيرة بيانا تبرأ فيه "من كل قطرة دم عراقية تُسال" بسبب الانتخابات، وقالت إنه ليس من سياستها "الدخول في فتنة استباحة دماء أبناء بلدنا ومواطنينا عبر ضرب المراكز الانتخابية وإسالة دماء العراقيين الأبرياء". ولهذه الجماعة منشورات وكتب تثقيفية تتداولها وسط أنصارها، وتصدر بياناتها بتوقيع "المكتب السياسي"، مما قد يعني أنها تملك أهدافا تتجاوز الميدان العسكري، وهي تتبنى مفاهيم وأفكارا إسلامية قريبة من تلك التي تتبناها حركة الإخوان المسلمين.

 

( هـ ): الجيش الإسلامي في العراق

 

وهو جماعة سلفية الطابع وإن كانت تضم عناصر ذات خلفية فكرية إخوانية، كما تضم في صفوفها العديد من العناصر التابعة لتنظيم "القاعدة" الذين تدربوا في أفغانستان. ويعتقد كذلك أن ضباطا من الجيش السابق ومسؤولين سابقين خدموا في أجهزة الأمن والاستخبارات في عهد صدام حسين لعل أشهرهم إسماعيل الجبوري، إضافة إلى مختصين في التصنيع العسكري يقومون بدور قيادي تقني في هذه الجماعة. وتشير تقارير استخباراتية أوروبية أن "الجيش الإسلامي في العراق"، الذي ينحصر نشاطه المسلح في عدد من المناطق المحيطة بالعاصمة العراقية من بينها اللطيفية، يعمل بالتنسيق الوثيق مع تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي يقوده أبو مصعب الزرقاوي، بحيث يقوم بإمداد هذا الأخير بالمقاتلين وبالأسلحة والمتفجرات كلما اقتضت الحاجة لذلك، أو التفاهم مسبقاً على تنفيذ عدد من العمليات والهجمات التي تستهدف القوى الأمنية العراقية الجديدة.

ومن خلال استقراء العمليات التي تبناها "الجيش الإسلامي في العراق" فإن سياسته العسكرية تقوم على استهداف كافة الأجهزة العسكرية العراقية إضافة إلى قوات "الاحتلال" ومن تسميهم بالمتعاملين معه، وذلك سواء بالتفجيرات أو بالأشكال العسكرية الأخرى.

ويلاحظ على هذه الجماعة أنها تتخذ من الخطف منهجا منظما لأدائها العسكري، حيث قامت هذه الجماعة باختطاف الفلبيني أنجلو دولا كروز ثم أطلقت سراحه بعد أن وافقت الحكومة الفلبينية على ترحيل عسكرييها الخمسين الذين كانوا يوجدون بالعراق في إطار قوات التحالف. وتبنت أيضا خطف الصحافيين الفرنسيين كريستيان شيسنو وجورج مالبرونو في آب/أغسطس 2004 قبل أن تفرج عنهما لاحقا بعد مفاوضات سرية. كما أنها أعلنت عن "إعدام" الصحفي الإيطالي أنزو بالدوني في آب/أغسطس 2004 بذريعة عدم استجابة إيطاليا لمطلبها المتمثل في سحب الجنود الإيطاليين من العراق. وقامت الجماعة أيضا بخطف الصحفية الإيطالية جوليانا سغرينا في شباط/فبراير 2005 والتي أصيبت أثناء عملية الإفراج عنها برصاص القوات الأميركية وقتل المسؤول الاستخباري الإيطالي المكلف بالإفراج عنها. وفضلا عن ذلك فقد أعلنت الجماعة مرارا عن اختطاف عراقيين أو موظفين أجانب من جنسيات مختلفة أعدمت بعضهم وأفرجت عن بعض، وعلى العموم فإن لائحة المختطفين على يد هذه الجماعة تطول، ويعتقد أنه لا يزال في يدها حتى الساعة عدد من المخطوفين.[33]

ولئن كانت جماعة "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" وجماعة "جيش أنصار السنة" ، تشتركإن في أسلوب تنفيذ الهجمات، وتحديداً من خلال السيارات المفخخة التي يقودها انتحاريون ، وعمليات خطف الرهائن وعرض عمليات قتلهم في أشرطة فيديو تُبث عبر الانترنت، فإن الجيش الإسلامي يختلف عنهما اختلافاً شبه جذري؛ إذ أن عملياته لا تبدو عشوائية، بل مخططة، ولا يستخدم أسلوب السيارات المفخخة إلا نادراً، كما انه عندما يخطف رهينة أجنبية لا يلجأ إلى مجرد قتل الضحية، بل يُفاوض لفترات طويلة - تصل أحياناً إلى شهور - للوصول إلى تحقيق مطالبه، أو حتى إثبات موقف أو توجيه رسالة. ويُعتقد على نطاق واسع أن الجيش الإسلامي هو نتاج النظام العراقي السابق الذي أنشأ خلايا إسلامية منذ الحملة الإيمانية في السنوات الأخيرة لحكم صدام حسين.[34]

 

( و ): الجيش الإسلامي السري كتائب الرايات السود

 

مجموعة من "المجاهدين"، تم اعتقال ثلاثة أمراء منهم هم أبو سفيان وأبو بكر وكذلك الشيخ عبد الواحد، وأصدرت نداءات تدعو فيها إلى ضرب بنية العراق النفطية. وتشير مصادر استخباراتية عراقية أن هذه المجموعة لها صلات وثيقة مع أجهزة النظام السابق، كما يشتبه في دعمها وإيوائها لقادة سابقين من النظام المخلوع، إضافة إلى تمويلها للعمليات الإرهابية بالمال وتجهيز الإرهابيين بالسلاح.[35]

 

( ز ): مجلس شورى المجاهدين في العراق

 

في نيسان/أبريل 2004، بسط "المجاهدون" نفوذهم على الفلوجة بعد مواجهات شهدتها المدينة سواء مع القوات الأمريكية أو بين فصائل "المجاهدين" المتناحرة فيما بينها على مواقع النفوذ. وكان بروز الشيخ عبد الله الجنابي من على منصة منبره في مسجد سعد بن أبي وقاص بمثابة تسليم المدينة لـ "المجاهدين" بعدما بسطوا نفوذهم إثر اتفاق مع "المارينز" قضى بخروج الجنود الأمريكيين منها والاكتفاء بـ "لواء الفلوجة" الذي تأسس من ضباط وجنود من أبناء المدينة ومعظمهم ممن خدم في "الحرس الجمهوري" و"الأمن الخاص".

هكذا بدا الشيخ عبد الله الجنابي زعيماً مطلقاً لـ "مجلس شورى المجاهدين" في الفلوجة الذي أعلن عن تأسيسه في أيار/مايو 2004، وضمت أطيافه جماعة "التنظيم والجهاد" وتنظيم "جيش أنصار السنة" و "الجماعة السلفية كتائب المجاهدين" و "الجيش الإسلامي" و "الجيش الإسلامي السري"، إضافة إلى "جماعة أنصار السنة".

ولئن بدا أن قيادة التحرك السياسي والعسكري والديني من نصيب الشيخ الجنابي، فإن ثمة قادة آخرين لا يقلون وزناً عنهم من بينهم ظافر العبيدي (أمام مسجدالحضرة المحمدية في الفلوجة) وعمر حديد، إضافة إلى الناطق الرسمي باسم المجلس أبو سعد الدليمي وغيرهم، ومعظمهم عناصر من قيادات أمنية واستخباراتية من بقايا النظام السابق.

وبالرغم من وجود المؤسسات الرسمية التابعة للدولة من شرطة و "لواء الفلوجة"، فقد تم التحول في المدينة منذ أواخر أيار/مايو 2004 من حكم القانون المدني العراقي إلى حكم "الشريعة الإسلامية"، وبدأ "مجلس شورى المجاهدين" أولى الخطوات باتجاه تأسيس "إمارة الفلوجة"، ولم يكن بالتالي أمراً مستغرباً أن يجري تنفيذ حكم "الشريعة" بخمسة من شبان الفلوجة اتهموا ببيع "أقراص فيديو تتضمن أفلاماً منافية للآداب" بجلدهم في إحدى ساحات المدينة حتى أعلنوا توبتهم وسط "تظاهرة احتفالية" تستوجبها هذه المناسبة.

وبما أن تحدي "مجلس شورى المجاهدين" للسلطة المركزية العراقية أخذ شكلاً أكثر وضوحاً في الجانب الأمني والعسكري، فقد كان تحرير المدينة من قبضة المجلس أمراً لا مفر منه. وبالطبع، لم يتسن لأحد حتى وقت قصير من تحرير الفلوجة ما ارتكبه هذا المجلس طيلة الشهور الثمانية من حكمه. لكن تزامن العثور على سجون وحجرات تعذيب داخل المنازل وجثث محترقة ومتعفنة منتشرة هنا وهناك من أركان المدينة، كشف صوراً مرعبة لـ "حكم طالبان" مارسه "المجلس" من خلال الفتاوى التي يصدرها ويجري فرضها على سكان المدينة بقوة التهديد بالقتل.

باختصار كان سكان مدينة الفلوجة بمثابة رهائن بأيدي "المجلس"، الذي جعل المدينة أكثر بدائية وقسوة، حيث يلف الخوف والكآبة الأفق والشوارع والوجوه وتوغل في عظام الأطفال الذين فقدوا المرح واللعب. أما الكبار فكان عليهم التقيد باللباس والطعام والشراب، وحتى القراءة والتفكير، بل كان على النساء ارتداء الثوب الأسود الطويل والبرقع الأفغاني، وعلى الرجال إطالة اللحى وتقصير الثوب إلى الركبتين. أما الموسيقى والغناء فقد صارت جزءاً من ذكريات الماضي.

واستناداً إلى روايات هؤلاء السكان، فإن أصحاب المقاهي منعوا من بث أشرطة الموسيقى وتقديم المشروبات الكحولية، في حين تجوب سيارات شوارع المدينة للتشهير بـ "المذنبين" قبل أن تترك السياط بصماتها على أجسادهم بضربهم بين 60 إلى 80 جلدة. ولم يكن هذا كل شيء، ففي غمرة سيطرتهم على المدينة، أقام "المجاهدون" حواجز للتفتيش في حين تخندق عدد آخر منهم في مواقع رماية حول المدينة، وقتل العديد من المواطنين هناك لمجرد الشك في احتمال تعاونهم مع الأمريكيين.

ويمكن للمرء معاينة آثار حكم "مجاهدي طالبان" للمدينة، عبر الصور والملصقات على الجدران وواجهات المحلات في الشوارع، حيث يحمل أحد الملصقات على خلفية بيضاء علامة "مجلس شورى المجاهدين" وهو رسم مثلث يضم بندقيتي "كلاشنيكوف" تعلن وجوب إزالة تسعة رفوف من الكتب التي تحتويها المكتبة العامة للمدينة تحت طائلة عقوبة الإعدام، فيما اتخذ المجلس مبنى المكتبة كمقر له.

ملصق آخر على جدار إسمنتي في سوق الفلوجة الرئيسي يحمل أمراً للنساء بارتداء الحجاب من الرأس وحتى أخمص القدمين، حيث أشار بيان "المجلس" في هذا الخصوص: "لقد قررنا أن ننهي عن المنكر بأيدينا وأن نوجه إنذاراً نهائياً للسافرات من النساء وإلى أولياء أمورهن ورؤساء الدوائر الرسمية ومديرات المدارس المتوسطة والإعدادية بوجوب التزام المنتسبات من الموظفات والطالبات بالحجاب، وإلا سوف يتعرض المخالفون والمخالفات للقتل في الأسواق والطرق العامة أو عند خروجهن من بيوتهن". وقد برهن العثور على جثث نساء في شوارع المدينة أن تهديدات من هذا القبيل لم تكن مجرد كلمات. ففي أحد الشوارع عثر على جثة امرأة وبجوارها جثة رجل وقد انتفخ رأساهما نتيجة إطلاق النار عليهما، بينما ألقيت جثة امرأة بشعرها الأشقر وبملامح أوروبية متفسخة تنهش جثمانها الكلاب الشاردة على مسافة قريبة.

لم يكن أحد من سكان المدينة أن ينبس ببنت شفة، إلا بعد أن تيقنوا أنهم باتوا في مأمن من "المجاهدين" الذين هرب معظمهم، فراحوا يتحدثون عن جرائم "حكم طالبان" التي ملأت المدينة وزكمت رائحتها الأنوف. فبالرغم من الازدواجية ومشاعر الغضب التي انتابت بعضاً منهم إزاء الخراب الذي حلّ بالمدينة نتيجة العمليات العسكرية، حيث تحولت المدينة إلى متاريس ومخابىء لمقاتلين هزموا مخلفين وراءهم مدينة تنعي خرابها وتغص بالجثث، إلا أن غالبية السكان الذين لم يغادروا المدينة لم يتوانوا عن التعبير عن مشاعر السرور بانتهاء حقبة "حكم المجاهدين".

ففي مواجهة أحد المساجد الذي ترك مليئاً بالأسلحة التي خلفها "المجاهدون" الفارون وراءهم، ظهر رجل في الستين من العمر، ليلعن "المجاهدين" وهو يردد "أولئك ألأوغاد، كم كنت أتمنى لو أن القوات الأمريكية أتت منذ اليوم الأول ولم تنتظر ثمانية أشهر". هذا القول ردده أيضاً رجل ستيني آخر، حين ذكر أنه تعرض للخطف والاحتجاز لمدة أربعة أيام قبل إطلاق سراحه من سجون "المجاهدين". ورغم الدمار الكبير الذي حل بمدينته، لم يخف الرجل سعادته في التحرر من سطوة "المجاهدين"، وقال: "سررنا لما قام به الأمريكيون لأن الفلوجة كادت تختنق تحت وطأة المجاهدين" الذين اتهمهم بارتكاب جرائم قتل، "وكانوا يعتقدون أنهم محصنون من العقاب". وتابع: "كان أمراً طبيعياً أن يذبح كل من تحوم حوله الشكوك، حتى بلغ الأمر درجة مرعبة بحيث كنا نشاهد جثثاً مجهولة الهوية منتشرة في كل مكان طوال الوقت".

من جهته، أكد أحد الشبان الذي عثرت عليه القوات الأمريكية قابعاً في منزله وسط المدينة مع شقيقه وشقيقته وإحدى قريباته "قساوة حكم المجاهدين ووحشيتهم"، وقال: " كنا نخشاهم فهم يخفون وجوههم بالأقنعة وعلى ظهورهم القذائف المضادة للدروع (أر. بي. جي.) وبنادق كلاشنيكوف يجوبون الشوارع والأزقة"، وأضاف: "ذات يوم سمعنا عن خمسة رجال أعدموا تبعهم سبعة آخرون بذريعة تعاونهم مع الأمريكيين. كان المجاهدون يقيمون حواجز التفتيش على الطرقات ويضعون ملصقات على الجدران تحرم تداول أشرطة الموسيقى وتأمر النساء بارتداء الحجاب".

 

( ح ): المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية (كتائب ثورة العشرين)

 

أعلنت هذه المجموعة عن نفسها في بيان أصدرته في 16 حزيران/يونيو 2003، أما "كتائب ثورة العشرين" فهي الجناح العسكري للمقاومة الوطنية الإسلامية، ويبدو أنها تضم أكثر من كتيبة، حيث وصفت "الكتيبة الخضراء" نفسها، ذات مرة، بأنها إحدى كتائب ثورة العشرين، وتبنت عملية إسقاط طائرة بريطانية. كما أطلقت اسم "كتيبة عبد الله عزام" على إحدى عملياتها في منطقة الكرخ ببغداد، حين قامت بهجمات على طرق التاجي أسفرت عن تدمير "ناقلة جنود". وتتركز عملياتها الإرهابية بشكل رئيسي غرب بغداد في مناطق أبو غريب وخان ضاري، كما أن لها نشاطات أخرى في محافظات نينوى وديالى والأنبار.

ويعتقد أن "كتائب ثورة العشرين" تميل للمشرب الفكري لحركة الإخوان المسلمين، وأنها تضم عناصر ناشطة من الحركة الإسلامية في العراق والتي كانت هدفا للنظام السابق، كما تضم شريحة من العسكريين العراقيين الذين طردهم نظام صدام من الجيش بسبب توجهاتهم الدينية المتشددة.

وتصف الكتائب نفسها في أحد المنشورات المنسوبة لها بأنها "حركة جهادية وطنية تسعى إلى تحرير أرض العراق من الاحتلال العسكري والسياسي الأجنبي ليتمكن أبناء الشعب العراقي من حكم أنفسهم بأنفسهم، وبناء دولتهم على أساس المبادئ السامية للدين الإسلامي الحنيف القائمة على تطبيق العدالة وعدم التمييز على أساس اللون أو العرق أو الدين أو المذهب".

 

( ط ): حركة المقاومة الإسلامية (كتائب النعمان)

 

تنشط هذه الحركة في مدينة الرمادي، وهي مسؤولة عن العديد من الهجمات الإرهابية بالسيارات المفخخة التي تستهدف، بالدرجة الأساس، المواطنين الأبرياء والقوات الأمنية، إضافة إلى تطورها في أعمال القتل والاختطاف وجرائم أخرى طالت رجال أعمال ومسؤولين حكوميين. كما أن الحركة تقوم بتوفير الأسلحة والأموال للإرهابيين الأجانب، وإلى خلايا إرهابية صغيرة أخرى لغرض شن الهجمات الإرهابية. وفي الآونة الأخيرة، ألقت قوى الأمن العراقية القبض على أحد "أمراء" هذه الحركة، واسمه محمد دحام عبد حمادي من خلال عملية مداهمة قامت بها هذه القوى في بغداد أواخر أيار/مايو 2005، باعتباره الشخص الذي كان يتولى الإشراف والسيطرة على خلايا الحركة لغرض شن الهجمات الإرهابية.

 

( ي ): تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين

 

من غير المألوف أن يتحول الزرقاوي، وهو تعريفاً محلق بمدينة أردنية، الصانع الأبرز للإرهاب في العراق. وأحمد فضيل نزال الخلايلة المعروف بـ "أبو مصعب الزرقاوي" كان، ذات مرة، تلميذاً لم يستطع أن يكمل الثانوية العامة، يعيش كما سائر الناس في مدينة الزرقاء. يومها لم تكن تطارده وكالات الأنباء ولا كان يتصدر عناوين الصحف، فيما سهت أعين الجواسيس، الإقليميين والدوليين، عنه.

حدث ذلك قبل أن يبدأ الزمن "الجهادي" في أفغانستان الذي استهوى شباناً باحثين عن بطولة طوت أعلامها في بلادهم الأصلية. ففي تلك الحقبة، مارست أفغانستان جاذبية غير مسبوقة من قبل. والحال أن ماحققته "انتصارات الأفغان العرب" هناك، دفع هؤلاء الشبان إلى استئنافه براديكالية وإقدام أكبر، ذلك أن "الأفغان العرب" الذين قضت ظروفهم بالوجود على رقعة أرض مشتركة، من دون أن تجمعهم ذاكرات مشتركة، كانوا يلحون في طلب العقيدة القاطعة التي تنوب عن تشعب الذاكرات، ظانين من خلالها أنهم موحدون في مصير مشترك.

نشاطات "الأفغان العرب" كانت محط أنظار وكالات التجسس وتقارير الصحافيين التي تقرنها، بين أسماء أخرى، باسم أبو مصعب الزرقاوي، وهو رجل شبح تشح المعرفة به وإن أمكن تجميع بعضها من معلومات متناثرة تناثر المعلومات الراشحة عن الإرهاب ورموزه. فالإرهابي الغامض تعود عائلته إلى قبيلة "بني حسن"، وهو من مواليد 1966 في "حي معصوم" الفقير في مدينة الزرقاء، قبل أن تنتقل العائلة إلى "حي الزرقاء الجديدة"، وهناك توقف عن متابعة دراسته عند المرحلة الثانوية.[36]

والواقع فقد استولى عالم المجرمين والمنحرفين على فتوة أبي مصعب في هذه المرحلة من شبابه.  لكن علامات التدين بدأت تبرز عند الخلايلة في مطلع العشرينات من العمر، استمدها من بيئة تعد مركزاً للتيارات الإسلامية الراديكالية في الأردن، التي ظلت متخصصة في إنتاج هذا الطراز من "المجاهدين" وبتغذية الحركة السلفية الجهادية بعدد من المقاتلين الذين تم إرسال مئات منهم لتلبية نداء "الجهاد" في أفغانستان قبل أن يتم إرسال من عاد منهم حياً، مرة أخرى، إلى العراق.

ففي العام 1989 توارى أبو مصعب مع أصدقاء له فتردد أنه هاجر إلى ساحة "الجهاد" في أفغانستان عن طريق ممثل مكتب "الخدمات والجهاد في الأردن" الشيخ عبد المجيد المجالي (أبو قتيبة) وهو أيضاً من الشيوخ المتحولين من حركة الأخوان المسلمين إلى السلفية "الجهادية" الذي يتبع الشيخ عبد الله عزام.[37]

وبعد عودة أبو مصعب من أفغانستان، كانت السلفية "الجهادية" دخلت إلى مجتمع الزرقاء من باب آخر. وبالفعل، فقد لاحظ عدد من المتابعين أن ثمة علاقة جدلية بين نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين من الكويت بعد احتلال الجيش العراقي هذه الإمارة وهزيمته فيها العام 1991 وبين ازدهار تيار السلفية الجهادية في الزرقاء على نحو خاص. فإضافة إلى عنصر الإحباط الذي تولد عن هذه الحرب، بما تمثله من هزيمة جديدة تضاف إلى قائمة الهزائم، عاد إلى الأردن ضمن هذه المجموعة عدد من المنتمين إلى التيار الجهادي وفي مقدمتهم الفلسطيني الشيخ أبو محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) الذي كان يقيم في الكويت وسافر منها في العام 1989 إلى أفغانستان بصحبة شيخ فلسطيني آخر هو عمر محمود أبو عمر المعروف بـ "أبو قتادة". وفيما عاد البرقاوي إلى الكويت ومنها إلى الأردن حيث تحول لاحقاً إلى المنظر الأول لهذا التيار في المملكة، اختار أبو قتادة طريق اللجوء إلى لندن. لكن العودة من الكويت لم تقتصر على البرقاوي لوحده، فأبو أنس الشامي (عمر يوسف جمعة) وهو مسؤول اللجنة الشرعية في تنظيم الزرقاوي وقتل في أيلول/سبتمبر 2004 في الفلوجة هو من "العائدين من الكويت"، وكذلك الشيخ (أبو قتيبة) وهو مسؤول عسكري في تنظيم الزرقاوي. وكان في الكويت أيضاً غازي التوبة وهو أحد الرموز الأساسية في تنظيم الزرقاوي. وشكّل هؤلاء جميعاً، إضافة إلى آخرين غيرهم، على رأسهم أبو مصعب "نواة" الحركة السلفية "الجهادية"، وراحوا يجتمعون في النصف الأول من التسعينات في أحد مساجد حي معصوم في مدينة الزرقاء بعيداً عن عيون الأجهزة الأمنية الأردنية.

ولم تكد تمضي فترة قصيرة من الوقت حتى وجد المقدسي والزرقاوي نفسيهما في العام 1994 خلف قضبان السجن. ويبدو أنه خلال فترة سجنهما وجد الزرقاوي ضالته في التعمق أكثر فأكثر بالفكر السلفي الجهادي على يد معلمه المقدسي الذي اختاره "أميراً" للجماعة، وهو حتى يومنا هذا يقبع خلف قضبان سجن السويقة الأردني، بعدما اعتذر عن الإمارة بعد سنة من ممارستها بحجة التفرغ للبحث والتأليف. لكن الزرقاوي أنشأ في معتقله، من جهة أخرى، شبكة علاقات ستكون بمثابة المعين الذي لا ينضب عندما يفرج عنه ويقضي شهوراً في الإعداد لـ "الخروج" للقتال مجدداً إلى أفغانستان بصحبة عشرات ممن كانوا معه في سجنه الأردني، وآخرين ممن كانوا ينتظرون خروجه.

في العام 1999 "هاجر" الزرقاوي مجدداً إلى بيشاور ومنها إلى أفغانستان مصطحباً، هذه المرة، عدداً من "الأفغان الأردنيين" يزيد في بعض التقديرات عن الـ 500، جلّهم من مدينة الزرقاء، ومن بينهم عبد الهادي دوغلس وهو أردني من أصل فلسطيني قتل مؤخراً في العراق وخالد العاروري (معتقل اليوم في إيران) وياسين جراد والد الزوجة الثانية لأبي مصعب، باستثناء مجموعة صغيرة يقودها ابن مدينة السلط رائد خريسات الذي انتقل فيما بعد عبر إيران إلى جبال بيارة في شمال العراق حيث قتل هناك مع كل من لؤي الكايد ومعتصم درابكة ومحمود النسور وآخرين .[38]

 وفي أفغانستان، التقى الزرقاوي أحد أكثر "أمراء الجهاد" بأساً وهو جعفر الحيار الملقب بـ "أبو الحارث الحياري"، وهو من مدينة السلط الأردنية، كما التقى أحد مسؤولي الجهاز العسكري في "تنظيم القاعدة" واسمه محمد مكاوي المصري. ويبدو أن ثمة خلافات عقائدية طفيفة برزت بين الطرفين حالت دون أن تعلن مجموعة الزرقاوي "بيعتها" لأسامة بن لادن، الأمر الذي استوجب تدخلاً شخصياً من "أمير المؤمنين" زعيم حركة طالبان الملا عمر في تخصيص منطقة قريبة من مدينة هيرات لإقامة معسكر تدريب لـ "الأفغان العرب" الوافدين من منطقة بلاد الشام، كان بمثابة "النواة" في هيكلية تنظيم أبي مصعب الزرقاوي الذي تولى قيادته، وهو المعسكر الذي تكفل أسامة بن لادن إمداده بالمال اللازم لاحقاً.

ويمكن طبعاً أن يجد القارىء عدداً من مناصري الزرقاوي يساندونه في هذا الاتجاه، إلا أن أبي محمد المقدسي يشير في معرض "مناصرته و مناصحته" لرفيقه السابق إلى قلة خبرات الأخير خاصة في علاقة بالجانب التنظيمي و الأخطاء التي قام بها في علاقة بالتنظيم الأردني الذي شاركا في تأسيسه و هو ما أدى، حسب المقدسي، إلى الإضرار بعدد من أعضائه والقائهم في السجون" دون سبب موجب". و كان مما تعرض إليه، في هذا الإطار، طبيعة العلاقة التي ربطت الزرقاوي بأسامة بن لادن، حيث يشير إلى تبرم الزرقاوي من التحالف الذي قام بين بن لادن وحركة طالبان حين عاد أواخر التسعينات إلى أفغانستان، و من ثم رفضه القتال مع أي من الفصائل الأفغانية، وهو ما دفعه للاستقرار في هيرات حتى ارتحاله فيما بعد إلى شمال العراق تحت حماية "أنصار الإسلام". و هكذا فرغم المرجعية "القاعدية" (فكرا و ممارسة) للزرقاوي و جماعته فإنهم لم يكونوا يمثلون تنظيم "القاعدة في العراق" إلا مؤخرا. و يأتي هذا في إطار الوضع الجديد لتنظيم "القاعدة" الذي أدى إلى نشوء تنظيمات عديدة لا تأتمر بقيادة "القاعدة" و إن كانت تتخذ تجربتها و إشعاعها أداة لمعاركها الخاصة.

وفي الساحة العراقية، قلّص أبو مصعب الزرقاوي من اعتماده على العناصر غير العراقية وأصبح يعتمد، أكثر فأكثر، على العناصر المحلية، خصوصاً بعدما نجح في تجنيد عشرات العسكريين السابقين المدربين أصلاً على فنون القتال، من أمثال رئيس جهاز الإعلام في التنظيم أبو مسرة العراقي والقائد العسكري الميداني لعمليات منطقة بغداد الكبرى أبو الدرداء العراقي، إضافة إلى أبو عزام العراقي وأبو سعد الدليمي وهما من أمراء التنظيم في منطقة الأنبار وآغا عمر أمير التنظيم في منطقة بعقوبة والملا كامل الأسودي أمير التنظيم في سامراء ومحمد خلف شاكر "أبو طلحة" أمير التنظيم في الموصل. أما العناصر غير العراقية فيتركز الاعتماد عليها عموماً في مجال العمليات الانتحارية.

وبالرغم من أن عدداً من "الأمراء" العراقيين في التنظيم أصبح في الفترة الأخيرة يملك مفاتيح التمويل والتسلح وخطط التخفي والانتقال ما يؤهله لخلافة أبو مصعب الزرقاوي، إلا أن تقارير استخباراتية عراقية تقول أن حظوظ مساعده سليمان خالد درويش (أبو الغادية) هي الأقوى، خصوصاً أن درويش السوري الأصل كان ملازماً للزرقاوي منذ أيام معسكر هيرات في أفغانستان.

ومهما يكن من أمر، فأن أحداً لا يعرف على وجه الدقة متى وكيف انتقل الزرقاوي إلى العراق، لكنه كان واضحاً بعملياته الإرهابية التي تقشعر لها أبدان سكان المعمورة، حتى قبل أن يعلن عن تحالفه مع "تنظيم القاعدة" أواخر العام 2004 ويغير اسم تنظيمه من "التوحيد والجهاد" إلى "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".

 ما هي استراتيجية أبو مصعب الزرقاوي في العراق ؟ وهل تحقق هذه الاستراتيجية أهدافها أم ستكون لها نتائج معاكسة تنقلب عليه وعلى من يقف وراءه ؟

هذا السؤال ظل حتى يومنا هذا دون إجابة واضحة، فيما ظلت أعماله ونشاطاته التي تستهدف أبشع أنواع وسائل العنف والقتل والتخريب هي وحدها محط اهتمام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة على حد سواء.

ففي رسالته التي عثر عليها في مخبأ بالعاصمة العراقية في 23 كانون الثاني/يناير 2004 يمكن أن نتلمس قدراً كبيراً من تفكير الزرقاوي الاستراتيجي عندما يصنف "الأعداء" إلى أربع فئات، يأتي في مقدمتهم الأمريكيون الذين يصفهم في خطابه بـ "الكفار"، ويتمنى قتلهم أو أسرهم من أجل مبادلتهم برجاله "الأسرى". أما الأكراد الذين يصفهم بـ "الشوكة" فهم بالنسبة إليه أهدافاً للقتل، ومن ثم يأتي في الأهمية القوات العراقية من شرطة وحرس وطني التي يرى في نموها خطراً محدقاً به. وأخيراً يأتي دور الشيعة في الاستهداف ليس باعتبارهم "يحاربون الإسلام ويوفرون دعماً للأمريكيين" فقط، بل في السعي إلى تأجيج حرب أهلية أيضاً من خلال جر سنة العراق للقيام بردود فعل غير محسوبة يتهدد فيها السلم الأهلي في البلاد.

وتبدو استراتيجية الزرقاوي في هذا المجال متطابقة تماماً لاستراتيجية تنظيم "القاعدة" في رؤيته للحرب ضد الأمريكيين، وفي الموقف المعادي للشيعة العراقيين باعتبارهم "رافضة"، والنظر إلى الأكراد كأعداء ينبغي محاربتهم.

هذه الاستراتيجية التي يتبناها الزرقاوي جرى تطبيقها في العراق من خلال استخدام أبشع وسائل القتل والتخريب والتدمير وإلحاق الأذى والضرر بالعراقيين أساساً. في هذا الصدد، تسعى عناصر الزرقاوي إلى شن هجماتها باستخدام مدافع الهاون والسيارات المفخخة في تفجير الأماكن العامة والمرافق الحيوية وأنابيب النفط. كما لم تتورع هذه العناصر عن هجماتها حتى على الأماكن المقدسة ودور العبادة كما فعلت في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية.

ومما لا شك فيه أن هذه العمليات المروعة التي يتبناها الزرقاوي في العراق هي إحدى أدوات فكره الاستراتيجي التي يستهدف من خلالها حدوث فراغ سياسي في البلاد تملأه المليشيات المتصارعة، الأمر الذي من شأنه أن يدفع بتنظيمه إلى مزيد من التجذر في البنية العراقية التي ستصبح هشة وقابلة للاختراق في أكثر من موقع، الأمر الذي يدفع بالبلاد إلى حرب أهلية تلهب أرض العراق.

 

 

المحور الثاني

 

تخريب الموزاييك العراقي

 

لا تزال جثث المدنيين الأبرياء تتدفق، دونما انقطاع، على مشارح مستشفيات المدن الرئيسية العراقية. البعض ملقى على أرضية المشرحة الملوثة بالدماء، والبعض الآخر مسجى في عبوات معدنية في الردهات وكأنه سباق مجنون مع العبث. إنها رائحة الموت التي يزرعها الإرهاب يومياً في شوارع وأزقة البلاد، سواء باستخدام سلاح السيارات المفخخة أو بالاغتيالات الفردية والجماعية.

هذه الصورة التقطتها عين أحد المسؤولين في الطب العدلي حين ذكر أن النظام المعمول به سابقا في حال العثور على جثة مجهولة الهوية الذي يستوجب إبقاؤها مدة أربعين يوما لحين حضور ذويها، لم يعد ممكناً الأخذ به اليوم؛ فبسبب كثرة الجثث التي تصل إلى برادات حفظ الموتى، "فإننا اضطررنا إلى التخلي عن هذا النظام، حيث نعمد إلى حفظ الجثة إذا كان لدينا مجال". وأضاف "بعض الجثث نبقيها ليومين فقط، بعد ذلك ندفعها إلى قسم الدفن في أمانة بغداد، ليتولى دفنها، بعد أن نقوم بأخذ صور فوتوغرافية ليتسنى لنا عرضها على الذين يأتون للسؤال عن أحد أبنائهم المفقودين .. البرادات المخصصة لحفظ الجثث لم تعد تستوعب، فنحن نستلم شهريا ما يقارب 300 جثة مجهولة الهوية، تنقلها لنا جهات مختلفة .. إننا بحاجة فعلية إلى برادات جديدة لحفظ الجثث".

وما يكاد يمر يوم دون أن يحصد الإرهاب أرواح العراقيين ويسفك دمائهم، حتى أصبح هذا المشهد المأساوي جزءاً لا يتجزأ من النمط اليومي للحياة، بل أصبح شبحه ملازماً للناس في الأسواق وأماكن العمل وباحات المدارس، بل أصبح مألوفاً في إعلانات التلفزيون وعناوين الصحف المحلية وأحاديث المارة. فأطفال المدارس لم يعودوا يلعبون "التوكي" في الجوار الذي غالباً ما يضرب بانفجار انتحاري. أما لسان حال الناس فيقول إن الإرهاب "أمر صعب ولكنك تتعود تدريجياً عليه"، لكنه يترك بالتأكيد آثاره المدمرة على كل شخص تقريباً، يغيّر من العادات اليومية، ويلغي الإيقاع اليومي للحياة من عادات التسوق إلى اختيار المسالك نحو العمل أو المدرسة.

ففي شوارع العاصمة تعثر فرق الأمانة بشكل يكاد يكون يوميا على جثث مجهولة الهوية، أثناء عملها في تنظيف الشوارع والممرات الوسطية. فالإرهاب، الذي صار سمة يومية غالبة على حياة العراقيين، دفع بالكثير من العائلات إلى استئجار مساحات من الأرض في هذه المقبرة أو تلك، من أجل أن يجدوا لهم مكانا يدفنون فيه، هذا إذا لم تتمزق أجسادهم شظايا بفعل تفجيرات الإرهابيين.

لقد أصبحت هذه الصعوبات عادية في بغداد، لدرجة أن إعلانات الشوارع في المدينة تبدو وكأنها تسخر، هي الأخرى، من سكانها. ففي واحد من هذه الإعلانات في ساحة "عنتر" تظهر عبارة: "معاً تحت جناح السلام"، بينما يعد إعلان آخر مكافأة قيمتها 50 ألف دولار تقدم لأي شخص يقدم معلومات حول إرهابيين يعدون لهجمات أو لمواقع سيارات مفخخة.

وبسبب كثرة عمليات القتل والاغتيال والتفجيرات فإن المقبرة باتت تشهد حركة يومية، فليس هناك من يوم يمر دون أن تستقبل المقابر العديد من الجثث. وانسجاما مع المثل القائل مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن مصائب العراقيين وكثرة عمليات القتل درت واردا ماليا كبيرا على العاملين في مهنة "الدفن"، أو "الدفانة" ومتعهدي حفر القبور في العراق، الذين انتعشوا اقتصاديا، وأن الكثير منهم قد بنى بيوتا، واشترى سيارات جديدة.

الإرهاب الأسود، إذن، يضرب في كل مكان، في ظل حفلة قتل إجرامية للمواطنين الأبرياء يقودها تحالف من محبي الموت الذين يستخدمون كل أدوات القتل المتاحة ولا يهمهم حجم الضحايا ولا دماء الأبرياء.

لكن الطريقة التي يقتل بها الإرهاب اليوم في العراق هي الأسلوب ذاته الذي كان رجال صدام حسين يمارسونه بالأمس، الذين لم يترددوا في تدمير القرى ودك المدن على رؤوس أصحابها واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً للإبادة الجماعية. فالقتل يتم ضد الجميع وبأي وسيلة تؤدي إلى سقوط أكبر عدد ممكن من الضحايا.

فهذه الظاهرة الإرهابية المعقدة التي تحمل لواءها تيارات وحركات وشخصيات متباينة المنبت والمشارب وما يوحد بينها هوالقتل. فقد تختلف هذه الجماعات الإرهابية في آليات التنفيذ غير أن هذه الآليات جميعها تقود إلى هدف واحد وهو سوق المجتمع العراقي برمته إلى المقصلة، ومحاسبته بالتصفية الجسدية لا لسبب، فقط لأن هذا المجتمع لا يعبر في سلوكياته وممارساته عن تلك الأفكار المريضة التي تغذي عقول الإرهابيين.    

ولا ريب فإن هؤلاء الإرهابيين الذين يدعون الحرص على البلاد والعباد  ليسوا سوى عصابات سادية تتلذذ بتعذيب الآخر البريء، ويرتاح ضميرها لمنظر الدماء وهي تتدفق من أعناق الضحايا. وليس ما قاله الطبيب المسؤول في مشرحة بغداد المركزية ينطوي على مبالغة حين شدد على أن مشرحته سوف تكسر الرقم القياسي بالنسبة للجثث المقطوعة الرؤوس في أي مؤسسة خاصة بالطب الشرعي في العالم. ففي الوقت الذي يتطلع فيه العراقيون إلى تضميد جروح الماضي عميقة الغور، فإن هؤلاء الإرهابيين، يسعون إلى تأصيل عالم الذبح والنحر. فبأي قلب يستطيع الإنسان أن يمد السكين إلى عنق إنسان آخر لفصل رأسه عن جسده ؟ كيف يجرؤ إن يقف إمام إنسان بريء مستكين لا حول له ولا قوة ويقتله دون شفقة أو رحمة ؟ أي قانون في الكون يبيح للذئاب البشرية قطع رؤوس بشر آخرين، وافتراس بشر آمنين ؟ 

إن مسألة احتجاز الرهائن وتفجير السفارات الأجنبية والمؤسسات الصحية والاجتماعية والهيئات الدولية ونحر الرؤوس وترهيب العائلات الآمنة وتدمير البنية التحتية للدولة، إنما هي أعمال منافية لمنطق العدل الإلهي وتتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، كما أن الابتزاز من خلال هذه الأعمال الفظيعة للضغط على الحكومة المركزية في بغداد وحثها تلبية مطالب مستحيلة، لا تعبر بأي حال عن هدف إنساني نبيل، لاسيما وأن مطالب هذه الجماعات الإرهابية تخلط جميع الأوراق والقضايا والمسائل دون أن يكون لها أي أجندة وطنية أو دينية أو أخلاقية. ومن يتصفح بعض مواقع الإنترنت، سيصاب بالاشمئزاز من هذه العقلية التي تحتفي بالموت، وتسعى إلى إلغاء الآخر، أيا كان هذا الآخر، وسيندهش من هذه الثقافة المتطرفة الدموية التي تنشر عبر هذه الصفحات المليئة بصور تؤذي المشاعر الإنسانية راح ضحيتها أناس أبرياء من صحفيين وسائقين ومترجمين ومقاولين ودبلوماسيين وتقنيين وعمال يبحثون عن لقمة العيش ثم يجدون أنفسهم بين براثن هذه الوحوش البشرية التي لا تتوانى عن ارتكاب أفظع الأفعال تلبية لرغبات دنيئة تمور في دواخلهم. إنه، بالأحرى، الدخول في طاحونة نهمة للدماء.

إن خطاب هذه الجماعات هو خطاب مليء بالقتل والدم والاحتفاء بالموت ونبذ الآخر. إنها ثقافة الرعب، لا ترتاح إلا لرائحة النعوش والدماء والجثث؛ فكلمة "الحوار" ليست في قاموسهم، فهم يحاورون خصومهم عن طريق السيوف والخناجر والسيارات المفخخة وغيرها من الأدوات والوسائل التي تصفي الخصم مرة واحدة وإلى الأبد. 

قال الفيلسوف الألماني كانط ذات مرة: "لو كانت سعادة العالم بأسره مرهونة بقتل طفل بريء، لاعتبر قتل هذا الطفل جريمة لا تغتفر". وإذا ما حاولنا تطبيق هذه المقولة الأخلاقية ومقارنتها بما يقوم به الإرهاب في العراق، تطالعنا الصورة النمطية التالية:

 "كان أمير علي البالغ ثمان سنوات من العمر يشاهد أفلام الكارتون في مطبخ جده في منطقة الخضر عندما هاجم انتحاري رتلاً عسكرياً بسيارة ملغومة. حطم الانفجار كافة النوافذ وقتل أمير على الفور. وفي اليوم الثالث للتعزية يتحرك الرجال والنساء كالأشباح داخل البيت، حيث تغطي الملاءات البيضاء النوافذ الفارغة وتنطلق حنجرة عبد الباسط عبد الصمد في ترتيل آيات من ذكر الحكيم، ".. بأي ذنب قتلت"، وما زالت شظايا الزجاج تملأ فراغات الكراسي والمقاعد".

لكن يد الجريمة المنظمة تأبى أن تراوح ربما في عالم الكبار، وكأن الإرهاب الأعمى لا يكفيه أن تطال حالة الهلع أفراداً عاديين يمكنهم أن يتجنبوا، بشكل أو بآخر، ما يمكن أن ينتظرهم، بل امتدت هذه اليد لتضرب كل مفاصل الحياة، بما في ذلك اغتيال براعم لا تزال تتفتح على الحياة.

ففي مدينة البصرة الجنوبية، كانت حافلة تلاميذ تسير في طريقها إلى المدرسة، عندما دوى انفجار كان مصدره، هذه المرة، سيارة ملغومة مخلفة نحو 68 تلميذ قتلوا جميعاً في الحال. وفي الحادي عشر من نيسان/أبريل 2004، كان حي العامل الشعبي في بغداد على موعد للاحتفال بتدشين محطة جديدة لتكرير المياه، حيث تحلق عدد كبير من الأطفال يدفعهم فضول ممتزج ببراءتهم للمشاركة فيه. وفي هذا الجو العابق بأمل قيامة الوطن المحطم، دوت ثلاثة تفجيرات متتابعة، بعضها أو كلها ناجمة عن سيارات ملغومة مزقت أجساد عشرات الأطفال وحولتها أشلاء في واحدة من أفظع المجازر التي يرتكبها الإرهاب الأعمى. وكانت الحصيلة الرسمية للتفجيرات هي 42 طفلاً ونحو 200 جريحاً.

هل كان بإمكان هؤلاء المجرمين الذين زرعوا الموت للأطفال أن يتخيلوا، ولو للحظة، مشاعر البراءة الطفولية التي كانت تمور في قلوب هؤلاء الأطفال الذين دفعهم فضول التجمع بالقرب من منطقة تشهد احتفالاً أو أولئك الأطفال الذين استقلوا الحافلة ليستقبلوا في مدرستهم يوماً دراسياً جديداً ؟ وهل بإمكان أي أحد مهما أوتي من عبقرية أن يشرح للأطفال السبب الذي استوجب اختطاف أحلامهم البريئة من قبل يد الموت الأعمى ؟

بالطبع، لم يكن هؤلاء الأطفال في جبهة قتال، ولم يكن أي منهم أيضاً من حملة البنادق أو في تظاهرة تهتف لدوام الاحتلال، كما أنهم لم يفهموا السبب الذي يجعل منهم ضحايا. وضحايا لأي شيىء، ولأي هدف ؟ هل بإمكان من صنع الجريمة وخطط لها أن يتصور مقدار الألم والحزن التي تسبب بهما للأمهات كما الآباء المفجوعون بفلذات أكبادهم من وراء لعبة الموت العبثية هذه ؟ أسئلة كثيرة تطل برأسها على المشهد الفجائعي لهذا القتل الجماعي للبراعم.

 

أولاً:  تقديرات أولية لضحايا الإرهاب

 

وإذا كان أهل العراق قد ألفوا صحبة الموت في تاريخهم المعاصر بهذه الأعداد، وبهذه الرتابة أو بهذه اللامبالاة، فليس هناك رقم معلن، حتى يومنا هذا، يمكن الاستناد إليه سواء عن عدد الضحايا والإصابات بين صفوف المدنيين الأبرياء، أو في عدد حوادث الهجمات الإرهابية. وبالرغم من أن وزارة الصحة العراقية استحدثت دائرة غرفة العمليات لمتابعة وتسجيل الضحايا الذين يسقطون نتيجة العمليات الإرهابية التي عصفت بالبلاد منذ سقوط نظام صدام حسين، إلا أن التقديرات ما تزال متضاربة إلى حد كبير.

ففي استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتدبرس"، بعد مرور عام كامل على سقوط النظام للأعمال الإرهابية من قتل وذبح وتفجيرات طالت عواقبه المدنيين الأبرياء، كشف عن مقتل أكثر من 5 آلاف عراقي في أربع محافظات عراقية هي بغداد وكربلاء وتكريت وكركوك، لكن مدير الإحصائيات في معهد الطب الشرعي في بغداد يقدّر عدد القتلى في العاصمة العراقية لوحدها بنحو 4279 في الفترة ذاتها. وطبقاً للأرقام التي أوردتها مشرحة بغداد المركزية فإن عدد القتلى يصل معدله إلى 357 شهرياً في الفترة الواقعة ما بين أيار/مايو 2003 وحتى نيسان/أبريل 2004، وهي الأرقام التي يمكن ترجمتها إلى معدل وفيات سنوي يصل إلى 76 لكل 100 ألف شخص، وهو من المعدلات العالية إذا ما قورن بمثيلاته من المدن أو العواصم الأخرى.

وفي أول تقدير حكومي رسمي شامل للخسائر في صفوف المدنيين الأبرياء التي تسببت فيها الأعمال الإرهابية، يتبين أن هناك نحو 6 آلاف مدني قتلوا على مدى العامين المنصرمين وأصيب 16 ألفاً آخرين، مستندة إلى إحصائيات تم الحصول عليها من خلال سجلات كل من وزارة الصحة ووزارة حقوق الإنسان ووزارة الداخلية وجهات رسمية أخرى. ولم يكد يمضي سوى بعض الوقت حتى أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن معطيات أخرى تتناقض بحدة مع ما ذكر سابقاً، حيث أشارت إحصائيات الوزارة إلى مقتل نحو 12 ألف مواطن على أيدي الإرهابيين في غضون 18 شهراً، في حين أعلنت وزارة الصحة العراقية عن بعض الإحصائيات قائلة، إن 3274 مدنياً قتلوا نتيجة الأعمال الإرهابية خلال ستة أشهر فقط من العام 2004، وهو رقم يقترب كثيراً من الحقيقة. ففي أيار/مايو 2005، على سبيل المثال، حصدت الأعمال الإرهابية أرواح 672 مواطناً وأصيب نحو 1174 آخرين بجروح، نتيجة انفجار 33 سيارة مفخخة و 17 قنبلة يدوية الصنع و 30 هجوماً مسلحاً.

وفي تقدير آخر قام به أحد المراكز البحثية، وجد أن ضحايا العمليات الإرهابية بين صفوف المدنيين العراقيين للفترة بين آب/أغسطس 2003 وحزيران/يونيو 2004 بلغت نحو 2817 ضحية. وفي التقرير السنوي للعام 2003 حول مكافحة الإرهاب الذي أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، فإن عدد ضحايا الإرهاب في جميع أنحاء العالم عام 2003 بلغ 1900 شخص بين قتيل وجريح، وبالتالي يمكن الافتراض أن نسبة 49.6% من ضحايا الإرهاب في العالم كانت بين المدنيين العراقيين. أما معدل ضحايا كل عملية، فقد بلغ المعدل العالمي 10 ضحايا لكل عملية، في حين بلغ المعدل في العراق 26 ضحية لكل عملية إرهابية.

ويقدّر موقع على الإنترنيت يديره أكاديميون وناشطو سلام ويستند إلى تقارير إعلامية، إن ما بين 17316 و 19696 عراقياً قتلوا منذ سقوط النظام، في حين أن دراسة أمريكية أوضحت أن عدد القتلى في صفوف المدنيين العراقيين بلغ نحو مائة ألف، وهو رقم نفته وزارة الصحة العراقية باعتباره رقم مبالغ به، وينطوي على دوافع سياسية أكثر مما يعنى بتحري الحقيقة.

وبالفعل فقد برع مسلحو "المقاومة" عبر هجماتهم بأداء قسطهم في تحويل العراق إلى ساحة قتل، حيث طور هؤلاء الإرهابيون مزيجاً من التكتيكات الأكثر فتكاً، وجميعها تتطلب مهارة وقدرة قتالية عالية لا يتمتع بها إلا أركان النظام السابق من حرس جمهوري وحرس خاص وأجهزة مخابراتية مختلفة.

ففي صيف وخريف 2003، كان نصب الكمائن واستخدام المتفجرات هو الأسلوب السائد. ولكن في الفترة الواقعة بين أيلول/سبتمبر 2003 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2004، كان هناك توازن تقريبي في نوع الهجمات بين العبوات الناسفة المحسنة وبين إطلاق النار المباشر وغير المباشر مع عدد ثابت، ولكن أقل، بكثير، من استخدام السيارات المخخة.

جغرافياً، تنوع أيضاً توزيع الهجمات الإرهابية، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الهجمات في منطقة الموصل في الشمال، فيما ظلت بغداد مسرحاً لعدد مضاعف تقريباً من الهجمات والحوادث بالمقارنة مع أي من المحافظات العراقية الأخرى، بمعدل 300-400 هجوم في الشهر، في الوقت الذي شهدت محافظات "المثلث السني"، بما فيها الأنبار وصلاح الدين ونينوى ربما ثلث إلى نصف الهجمات بالمقارنة مع العاصمة بغداد، كما شهدت محافظتي بابل وديالى حوالى 100 هجوم في الشهر كمعدل، وحدث مستوى أقل من الهجمات في محافظتي كركوك والبصرة.

ومنذ توقف القتال مع "التيار الصدري" في مدينة النجف، انخفضت ذروة النشاط الإرهابي في محافظات الجنوب، كما كان هناك مستوى أقل نسبياً من الهجمات الإرهابية في محافظات كربلاء وذي قار وميسان وواسط والمثنى والنجف والقادسية. أما محافظات أربيل والسليمانية ودهوك التي تديرها الحكومتان الإقليميتان الكرديتان، فقد كانت في الإجمال آمنة منذ فترة طويلة نسبياً.

ما هي الأهداف التي كانت وستبقى بنوداً ثابتة في جدول أعمـال الإرهابيين في العراق ؟ هذا ما أجاب عليه تقدير تقريبي لدراسة قامت بها لجان عسكرية متخصصة غطت بها الفترة الواقعة ما بين أيلول/سبتمبر 2003 وتشرين الأول/أكتوبر 2004، مع تبيان حجم الخسائر البشرية التقريبية للهجمات الإرهابية، كما يوضحها الجدول التالي:

 

جدول

الأهداف والخسائر للهجمات الإرهابية

(أيلول / سبتمبر 2003 تشرين الأول/أكتوبر 2004)

 

عدد الجرحى

عدد القتلى

عدد الهجمات الارهابية

الهدف

9

7

11

البعثات الدبلوماسية

81

56

31

السلطات الحكومية

203

210

113

المقاولون

3467

1981

180

المواطنون المدنيون

310

191

58

قوات الحرس الوطني

8

25

31

البيش مركه الكردية

1012

480

209

قواتالشرطة العراقية

3

2

67

الأمم المتحدة

0

2

1

منظمات دولية

11

5

5

منظمات غير حكومية

38

27

8

صحفيون

6

17

7

مترجمون

15

5

182

مخافر الشرطة

1

1

43

غير محدد

 

لا تقدم البيانات المتاحة في الجدول أعلاه سوى مؤشرات رقمية بسيطة على عدد الضحايا الأبرياء، من الناحية الكمية على الأقل. فالأرقام خادعة من جانب، لأنها أرقام، بمعنى آخر، لأنها لا تأخذ في الاعتبار كل الباقي. وكل الباقي في أحايين كثيرة هو الحاسم. وهذه بعض عناصر ذلك الباقي. فالجدول أعلاه لا يمثّل سوى "عينة" أولية لطبيعة الأهداف التي غالباً ما تنفذ بحقها الهجمات الإرهابية، وهي في مجملها تستهدف إثارة الخوف والفوضى في العراق أكثر مما تستهدف تحقيق أهداف سياسية. وعلى الرغم من التحفظ على بعض المعطيات الرقمية المتعلقة بحجم الخسائر البشرية التي يتضمنها الجدول، إلا أنها، من جهة أخرى، تصحح الوهم وتضع حدوداً للخيال.

 

ثانياً:  المسرح العراقي ومعترك الإرهاب

 

لم يكن مشهد السقوط السريع لعاصمة بحجم بغداد هو الفصل الأخير لمسرح اعتاد على تجسيد فصول الدم. فالهدوء النسبي الذي عرفه العراق بعد أيام من استكمال سقوط المدن العراقية الواحدة تلو الأخرى كان هدوءاً خادعاً بالتأكيد؛ هدوء وشى بأن صاعقة الصدمة الأولى كانت أشد من أن تدع أي فرصة للمهزومين باستيعاب حجم هزيمتهم.

عامل الزمن لم يكن السبب الوحيد الذي ساعد المهزومين على فهم التغيير الحاصل على الأرض، بل إن الإجراءات التي أخذت طريقها السريع لترسم صورة مستقبل العراق المقبل هي بالضبط ما حفّز أصحاب النفوس المهزومة على اختيار الاتجاه المعاكس حين وجدوا أنفسهم فجأة ودون سابق إنذار خارج المؤسسة العسكرية والأمنية بكل امتيازاتها، فما كان لهم أن يستسلموا أمام فقدانهم للهيبة والسطوة والنفوذ دون قيد أو شرط.

أما خارج أسوار البيت العراقي فقد بدا أن مشروع السلفية "الجهادية" قد أصيب هو الآخر بهزة نالت من كل مفاصله، وبالتالي كان من الطبيعي أن يلتقي الفريقان الخائبان وأن يحاول كل منهم إسناد الفريق الآخر: "منا المال والسلاح ومنكم الرجال"، والمسرح هو أرض العراق، أما الثمن الذي يجنيه الفريقان معاً هو لحم العراق الحي. وبدت حدود التسوية بين مشروعين واحد للبناء وآخر للهدم عصية ومستحيلة.

 

( أ ): نصيب المنظمات الدولية

 

استهداف الإرهاب لكل مفاصل حياة الإنسان العراقي شكلت أولى ركائز مشروع الهدم؛ فالهجوم بداية كان يتوجه مباشرة لا نحو القوة التي تحمي مشروع إعادة بناء العراق، بل توجهت بصورة منهجية نحو تفاصيل المشروع وروحه: تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد بتلك الطريقة المروعة كان رسالة واضحة وتفسير جلي لهدف مشروع الهدم، ومحاولة إرهاب منظمة دولية محايدة تلقى قبولاً في العادة لدى الأطراف المتنازعة بالطريقة ذاتها يوضح حدود خشية الإرهاب من معنى البناء. كما أن استهداف عمال إغاثة لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالشأن العسكري يسلط مزيداً من الضوء على المستقبل الذي يتمناه الإرهابيون للعراق. أما خطف مارغريت حسن وقتلها التي كان عملها يبدو مقبولاً في ظل سيادة نظام الطاغية، فقد صار من رحيله خطراً لأنه يدخل في مفاصل إعادة ضخ الدماء إلى شرايين العراقيين. كما أن وجود مارلا التي كانت تطالب حكومتها الأمريكية وحكومات قوات التحالف بتعويض المتضررين من الناس العاديين صار أيضاً خطراً بالمقدار ذاته. وكذلك الأمر بالنسبة للسفارات والبعثات الدبلوماسية على اختلاف مواقف حكوماتها أصبح هو الآخر عائقاً في وجه مشروع يريد للعراق أن يعيش في عزلة تامة عن العالم.  

 

( 1 ): تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد

 

لم يستطع د. نابارو السيطرة على ارتعاشات جسده وهو يتذكر تفاصيل مشهد التفجير المدمر لمقر الأمم المتحدة في بغداد في 21 آب/أغسطس 2003. وبالرغم من أن وجه الموت لم يكن غريباً عليه، وهو الوجه الذي يألفه يومياً ربما من خلال عمله كطبيب متخصص، إلا أن الموت هذه المرة لم يتخذ ذلك الشكل السلس الذي يتسلل إلى أعضاء المرضى بهدوء وبطء ووقار، فقد كان أشبه بوجه ذي مخالب.

مرات عديدة تلك التي وجد فيها د. نابارو نفسه يعتذر للصحافيين عن انفعالاته وهو يروي، ذلك أن رعونة الموت أفقدته القدرة ربما على السيطرة على هدوء الطبيب. كان عليه هذه المرة أن يستخدم مبضعاً آخر، فكل أدوات الطبيب لم تفلح في العثور على نبضات الحياة التي يبحث من خلالها على زملائه المفقودين تحت الركام. كان عليه أن يشمّر عن ساعديه ويجتاز الكثير من الأنقاض للعثور على زميله الطبيب السوداني من بين ركام المبنى المهدم.

المفاجأة كانت كفيلة بإسكاته فترة ليست قليلة من الزمن. هل كان بالإمكان تصور كل ما اعمل في نفس الطبيب الإنسان حينذاك ؟ إنها صعقة الرعب الأولى. فلأول مرة رأى نابارو الموت على صورة "بورتريه"، رآه في نصف وجه. ولكن أين وكيف اختفى نصف الوجه الآخر لزميله السوداني ؟ الشفة المتدلية من وجه هذا الطبيب لم تكن بقادرة في كل الأحوال على التفوه بأي إجابة. وقد بدا أن زميله كان يصارع من أجل البقاء. وهناك على مقربة منه تماماً تبددت ملامح ضحية أخرى لم يكن التعرف على هويتها بالأمر الممكن.

إلى بغداد جاء الطبيب نابارو المسؤول الكبير في منظمة الصحة العالمية. جاء "غازياً" على طريقته. عدوه الأول هو الأمراض التي تصيب مواطني الدول الفقيرة وتهدد حياتهم. فهل شفع له الهدف النبيل الذي نذر كل جهده ووقته من أجله ؟ ربما لم يدر بخلده مطلقاً أن تكون المنظمة الدولية، التي عارضت قرار الحرب في العراق، هدفاً. ربما ظنّ، تماماً كما ظنّ دين ميلو، أن الأهداف النبيلة التي يحملانها ستكون بطاقة "الحصانة" أو الضمانة التي يتسلحان بها. أليست الأمراض هي أشد أعداء الإنسان، إذن ما الذي يمكن أن يجعل البشر يفكرون في إيذاء من يساعدهم على اجتياز محنة المرض ؟ أهو حجم الشر الذي يصيب بعض الناس بالعمى عن رؤية وما ينفع وما يضر ؟ نابارو ينفي هذا الافتراض، "ليس هذا شراً، إنه الجهل. أولئك الذين فعلوا هذا لم يدركوا الخير المطلق الذي يمثله أناس مثل سيرجيو دي ميلو ونادية".

نادية أطاح بها الانفجار هي الأخرى، وهي ما عادت في الطابق الأعلى ونابارو الذي صعد كي يراها قبل الانفجار بثوان معدودات صارت في عداد الـ 24 قتيلاً في الهجوم الإرهابي. نادية يونس، المصرية الجنسية، لم يدر في خلدها، عندما اختيرت للعمل كمديرة لمكتب دي ميلو، إنما هي تترك عملها الأصلي في مقر منظمة الصحة العالمية في جنيف كي تموت في بغداد.

على الطرف الآخر من طاولة نادية، صرخ لوبيز دي سيلفا الذي أصيب في جبهته من شظايا الزجاج التي تطايرت لتتوزع بعدل في جبهته وفي جسد محمد جامع. لا ليس حبراً ذاك الذي صبغ دفتر جامع، إنه، بالأحرى، دمه، وكأن دفتر هذه الروح الإنسانية ما كان يتقبل الكتابة إلا بحبر الدم.

للموت رائحة .. رائحة لم يعتدها ربما نابارو في مرضاه الذين عاركوا الموت واستسلموا إليه. تلك الرائحة الشنيعة والمقززة هي التي قدّر لها أن تلتصق في رأس نابارو لتعيد إليه صورة المشهد الدامي: "كانت كما لو أنك وضعت كمية من الألعاب النارية في برميل كبير.. كان هناك غبار، ثم بدأنا نسمع صرخات وأنيناً".

كان على الطبيب أن يجتاز ذلك الممر المظلم ليصطدم فيه بالأنقاض والجثث. هل كان من الممكن للعقل أن يعيد تركيب صورة ما حدث ؟ ذلك كان صعباً بالتأكيد. كان على نابارو أن ينتقل إلى خارج المكان كي يدرك أنها كانت قنبلة كبيرة، هناك كان عليه أن يعين جثث القتلى وأجساد الجرحى الذين ينقلون خارجاً ويوضعون في فناء صغير أمام المبنى.

هنا دارت معركة غير متكافئة بين إرادتين، إرادة الموت الذي كان مستعجلاً في نيل حيوات أولئك النازفين بين الأنقاض، وإرادة الحياة التي شمرت عن ساعديها واستطاعت العثور على بعض معدات الإسعاف الأولي. كان القوت يمضي ببطء بالنسبة للجميع، وفكر الطبيب الذي كان جلّ همّه وقف نزيف الجرحى: "كم من الوقت سيمضي كي يصل الجيش لأنه كان لدينا عشرة أشخاص على الأقل يتعين نقلهم بسرعة". عشر دقائق .. عشرون .. ثلاثون دقيقة مرت "كما لو كانت فيلماً بطيئاً جداً. ثم جاء الأمريكيون وبدأنا نخرج".

ولكن هل كان بالإمكان تقدير كل الانفعالات التي كانت تمور في نفوس المسعفين وسط سحابة الدخان وصراخ الجميع. المشاعر ستبدو عصية على الإدراك خصوصاً هنا في الطابق الثالث وهو الجزء الأكثر تضرراً بالمبنى، حيث كان يرقد بالضبط تحت الأنقاض سيرجيو دي ميلو.

صراع البقاء استحال إلى صراع مع الوقت. كان على الجنود أن يتحلوا بالصبر وهم يزيحون القطع الكبيرة للخرسانة كي لا تتساقط القطع الأصغر منها على رؤوس الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة. "بدا كما لو أننا تعرضنا لزلزال"، تابع د. نابارو القول بأسى، فيما تمكّن ضابط إطفاء الحرائق المتقاعد وليام فون زيل من الوقوف، مرة أخرى، بعد إزالة قطع الزجاج المزروعة في ساقه اليمنى، فاندفع بسرعة باتجاه ما يمكن له فعله. وعندما اقترب منه رجل يضع على رأسه القبعة الزرقاء، قائلاً: "يوجد شخصان محاصران، سيرجيو وجيل محاصران". لم تكن الأسماء لتعني له شيئاً. اندفع بإحساس المنقذ ليكتشف أن سيرجيو ما زال يقاوم الموت، إلا أنه كان يعاني من آلام لا تحتمل.

وعلى مدى ثلاث ساعات متتالية، حاول فون زيل تخليصه من بين الأنقاض، ولكن هل كان بإمكان زيل أن يقوم بما اعتبره واجباً دون توافر الحد الأدنى من أدوات الإنقاذ ؟ لم يكن معه حبل ولا إضاءة تساعده على الرؤية ولا أية معدات التي كان يمكن العثور عليها بسهولة في أي سيارة حريق في مدينة ويلتون في ولاية كونتيكت الأمريكية.

هنا كان على زيل أن يعتمد على فطنته وذراعه، هل كان زيل يحاول رفع معنويات سيرجيو دي ميلو عندما كان يعمل ويتحدث إليه. زيل لم يكن يدري حينها أنه إنما كان أثناء ذلك يستمع إلى كلمات دي ميلو الأخيرة.

زيل الذي استعاد في ذاكرته تلك الكلمات، أصر على كتمان ما دار بين الرجلين من حديث، وبدا وكأنه أقسم في تلك اللحظات على كتمان أسرار هذا الرجل وأن لا ينطق ببنت شفة. لم تبهره مانشيتات الصحافة وأضواء الإعلام المرئي. ولكن ما حمله الرجل كان رسالة توجّب عليه إيصالها إلى منظمة الأمم المتحدة قبل أي جهة أخرى.

ففي احتفال نقل جثمان دي ميلو من بغداد إلى البرازيل، صرح رئيس برنامج "النفط مقابل الغذاء" التابع للأمم المتحدة، ما أوصى به الرجل الذي قضى من أجل خدمة العراق: "لا تجعلوهم يسحبون الأمم المتحدة من العراق، لا تجعلوهم يفشلون في هذه المهمة".

فون زيل كان في حجرته في مركز العمليات المدنية، المركز الذي لا يبعد كثيراً عن مكاتب الأمم المتحدة في فندق القناة، وهو المتقاعد الذي جاء ليخدم في كتيبة الشؤون المدنية الرقم 411 التابعة للجيش الأمريكي، ويعمل مع منظمات غير حكومية في العراق. كان زيل مستعداً لمغادرة الاجتماع، وكان الوقت حينها الرابعة والنصف من عصر يوم الخميس الموافق 19 آب/أغسطس 2003.

أما دي ميلو الذي كان في الطابق الثالث من المبنى، وجد نفسه فجأة في الطابق الأرضي بعدما انفجرت الشاحنة وانهار المبنى بساكنيه. وضمن هذه المشهد الفوضوي كان على زيل أن يتحرك. قد دي ميلو كانت تحت الأنقاض وفي منطقة صغيرة جداً. كان زيل قادراً على رؤية دي ميلو. السلالم الأساسية التي حافظت على حالها هي التي مكّنت فون زيل من الصعود حتى الطابق الثالث، ومن هناك كان عليه أن يبحث عن ضوء يعلم من خبرته أنه ناتج عن الشق الذي نظر عبره نحو الطابق الأرضي، فعثر عليه، ودخل برأسه أولاً نحو الفتحة وسط الحطام واستمر في طريقه نحو الأسفل وعبر من فوق جثث ثلاثة أشخاص ووضع كشافاً بين أسنانه لإنارة الطريق ولكنه سقط منه.

فون زيل لم يستسلم. توجه يحدوه الأمل نحو الطابق الأرضي، وهناك استطاع أن يلمح دي ميلو. زيل لم يستطع أن يميّز الاسم وربما لم يكن يعينه إلا شيئاً واحداً، وهو إمكان إنقاذ شخص لا زال على قيد الحياة. عمل زيل مع ممرض من دائرة إطفاء الحرائق الذي أعطى دي ميلو جرعة مورفين لإيقاف الألم، فيما كان زيل يشاغل ربما دي ميلو في الكلام ريثما يتمكن من تخليصه، سأله عن أهله، أصدقائه، وبدا أن نهاية صراع زيل ودي ميلو مع الوقت قد أزفت نهايته: ساعة، اثنتان، ثلاثة، ويتوقف دي ميلو عن الكلام. لم يستطع الصمود 15 دقيقة إضافية ليتمكن المنقذ خلالها من إخراجه من بين الركام، وكان مصاباً في وجهه وساقيه.

زيل الذي شعر بالعجز ولم يتوقع الفشل في مهمته، قال كلمات عبرت عن عمق ما شعر به من مرارة: "بصراحة أنا فكرت بأننا سنخرجهما كليهما. لو حدث ذلك في أي مكان آخر لتمكنا من إخراجه". هل كان زيل قادراً حقاً على النوم بعد كل هذه المشاهد وبعد كل ما صاحبهما من الإرهاق والتعب. لا أحد يدري ولكنه عندما استيقظ صباح اليوم التالي لذلك الكابوس عرف من هو دي ميلو. تذكر حينها فقط كل ما دار بينهما من حديث، ولكي لا ينسى خطه على ورق.

الأمم المتحدة نعت قتلاها الذين توزعوا على عديد الجنسيات، وعلم المنظمة الدولية الذي كان مليئاً بالثقوب نقل من المقر المدمر في بغداد، في الوقت الذي قام فيه أفراد عائلات القتلى بإشعال الشموع واحدة تلو الأخرى. ففي قاعة مظلمة جرى تكريم الراحلين في حين غلبت الدموع على ذويهم وأصدقائهم وهم يشاهدون صور القتلى تظهر على شاشة ويسمعون أسماءهم وفقاً للترتيب الأبجدي.

"نتقاسم اليوم الصدمة والأسف على فقد هؤلاء الأشخاص الذين أحببناهم ونصلي من أجل الذين نجوا، أولئك الذين يتعين عليهم تحمل صدمة لا يمكن لبقيتنا تخيلها". بهذه الكلمات القليلة نعى أمين عام المنظمة الدولية كوفي عنان أولئك الشهداء، ليختتمها وزير الثقافة البرازيلي الذي قدم المطرب الشعبي جيلبيرتو جيل أربع أغنيات إحداها كانت بعنوان "نخيل" وهي لمطرب البيلتز الراحل جون لينون الذي قضى نحبه اغتيالاً بالرصاص قبل 23 عاماً. 

 

( 2 ): عمال الإغاثة على ضفاف الدم

 

نحن عمال إغاثة. جئنا إلى العراق لخوض حرب من نوع آخر. أعداؤنا ليسوا بشراً بالتأكيد. عدونا الذي قدمنا لمحاربته هو عوز الإنسان وحاجته إلى الماء والنور والجسم السليم. نحن مؤمنون بأن العقل السليم في الجسم السليم، وإيماننا هذا لا ينبغي له أن يخيف أحداً، كما لا يحتاج إلى نضج كي يصل المرء إلى استنتاج بسيط للغاية: الجسم السليم يحتاج أبسط مقومات الحياة، ولا حياة بلا ماء. ففي تلك القرى النائية سمعنا أنين سكانها وجئنا لنجدتهم، هم يريدون الماء لهم ولأطفالهم ليحيوا. يردون الماء لمزروعاتهم ولماشيتهم، فجئنا بمعداتنا وبدأنا بحفر الآبار. وحل الظلام فتوقف العمل. حاولنا إصلاح أنظمة الطاقة الكهربائية لنعيد النور إلى كل أجزاء الجسد. ومع بعض النور الذي عاد، استطعنا رؤية كم من العمل ينتظرنا لإعادة الصحة التي فارقت الأجساد المعتلة.

عمال إغاثة كانوا، وهم لم يحاولوا، يوماً، الدخول في تفاصيل سياسة طغمة بددت أموال العراق في الحروب والعدوان لتترك شعبها يئن تحت وطأة الفاقة والمرض. لم يسألوا عن السبب الذي جعل من صحة الإنسان العراقي أمراً تافهاً. لم يستفسروا عن عدد أسرّة المشافي والأطباء والممرضين وتوفر الدواء، كان همهم أن يعيدوا للإنسان العراقي عافيته. هدفهم محدد سلفاً في إعادة تشغيل المستوصفات الصحية والمستشفيات المحلية. فأي جرم هذا الذي استحقوا من أجله الموت ؟ وهل كان بمقدور هؤلاء الذين جاؤوا للمساهمة، قدر المستطاع، في إعادة الحياة أن يتصوروا أنفسهم فريسة للموت الأعمى. ولكن كيف بإمكانهم أن يساعدوا في إعادة الحياة إذا ما تحولوا جثثاً مقطعة الأوصال ؟

هكذا، شيئاً فشيئاً، نفض عمال الإغاثة أيديهم، واختاروا الانسحاب من الساحة العراقية بهدوء، بعدما طالت الهجمات الإرهابية اثنين من خيرة كوادرهم، إضافة إلى بعض عمليات الخطف التي استهدفت العديد من عناصرهم.

ولكن هل كان ذنب هؤلاء الذين أرادوا ألا تقف الحدود بينهم وبين ما يمليه عليهم ضميرهم المهني القائم على حق البشر جميعاً في الرعاية الصحية بأن أطلقوا على أنفسهم "أطباء بلا حدود" ؟ هؤلاء كان عليهم ربما أن يعرفوا أن عمال الموت سيضعون أمام مهمة إعادة الحياة مئات الحدود؛ فحد الموت الرابض في العراق جعل هذه المنظمة التي أسسها عدد من الأطباء الفرنسيين أن تعيد النظر في تنفيذ مشاريعها التي أوشكت على تشغيل مستوصفين صحيين بعدما تمكنت من بناء ثلاثة غيرهما.

وهل كان بإمكان حتى المنظمات الأهلية التي تعنى بالطفولة أن تنجو هي الأخرى من قبضة الموت ؟ لم يكن ذلك، بالطبع، ممكناً؛ فالعناية بالطفولة واحتياجاتها، ستعني بالتأكيد العناية بمستقبل الحياة على أرض العراق. وعندما أقدمت منظمة فرنسية بوقف برنامجها المخصص للرعاية بشؤون الأطفال، فعلت ذلك تحت وطأة مشاهدة الموت اليومية التي لم توفر مواطنين عراقيين آمنين كما لم توفر كل من يسعى إلى مد يد العون لمساعدتهم في بعض شؤون حياتهم وشجونها.

منظمة الصليب الأحمر التي تتدخل، بالعادة، كمنظمة إنسانية عالمية محايدة في أكثر المناطق خطورة وسخونة، بحيث صار علمها الأحمر، في أوقات الحروب والأزمات، ماركة مسجلة للأمن، أضحت هي نفسها مجلبة للخطر ولاقط مغناطيسي للإرهابيين. لم يشفع لهذه المنظمة التي مقرها جنيف أنها كانت مرتبطة بمساعدة العراقيين منذ العام 1980، كما لم يشفع لها تقديمها مساعدات جمّة للعراق في فترات الحصار الطويلة، وبالتالي قررت المنظمة تقليص عدد كوادرها في العراق بعد مقتل فني سريلانكي في تموز/يوليو 2004، ليبقى 30 كادراً من أصل 130 كادراً.

ولكن ماذا يعني مثل هذا الإجراء ؟ وإذا كان الصليب الأحمر في طليعة المنظمات الدولية المعنية بأحوال الناس إبان الأزمات والحروب قد استجاب لأهداف الإرهاب، فمن هي الجهة التي يمكنها أن تقوم بمثل هذا الدور، إن لجهة تقديم المساعدات الطبية في حالة الطوارىء، أو لجهة مواصلة زيارة المعتقلين وأسرى الحرب للتوثق من أن حقوقهم التي تضمنها اتفاقيات جنيف مصانة ؟ هل يعني أن الإرهابيين الذين يعتدون على جسد منظمة يمكن أن تضمن حقوقهم الإنسانية في حال وقوعهم بالأسر أو إصابتهم بجروح باتوا لا يقيمون وزناً حتى لأنفسهم ولحياتهم ؟ ألا يستفيد هؤلاء بالذات من هذه الخدمات. الجهل أعمى كما أن الإرهاب أكثر جهلاً وعمى.

ولعله هو الجهل ذاته الذي يجعل منظمات الإغاثة الأخرى التي لا علاقة لها بأجهزة الأمم المتحدة أو بقوات التحالف أن تصبح، بدورها، هدفاً لهجمات إرهابية. ربما يكون الجهل أيضاً هو السبب الذي يجعل الإرهابيين يعتقدون بأن هذه المنظمات هي جزء من وحدات أجنبية مقاتلة.

العراق بات قادراً على تغيير طبائع المنظمات الخيرية: "احذروا .. هنا العراق .. وهذا الإرهاب لا يحتمل المزاح. تريثوا قليلاً، فإذا كنتم من العاملين في المنظمات الإنسانية، فإن عليكم أن تكفوا عن التحدث ببعض الفخر عن إنجازاتكم للصحافة وللجهات المتبرعة". ولعل هذا هو الدرس الأول الذي تعلمه العاملون في هذه المجالات في العراق، فباتوا يزيلون أية عناوين أو إعلانات تدلل عليهم، بل أصبح من النادر أن يتحدث هؤلاء لوسائل الإعلام، فيما ظلت فئة قليلة من هذه المنظمات تميل إلى الإعلان عن عدد العاملين لديها في العراق.

أهذا كل ما تعلموه هنا. لا .. لقد تعلم من بقي من العاملين الالتزام بإجراءات احترازية صارمة؛ فهم يتنقلون بحذر، ويقومون بحراسة أكبر لأماكن إقامتهم، ويعتمدون، أكثر فأكثر، على أجهزة اتصال مرتبطة بطرف واحد فقط، ويتجنبون، في الإجمال، الإقامة في الفنادق الفخمة.

خادعة هي "بلاد الرافدين" أليس كذلك ؟ يرد هؤلاء العاملون بالإيجاب. المناخ العام قادر على خداعك، فماذا تفعل وأنت ترى كل شيء هادىء ولكن .. ولكن ماذا ؟   هنا يقول د. توماس هيرمان رئيس جمعية "أطباء بلا حدود": "أنت لا تشعر بعدم الأمن. أنت تشعر كأنك تقوم فقط بعملك، ثم فجأة يقع عمل عنيف ما".      

 

 ( 3 ) عندما يتعمد حب مارغريت ومارلا بالدم

 

هل كان على مارغريت حسن (59 عاماً) كما مارلا روزيكا (24 عاماً) أن تتعمدا بدمهما لتدفعا ثمن حب لا عهد للبشر به ؟

لم تكن مارغريت حسن أماً، فقد حرمتها الطبيعة أن تنجب أطفالاً، إلا أن فيض مشاعر الأم ظل يتدفق إلى أن استطاع احتضان أطفال عراقيين افتقدوا الحنان، واحتاجوا إليه غداءا ودواء، يوم عزّ فيه الغذاء والدواء. "هل تدركون كيف تشعر الأم التي تنهض كل صباح ولا تعرف ما إذا كانت ستتمكن من إيجاد الطعام لأطفالها أم لا ؟". قد لا يعرف من تساءلت أمامه مارغريت حسن الإجابة عن هذا السؤال الوجودي، ولكنها كانت قادرة على تمثّل عمق الألم الذي يمكن أن تشعر به الأم التي لا تجد السبيل إلى تقديم أهم ما يحتاجه طفلها، وبالتالي انطلقت على جناح الواقع العنيد لتحط على ما ينقذ مشاعر الأم من المرارة والآلام التي يمكن أن تعتصرها.

لقد أرادت مارغريت حسن وفعلت ما استطاعت، بل فوق ما تستطيع، لتحمي إرادة الحياة. كانت حينذاك تحلم على طريقتها، ولكنها لم تترك حلمها فريسة حذلقة السياسة وألاعيب السياسيين، بل استخدمت حكمة الأفعى للوصل إلى أهدافها.   وبالرغم من أن مظهرها الخارجي يوحي بالفتور والتراخي، إلا أنها مهرت حياتها في العمل الشاق غير المدرج في لائحة الأنوثة بعد أن أمضت أكثر من ربع قرن في وظيفة يئن من وطأتها أشد الرجال صلابة. إنها صورة معبرة عن حقيقة هذه "الدبلوماسية" التي كانت تتمتع بقدرة واسعة على المناورة، ولا تنقصها الحيلة للتملص من مأزق، وإذا ما حشرت خرجت من مأزقها بضحكة عفوية. لقد تعلمت من تنشئتها البريطانية أناقة الجملة وسرعة الخاطر، وهي بالنسبة للذين كانوا يعرفونها عن قرب تعيش حياة غير متكلفة.

بشجاعة وتصميم اختارت مارغريت انتماءاً صعباً، فقد كان بإمكانها أن تختار لندن حيث ولدت لأب إنكليزي وأم أيرلندية وتعيش هناك بهدوء وسكينة، ولكنها أبت إلا أن تنتمي إلى من اعتقدت أنهم أهلها الحقيقيين، فلم تتصرف بأنانية تشاع عن المرأة الغربية، ولم تضغط لتأخذ زوجها العراقي الأصل لتعيش في بلدها. لقد طالبت هذه السيدة مجلس العموم البريطاني بوقف الحرب وأسرعت بالعودة إلى بغداد عشية اندلاع شرارتها لتكون إلى جانب انتمائها الذي اختارته "أهل بلدها، كما قالت لمراسل صحيفة "نيوكاسل"، قبل أن تغص بالحزن، وتتجاوز بصعوبة دموع انفجرت من عينيها وهي تعبّر عن ألمها "لاشتراك بريطانيا في الحرب"، فهل كانت تعرف أنها تنطلق نحو حتفها ؟

كانت مارغريت حسن تحمل صفات الجيل المغامر من البريطانيات الذي انخرط في مؤسسات تتعدد أسماؤها وتلتقي في أهدافها. ولئن ولدت مارغريت من رحم المؤسسة الخيرية الأمريكية "كير إنترناشيونال" التي تأسست بعد الحرب الكونية الثانية لمساعدة متضرري الحروب، فقد كانت مقاتلة من طراز فريد، وخاضت المنازلة تلو الأخرى.

وإذا كان نظام صدام حسين عرف كيف يبذخ الأموال على حساب قوت العراقيين وآلامهم، فقد كان هناك مئات الآلاف من المحرومين والمحتاجين الذين كانوا ينتظرون المصير المحتوم لأشباح الجوع والمرض. وإذا كان الخوف من تسلط النظام قد استطاع شلّ مجتمع بأكمله عن فعل أي شيء لمعاناة هؤلاء المحرومين، فهل تتخلى وهي ترى بأم عينيها كيف يموت الأطفال مجاناً؟

لعل أهم معاركها تلك التي خاضتها مع مسؤولي الأمم المتحدة. هناك صرخت مارغريت مراراً إلى أن اضطر هؤلاء المسؤولون عن سماع استغاثتها في السماح باستيراد أدوية لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، حتى لو اقتضى الأمر خرق العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على العراق آنذاك. وبالنسبة للذين كانوا يعرفونها عن كثب، فقد كانت مارغريت تتصرف بعقلية رجال الأعمال الذين لا يفوتون فرص الاستثمار، لكنها كانت "سيدة أعمال" على طريقتها الخاصة في استثمار زياراتها للخارج على أحسن وجه، سواء في جمع التبرعات أو مطالبة المجتمع الدولي رفع العقوبات، فاستحقت بجدارة لقب "سفيرة أطفال العراق".

أكثر من ذلك، لم تقتنع مارغريت بدور تأمين الغذاء والدواء لأهلها فقط، ذلك أن تأمين مستلزمات البقاء على قيد الحياة لم تكن سوى المطلب الأولي، فهناك قطاع التعليم الذي احتل حيزاً لا يقل أهمية عن غيره في سلم اهتماماتها، فسعت وكأنها وزيرة للتعليم في تزويد المدارس بالوسائل المساعدة لتعليم الأطفال، بما فيها مشروع تعليم الأطفال الصم. لكن مجالها الحيوي لم يقتصر على المدن، فتحركت باتجاه الريف والمناطق النائية حاملة مصباح الرعاية لأولئك الذين حرموا طويلاً منها.

هل كانت مارغريت حسن تعرف وهي تتحرك في محيط الشكوك الذي فرضه نظام يحكم على الناس بالإعدام أو البراءة بمجرد النظر في عيونهم ؟ لقد كانت تتحرك في حجر الثعابين، وكانت هذه الحقيقة نصب عينيها على الدوام. كما كان عليها أن تحقق توازناً، ولو هشاً، بين الظروف الأمنية التي عليها أن تتعايش معها وبين عظمة الهدف ونبله الذي حملته بين جوانحها، فجاء حسمها لهذه المعادلة التي تبدو مستحيلة لصالح الإنسان الذي كان يكبر في داخلها. باختصار، حملت مارغريت روحها على كفها ومضت إلى الهدف بعناد.

في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2004 وقعت مارغريت حسن في قبضة خاطفيها الذين يعرفون أنها لم تأت على ظهر دبابة غازية كي يجعل منها هدفاً محتملاً للخطف، فهل أراد هؤلاء المجرمون إيصال رسالة إلى ذوي الضمائر الحية في العالم يحذرونهم فيها من مساعدة أبناء العراق المحتاجين ؟ وهل بإمكان أحد تصور مدى الألم الذي اعتصر صدر هذه المرأة منذ لحظة اختطافها وحتى لحظة مصرعها على أيدي خاطفيها ؟

 لكن السؤال الجوهري هو: هل يعتقد هؤلاء المجرمون أن بإمكانهم زرع الرعب في ذوي النفوس الكبيرة، وأن هذه الممارسـة ستردع حقاً من وضع نصب عينيه هدفاً إنسانياً كبيراً ؟

ربما يجيب عن السؤال أعلاه مصرع امرأة شبيهة برسالة مارغريت حسن هي الناشطة الإنسانية الأمريكية مارلا روزيكا التي قدرت بعمق الآثار الكارثية التي تولدها الحروب على الأبرياء، حيث هالها مشهد تساقط القذائف العمياء على المدنيين العراقيين، فلم تستطع أن تتصور أن هؤلاء الأبرياء دون نصير. وبما أن هؤلاء الضحايا وحدهم لا يستطيعون الوصول إلى مراكز صنع القرار للمطالبة بحقوق لم يحسب لها أحد أي حساب، فإن روزيكا انبرت لتخوض معركتها وحيدة للتعويض عن الضحايا الأبرياء بإصرار وعناد ومثابرة تجسدت، في خاتمة المطاف، عن اقتناع الكونغرس الأمريكي وعدد من القادة العسكريين الأمريكيين في توظيف 20 مليون دولار لصالح المدنيين الذين أصيبوا بجروح نتيجة الغارات الجوية.

روزيكا كانت تعرف، كما كانت مارغريت حسن تعرف، أنها إنما كانت تسير في أرض العراق على الحد الفاصل ما بين الحياة والموت، وأنها يمكن، في أي لحظة، أن تلقى المصير الجهنمي ذاته. هذا على الأقل ما عبّرت عنه ذات مرة في إحدى رسائلها عبر شبكة الإنترنيت، حيث قال