مقتربات للمشروع السياسي العراقي
1921-2003
الدكتور سليم الوردي
المُقَدِّمَة
حين تحدّثتُ إلى عدد من الأصدقاء عن موضوع الكتاب، انصرف ذهنهم إلى أنه يبحث في المشروع السياسي القادم، ويستشرف آفاقه. وأحسستُ أنهم يشفقون على الجهد "الضائع" الذي أُنفِقه، لأنني أركض وراء سراب. وحينَ أنبأتهم أنه يبحث في المشروع السياسي السابق (1921-2003) ازدادوا استغراباً، وعدّوه ضرباً من البَطَر. فضلاً عن أنه ينكأ جراحاً لم تندمل بعد.
بقيتُ في حيرة من أمري، فالبحث في المشروع السياسي السابق ضرب من البَطَر، واستشراف المشروع السياسي القادم ركض وراء سراب! وقدّرت أن كلتا الرؤيتين ترتويان من معين واحد تحكم مرارة الظروف الراهنة مذاق مائه، وما تفرزه من مشاعر العبثية واللاجدوى، والاستسلام للأقدار. وخشيت على نفسي من الانزلاق إلى وهدة العدمية تحت تأثير هذه المشاعر المتأزمة والرؤى السوداويّة. ولأحصّن نفسي إزاءها، مضيت بإصرار أكبر في تأليف الكتاب.
لا أحد ينكر تعقيدات المشهد السياسي الراهن، تشابك عناصره وتداخل ألوانه، حتى ليبدو أن من الصعب على المرء أن يفتح كوّة ينظر منها إلى المستقبل. وليس أمام الباحث والحالة هذه إلاّ اللجوء إلى تفكيك المشهد إلى عناصره الأولية ، والتحرّي عن جذورها في المشروع السياسي السابق. فهي ليست وليدة هذا اليوم. وكل ما فعله الظرف الراهن، هو تحريك البِركة السياسية للمجتمع العراقي، بعد ركود دام عقوداً طويلة. ودفع بالانقسامات المستقرّة في قاعها، فطفت على السطح. وتحت تأثير الإعصار الذي يعصف بها، تتلاطم أمواجها، ويكثر زَبَدُها. ولهذا فإنّ من المجازفة إصدار الأحكام واستشراف المستقبل بدلالة الزَبَد الذي تفرزه أمواجها المتلاطمة.
تصيب ضبابية الأحداث ومأساويّتها الكثير من النخب المنوّرة بالذهول، ويشعر بعضهم أنه يرزح تحت وطأة كابوس رهيب، ينتظر من يوقظه منه. وذلك لأن وعيه السياسي نشأ وترعرع في رحاب أحلام وردية، صَوّرت له أن بلوغ الفردوس قاب قوسين أو أدنى!
نحن والحالة هذه غير قادرين على استشراف المستقبل، إن لم نَعُد إلى أصول الأشياء والظواهر، ونتحرّى عن العلائق السببية التي حكمت حركة المجتمع العراقي، ومسيرة مشروعه السياسي في القرن الماضي. عندها تتكشّف لنا حقائق الأشياء، وينجلي الضباب الذي يلفّها.
لا نستهدف من الرجوع إلى الماضي، استعراض أحداثه أو استذكارها، لأنها لا تزال ماثلة في ذاكرتنا. بل لنعيد قراءتها برؤية جديدة، في ضوء النهاية المأساويّة التي آل إليها المشروع السياسي السابق. ولن تجدي القراءة الجديدة إذا بقيت العدسات المشوَّشة على عيوننا وطبع النعامة يحكم اتجاه رؤيتنا. فلطالما غضضنا الطرف عن الانقسامات والتناقضات التي لا تروق لنا، ووجدنا أن من العيب الاستماع إلى مفرداتها وتداولها، لأنها كانت تخدش مفاهيمنا الوطنية و "التقدميّة". وإذا بنا قد استيقظنا ذات يوم، لنجد تلك الانقسامات قد استشرت، وراحت تلوّن بصبغتها نسيج المجتمع العراقي. وبتنا نتحرّج في طرح مفاهيمنا تلك، وكأنها تعود إلى ما قبل التأريخ!
أدرك أن أطروحات الكتاب قد تستفزّ مشاعر بعض القرّاء، ولربما وجد في بعضها تجاوزاً على الإرث النضالي للشعب العراقي، وتضحياته الجسام. كنت وأنا أسوّد صفحات الكتاب محاطاً بمشهد ضحايا المشروع السياسي العراقي، وهي تنسل من دياجير قبورها، تناشدنا أن نحاسب هذا المشروع. إن من حق حملة الأسهم محاسبة مجلس إدارة الشركة حين يخفق في تحقيق عوائد مجزية لأسهمهم. فما بالك بمن وظّف حياته في المشروع السياسي، وخسرها ... ألا يحقّ له محاسبة هذا المشروع! وعسى أن يتّعظ روّاد المشروع السياسي الآتي فيقتصدوا في إراقة الدم العراقي، فلا يسرفون في هدره عبثاً، بحجّة أن العراقيين "مشروع دائم للاستشهاد"!
إن العلل التي يعانيها الوعي لا تعالَج بالتربيت عليها، بل بأسلوب الصدمة. ولو اعتمد خطابنا إلى مجتمعنا أسلوب الصدمة، لما أخذتنا صدمات الغير بَغْتة وشلّت حركتنا. فالمدرّب الماهر، يوطِّن الملاكم على الصدمات ليكسبه المناعة إزاء لكمات الخصم في حلبة الملاكمة، فلا يصاب بالذهول، وتشلّ ردود فعله.
اعتاد الكتّاب على التوجه إلى الناقدين والقرّاء المهتمّين، لإبداء ملاحظاتهم النقدية لأطروحات الكتاب. أما بقدر تعلّق الأمر بهذا الكتاب فإن هاجسي لا ينصبّ في المقام الأول على الكتاب نفسه، بل على الموضوع الذي يتناوله. ففي طرح قضايا الشعوب ومصائرها، ينبغي أن لا تستغرق رجال الفكر نزعاتهم الأنويّة، فتتحوّل إلى ميدان يستعرضون فيه عضلاتهم المعرفية، ويستقتلون في الدفاع عن أطروحاتهم، متناسين قضيّة الشعب التي يتناولونها. لهذا أرجو أن تتّخذ ملاحظات الناقدين ووجهات نظرهم شكل المشاركة في تناول موضوعة المشروع السياسي العراقي وإشكاليته، لتمثّل إضافة قيّمة تساهم في تفكيك المشهد السياسي الراهن، وتُلقي حُزمة من الضوء على المستقبل السياسي للعراق.
كان بودّنا أن يضمّ الكتاب بين دفّتيه مساهمات لرجال فكر آخرين، فمديات البحث في المشروع السياسي العراقي أوسع من أن يحيط بها يراع واحد، بيد أن قنوات التواصل والاتصال بين رجال الفكر هي الآن في حدودها الدنيا بسبب الظروف التي تكتنفنا. إن تناول المشروع السياسي العراقي هو بحد ذاته مشروع بحثي كبير. وما هذا الكتاب إلا دعوة لوليمة بحثية كبيرة، لا نطيق تحمّل تكاليفها الباهظة بمفردنا. وما نقدر عليه هو ثمن "المقبلات" التي ينطوي عليها الكتاب.
وختاماً، أود أن أعبّر عن امتناني للصديق العزيز، المفكّر: عبد الرحمن طهمازي، الذي واكب إعداد الكتاب خطوة فخطوة، بدءاً من أول مقال نشرته في جريدة "النهضة" في تموز 2003، حين شخّص فيه مخططاً لمشروع كتاب، وصولاً إلى مراجعة مسودته النهائية، وإبداء ملاحظاته القيّمة، المقترنة بحماسته لموضوع الكتاب.
ولا أدري كيف أصوغ شكري لولدي الحبيب زيد، وهو بضعة منّي. فقد كان ساعدي في تلبية المستلزمات الفنّية لتهيئة الكتاب للطبع، بدءاً من تنضيده على الحاسوب، إلى تصميم غلافه، ومتابعة شؤون طبعه. فضلاً عن ملاحظاته حول مادة الكتاب التي كنت أفيد منها، بحكم كونه القارئ الأول.

مُقتَرَبٌ مَدخَليّ
1-1 توطئة
نَشرتُ في جريدة "النهضة" [1] مقالاً تحت عنوان: "هوامش على المشروع السياسي العراقي". أعقبته بعدد من المقالات تتناول جوانب مختلفة لهذا المشروع. وأشار عليّ بعض الأخوة المهتمين، بالتوسع في تناول الموضوع، نظراً لأهميته وحيويته في المرحلة الراهنة التي يتهيأ فيها المجتمع العراقي لإعداد مشروعه السياسي القادم.
وحين تأملت الموضوع، أدركت أكثر فأكثر أبعاده المتشابكة، وانتصبت أمامي المشكلة التي يواجهها الباحثون في تعيين حدود البحث التي يفترض أن يتوقفوا عندها، وإلا تحول إلى "قصة لا تنتهي" إذا فُتحت أبوابه لكل ما يعنّ للباحث من مواضيع ذات علاقة.
انهار المشروع السياسي السابق الذي عمّر 82 عاماً. ونحن الآن في طور الإعداد للمشروع السياسي القادم. ولأن الرحم التي حملت المشروع السياسي السابق، هي نفسها التي ستحمل المشروع الآتي، يترتب علينا أن نضمن له أن يولد صحيحاً معافى، قادراً على مواجهة المتغيرات الحادة والسريعة، ونكفل الجنين بالرعاية، منذ أسابيع الحمل الأولى، لكل ذلك يتطلّب الأمر الوقوف على علل الوليد السابق، ومتاعب الرحم التي حملته، ولماذا عجز عن مواجهة الحياة.
1-2 المشروع
قد تخلق مفردة "المشروع" لبساً لدى القارئ، لما لها من مدلولات لغوية ومصطلحية مختلفة. فالفعل شَرَعَ يعني لغةً: سدّد وصوّب واستهدف، والمشروع: المستهدَف، ولكنه اصطلاحاً يعني المخطّط أو المصمّم له. واعتمدنا مفردة "المشروع" بدلالة مجازية، لإغراض البحث.
ونقصد بالمشروع: رؤية مؤملة، يُشرع بتحقيقها عبر صيرورة مستمرة. وينتهي المشروع إما بتحقيق هذه الرؤية وبلوغ الأهداف المؤملة، أو بالإخفاق في تحقيقها بسبب انهياره. فالجنين في رحم أمه يظلّ مشروعاً لحين ولادته. عندها إما أن يولد حيّاً أو ميتاً. وفي الحالتين تسجِّل الولادة نهاية المشروع، نجاحاً أو إخفاقاً.
لم تكن مفردة "المشروع" تخطر على بالنا قبل 9 نيسان 2003. بيد أن الزلزال الذي أطاح بالدولة العراقية، واجتثّها كما تَجتثّ الأعاصير الشجرة المنخورة، يطرح أسئلة كبيرة، لا تتعلّق بنظام حكم البعث فقط، بل ببنية الدولة العراقية عموماً. لأن الدولة تستمد وجودها وآليات عملها من المجتمع ومؤسساته. تطورها وتخلفها يعبّران عن تطور أو تخلف المجتمع، بصفتها أهم مؤسسات بنائه الفوقي. فإن تخلفت الدولة عن المجتمع ودرجة نضجه، تمكن الأخير من تقويضها واستبدالها بمؤسسة تستجيب -بأساليب وآليات حكمها- لمستلزمات تطوره. وقد أخفق المشروع السياسي العراقي في إنجاز هذه المهمة بقواه الذاتية، فتصدّى لها العامل الخارجي (الاحتلال الأجنبي). والجدير بالذكر أن ولادة الدولة العراقية جاء على أثر الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الأولى، لأن فكرة تأسيس دولة مستقلة لم تكن مطروحة في ظل الحكم العثماني. وجاء انهيارها على يد احتلال أجنبي أيضاً في نيسان 2003.
استهدف المشروع السياسي العراقي في بدايته تأسيس دولة دستورية عصرية وعلى أسس ليبرالية. وقد طفت على سطح المشروع في صفحاته الأولى بعض الملامح الليبرالية الهشّة. ولكنها بدل أن تسجّل خطاً بيانياً متصاعداً -كما هو مألوف- سجلت خطاً بيانياً تنازلياً. فمن دستور دائم إلى دساتير مؤقتة، ومن تعددية حزبية إلى حكم الحزب الواحد، ومن حكم نخبة متمدنة، إلى حكم نخب بذهنية ريفية. ومن حكم لا تهيمن عليه عصبية بعينها على نحو سافر، إلى حكم عصبيات: مناطقية، عشائرية، أسرية … وصولاً إلى حكم العائلة.
إن مسيرة الحكم الوطني التي امتدت من سنة 1921 إلى 2003، لم تكن في حقيقة الأمر إلا مشروعاً لولادة دولة عراقية عصرية، وكان مآله الإجهاض. وفي ضوء هذه الرؤية نستخدم مصطلح "المشروع السياسي العراقي"، وبما يحمله من مدلولات مجازية.
1-3 المنظومة
يمثّل مفهوم "المنظومة" محطّة منهجية محورية في هذا الكتاب لمسوغات سنتناولها لاحقاً. ومع حرجي من زجّ القارئ الكريم في مفاهيم ومصطلحات يتطلّب استيعابها خلفيات معرفية متخصصة، أجد أن لا مفر من استخدامها، إذ تمثّل مدخلاً منهجياً كبير الأهمية. لذا أتوجه إلى القارئ بالرجاء أن يجود علي بشيء من الصبر ريثما يقف على ما أرمي إليه.
يقصد بالمنظومة System مجموعة من العناصر المترابطة فيما بينها على نحو يؤهلها لأداء وظيفة/وظائف معينة. الكون والطبيعة والمجتمع إنما هي مجموعة لا تُعدّ ولا تحصى من المنظومات. ويكمن سر تقدّم الإنسان في اكتشافه عمل هذه المنظومات من أجل استثمارها لصالحه وتفادي آثارها السلبية. لا شيء في الحياة يعمل خارج منظومة ما، سواء اكتشفنا ذلك أم لا. جسم الإنسان منظومة تتفرع إلى عدة منظومات مترابطة فيما بينها، نسميها بالأجهزة: الجهاز الهضمي، و العصبي والعضلي، والتنفسي، والبصري والسمعي … وغيرها. والسيارة هي أيضاً منظومة تتفرع إلى منظومات: ميكانيكية، وكهربائية، وإليكترونية، مثل: منظومة الوقود، والاستدارة، والتعشيق، والسيطرة، والتوقف، والتشغيل … الخ.
الخلل في أي من هذه المنظومات يؤثر في المنظومات الأخرى، ودرجة فاعليتها. وقد تستمر السيارة في حركتها رغم وجود عطل في أحد عناصر منظومتها. وقد يستبدل أحد الأجزاء بمادة احتياط جديدة، بما يؤدي إلى تحسين المنظومة التي ينتمي إليها، ولكن منظومات السيارة الأخرى قد لا تستجيب بفاعلية لنشاط المنظومة المحدَّثة، بسبب اندثارها مثلاً، ولعل ذلك يزيدها اندثاراً. وينطبق هذا على الإنسان، فقد تنشط إحدى منظومات جسمه، كما يحدث مع اللاعبين حين يركزون على منظوماتهم العضلية والحركية، من دون مراعاة المنظومات الأخرى للجسم، مما يؤثر سلباً فيها. وكم من لاعب تميّز بلياقات عضلية وحركية، ولكن على حين غرة يموت بالسكتة القلبية مثلاً، وهو لا يزال في ريعان الشباب.
وعلى هذا، ينبغي أن لا نقيّم المنظومة بدالّة أحد عناصرها فقط، وأن لا نتوهم أن مجرّد ترميم عنصر فيها من شأنه أن يعالج مشاكل فاعلية المنظومة على وجه العموم. وعلى سبيل المثال نحن لا نذهب إلى الميكانيكي إلا إذا أصاب السيارة عطل ما. وقلّة منّا تراجع طبيب الأسنان لإدامة أسنانه. وأكثرنا يراجعه عندما تعتلّ إحدى أسنانه ولا يطيق تحمّل الألم الذي تسببه. وذلك لأننا لا ننظر إلى أسناننا بوصفها منظومة، بل بوصفها أسناناً متفرقة، فلا نُعنى بها أو نُديمها. ويفوتنا أن السنّ العليلة تُصيب بالأذى الأسنان الأخرى، وقد لا تنتهي المشكلة باقتلاع السنّ العليلة. فضلاً عن إن منظومة الأسنان تؤثر في منظومات الجسم الأخرى، كما تتأثر بها.
اعتدنا على التعامل التجزيئي مع الأشياء ومع عناصر منظومات حياتنا المختلفة وبضمنها المنظومة السياسية. وقاد ذلك إلى:
أ- غياب الحكم الدقيق والموضوعي على المنظومة بأكملها.
ب- الإمكانية المحدودة لمعرفة مواطن ضعف المنظومة وقوتها الحقيقية.
ج- سيادة أسلوب ردود الفعل في التعامل مع المشاكل التي تواجه واحداً أو أكثر من عناصر المنظومة.
د- ضعف استيعاب علاقة المنظومة بالبيئة المحيطة وقنوات التفاعل و التأثير المتبادل فيما بينها.
هـ- وفي الحصيلة النهائية ضعف السيطرة على المنظومة ممّا يؤدي إلى ضعف فاعليتها.
في ضوء ما تقدّم نحن ننظر إلى المشروع السياسي العراقي بوصفه منظومة من العناصر المُتأثرة فيما بينها، وإن اختلفت في مواقعها ودرجة تأثيرها. ولا تقتصر -بتقديرنا- عناصر منظومة المشروع السياسي على الحاكمين، بل على المحكومين أيضاً، أفراداً وطبقات وطوائف وتيارات سياسية. ويمثّل المشروع السياسي حصيلة تفاعل تناقضات المجتمع بأسره. وتتجلى فاعلية المنظومة السياسية في قدرتها على معالجة هذه التناقضات، وتفادي تفجّرها على الأقل. وأضع النبرة على هذا المفهوم لكي لا يرى أي منّا نفسه بمنأى عن هذا المشروع واتجاهات صيرورته، سواء أ كنّا واعين لنتائج مواقفنا أم لا، موافقين أم معارضين، صامتين أم متمردين، مصفّقين أم متصدّين.
إن واحدة من أخطر إشكاليات وعينا السياسي: حكمنا على المنظومة من خلال أحد عناصرها. ويخيّل لنا -على أساس ذلك- أن معالجة أمر هذا العنصر يكفل إصلاح المنظومة بكاملها، ويفوتنا أن فساد هذا العنصر لا يحدث من تلقاء ذاته، إنما بسبب خلل في المنظومة. وعلى الرغم من سلسلة العمليات الراديكالية لإصلاح أهم عناصر منظومة المشروع السياسي العراقي: السلطة السياسية، سارت المنظومة من سيئ إلى أسوأ، وآلت إلى ما آلت إليه.
لأجل هذا كله نضع النبرة على مفهوم المنظومة، في تقييم المشروع السياسي العراقي، على أمل أن نتخلّص من المداخل التسطيحية في تقويم الأحداث والتيارات والرموز السياسية، التي هي عناصر هذا المشروع.
1-4 إطلاق الأحكام
حرصنا -قدر الإمكان- على تفادي إطلاق الأحكام على القوى والتيارات السياسية التي شاركت في المشروع السياسي العراقي، لأننا لسنا في موقع يبيح لنا توزيع أحكام الإدانة والتبرئة.
وانصبّ التقييم على أهم القوى السلطوية التي توالت على دست الحكم وذلك لأنها انكشفت أمام التأريخ والمجتمع، وبانت الهوّة بين البرامج التي كانت تبشّر بها، ونتائج سلوكها السلطوي. فالسلطة تمثّل الاختبار النهائي للقوة السياسية التي تتسنّمها. فترسب أو تنجح أو تكمل. أما القوى السياسية التي لم يقيَّض لها قيادة نظام الحكم فلا تمثّل أخطاؤها أو سوء تقديراتها إلا اختبارات اعتيادية، لا يصحّ أن تبنى عليها أحكام قاطعة. لأنها لم تمرّ بالاختبار النهائي: كرسي الحكم ... وربما لحسن حظّها. ولهذا كان من المنطقي أن تحتل حقبة نظام حزب البعث مساحة واسعة في الكتاب لأنها استغرقت زهاء 43% من عمر المشروع السياسي العراقي.
ثمّة من يرى أن حكم البعث مجرّد كابوس مر به المجتمع العراقي، أو مرحلة طارئة نشأت عن قفز حزب البعث إلى السلطة في غفلة من الزمن، وغير ذلك من الرؤى التي يراد بها غض الطرف عن دراسة هذه الحقبة، وإقصاؤها عنوة عن المشروع السياسي العراقي. وجاء قانون "اجتثاث البعث" يتناغم مع هذه الرؤية، إذ يصوِّر الأمر بالنبتة الضارّة التي ما أن تجتثّ حتى يعود كل شيء إلى حاله الطبيعي.
وتحظى هذه الرؤية بالقبول لدى أوسع قطاعات الشعب، بسبب الدمار والآلام التي خلّفها نظام البعث، ولا يمكن لذاكرة المجتمع نسيانها لأجيال قادمة. بيد أن الباحث الحصيف ينبغي أن لا ينقاد إلى هذا المزاج الانفعالي فتكون أحكامه واستنتاجاته ردود فعل تفقده البوصلة العلمية في تقييم الأمور. إن النظرة التبسيطية والتسطيحية للظواهر تحرمنا من الوقوف على حقائقها وجذورها، وتبقى الغشاوة على أعيننا فلا نرى مواطن الضعف في مشروعنا السياسي السابق، والأسباب الحقيقية التي أدّت إلى انهياره.
1-5 بين التبرير والتنوير
تكرَّس الإعلام بعد 9 نيسان 2003 لتعرية النظام الصدّامي، والكشف عن أشكال وممارسات طغيانه، وهو أمر مطلوب. ولكنه لم يسلّط الضوء على السؤال الكبير: كيف قُيّض لمثل ذلك النظام أن يشغل زهاء 43% من عمر المشروع السياسي العراقي.
من السهل أن تدين المجرم، إذا كانت جريمته بيّنة لا مِرية فيها، ولكن من الصعب على المعتدى عليه الكشف عن مواطن الضعف فيه التي يسّرت للمعتدي تحقيق عدوانه. لأن الأمر -عندها- يتطلّب مواجهة صريحة مع النفس، وجرأة في الكشف عن مواطن تقصيرها. وتقاس حيوية المجتمع بقدرته على مواجهة نفسه.
وينتصب هنا دور الفكر التنويري، لينهض بدور الطبيب الذي يشخّص علّة المريض ويصارحه، حتى ولو استوجب الأمر استخدام مبضع الجرّاح، لا أن يقتصر دوره على وصف دواء لتسكين وتخفيف آلامه، بينما يستشري المرض في جسده. أيحتاج مجتمعنا إلى عقاقير تسكين وحسب. وهل يُعذر الطبيب إذا أخفى على مريضه حقيقة علّته ... ألا ينحرف الإعلام إذا سلك هذا السبيل عن دوره التنويري، إلى دور تخديري.
إن من يخشى مواجهة نفسه يتعذّر علية تجاوز واقعه، والانطلاق بجرأة نحو واقع أفضل. فالاقتصار على ملامسة المشكلة من خارجها، وتناول أعراضها من دون الغوص في جوهرها، يمثّل إشكالية خطرة.
1-6 المصالحة
يتنادى الخيّرون من أبناء الشعب العراقي إلى "المصالحة الوطنية". وهي دعوة نبيلة ولا ريب، بل ومتطلّب أساس لإرساء قواعد المشروع السياسي القادم. ولكن هذه الدعوة تظلّ هدفاً عائماً إن لم نقف على مواطن الخصومة في مشروعنا السياسي السابق. فكيف يوصف الدواء قبل أن تُشخّص العلّة! ولا ننسى أن بعض العقاقير تخفف آلام المرض ولكنها لا تعالجه. فهل يُراد "للمصالحة" المنشودة أن تكون عقاقير مخفِّفة للآلام وحسب، أم لمعالجة العلّة نفسها[2]. ومن هنا تنشأ تساؤلات عدّة، تمثّل الإجابة عنها مدخلاً عقلانياً للمصالحة.
التساؤل الأول: هل يُراد للمصالحة أن تكون مرحلية تُزيل مآسي الماضي القريب، أم مصالحة استراتيجية تضع العراق على أعتاب انعطافة في مسيرته؟ فإن جاءت في إطار "العفو عمّا سلف" فلن تتجاوز في آثارها ونتائجها قرارات العفو عن الهاربين من الخدمة العسكرية، التي لم تعالج يوماً ما أسباب الهروب من الجيش. ولذا كانت ظاهرة الهروب تتفاقم وتستفحل على الرغم من تواتر قرارات العفو، التي هي في طبيعتها نوع من المصالحة.
التساؤل الثاني: هل ستقتصر مديات المصالحة على الصفحة الأخيرة من المشروع السياسي السابق، أم تمتد لتستوعب فصوله المتعاقبة كافة. المسرحية لا تستوعب بمشاهدة فصلها الختامي، وإن انطوى على ذروتها، لأن ذلك يعرّض حبكتها للهدر. فما عسانا أن نفهم من الفصل الأخير لمسرحية "مجنون ليلى" حين نشاهد قيس بن الملّوح وهو هائم على وجهه في مقبرة على سفح جبل، وهو ينشد "جبل التوباد حيّاك الحيا". أو المشهد الأخير لمسرحية "هاملت" حين نرى أجساد هاملت وأمه وعمه الغدّار تتهاوى على المسرح! الأشياء لا تُقيّم من حيث انتهت وحسب، بل من حيث بدأت، وكيف آلت إلى نهاياتها.
التساؤل الثالث: هل نحن أمام فرقاء اختصموا نسعى إلى مصالحتهم والتقريب بين وجهات نظرهم، أم أن الأمر أعمق غوراً؟ وهذا هو ما يتطلّب منا وقفة جادة وتشخيص جريء، لا تستغرقه مشاغل توزيع التهم وإصدار أحكام الإدانة والتبرئة. فلهذه العملية حقلها الخاص، ولا تمثّل لب المعضلة. فمعالجة المجرم هي العقاب. بيد أن تصحيح البيئة الاجتماعية التي خلقت منه مجرماً يبقى هو الأساس. وبخلافه يظلّ المجتمع يلد مجرمين، وتواصل المقصلة عملها إلى ما شاء الله!
التساؤل الرابع: المصالحة بين من ومن، وعلى ماذا؟ إن السخرية هي أن نتصالح قبل أن نضع أيدينا على الموضع الحقيقي للخصومة. هل ستنصب المصالحة على خصومات مضت، أم أخرى لا تزال قائمة … أم لتفادي خصومات مقبلة؟
إننا سنبتسر المصالحة إذا افترضنا إنها تنصبّ على خصومات الماضي وحسب، في حين يفوتنا أن انقسامات الحاضر إنما هي امتداد لعثرات الماضي. ألا يبدو غريباً أن نتصالح على خصومات مضت، بينما نختصم في الوقت عينه على الحاضر والمستقبل!
التساؤل الخامس: ألا تمثّل الخصومات التي نخرتنا، وما زالت، تجلّيات لخصومة أكبر: بيننا مجتمعين من جانب، وبين الوطن من جانب آخر، من حيث النتيجة على الأقل. خصومة بين مداخل وعينا للوطنية، والوطن المبتلى بنا؟ فكلّ عصبة منّا ترى نفسها الممثّلة الوحيدة للوطنية، ومن لا يمرّ إلى الوطنية إلا عبر مدخلها هي، يُعدّ مارقاً من الوطن. ألا ترون أن الخصومة تكمن هنا، ومن العبث أن نتقصّى عنها في مواضع أخرى. وإلا فسنتصالح في ميادين، وتجري الخصومة الفعلية في ميدان آخر!
ويترتب على ما تقدّم حقيقة مهمة، علينا إدراكها بعمق: هي أن الوطن يوحِّد. وحين تجيء سياساتنا -مهما أطَّرها حبّ الوطن والوله به- مُفرِّقة أبناءه، فذلك دليل على وجود خلل في رؤيتنا للوطنية وعلاقتنا بالوطن. ويجدر بكل القوى السياسية والتيارات الاجتماعية أن تمسك بهذا المعيار، سواء في مراجعة برامجها أو رسم سياساتها الحالية والمستقبلية. ولا مصالحة حقيقية مع الوطن، إلا برؤية نقيّة واضحة سمحة للوطنية. وفي ضوء هذا الاعتبار يمثّل الوطن والوطنية، المحور الأساس في هذا الكتاب.
1-7 الكشف عن العلل
تنصب أطروحات هذا الكتاب على عناصر المشروع السياسي العراقي. وهو في حقيقة الأمر رد فعل على الخطاب السياسي العراقي الذي ألف التركيز على العوامل الخارجية من دون أن يولي دراسة المجتمع العراقي وإشكالياته البنيوية الاهتمام اللازم. ومن علل هذا الخطاب إلقاؤه الضوء على "الآخر"، وحجب عيوبه ومواطن ضعفه، إذ يرى فيها عورات يجدر التستّر عليها. ونلاحظ أن أغلب الأدبيات والبرامج السياسية تركّز على الاستعمار ومؤامراته وتخرّصاته. لا أدري متى دخلت مفردة الاستعمار في قاموسي، ولكن لدي شعور أني أعرفها منذ الولادة، ولعلنا جميعاً ورثناها في ثنايا خارطتنا الجينية! وكم يمسّ شغاف قلوبنا مونولوج الفنان الفذ عزيز علي "كلّه منّه". ألا يفترض بخطابنا السياسي أن يسائل نفسه: منذ عقود ونحن نسلّط الضوء على الاستعمار والصهيونية ونكشف عن طبيعتهما ومؤامراتهما، ولكنهما رغم ذلك يعززان مواقعهما ويتعاظم نفوذهما في موطننا .... ألا يملي ذلك علينا إعادة النظر بهذا الخطاب؟! هل يُقضى على الفيروسات والجراثيم والطفيليات التي تهدد حياتنا إذا هتفنا بسقوطها؟ لقد سيطرنا على طفيلي "حبة بغداد" الذي شوّه وجوه أجيال من العراقيين، من دون أن نتظاهر ونهتف بسقوطه.
إن الظواهر السياسية بأشكالها وتجلّياتها المختلفة، إنما هي إفرازات لواقع المجتمع العراقي، تناقضاته وإشكالاته البنيوية. وإذا غُيِّبت هذه الحقيقة عن وعي المجتمع سيظل يفتّش عن العلل خارجه، ويغفل العلل التي يعانيها. وإذا ما توخّينا إعادة تشكيل الوعي السياسي للمجتمع العراقي ووضعه في المدار الصحيح، فلا مفرّ من دراسته بعمق.
1-8 راهنية المشكلة
لا يكشف الكتاب للقارئ عن وقائع وأحداث وبيانات جديدة. وبهذا المعنى لا يمثل إضافة إلى مكتبة التاريخ السياسي للعراق المعاصر. كما أن التاريخ لا يمثّل حقلاً لتوجهاتي البحثية، لأنني لا أتوفر على العدّة التي تؤهلني للتصدّي إلى موضوعاته. لهذا فأنا لا أتصدّى للبحث في المشروع السياسي العراقي، بوصفه مرحلة تاريخية انصرمت وانتهت، بل بوصفه مسيرة لا نزال نعيش تداعياتها ونعاني تناقضاتها الحادة. إن ما نسميه بالمشروع السياسي القادم، إنما هو في حقيقة الأمر، نهوض المشروع السياسي السابق من كبوته، ليتخذ له منطلقات جديدة، ويتوسل بأساليب واقعية، تعصمه من المطبّات التي وقع فيها سابقاً.
1-9 عنوان الكتاب
قد يُطرح السؤال: لماذا استخدمنا عنوان "المشروع السياسي العراقي"، ولم نستخدم عنوان "المشروع الوطني العراقي"، مع أن الكتاب يتناول موضوعة الوطنية العراقية بتجلياتها المختلفة.
وللإجابة عن هذا السؤال، من المجدي أن نميّز بين "الوطنية العراقية" و "المشروع السياسي العراقي"، بين ما هو موضوعي، وما هو ذاتي. فالوطنية العراقية -على الرغم من ولادتها المتعسّرة- تحولت بعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1921 إلى واقع موضوعي. وجاء المشروع السياسي العراقي -الذي يمثّل العامل الذاتي- فتصدى لإدارتها، ورسم سياسات تطورها. وعلى هذا النحو بدأت العلاقة الجدلية المعقّدة، بين ما هو موضوعي، وما هو ذاتي.
ولو أننا استخدمنا عنوان "المشروع الوطني العراقي" لحكمنا على الوطنية العراقية بدالّة المشروع السياسي الذي تكفّل بها. هذا المشروع الذي وقع في الكثير من المطبّات، حتى آل إلى نهايته المأساوية. كرّسنا لموضوعة "الوطنية العراقية" المقترب الثاني من الكتاب. وتناولنا في مستهله مفهوم "الوطنية". وقد يتراءى لكثير من القرّاء أن هذا الطرح نافل لا ضرورة له ... فمن ذا يجهل معنى الوطنية!
لا أكتم القارئ أنني واجهت مشقّة في هذا المقترب. فما أصعب أن تتولّى إيضاح ما يتراءى للجميع أنه واضح بداهة، ولا يحتاج إلى طول تفكّر. ولعل واحدة من إشكاليات وعينا السياسي أن فضاءه يعجّ بالبديهيات والمسلّمات، التي تغرينا بإصدار الأحكام القاطعة .. . أما آن الأوان أن نعيد التفكّر بهذه المسلّمات، ونتقصى عن لوحات دلالة جديدة تعيننا في السعي إلى أهدافنا؟
أثبتت سلسلة الأحداث والنتائج لمشروعنا السياسي أن رؤيتنا للوطنية، لم توفَّر لها حاضنة تتكفل برعايتها بل تركتها في العراء تحت قيظ الصيف وبرد الشتاء. والدليل على قصور رؤيتنا للوطنية، أننا احتربنا من أجلها، ولا نزال. كل منّا يعتقد أنه أحق من الآخر بها. وبدلاً من أن تكون عاملاً للمّ الشمل، حوّلناها عامل تفريق وتشتيت.
1-10 الإرادوية
لم يعدم المشروع السياسي العراقي قيادات قوية ذات بأس وعزيمة وإرادة. سواء على مستوى السلطة أو القوى السياسية المعارضة. ولم يعدَم البرامج الإصلاحية لتطوير المجتمع العراقي .... فلماذا إذاً أصيب المشروع بنكسة إثر أخرى!
ثمة ذهنية سيطرت على المشروع، طَموحةٌ في أهدافها، رومانسية في جوهرها، وتجلّت في سياسة حرق المراحل، ومحاولة قطف الثمرة قبل نضجها. وهو ما تعارفت عليه الفلسفة، وعلوم السياسة والاجتماع: "بالإرادوية"، التي تؤمن أن عماد التحوّل الثوري إنما هو توفّر الإرادة في التغيير، وبصرف النظر عن توفّر الإمكانات الموضوعية لحدوثه من عدمه.
ولأن "الإرادوية" مثّلت -باعتقادنا- العمود الفقري للمشروع السياسي العراقي، وجدنا من المجدي إلقاء حزمة من الضوء على مدلولات "الإرادوية" وتداعياتها في المشروع السياسي العراقي، ونتائجها العدمية التي أنهَكت المشروع، ودفعت به حثيثاً إلى نهايته.
1-11 الوعي السياسي
يلعب الوعي دوراً فاعلاً وخطيراً في حركة المجتمع. وهو وإن يعدُّ انعكاساً للبيئة الاجتماعية وما يحصل فيها من تغيّرات، يتّصف باستقلالية نسبية. فهو لا يردف التغيرات بصورة تلقائية ومباشرة، إذ يتطلّب الأمر مدّة من الزمن -قد تطول أو تقصر- ريثما يتمثّل الوعي تلك التغيرات ويستوعبها. وينطبق ذلك على الوعي السياسي. فحين يُمهَّد للتحولات، يسهل على الوعي تقبلها، وخلافه يتعسّر تفاعله معها.
وهنا تكمن جدلية ولادة وتكوّن الوعي السياسي العراقي المعاصر. فقد انهمرت عليه التحولات السياسية بسرعة، في فترة زمنية قصيرة، بعد سبات استغرق مئات السنين. ففي بحر زهاء عقدين من الزمن عاش أحداثاً عاصفة لم يَعش ما يماثلها خلال قرون، في كهف الجهالة العثماني. وولدت هذه السرعة المفاجئة في توالي الأحداث إشكاليتين في وعيه السياسي. تتمثّل الأولى في استسهال عملية التغيير السياسي، والثانية في الخوف والتوجّس من الخارج. وذلك لأن التغيرات السريعة التي حدثت، ما كان لها أن تحدث لولا العامل الخارجي (الاحتلال البريطاني للعراق إبّان الحرب العالمية الأولى). وتجلّى ذلك في نشوء نظرية "المؤامرة" في خبايا وعيه، مما جعله يرنو بنظرِهِ دائماً إلى الخارج، يترقّب تخرّصات العدو الأجنبي. بينما أغفل دراسة تناقضات وانقسامات المجتمع العراقي، التي تُمثّل -في حقيقة الأمر- المنفذ المواتي لتمرير مؤامرات الأجنبي.
والجدير بالإشارة في هذا الصدد، أن أطروحات عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، أحدثت صدمة في الأوساط الفكرية. وانصبّت عليها سهام النقد من اليمين، ومن اليسار. لأنها لامست تناقضات المجتمع العراقي وانقساماته، ولتقاطعها مع ثوابت الثقافة التي كانت تُكرّسها القوى السياسية في أذهان الناس، والتي تُصوّر الشعب على أنه Taboo له قدسية خاصة، يحُرّم المساس بها، حتى وإن كان ذلك على حساب دراسته والكشف عن تناقضاته وانقساماته.
حظي الدكتور علي الوردي بقاعدة واسعة من القرّاء، لم يحظ بها أي رجل فكر آخر في العراق المعاصر. ولكن اللافت للانتباه أن أياً من برامج الأحزاب والتيارات السياسية لم ينوّه بهذه الأطروحات. ويمكن تلخيص هدف رسالته الموجّهة لطلائع المجتمع العراقي، أن: إقرأوا مجتمعكم .. . فلن تفلحوا في قيادته إلى بر الأمان، إن لم تضعوا يدكم على علله، وتكشفوا له عنها. وعلى هذا النحو تعيدون تشكيل وعيه وتضعونه في المدار الصحيح.
ولإدراكنا خطورة الدور الذي لعبته اتجاهات الوعي في المشروع السياسي العراقي، كرّسنا له المقترب الرابع.
1-12 تقييم المشروع
دأبنا على تقييم فصول المشروع السياسي العراقي، بشكل منفرد ونسبنا كل فصل إلى رمز سياسي معيّن: العهد الملكي بنوري السعيد، والعهد الجمهوري بمشاهده الثلاثة: بعبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، وصدّام حسين. بيد أن المشروع بكامله لم يُخضع للتقييم: وكأن كل فصل ومشهد منه كان يتأسس على فراغ. متناسين أن كل فصل ومشهد، إنما كان يؤسس للفصل وللمشهد اللاحق.
ثمة قوانين كانت تحكم المشروع بأسره. وما تلك الفصول و المشاهد إلا أعراض يتجلّى خلالها فعل تلك القوانين. إن الاكتفاء بوصف الرموز السياسية لتلك العهود، والكشف عن مواصفاتها الشخصية ونزعاتها السلطوية، مع إغفال دراسة البيئة الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها، إنما يشفّ -في حقيقة الأمر- عن خمول معرفي. فالمعرفة الحقيقية الجادة تتطلّب النفاذ في ماهيّة الظاهرة عبر أعراضها. وتختنق إذا سُجنت في قيض[3] الأعراض، حين يتيه الباحث في وصف تنوع الأعراض، بينما يغفل ماهيتها، ويهدده في مثل هذه الحالة خطر فقدان البوصلة لدى إصداره الأحكام على الأحداث والظواهر والرموز السياسية.
كما ويعبّر ذلك من جانب آخر عن التهرّب من مسؤولية المطبّات التي مرّ بها المشروع السياسي، وتُعلّق على شمّاعات جاهزة. وتتبرأ كل عناصر المشروع السياسي وترمي المسؤولية على كاهل تلك الرموز.
لأجل هذا كرّسنا المقترب الخامس والأخير لتقييم المشروع السياسي العراقي للسنوات 1921-2003 بكامله.
المُقْتَرَب الثْاني
الوَطَن، الوَطَنيَّة، وإشْكالِيَّة المُوْاطَنَة
2-1 ملاحظات أولية
الوطن، الوطنية والمواطنة، مقولات يصعب إخضاعها للتحديد الدقيق، لأنها تعبّر عن مجموعة متشابكة من المتغيرات. وما يبدو مُتّفَقاً عليه من مواصفات للوطنية والمواطنة، إنما هو -في حقيقة الأمر- إطار عريض، وقد يتحوّل إلى نسيج هش وسياج متهاوٍ يسهل اختراقه في ظروف معيّنة، بينما يشكّل في ظروف ومقومات أخرى سوراً حصيناً يتعذّر اختراقه.
الوطن حقيقة أساسية في حياة الإنسان، واقع مُعاش ومتغيّر، يشكّله أبناؤه، يزدهر أو ينتكس من خلال علاقاتهم. الوطن ليس مجرّد فكرة رومانسية نتغزّل بها، وننشد لها الأناشيد الحماسية. إنما هو نبتة تنمو وتترعرع إذا ما تولاها المواطنون بالرعاية. فكيف احتضن مشروعنا السياسي السابق هذه النبتة، وكيف تأسست العلاقة بين المواطن والوطن في كنفه؟ خاصة أن هذه العلاقة لا تتأسس في فراغ، بل عبر مؤسسة الدولة.
2-2 مفهوم الوطن
لو طُرح سؤال على أي منّا: ما هو الوطن؟ سيجد صعوبة في الإجابة عنه. ولعل البعض سيورد تعاريف عاطفية، لا تتجاوز في مضمونها قول الطفل لأبويه: "أحبكما بقدر البحر". وإذا ما استعنّا بالمصادر القانونية فسنقف على تعاريف لمصطلحات ومفاهيم تتعلّق بتجلّيات الوطن: مثل السيادة الوطنية ومواصفات المواطنة .. الخ. وإذا عرّجنا على الأدبيات السياسية فسنجدها تتوسع في مصطلحات مثل: القومية، والأمة، والشعب، والوطنية .. الخ. أمّا حظ مصطلح "الوطن" من التعريف، فيكاد لا يذكر، مع أنه جذر أغلب المصطلحات أعلاه.
استغرقتنا طيلة مشروعنا السياسي السابق فكرة واحدة في علاقتنا مع الوطن: هي "الشهادة"، سواء على حدوده أو في ربوعه. وغُرست في الوعي الاجتماعي فكرة: أن العمل الوطني يرتبط بالتأهب الدائم للشهادة، و تحمّل التعذيب والسجون والتشرّد. ولأن فكرة الشهادة هي التي هيمنت على فهمنا للوطنية، انحسرت متطلباتها الأخرى المتعلّقة ببناء الوطن وتقدّمه، وما يترتّب على ذلك من واجبات المواطنة وحقوقها.
لهذا علينا إعادة فحص رؤيتنا لمفهوم "الوطن"، عندها يتّضح أكثر فأكثر، ماله علينا، وما لنا عليه.
2-3 أبعاد الوطنية
الوطن ليس مفهوماً مسطّحاً ذا بُعد واحد، بل هو مفهوم بثلاثة أبعاد: الأرض، والشعب والتأريخ. ومن خلال هذه الأبعاد الثلاثة يتجلّى "الوطن" بوصفه ظاهرة متغيّرة.
يتمثّل البعد الأول في الأرض (الجغرافية السياسية) إذ ترتسم أمامنا لدى الحديث عن الوطن خارطة العراق السياسية كما هي الآن. أما البعد التاريخي فيتمثّل في الأقوام التي استوطنت أرض الرافدين، وأنشأت عليها حضاراتها. إلى جانب الحضارات الأخرى التي وَجدت هنا امتداداً لها: مثل الحضارة الفارسية والعثمانية. وتمثّل الحضارة العباسية محوراً أساسياً في الامتداد التاريخي لعراق اليوم، للاعتبارات أدناه:
أ- إنها أقرب الحضارات المزدهرة تاريخياً إلى عراق اليوم. فلا يفصلنا عنها إلا زهاء سبعة قرون. ولا نزال إلى الآن نستنشق أجواءها عبر الكثير من شواخصها المتناثرة في بيئتنا العراقية.
ب- تمثّل الحضارة العباسية واحدة من أطول الحضارات التي قامت في وادي الرافدين عمراً (زهاء 500 سنة).
ج- رفدتها حضارات وثقافات الكثير من الأقوام الذين دخلوا الإسلام أو أخضعوا له.
د- انفتحت على الحضارات والثقافات السابقة: كالهندية والفارسية والسريانية وخاصة الإغريقية. وشهدت مرحلة ازدهارها حركة ترجمة واسعة إلى العربية من اللغات الأجنبية، لم تشهد الحضارات السابقة لها مثيلاً. فضلاً عن كونها البيئة التي احتضنت مختلف المذاهب والمدارس الفقهية الإسلامية، والتيارات الفلسفية.
هـ- مثّلت بغداد وقتذاك مركز الحضارة العالمية.
و- الوشائج التي تربط عراق اليوم بالحضارة العبّاسية أقوى من أيّة وشائج مع الحضارات الأخرى التي قامت في وادي الرافدين: سواء تلك التي سبقتها، أو التي أعقبتها. وتتمثّل في محورين أساسيين متداخلين، هما الإسلام والثقافة العربية. ولم تتمكن أي من حملات الغزو والسيطرة التي تعاقبت على أرض الرافدين إثر انهيار الدولة العباسية (في القرن الثالث عشر) من القضاء على أي من هذين المحورين.
2-4 جدلية البعد التاريخي
يترك التاريخ الحضاري لكل أمة بصماته على حاضرها. بيد أن أثر هذه البصمات وفاعليتها لا يتحققان على نحو ميكانيكي بمعزل عن ظروف وشروط الحاضر. وهنا تكمن جدلية البعد التاريخي للوطن. وبسبب عدم استيعاب هذه الجدلية تنشأ رؤى مختلفة لعلاقة حاضر الأمة بتاريخها، تصل أحياناً حد التقاطع والتنافر. فمنها ما يبالغ في أثر هذا البعد وفاعليته بصرف النظر عن ظروف وشروط الحاضر ومنها ما يتّخذ منحى معاكساً، فيلغي أثر التاريخ، ويبقي الحاضر رهيناً في قيض شروطه وظروفه.
ثَمة فكرة تتلبّس الوطنية العراقية، تتمثّل في الإيمان بامتداد جذورها إلى الماضي السحيق، وصولاً إلى حضارات وادي الرافدين المبكّرة. وقد يتراءى للبعض أن تحليل الشفرة الجينية للفرد العراقي المعاصر، لربما كشفت عن جينات مشتركة مع سرجون الأكدي، حمورابي، نبوخذنصر وآشور بانيبال.
عندما نقف على هضبة هذا التراكم الحضاري العظيم، ألا يحقّ لنا أن نرنو بكبرياء وأنف متعالٍ إلى أمم حرمت من مثل هذا الإرث الحضاري، إذ لا تمتد جذورها إلا لقرون معدودة خلت. ولا تتوفر على عُشر ما لدينا من رصيد تاريخي مثل: الأمة البريطانية "المسكينة" ووليدها "الهجين"، الأمة الأميركية!
لا نقول هذا، على سبيل السخرية والتهكّم. ففي ضوء هذه الرؤية فسّر صدام حسين حملة عداء الولايات المتحدة الأمريكية المستحكم للعراق: على أنها ناشئة عن عقدة تاريخية تعانيها إزاء العراق، بسبب افتقارها إلى الرصيد الحضاري التاريخي الذي يتوفر عليه، مقابل سلف تاريخي بائس للولايات المتّحدة الأمريكية يتمثّل بالهنود الحمر! وعلى هذا النحو اختزلت أسباب الخصومة إلى "الغيرة والحسد" اللذين تكنّهما الولايات المتحدة الأمريكية إزاء ما يتوفّر عليه العراق من إرث حضاري ثر!
2-4-1 توظيف التأريخ
من حقّنا أن نحنّ إلى ماضينا المشرق ونفخر بتأريخنا على النحو الذي نشاء، أما أن نطلب من الآخرين أن يعاملونا على أساسه، فهذا محض هراء.
يروي الصحفي المصري محمّد حسنين هيكل في إحدى مقالاته، عن لقاء له مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية هنري كيسنجر في أعقاب حرب تشرين 1973. وقبل بدء الحوار طلب إليه كيسينجر أن لا يحدّثه عمّا يسمّى "بالأمة العربية" ولا عن "تأريخها" فهما لا يمثلان له قيمة سياسية ملموسة، يمكنه التعامل معها، ولينصرف الحديث إلى البلدان العربية، كل على انفراد. وفي عشيّة حرب الخليج الثانية التقى وزير خارجية العراق طارق عزيز بوزير خارجية أمريكا، جيمس بيكر. وعندما راح طارق عزيز يتمشدق أن الولايات المتحدة الأمريكية ستواجه بلداً تمتدّ حضارته آلاف السنين، استوقفه بيكر قائلاً: إذا دخل العراق الحرب فسيعود إلى مجتمع ما قبل الصناعة.
إن مواجهة حضارات اليوم الفاعلة برومانسية تاريخية صرف، إنما هو سلوك "دونكيشوتي"، لا يجر إلا إلى الكوارث ... وهذا ما حدث!
التأريخ لوحده لا يبوّئ أية أمة موقع الصدارة في عالمنا المعاصر. فهو لا يعدّ في أحسن الأحوال أكثر من ثروة طبيعية ترقد في أعماق الأرض، لا تمثّل قيمة إلا إذا اكتشفت. فكيف وإن للآخرين قصب السبق في اكتشاف تأريخنا القديم وثرواتنا الطبيعية!
2-4-2 استنطاق التأريخ
التأريخ لا ينطق من تلقاء نفسه، بل يُستنطق.
فكيف يُستنطق ولأي هدف؟
الويل للتأريخ إذا تولّى استنطاقه جهاز أمني، واقتسره على الاعتراف أو الإدلاء
بشهادة "كشاهد ما شافش حاجة"، وعلى النحو الذي يلبّي رغبة هيئة التحقيق، فيبرّئ
المذنب ويدين البريء.
العلاقة مع التأريخ علاقة تفاعل، ولا يكفي لخطب ودّه واسترضائه، إطلاق أسماء رموزه على الشوارع والمدارس والمحافظات. وكما يقول المفكّر قسطنطين زريق:
"نخطئ إذا اعتقدنا أن التأريخ ينقاد إلينا انقياداً يسيراً"[4]
التأريخ ليس غانية تعرض نفسها لإمتاع من يدفع أكثر، بل امرأة محتشمة تنتظر من يخطب ودّها، ويُعرِب عن نواياه في إنشاء علاقة صميمية وشريفة معها. تستجيب لمن هو كفء لها وجدير بها. التأريخ ليس مساحيق ماكياج لتزيين الوجوه القبيحة، ولا جرّاح تجميل يعالج تجاعيد الشيخوخة. وحتّى إن أقسر على ذلك، يتعذّر عليه أن يعيد الشباب والحيوية إلى الجسد الهرم. "فلا يصلح العطّار ما أفسد الدهرُ".
فكيف نتفاعل مع التأريخ إذا أردنا أن يكون جزءاً منّا وأن نكون امتداداً له، وأن يكون عاملاً فاعلاً في رسم هويتنا الوطنية. فخلاف ذلك سنكون عبئاً عليه، ويكون هو عبئاً علينا. يمثّل الدرس للطالب الكسول والمتقاعس عبئاً ثقيلاً، ويمثّل هو أيضاً عبئاً على الدرس. وينطبق ذلك على العلاقة بين المجتمعات الراكدة و تأريخها الحضاري، حين تتحوّل إلى عبء على التأريخ والتأريخ إلى عبء عليها.
حين استعرت الحرب بين العراق وإيران في الثمانينات وظّف الإعلام العراقي الرموز التاريخية لمعركة القادسية مثل: سعد بن أبي وقّاص، والقعقاع، وأبي محجن ... وغيرهم. وصبّت الجماهير المنكوبة جام غضبها على هذه الرموز التي لم يستأذنها أحد في زجّ أسمائها في الحملة الإعلامية.
يخطئ من يتصوّر أن التفاعل مع التأريخ تحكمه وشائج القربى والنسب فقط. وقد يبدو غريباً القول: أن الوشائج بين رصيدنا الحضاري التاريخي وحضارة العالم المعاصر، هي أقوى من وشائج النسب التي تربطنا به. إن غربتنا عن تاريخنا هي علّة غربتنا عن الحضارة المعاصرة. وكلّما ازداد تفاعلنا الصميم مع تأريخنا الحضاري اقتربنا وتفاعلنا مع الحضارة المعاصرة.
مع من تتفاعل وتتواشج شريعة حمورابي: أمع مجتمعات يسودها القانون، أم مع مجتمع تحوّل إلى مقبرة للقانون! وابن خلدون المفكّر العربي الإسلامي الفذ، مع من يتفاعل أكثر: أمع مجتمعاتنا التي لا تزال تحكمها العصبيات، أم مع الحضارة الأوربية المعاصرة؟ ويتناول الدكتور علي الوردي في كتابه "منطق ابن خلدون"[5] أسباب عدم اهتمام الفكر العربي الإسلامي بمقدمة ابن خلدون، ويمكن إيجاز تفسيره في الآتي:
أ- ظلّت مقدمة ابن خلدون مهملة في الرفوف لا يقرأها أحد إلا نادراً، من غير شرح أو تفسير طيلة القرون التي أعقبت وفاته. بخلاف ما حدث لغيرها من المؤلفات المشهورة في الإسلام. وذلك لأن الحضارة الإسلامية دخلت بعد ابن خلدون في عصورها المظلمة ، وأصبح الناس يهتمون بشؤون النحو والصرف والبيان والبديع، أكثر مما يهتمون بشؤون الواقع الاجتماعي.
ب- بذر ابن خلدون بذرة علمه الجديد، آملاً أن تنمو بعده، وما درى أن بذرته لن تجد الظروف الملائمة لنموها.
ج- لم يبدأ الاهتمام بالمقدمة في البلاد العربية إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وقد انتقلت إلى البلاد العربية من أوربا شأن سائر "الموضات". بل واستغرب العرب اهتمام الأوربيين المفرط بها. ومن طريف ما يروى أن الشيخ محمد عبده بعد عودته من المنفى عام 1888، أخفق في إقناع شيخ الأزهر بتدريس المقدمة في الأزهر.
د- حين نقارن بين أحوال المجتمع العربي في أيام ابن خلدون، وأحواله في أيامنا، نجد شبهاً كثيراً. وهنا تأتي أهمية دراسة علم الاجتماع الخلدوني في مدارسنا الحديثة.
وأخيراً نتساءل: إذا قُدّر لابن خلدون أن يبعث في أيامنا هذه، إلى من سينتمي: أإلى الحضارة التي اعتمدت مذهبه مرجعاً لنظرياتها في علم الاجتماع والتأريخ، أم إلى مجتمعنا العربي، الذي أهمل "مقدمته"ولا يزال يتخبّط في دياجير العصبية القبلية، رغم مرور ما ينيف على ستة قرون على صدور "مقدمته"؟
2-4-3 صميمية العلاقة مع التأريخ
ثمّة إشكالية في عمق صميميتنا مع التأريخ. فنحن من أكثر الأمم حديثاً عن تأريخها، وتفاخراً بمآثره، وتغزّلاً برموزه. بينما يقابل ذلك من جهة أخرى تعامل فجّ مع آثار حضارة العراق. وينسحب ذلك على الحاكمين والمحكومين. وأدناه بعض تجلّيات ذلك:
1- استخدام طابوق الآثار في بناء البيوت والمنشآت الحديثة. إن الطابوق الذي بنيت به سدّة الهندية استخرج كلّه من خرائب بابل. وقد استخدم الديناميت من أجل ذلك. إذ كان يوضع في قصور بختنصر لنسفها واستخلاص الطابوق منها[6]. وبني العديد من البيوت في مدينة سامراء من طابوق جامع المتوكّل الكبير. وهُدم باب المعظم وهو أحد أبواب سور بغداد العبّاسي وشُيدت قاعة الملك فيصل الثاني عليه لاحقاً. وأصبح "الباب الوسطاني" لسور بغداد مقلعاً للطابوق. ويذكر السيد حسن العلوي أن وزارة المالية حفاظاً على حقوق الخزينة، رأت أن تضع مواد الباب في المزايدة العلنية. ومن المعروف أن أرشد العمري أمين العاصمة كان وراء معظم عمليات هدم الآثار العربية العباسية التي لم تمتد إليها يد المغول والتتار والأتراك[7].
2- التمادي في انتهاك حرمة الآثار في عهد صدام حسين، ومن شواهده.
ب- تحوير خان مرجان الأثري، الذي يعود تأريخه إلى العهد الجلائري في القرن الرابع عشر، إلى مطعم سياحي. ومما يثير الانتباه أن الفرق الموسيقية التي تعزف في المطعم كل أمسية، تطلق ألحانها عبر مكبرات صوت تصمّ الآذان، غير آبهة باستغاثة روّاد المطعم، وكأنها تتعمّد تصديع جدران وسقف المبنى!
ج- في مقال للدكتور المهندس إبراهيم علي تراب، الذي كان يعمل استشارياً في الدائرة الهندسية في ديوان رئاسة الجمهورية في عهد صدّام حسين، يروي بعض اللقطات عن الطمر المتعمّد للآثار. فقد عُثر أثناء بناء القصر الرئاسي في محافظة بابل على لقى أثارية كثيرة، بضمنها مومياء من العهد البابلي. وحين أعلِم ديوان الرئاسة بذلك، جائت الإجابة: الاستمرار بالعمل وطمر هذه الآثار تحت التلّة الصناعية للقصر. وقد حدث ذلك أيضاً لدى إنشاء القصر الرئاسي في الرضوانية ببغداد سنة 1987[9].
تنفق الدول الأموال الطائلة للتنقيب عن آثارها، أما نحن فنطمرها حين نعثر عليها على سبيل المصادفة!
3- التصرّفات غير اللائقة للمواطنين في المواقع الآثارية. لعلّ ابسطها التقاط الصور الفوتوغرافية للطلبة -أثناء سفراتهم المدرسية- وهم يركبون على ظهر "أسد بابل". في سفرة إلى اليونان في بداية الستينيات، زرت آثار الأكروبوليس في أثينا. حين تعبت جلست على صخرة منـزوية. فتوجّه إليّ أحد حرّاس الموقع وعنّفني. أدركت في حينه أن تصرّفي مثّل إهانة لآثارهم.
4- وأخيراً، حوادث "الفرهود" المأساوية التي طالت متحف الآثار العراقي في نيسان 2003، وأدّت إلى نهب عشرات آلاف القطع الآثارية. لقد فُسّرت هذه الكارثة: أنها من تدبير مافيات دولية، أو بسبب تقاعس القوات الأمريكية في حماية المتحف، أو لتصفية حسابات وثارات مع العراق من قبل بعض الجهات ... إلى غير ذلك. لا تلغي كل هذه التفسيرات بصرف النظر عن درجة موثوقيتها، حقيقة أن المتحف ما كان له أن يُفرهَد من دون تسهيلات قدّمها العراقيون، ومشاركتهم. إن وعي المجتمع العراقي لم يرقَ إلى مستوى يرى في آثار حضاراته أهم كنوزه الخالدة، بينما ثرواته وموارده الطبيعية آيلة إلى النضوب، وإلا كان سيجد وسيلة لحمايتها كما حدث في مدينة النجف الأشرف إبّان العمليات الحربية. ونَقلت قناة "العالم" الفضائية في حينه مشهداً مؤثراً: حين اصطف أبناء النجف النشامى سداً منيعاً يذودون عن مرقد الأمام علي (ع) ويمنعون القوات الأمريكية من الاقتراب منه، وهم ينادون بإنكليزية ركيكة " City O.K. Imam Ali no".
2-5 الشعب محور الوطن
يمثّل الشعب المحور الأساس للوطن. فلا وطن من دون شعب. فبدالته ينشأ الوطن. جزيرة روبنسون كروزو لم تكن وطناً حتى نزل إليها روبنسون كروزو، واستوطنها. ولم يشعر حاجة إلى إعلان سيادته عليها حتى جاءه فرايدي "جمعة". عندها أصبح روبنسون كروزو السيد الحاكم و "جمعة" العبد المحكوم. وعلى هذا النحو أخذت سيادة كروزو على الجزيرة بعدها الداخلي. وعندما هجم قوم "جمعة" لاستعادته وقتله، تصدّى لهم كروزو، معلناً البعد الخارجي لسيادته على الجزيرة. الوطن، هو السيادة إذاً، ببعديها الداخلي والخارجي. وبضعف أو قوة أي من البعدين، يضعف أو يقوى البعد الآخر.
والآن، بعد أن تناولنا البعد التاريخي للمواطنة العراقية، يترتب علينا تناولها ضمن أطرها المعاصرة. أي بالارتباط مع نشوء الدولة العراقية الحديثة، وبسطها لسيادتها على المستويين الوطني والدولي. ويمثّل 23 آب 1921 يوم إرساء الحجر الأساس للدولة العراقية، حين توّج فيصل ابن الشريف حسين ملكاً على العراق. وبتقديرنا، إن المشروع السياسي العراقي خرج إلى النور في ذلك التاريخ. وتمثل الأحداث التي سبقته -وبضمنها ثورة العشرين- مقدمات وممهدات لقيام هذا المشروع.
2-5-1 هلامية الوطنية
كانت الوطنية العراقية أثناء الحكم العثماني وحتى بدايات القرن العشرين مفهوماً هلامياً، من دون معالم واضحة. فقد كان العراق موزعاً إلى ثلاث ولايات (بغداد، الموصل و البصرة). واتصف الحكم العثماني -على الرغم مما كان يبدو عليه من مركزية مفرطة- بالتسيّب كلما بعدت الوحدات الإدارية عن المركز. وكانت قبضة الدولة العثمانية تضعف تدريجيّاً، حتى تكاد تتلاشى في الأطراف القبلية التي لا تشدّها إلى المركز إلا خيوط واهية: ولاء شكلي، تحكمه بين الحين والآخر حملات تأديبية لجباية الضرائب. ولم توفَّق السلطة المركزية في إدارة الاتحادات العشائرية إلا من خلال استعداء بعضها على البعض الآخر، موظِّفة في ذلك التراث البدوي الذي يحكم سلوك تلك القبائل.
وعلى هذا النحو لم تكن تشدّ المجتمع العراقي إلى الحكم العثماني روابط متينة. فلا لغة مشتركة، ولا تاريخ مشترك، ولا مصلحة اقتصادية. واقتصرت الرابطة الوحيدة على الانتماء الديني المشترك، بوصف الدولة العثمانية حامية حِمى الإسلام من خطر الكفّار. ولكن ضعف الأواصر بين المجتمع العراقي والحكم العثماني، لم يكن كافياً لوحده لبذر بذرة الوطنية العراقية. وتشير الدلائل إن فكرة الانسلاخ عن الدولة العثمانية لم تكن مطروحة حتى قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914.
يشير الدكتور عبد الله فيّاض في مؤلفه "الثورة العراقية الكبرى" إن فكرة القومية بمفهومها الحديث لم تكن واضحة في أذهان المشتغلين في الحركة الوطنية حتى بدايات القرن العشرين. ويعود ذلك -بتقديره- إلى تغلغل الروح الإسلامية في نفوس معظمهم. ويؤيد ذلك أن مؤسسي حزب العهد، وغالبيتهم من العراقيين أدرجوا في منهاج حزبهم:
"إن غاية الجمعية، السعي وراء الاستقلال الداخلي للبلاد العربية على أن تكون متّحدة مع حكومة استنبول، على غرار اتحاد النمسا والمجر. وإن الجمعية ترى بقاء الخلافة الإسلامية وديعة مقدّسة بيد آل عثمان".
كما ويروي الكاتب عن سليمان فيضي عندما أوفد إلى الموصل من قبل جمعية البصرة الإصلاحية سنة 1913، قوله:
"إن المؤمنين بالقضية العربية قلائل، وإن المشتغلين فيها أقل، والنـزعة الدينية التي يتميّز بها أهل الموصل تقف حائلاً بينهم وبين التمرّد على الدولة العثمانية ذات الصبغة الإسلامية و الخلافة المقدّسة" [10].
وفي تقييمه لنشأة الوطنية العراقية يقول الزعيم الوطني كامل الجادرجي في مذكّراته:
"قبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، وأثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال العهد العثماني، لم يكن هناك مظهر بارز لحركة وطنية حقيقية في العراق"[11].
ومما يؤكد غلبة المشاعر الدينية لدى العراقيين وقتذاك، موقف المرجعيات الدينية من الغزو البريطاني لجنوب العراق في بداية الحرب العالمية الأولى، واستثارتها همم الجماهير للذود عن حِمى الإسلام ضد الكفّار. وأبلت قوات المجاهدين بلاءً حسناً، وفي مقدمتهم المراجع الدينية، في جبهات: الشعيبة، غابة البرجسيّة، صخريجة ومزيرعة، وعلى أبواب الأهواز لتهديد الإنكليز في شط العرب. وقُدّرت أعداد المجاهدين بين 10-15 ألف مقاتل، بينهم 1500 مجاهد من الأكراد[12].
ويُستنتج من موقف العراقيين هذا، غياب النيّة عندهم للانفصال عن الدولة العثمانية، وإلا كانوا سينتهزون حربها مع الإنكليز، للانقضاض عليها والانفصال عنها.
2-5-2 ثورة العشرين
تمثّل "ثورة العشرين" الرحم التي احتضنت نطفة الوطنية العراقية. ويبقى تناول موضوعة "الوطنية العراقية" ناقصاً، إن لم يعالج، من حيث النشأة والتطور، في إطار ثورة العشرين. ويتجاوز الاهتمام بثورة العشرين مشاعر الاعتزاز بتراثنا الثوري، إلى إلقاء الضوء على تأسيس المشروع السياسي العراقي، وتفسير مجرياته اللاحقة.
تناول العديد من الكتّاب والباحثين، العراقيين والأجانب، ثورة العشرين وتباينت وجهات نظرهم في تقييمها من حيث الأسباب والنتائج[13]. ورأى بعض الكتّاب في ثورة العشرين امتداداً لروح التمرّد القبلي ضد الحكومة المركزية.
لا يمكن -في حقيقة الأمر- إغفال روح التمرّد القبلي كعامل في اندلاع ثورة العشرين. بيد أن من الخطأ الحكم على مغزاها التاريخي بدالّة هذا العامل وحسب. إن الاطلاع على الخارطة السياسية والديموغرافية لأحداث ثورة العشرين يوضّح أن روح التمرّد القبلي، لم يمثّل إلا ظرفاً مؤثراً في اندلاع الثورة، وليس العامل الأساسي الذي يحكم مغزاها التاريخي. ولتفادي التأثر بعاطفتنا الوطنية في الحكم على ثورة العشرين، دعونا نستنير بالوقائع التي أورَدها عدو ثورة العشرين: السر أرنولد ويلسون وكيل الحاكم الملكي العام في عهد الاحتلال البريطاني، في كتابه: "الثورة العراقية" [14] ولا ننتظر أن تأتي أحكامه متحيزة لها. يتبيّن من الكتاب أن أحداث ثورة العشرين شملت معظم مناطق العراق، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. كما أنها تزامنت خلال قرابة الأربعة أشهر، اعتباراً من شهر أيار حتى أيلول سنة 1920. وساهمت فيها تلاوين المجتمع العراقي، وتقسيماته الدينية والطائفية والقومية، وفئاته المختلفة.
هل من المسوّغ أن نختزل ظاهرة بمثل هذا الاتساع والتنوع من المشاركة، إلى مجرّد تمرّد عشائري. وهل تنطبق نظرية ابن خلدون عن العصبية القبلية على هذا الحدث الكبير؟
وعلى الرغم من أهمية العامل الديني والدور القيادي المؤثر للمرجعيات الدينية في تحريض الجماهير واستنهاضها، لا يجوز أن نعّد ثورة العشرين ذات طابع ديني، لأنها لم تطرح برنامجاً دينياً للحكم. ولم ترتكز الثورة أيضاً إلى برامج قومية ووحدوية، باستثناء كون الثورة عُدّت أحد روافد الثورة العربية التي كان يقودها الشريف حسين في الحجاز.
وجدير بالتنويه استطلاع للرأي قام به المؤرخ العراقي الراحل السيد عبد الرزّاق الحسني للفيف من زعماء الأحزاب التي دعمت الثورة في بغداد، وعلماء الدين الذين غذّوها بفتاواهم وكتاباتهم، ورؤساء العشائر التي تولّت القتال، عن أسباب ثورة العشرين وفق تقديراتهم[15].
وتجمع إجابات السادة الذين استطلعت آراؤهم، على الطبيعة الوطنية التحررية لثورة العشرين، ومن دون أن يغلب أحد العوامل الثلاث: الديني، العشائري، والقومي، على العاملين الآخرين. ويستأثر بالانتباه إن إجابات المراجع الدينية لم تُشر إلى أن الثورة طرحت برامج دينية.
لقد وثّقت ثورة العشرين مطلب العراقيين بتأسيس كيان سياسي مستقل لهم. ووجدت الإدارة البريطانية أن أسلوب المماطلة في منح الاستقلال السياسي للعراقيين أصبح مكلفاً. وقَررت السماح بتأسيس دولة لهم، وإن كان تحت وصايتها. وعلى هذا يُعدّ يوم 23 آب 1921 يوماً مشهوداً في تاريخ العراقيين حين تأسس ولأول مرّة في تاريخهم كيان سياسي مستقل تحت اسم العراق. ولم يسبق أن شهد تاريخ الممالك والخلافة كياناً سياسياً يحمل هذا الاسم[16].
2-5-3 نضج الوطنية العراقية
إن تأكيدنا على الطابع الوطني التحرري لثورة العشرين، ينبغي أن لا يقودنا من جانب آخر إلى المبالغة في نضج الوطنية العراقية وعمق جذورها، فنسبغ عليها من الصفات والأبعاد، ما لم تنطوِ عليه فعلاً. وقد أفرز مسار المشروع السياسي العراقي لاحقاً من الأعراض ما يُرجّح أن الوطنية العراقية في ثورة العشرين كانت في طورها الجنيني.
إن الثورات لا تقيّم فقط من خلال مجريات أحداثها واندفاعات أبطالها، لما يكتنف أيامها من رومانسية ثورية مشبعة بالأهداف السامية. فمن يسترخص حياته وأمواله من أجل المُثل العليا، يتخلّى في سلوكه عن الغرائز الأنانية والمصالح الفردية. فمرحلة التحول الثوري تقع خارج التاريخ والزمن، ويعدّ مناضلوها أقرب للملائكة منهم إلى البشر. ولكن ما أن تنتهي تلك المرحلة، حتى يعودوا إلى مجرى الحياة الاعتيادية. وحين تبدأ مرحلة الاستحقاقات ترى من السلوكيات الأنانية العجب العجاب. وتُفاجأ بالرجل الذي كان مستعدّاً أن يدرأ بصدره السهم المعادي عن صاحبه، يوجّه إليه الطعنة الغادرة بدم بارد. حتى يخيّل للكثيرين أن الثورة نكصت على أعقابها. والحقيقة أن فرسان الثورة هبطوا من سماء المُثل إلى أرض الواقع، وعاودوا سلوك البشر. وهنا يكمن سر حنين الشعوب إلى رومانسية مرحلة التحوّل الثوري، كما يحن المرء إلى طفولته البريئة، والشيخ إلى أيام عرسه "كلّما ضامه الضيم".
في ضوء ذلك يمكن تفسير السلوك السياسي للقوى والزعامات التي شاركت في ثورة العشرين، والمعبّرة عن رؤاها المتباينة للثورة وآفاق تطوّرها. كما ويمكن فهم تناقضات واختناقات المشروع السياسي العراقي، وفي المقدمة منها: إشكالية المواطَنة. وبدلاً من أن تمثل هذه الرؤى روافد لإغناء الوطنية العراقية، طفت على السطح بعد إقامة الدولة العراقية الفتية، على شكل انقسامات حادّة داخل المجتمع العراقي. وقد عبّر الملك فيصل الأول عن قلقه بشأن تلك الانقسامات في مذكرة كتبها إلى مجموعة من خلصائه قبل وفاته. جاء فيها:
"في هذا الصدد، وقلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت. فنحن نريد -والحالة هذه- أن نشكل من هذه الكتل شعباً، نهذّبه وندرّبه ونعلّمه. ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في هذه الظروف، يحب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل"[17].
هذا هو تقييم مؤسس الدولة العراقية للوطنية العراقية عبر معايشته لها 12 عاماً. وحين كنّا نقرأ هذا الكلام قبل عقود، كنّا نجد فيه شيئاً من التعسّف بحق الشعب العراقي. أما اليوم فإنه يسلّط الضوء على إشكالية بنيوية عميقة عاناها المشروع السياسي العراقي، ودفعت به إلى نهايته الدراماتيكية.
2-5-4 الوطن كمقولة سياسية
الوطن كمقولة سياسية لا يأخُذ أبعاده الفعلية إلا في إطار كيان سياسي مستقل: الدولة ذات السيادة الوطنية. وتجربة المجتمع العراقي مع مؤسسة الدولة مريرة للغاية، خاصة عبر زهاء سبعة قرون، تعاقبت على حكمه دول أجنبية محتلّة، عمّقت إلى حدّ بعيد الغربة بينه وبين مؤسسة الدولة. وبعد حياة التحضّر في كنف الخلافة العباسية (نحو خمسة قرون) تكرّست فيه من جديد حياة البداوة الذي مثّلت له خط الدفاع الأخير إزاء مؤسسة الدولة الأجنبية المستبدّة.
بيد أن الأمر اختلف بعد تأسيس دولته الوطنية التي أراق في سبيلها الدم. وترتّب على الكيانات القبلية -التي كانت تتصرّف في ظل الحكم الأجنبي بهامش لا يُستهان به من الاستقلال عن الدولة- أن تصهر عصبياتها العشائرية في عصبية كبرى: هي "العصبية العراقية"، وما يترتب عليها نتيجة ذلك من مستحقات. وهكذا وجدت الكيانات العشائرية نفسها كالمقتول بفتواه. ومن هنا انبثقت الإشكالية الكبرى، التي أقضّت مضجع مؤسس الدولة العراقية التي عبّر عنها في قوله أعلاه. وستظل هذه الإشكالية تسم بميسمها المشروع السياسي العراقي وإن ظهرت بلبوس مختلفة.
للوطنية في الأمم المعاصرة معياران أساسيان: الوفاء بضريبة الدم، وضريبة المال. فمن خلال الجيش تبسط الدولة المستقلة سيادتها الوطنية وتدافع عنها إزاء التدخّل الأجنبي. ومن خلال الفرض الضريبي تبسط الدولة سيادتها الداخلية على شعبها. وعلى هذا النحو يتحقق البعدان الداخلي والخارجي للسيادة الوطنية.
ويسلط هذان المعياران -بتقديرنا- الضوء على جوانب مهمّة في تطور الوطنية العراقية، والإشكاليات التي عانتها عبر صفحات المشروع السياسي العراقي.
2-5-5 ضريبة الدم
بقدر تعلّق الأمر بالجيش العراقي فقد تأسس كما هو معروف في 6 كانون الثاني سنة 1921 على أساس تطوّعي. وسعى الملك فيصل الأول إلى تطبيق الخدمة الإلزامية، فلم يوفّق في مسعاه خلال حياته. إذ واجه معارضة شديدة من بريطانيا، وعدم تعاطف من العشائر العراقية، لأن تقوية الجيش كان يعني إضعاف قوة العشائر إزاء الدولة. وهذا ما كانت تخشاه. وكان الملك فيصل الأول يعرب عن شديد امتعاضه وشكواه لضعف الدولة من حيث التسليح مقارنة بتسليح العشائر حين يقول:
"إن الحكومة أضعف من الشعب بكثير. ولو كانت البلاد خالية من السلاح لهان الأمر. لكنه يوجد في المملكة ما يزيد عن المائة ألف بندقية، يقابلها 15 ألف حكومية"[18].
وبعد أن عيل صبره عَقد في 30 أيار 1933 قبيل وفاته، مؤتمراً في البلاط الملكي أكّد فيه ضرورة السيطرة على الأمن الداخلي والخارجي. ثم طالب جعفر العسكري (وزير الدفاع) بضرورة تطبيق الخدمة العسكرية الإجبارية. وقد وقف وكيل المعتمد السامي ضد هذا الرأي، وأيده في ذلك نوري السعيد. ولم يصدر قانون الدفاع الوطني إلا عام 1934، بعد وفاة الملك فيصل[19].
وعلى وجه العموم لم تحظَ الخدمة العسكرية الإجبارية بارتياح المجتمع العراقي. ويقول الدكتور علي الوردي بهذا الصدد:
"لا مراء أن سواد الشعب العراقي يكره التجنيد الإجباري. ولا يكاد أحد أبناء الشعب يعلم أنه بلغ سن التجنيد حتى يتملّكه الفزع، وتَسوَدّ الدنيا في عينيه"[20].
ولهذا نجد أن الهروب من الخدمة الإجبارية والتخلّف عنها تحولا إلى ظاهرة مزمنة تعانيها المؤسسة العسكرية في العراق وإن تفاوتت حدّتها من صفحة لأخرى من صفحات المشروع السياسي العراقي. يشير الكاتب البريطاني جيرالد دي كيري أن عدد الفارّين من الخدمة العسكرية بلغ زهاء 20000 جندي في صيف 1943 من أصل قوة إسميّة يصل تعدادها إلى 30000 رجل [21]. أي أن حوالي ثلثي تعداد الجيش العراقي يومذاك كان في عداد الفارين من الخدمة العسكرية. كما استشرت ظاهرة الهروب خلال العقدين الأخيرين منذ أن بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، واستمرّت حتى عام 1988. وبعد استراحة قصيرة (مدة سنتين) استعرت حرب الخليج سنة 1990 والتي سميت في حينه "أم المعارك" واستمرت حتى معركة "الحواسم" سنة 2003. لقد هيمنت العسكرة على جميع ميادين الحياة وتنوعت أشكالها. وبالمقابل تنوعت أشكال الهروب والتخلّف عن الخدمة العسكرية، ووجدت لها منفذاً جديداً تمثّل في تأخير موعد المكلّفية عدداً من السنوات. فراحت غالبية الطلبة تتعمّد الرسوب في الامتحان، واستنفاد سنوات الرسوب المسموح بها لإرجاء موعد التحاقها بخدمة العَلم، مما كلّف المجتمع الكثير، وحرم عشرات آلاف الطلبة الشبّان من شغل مقاعد دراسية في الجامعات، ومن خلال ذلك وجدت الكليات الأهلية في نهاية الثمانينات سوقاً لها.
وفي الوقت الذي غاب التخطيط قصير المدى، أُخضِع التخلف المتعمد عن خدمة العلم لتخطيط بعيد المدى من قِبل بعض الآباء، الذين أخّروا التحاق أبنائهم الصغار بالدراسة الابتدائية. ومع ذلك خاب تخطيطهم لأن خدمة العلم كانت في انتظار أبنائهم في ظروف حرب استمرت 23 سنة. وحدثت في هذا الإطار بعض الأمور الطريفة، حين تقدّم بعض طلبة الجامعات طلبات اعتراض إلى اللجان الامتحانية على نجاحهم، وهذه ظاهرة تحدث لأول مرة في تاريخ التعليم.
ولمواجهة الرسوب المتعمّد لجأت السلطات في إحدى السنوات إلى منع من يرسب في السنة الدراسية المنتهية من تكرارها، وزجّه في الخدمة العسكرية سواء بسواء مع خريجي الإعدادية. واللئيم في القرار، صدوره بعد أداء الطلبة للامتحان النهائي. إذ لو عرفوا به قبل أداء الامتحان لما عمدوا إلى ترسيب أنفسهم!
كانت ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية تقتصر على المكلفين. ولكنها اتسعت لتشمل المجتمع بأسره، حين فُرِض على جميع الناس واجب الانخراط في صفوف الجيش الشعبي "رديف الجيش النظامي". وكان المسوِّغ المعلن لهذا الإجراء، أن القيادة تريد أن تتيح شرف المشاركة في الدفاع عن الوطن لجميع أبناء الشعب، وإنهاء احتكار شريحة من المجتمع التمتع بهذا الشرف، بينما تحرم الشرائح الأخرى! وعلى أساس هذه "المكرمة" شُمل جميع أبناء الشعب بخدمة الجيش الشعبي، بغض النظر عن مهنهم وأعمارهم ووضعهم الصحي والاجتماعي ... لقد كان ذلك الإجراء اشتراكياً بحق! وأطلقت على منتسبي الجيش الشعبي تسمية "المتطوعين"، بينما كانت الكمائن تُنظّم بمختلف الأساليب المبتكرة لاقتناص أولئك "المتطوعين". وتنوعت بالمقابل أساليب وصيغ الزوغان والهروب من "التطوّع" في الجيش الشعبي: غادر البعض مسكنه، وانقطع الآخر عن عمله، واصطنع الآخر الأمراض والعاهات، ودفع بعضهم الرشاوى ... الخ. وتُروى العشرات من الطرائف التي تُعبّر عن تلك المرحلة وتناقضاتها. واستمرّ نظام صدام في ابتكار صيغ وأسماء لهذه المليشيات توّجها بما أسماه "جيش القدس"، الذي ضمّ زهاء سبعة ملايين متطوّع.
إن ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية ينبغي أن لا تُفسّر بسطحية بوصفها مؤشراً لغياب "الغيرة الوطنية"، مما سوّغ لنظام صدام التصدّي لها بأبشع الأساليب وأكثرها وحشية: رمي الفارّين بالرصاص أمام بيوتهم واستيفاء ثمن الإطلاقات النارية من ذويهم، قطع آذانهم، جدع أنوفهم، تشويه وجوههم ...الخ. بل ينبغي التعمّق في دراسة جذورها التاريخية، وظروفها السياسية والاجتماعية، ويعود بنا ذلك إلى موضوع تأسيس الجيش العراقي ومسارات تطوّره، والوظائف التي أنيطت به، وتلك التي ينهض بها. ويقدّم لنا ذلك صورة معبّرة لأخطر مآزق الوطنية العراقية، ويمكن إيجازها في الآتي:
أ- من المعروف أن الجيش يؤسس للدفاع عن الوطن إزاء العدوان الخارجي خلاف قوات الأمن الداخلي بأصنافها. بينما نلاحظ أن شكوى الملك فيصل الأول من تفوّق العشائر بتسليحها على الدولة، كانت المدخل لتسويغ توسيع الجيش وتمرير مشروع الخدمة العسكرية الإجبارية. ويُستشف من ذلك أن الخطر الذي كانت تتوجّس منه الدولة هي العشائر العربية والكردية، وليس العدو الخارجي. وإلا لعُقِدت المقارنة بين الجيش العراقي وجيوش البلدان المجاورة التي يمكن أن تُمثل يوماً ما عدواً مُفترضاً. إذاً كان الهاجس الأول للدولة هو البعد الداخلي للسيادة الوطنية وليس بعدها الخارجي. ويؤكد ذلك الوجه الآخر للعملة المتمثل بالرأي العام العراقي الذي أظهر مناوأة واضحة للخدمة الإلزامية. نشر النائب الكردي السيد إسماعيل الراوندوزي في جريدة الأوقات البغدادية بياناً جاء فيه:
"يظن بعض الناس أن المخالفين للتجنيد الإجباري هم إخواننا الشيعة فقط. وأنا آسف لغفلة هذا البعض عن حقيقة راهنة لم يشعروا بها حتى الآن، هي أن الأكراد مخالفون للتجنيد الإجباري. نعم، ليعلموا بأننا نحن الأكراد متفقون مع إخواننا الجعفريين تمام الاتفاق على أن قانون التجنيد الإجباري لا يتفق مع وضعنا السياسي وسويتنا العلمية الحاضرة. إن هذا الرأي ليس خاصّاً، إنما هو رأي الكُرد بأسرهم"[22].
ويشير الكاتب حسن العلوي إلى تجنّس القبائل العربية بالجنسية الإيرانية تخلّصاً من زج أبنائها في جبهات الحرب التركية إبان الحكم العثماني، ثم المعسكرات العراقية إبان الحكم الوطني، ولجوئها إلى تسجيل أبنائها في سجل الإناث بدلاً من الذكور للغرض عينه.
ب- إن خشية العشائر العراقية العربية والكردية على نفسها من الخدمة الإجبارية لم يقم على أسس افتراضية. فقد ساهم الجيش بفاعلية في قمع الانتفاضات العشائرية والفلاحية التي يقدّر عددها خلال السنوات (1924-1958) بزهاء 30 انتفاضة.
ج- إن الجيش الذي أرادت الدولة بواسطته فرض مشيئتها على المجتمع، بدأ بالمروق منها، مستهدفاً فرض مشيئته عليها، حين بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية، بانقلاب بكر صدقي سنة 1936. وكلما جربت الدولة كسر شوكته تعاظم جموحه وتقاربه من القوى السياسية المعارضة، وأصبح أداة بل رمزاً لتحررها، كما يعبّر عن ذلك نصب الحرية للفنان الراحل جواد سليم في ساحة التحرير ببغداد. وبينما كانت فصائل الحركات الثورية تؤسس جيوش التحرير لدى الكثير من الشعوب، كان الجيش العراقي الذي أسسه العهد الملكي يمسك بيده مفتاح التحولات السياسية، ووسم المشروع السياسي العراقي بميسمه.
د- إن التوسع الكبير الذي شهده الجيش العراقي لا ينسجم وتعداد سكان العراق وفق مقاييس الجيوش في البلدان النامية، حيث بلغ تعداده مئات الآلاف. يعدّ الجيش الإندونيسي على سبيل المثال بعشرات الآلاف، في حين يربو تعداد نفوس إندونيسيا على 220 مليون نسمة، على الرغم من سيطرة العسكري سوهارتو على مقاليد أمورها لفترة طويلة تربو على الثلاثة عقود. كما أن العبء المالي للتسليح الذي عاناه الاقتصاد العراقي، لا ينسجم إطلاقاً مع الإمكانات الاقتصادية للعراق. إن تعداد وحجم تسليح الجيش لا يحددان اعتباطاً بل وفق أهداف سياسية للدولة. كان الهدف المعلن لنظام البعث يتجاوز الإطار الوطني الإقليمي للعراق، إلى الإطار القومي متمثلاً بتحرير فلسطين. ولكن ما حدث أن جحافل الجيش العراقي اتجهت شرقاً إلى إيران، ومن ثم إلى الكويت، وأخيراً تخندقت داخل العراق لمواجهة غزو الولايات المتحدة الأميركية.
هـ- طُبّق في الخدمة الإلزامية مبدأ البدل النقدي الذي يعفى بموجبه من الخدمة العسكرية من يدفع إلى الدولة مبلغاً من المال يتعذّر على العوائل الفقيرة ومحدودة الدخل دفعه. وهو أمر يشي بالطبيعة الطبقية للخدمة الإلزامية. وطبقاً لمبدأ البدل النقدي يؤدي ضريبة الدم من يعجز عن ضريبة المال، مما خلق شرخاً اجتماعياً ونفسياً صبّ في روافد إضعاف الوطنية العراقية. وبعد عام 1968 التفت نظام البعث إلى ذلك ، فألغى مبدأ البدل النقدي. ولكنه عاد في التسعينات وتراجع عن هذه الخطوة، واعتمده من جديد.
و- امتدت الإشكالية الطائفية لجهاز الدولة العراقية إلى المؤسسة العسكرية: فكنت ترى الأغلبية الساحقة للضباط من الطائفة السنّية، بينما تنتمي الأغلبية الساحقة من الجنود والمراتب إلى الطائفة الشيعية، التي بات التشكيك بوطنيتها في ظل نظام حكم البعث أمراً مألوفاً، وخاصة في ظروف الحرب العراقية الإيرانية والمرحلة التي مهدت لها.
وأخيراً فإن علل المؤسسة العسكرية العراقية، إنما هي تعبير عن التناقضات والإشكالات البنيوية التي عاناها المشروع السياسي برمته. وحفّزت الهوّة السحيقة بين الدولة والمجتمع. وما ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية واستشرائها، إلا إحدى تجليات أزمة المشروع السياسي العراقي التي قادت إلى نهايته المأساوية.
2-5-6 ضريبة المال
أما ضريبة المال (المعيار الثاني للمواطنة) فلا تختلف في سيرتها عن شقيقتها ضريبة الدم. ومن المعروف أن الضرائب كانت أهم مواطن التأزم بين العشائر العراقية والسلطات العثمانية، التي كثيراً ما كانت تلجأ إلى تنظيم الحملات التأديبية لحمل العشائر على دفعها.
ولم يكن من اليسير على العراقيين حين انتقلوا إلى الحكم الوطني تقبل فكرة الضرائب شأنها في ذلك شأن ضريبة الدم. بيد أن مشكلة الضرائب لم تمثّل موطن تأزم حاد بين الدولة والمواطنين. ويعود ذلك إلى ما أنعمه الله من إيراد سخي على الدولة العراقية تمثّل في عوائد النفط. لقد تزايد نصيب عوائد النفط في تمويل فعاليات الدولة على نحو متصاعد. فبينما كانت تمثّل نسبة 16% من الإيرادات العامة حتى سنة 1950، ارتفعت النسبة إلى نسبة 30% بعد توقيع حصة مناصفة الأرباح مع شركات النفط سنة 1951، وارتفعت بصورة حادة حتى بلغت 63% سنة 1958. واستمرت بالارتفاع بعد تأميم قطاع النفط العراقي سنة 1972، الأمر الذي قلل اعتماد الدولة على الإيرادات الضريبية[23].
ومع ذلك لم يتعامل المواطنون -على وجه العموم- بصدق مع الأجهزة الضريبية. ويمثل التهرب الضريبي أهم مشكلة تواجهها أجهزة الضرائب في العراق. ولا يشعر المواطن حين يتهرّب من الفرض الضريبي أنه يخل بأحد واجبات المواطنة، بل ولا يخطر ذلك على باله. بينما نجد أن مصطلح دافع الضريبة (Tax payer) يرادف في المجتمعات المتقدمة كلمة "مواطن".
وبعد حرب الخليج الثانية 1991، حين توقفت عوائد النفط بسبب الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق، لم يبق أمام الدولة إلا اللجوء إلى الضرائب والرسوم التقليدية والمبتكرة (مثل التبرعات لبناء جامع الملوية، وترميم العتبات المقدسة، ورسوم دخول دوائر الدولة، إلى جانب مجاميع الاحتيال والنصب على المواطنين، مثل مجموعة (سامي كو وغيره) والتي ما كان لها أن تنشط لولا دعم الدولة.
التهرّب الضريبي ظاهرة موجودة في جميع المجتمعات وبضمنها المتقدمة حضارياً. ولكن حين تستشري، فإنها تمثّل ظاهرة اجتماعية وسياسية وأخلاقية. تشف عن الهوّة بين الدولة والمجتمع، وعن خلل وتأزم بين طرفي معادلة المواطنة: الدولة والمواطنين. حين ينظر المواطن إلى الدولة بوصفها أداة قهر وابتزاز، وتبديد الأموال العامة، يلتمس لنفسه العذر للتهرّب من الضريبة. وتنظر الدولة إلى المواطن -بالمقابل- بعين الشك، بل وتفترض في سلوكه التهرب من الضريبة، ولا تصدّق ما يعلنه لها عن وعائه الخاضع للضريبة. وبسبب غياب المصادر المعلوماتية الدقيقة عن الوعاء الضريبي تلجأ السلطات الضريبية إلى طريقة التقدير الجزاف، والمظاهر الخارجية، مستخدمة أساليب عشوائية وأحياناً متعسّفة في تقدير الوعاء الضريبي، الذي على أساسه يحدد مبلغ الضريبة. ولجأت في السنوات الأخيرة إلى أساليب قسرية وشرسة مع أصحاب الحرف والدكاكين لجباية الضريبة، من دون مراعاة لمدخولاتهم الفعلية، الأمر الذي دفع ببعضهم إلى التوقف عن عمله.
وأفرزت إشكاليات الواقع الضريبي قيماً أخلاقية مقلوبة. فالمكلّف الذي يصدق في التصريح عن مدخولاته يُعدّ "غشيماً"، والمتهرب من الفرض الضريبي "كلاً أو جزءاً" يُعدّ "شاطراً".
إن ظاهرة التهرب من ضريبتي الدم والمال تلقي الضوء على العلاقة المتأزمة بين المجتمع والدولة، وتجلّت بدرجات متفاوتة عبر صفحات المشروع السياسي العراقي. وتوجتها مشاهد "الفرهود" المريعة التي أعقبت سقوط النظام في 9 نيسان 2003[24].
2-6 معركة المصطلحات
حفل المشروع السياسي العراقي بعدد من المصطلحات، لكل منها مَنشأه التاريخي وظروفه السياسية التي سوّغت ظهوره وتسويقه. والكثير منها ظل متجذراً في البيئة السياسية العراقية على الرغم من تغير الظروف وأصبح بعضها بحكم المسلّمات. حتى أن تلك المصطلحات ما زالت تمسك بتلابيب بعض الكتّاب لا يستطيعون عنها فكاكاً. وإذ نتناول هنا إشكالية المصطلحات السياسية لا يحدونا في ذلك ترف نظري أو نزعة في النبش والتحقيق عن أصولها. بل لأنها كانت واجهة لمواقف سياسية استخدمت فيها تلك المصطلحات أدوات "للتكفير والتكفير المضاد"، الذي تنامى أحياناً إلى بؤر لتصادم دموي بين القوى السياسية، من دون أن يخدم ذلك في الحصيلة النهائية الاستقلال الوطني وحركة المجتمع العراقي إلى أمام.
يقابِل اعتيادياً كل مصطلح في عالم السياسة مصطلح نقيض، فحين نقول "وطني" يقابله نقيضه "الممالئ للأجنبي"، وحين نقول "تقدمي" يقابله نقيضه "الرجعي"، وعندما نقول "قومي" يقابله ما دُئب على استخدامه "شعوبي وإقليمي" وحين نقول "يساري" يقابله نقيضه "اليميني" ... وهكذا. وتنشأ الإشكالية حين تتداخل هذه المصطلحات فيما بينها، وتتمخّض عنها رؤى وقناعات لدى أوساط الشعب، ما أنزل الله ببعضها من سلطان. فتمتزج الوطنية بالتقدمية، والعمالة للأجنبي بالرجعية، وتحصل التقاطعات المصطنعة بين الوطني والقومي، والوحدوي والإقليمي الشعوبي ... وما إلى ذلك. وتدخل الطائفية الدينية على الخط، فتربك الصورة أكثر وتزيدها ضبابية. من طريف الشعارات التي رُفعت في أعقاب ثورة تموز 1958: "تسقط الشينات الثلاث: الشعوبي والشيوعي والشركاوي".
ألا يجدر بنا في هذه المرحلة أن نعيد فحص تلك المصطلحات، في ضوء المستجدات في بلدنا والمنطقة العربية والعالم! ألن يكون مجدياً أن نقلّم بعض الأغصان اليابسة من شجرة المصطلحات التي ألفناها، لنبعث فيها الحيوية، فيزداد عطاؤها وأثمارها، لتسهم في خلق وعي اجتماعي جديد يتجاوب مع متغيرات المرحلة!
وفي هذا الصدد، من الضروري أن نفك التداخل بين مصطلح "الوطنية" بالمصطلحات السياسية الأخرى. لك أن تنعت الآخر: بالرجعية واليمينية والاستبداد والفوضوية ... وغيرها منصفاً كنت في نعتك أم غير منصف. وأن تلصق بنفسك ما يحلو لك من أوصاف وتسميات برّاقة مثل: الديموقراطي والتقدّمي والشعبي ... وما إلى ذلك! أما أن تستأثر وحدك "بالوطنية" وتنـزعها عن الآخرين، فهذا يرقى -بتقديري- إلى عدوان عليهم. فكأنك تجتث شجرة من جذورها، أو تطرد إنساناً من بيته وتستحوذ عليه. وإذا كان ثمة هامش للاجتهاد في تطبيق المصطلحات السياسية الأخرى، فينبغي أن لا يسمح بأدنى هامش للاجتهاد في تطبيق مصطلح "الوطنية" على أي من أبناء الشعب العراقي مهما اختلفت تلاوينهم.
تعرضت شجرة المواطنة العراقية عبر المشروع السياسي السابق للتقليم الجائر[25]. سواء تجلّى ذلك في المفاهيم، أم المواقف، أم القرارات السلطوية. لقد تمثّل أحد اختناقات المشروع في التشكيك بوطنية قطاع واسع من المجتمع العراقي، والغمز واللمز بصدق مواطنة شرائح معينة منه. لطالما ابتُسر مصطلح "الوطنية". أسبغه البعض على نفسه وحرم منه آخرين. وعشعش في قاموسنا السياسي ردحاً طويلاً من الزمن مصطلح "القوى الوطنية"، حتى ألفناه، من دون أن ندرك وجهه الثاني، المتمثل بتقليص الخارطة السكانية للوطنية. فمن يتفق مع برنامجي السياسي أخلع عليه صفة الوطنية، وأخلعها عمّن يختلف معي. وترسم ضمن هذا المشهد شرائح "لا وطنية" تقتضي مصلحة الوطن أن تُقلّم من شجرته لتصبح أصح وأكثر عطاءً!
لدى متابعة تجارب الشعوب تجدها لا تطلق صفة "الوطنية" إلا في ظروف خاصة ولمسوّغات تعبوية واستنفارية، مثل تصدّي البلد لعدوان أجنبي مباشر. ولا تطلق بسخاء في تقسيم خارطة القوى السياسية ملوّنة إياها إلى لونين: وطني وغير وطني. أطلق الاتحاد السوفيتي في حينه صفة الوطنية على حربه ضد الفاشية إبّان الحرب العالمية الثانية، لتعبئة شعوبه واستنفار مشاعرها الوطنية، بعيداً عن الاعتبارات الطبقية. بينما أطلِقت تسمية الحرب الأهلية على الصدامات الطبقية التي أعقبت ثورة أكتوبر سنة 1917.
جاء في مذكرات الزعيم الراحل كامل الجادرجي، وهو من الرموز السياسية المعتدلة في العهد الملكي بصدد موضوع الوطنية:
"نقصد هنا بالحركة الوطنية، الخلفية السياسية والاجتماعية للتيارات السياسية والأحزاب، ومن جملتها الحزب الوطني الديموقراطي"[26].
يُستشف من هذا القول -وإن لم يجئ صراحة- أن طيف الوطنية يقتصر على الموشور الذي يمثّل الحزب الوطني الديموقراطي أحد ألوانه. ويقف المتتبع لمسيرة الحركة السياسية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، على الكثير من التحالفات المؤقتة للحزب الوطني الديموقراطي وزعيمه كامل الجادرجي مع ألوان الموشور السياسي الأكبر وبضمنهم نوري السعيد. وهذا أمر مألوف في ميدان التكتيكات السياسية. فهل يعني ذلك أن ألوان موشور الوطنية العراقية يتغير تبعاً للتكتيكات السياسية والتحالفات المؤقتة؟
لقد كان إطلاق الأحكام والنعوت والتشكيك بوطنية التيارات والرموز السياسية في الكثير من الأحيان، ردود فعل انفعالية، قليل هم من نجوا منها. وطالت حتى الحزب الوطني الديموقراطي وزعيمه كامل الجادرجي، الذي لا مرية في صدق وطنيته. وهذا ما تكشف عنه مذكراته. ففي "نداء الإنقاذ" الذي وجهه كامل القزانجي مع ستين عضواً من الحزب الوطني الديموقراطي، إلى رئيس الحزب، ونشر في جريدة "الشعب" الصادرة في 6/2/1947، نجد لوماً شديداً للحزب لافتراقه عن الأحزاب السياسية الوطنية الأخرى، بقبوله الاشتراك في الوزارة السعيدية، مما يحدث ثغرة في معسكر الوطنية والديموقراطية، وإلى التخاذل والتعاون والمساومة مع الاستعمار …الخ[27].
واستمعوا إلى ما يقوله -بالمقابل- الشاعر محمد مهدي الجواهري بحق نوري السعيد، بعد مقتله بثلاثة عقود:
"كان نوري السعيد -وأنا أكتب للتاريخ- يحتقر من يتملق السفارة البريطانية ببغداد، أو من يعرض نفسه للاستئجار عندها ... متحملاً أثر ما يتقوله عليه الناس حول علاقته بالانجليز. ولا أحد ينكر أن علاقته هذه قوية ومتينة جداً. ولكنها في الحقيقة مجرد قناعة منه -ولم يتزحزح عنها ولا قيد أنملة حتى يومه الأخير- بموالاة الغرب. وهو رجل دولة وليس أجيراً"[28]
يجيء هذا التقييم على لسان الشاعر الجواهري الذي نال نوري السعيد منه في القدح والهجاء والشتم وتهم العمالة للاستعمار، ما لم ينله كافور الإخشيدي على لسان الشاعر المتنبي. وأذكر ذلك عسى أن يتّعظ العراقيون، فيقتصدوا في توزيع تهمة العمالة للاستعمار.
أما التيار القوماني وضمن نزعة حرق المراحل (التي سنتناولها لاحقاً) فلم تعد الوطنية تستوعب طموحاته الوحدوية، وصار يطلق عليها مصطلحي: الإقليمية والشعوبية، ونُعتت بها قطاعات واسعة من المجتمع والتيارات السياسية، و شملت في عهد "البعث" رجالات فكر مرموقين انتزعت نتاجاتهم الفكرية من المكتبات العامة ضمن قوائم سوداء، وحظر بيعها في أسواق الكتاب. وعلى هذا النحو انتزعت الشعوبية صفة الانتماء القومي من معظم المواطنين العراقيين، بقفزها على "الوطنية العراقية". وتحّول ذلك إلى سياسات رسمية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تمخضت عنها سياسات عرقية جائرة رمت بمئات آلاف المواطنين العراقيين إلى خارج الحدود تحت ذريعة "التبعية الإيرانية". ومثّل هذا القرار أكثر أساليب تقليم شجرة المواطنة العراقية جوراً، في تاريخ العراق الحديث. وترك شرخاً عميقاً في بنية المجتمع، وآثاراً نفسية وقانونية، سيظل المجتمع العراقي يعانيها لسنوات قادمة.
2-7 عقدة الجنسية العراقية
واحدة من أكبر العقد النفسية التي يعانيها المواطن العراقي: إثبات كونه عراقياً. فلا يكفي أن يحمل دفتر النفوس ولاحقاً هوية الأحوال المدنية الصادرة عن جهة رسمية مختصّة، بل يترتب عليه لإثبات مواطنته الحصول على "شهادة الجنسية العراقية". فأنت وإن كنت تحمل هوية الأحوال المدنية التي تثبت عراقيتك بالولادة، تبقى متهماً بـ"لا عراقيتك"، حتى تثبت براءتك بالحصول على شهادة الجنسية العراقية. ولم تكتفِ الدولة بشهادة الجنسية أيضاً، فابتكرت في التسعينيات ما سًمي بـ"ببيان الرعوية". وأتذكر أن الحصول على شهادة الجنسية في الخمسينيات، كان يمثل كابوساً حقيقياً، تتأهب له العوائل منذ بداية العطلة الصيفية، بقدر تعلق الأمر بطلبة الصفوف المنتهية الذين سيقدمون للمعاهد والكليات.
لا يمكن للعراقي أن يتقدم إلى الكلية أو إلى التعيين في دائرة حكومية، أو الحصول على مقاولة حكومية ما لم يكن حاصلاً على شهادة الجنسية العراقية. هذا على مستوى حقوق المواطن. أما على مستوى واجباته، فالأمر يطرح على نحو آخر. فالسوق إلى "خدمة العلم" يتم بمعزل عن شهادة الجنسية. فالعراقي يُعدّ مواطناً حين يترتب عليه تأدية واجب المواطنة، ولكنه يبقى "مشروع مواطن" بقدر تعلّق الأمر بالحصول على حقوق المواطنة.
لم أستوعب مغزى شهادة الجنسية العراقية والهدف من وراء إصرار الدولة عليها، ألا وأنا في أواسط العقد الرابع من العمر. أدركت في السبعينيات، إن هذه الشهادة قنبلة موقوتة، صُنّعت وأديمت منذ عقود، في انتظار نظام سياسي مؤهل لتفجيرها في الوقت المناسب.وعلمت أنها تقسم بموجب شفرة معينة إلى مستويات متفاوتة من الولاء إلى الوطن، وفق "التبعية". فإن كنتَ من التبعية العثمانية فأنت وطني من الدرجة الأولى، وإن كنت من التبعية الأجنبية، وخاصة الإيرانية، فالشكوك تحوم حول صدق ولائك الوطني. وعندها ترحّمت على أجدادي الذين لم يؤثروا مصلحتهم في التخلّص من عبء "الجندية" إبّان الحكم العثماني، على مصلحة ومصير أحفادهم بعد عقود. والمفجع في الأمر أن آلاف الشباب ممن كانت شهادات جنسيتهم تؤشر التبعية الإيرانية لم يُسرّحوا من الجيش، واستشهد عدد منهم في "قادسية صدام" بينما كانت عوائلهم تعاني التشرّد وراء الحدود. بل وفي الجبهات التي يصوبون إليها نيران أسلحتهم.
عالجت المادة الحادية عشرة من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في آذار 2004، بصورة تفصيلية أبعاد إشكالية الجنسية العراقية، مما يشير أنها ستجد حلولاً تشريعية مناسبة تنقذ المواطن العراقي من عقدة الجنسية. ولكن الأمر لا يقف -بتقديري- عند البعد التشريعي، فالقانون الأساسي العراقي لسنة 1925 قام على الكثير من المبادئ الليبرالية، ولكنها شُوهت وخُنقت في حيّز التطبيق فما أكثر القوانين والتشريعات التي تتقدّم على وعي المجتمع.
ينتابني الخوف من الرؤية العرقية الضيقة التي تجذرت في وعينا، وصوّرت لنا بطاقة الجنسية معياراً للولاء الوطني. نشرت جريدة "المدى" في الصفحة الأخيرة من عددها 113 عموداً تحت عنوان: "الجنسية المزدوجة والولاء لمن؟" ويشف عنوان المقال بوضوح عن الإشكالية التي تؤرق كاتب المقال: الخشية من أن تؤدي المنطلقات الليبرالية لازدواج الجنسية التي انطوى عليها قانون إدارة الدولة الانتقالي، إلى تمييع مسألة الولاء للعراق. فكيف يمكن أن يتبوأ منصباً مفصلياً في الدولة العراقية من يحمل جنسية بلد آخر! ليخلص في نهايته إلى القول:
"الحل بسيط وواضح .. . على من يريد أن يحكم هذا البلد أو يدخل برلمانه أو يقود مفصلاً مهماً من مفاصل دولته أن يحسم ولاءه فيتخلى عن جنسيته الأجنبية. وهذا يتطلب إصدار قانون ملزم لجميع الأطراف. هل هذا كثير على العراق؟"[29]
يبدو أن المقالة تستكثر على العراقيين، المنطلقات الليبرالية التي جاء بها قانون إدارة الدولة العراقية الانتقالي بصدد ازدواجية الجنسية فتدعو إلى محاصرتها في خانق الولاء.
لقد تزامنت هذه المقالة مع اختيار قيادات حزب المؤتمر الهندي لسونيا غاندي (زوجة رئيس الوزراء الراحل راجيف غاندي) لرئاسة الكتلة البرلمانية للحزب، مما يمهد الطريق لتسنّم رئاسة الحكومة الفيدرالية للهند. وامتنع عن منافستها كبار قادة الحزب ومخضرميه، فلم يرشحوا أنفسهم، احتراماً لذكرى أعرق سلالة سياسية في الهند المعاصرة، مع إنها إيطالية الأصل، لم يمضِ على اكتسابها الجنسية الهندية عقدان من الزمن.
والطريف في الأمر أن نشر ترشيح سونيا غاندي، جاء في الصفحة الثانية من نفس عدد جريدة "المدى" التي نشرت المقال أعلاه. وهكذا وضعنا هذا العدد في مشهد عراقي/هندي، ينضح بمؤشرات عن وعي المجتمعين بصدد مسألة الجنسية والزعامة السياسية.
استوقفني الأمر، وتساءلت: هل طالب الهنود من سونيا غاندي التخلي عن جنسيتها الإيطالية؟ وهل طالبت الولايات المتحدة الأميركية من هنري كيسنجر التخلي عن جنسيته الألمانية. وفي التاريخ شواهد كثيرة على استضافة شعوب لملوك وحكام من سلالات أجنبية توجتهم على عروشها، من دون أن تخشى انحراف ولائهم إلى أممهم و أبناء جلدتهم.
لماذا تمثل لنا بطاقة الجنسية المعيار الأساس الذي يحكم رؤيتنا للوطنية .... ألا يشفّ ذلك عن ضبابية في الرؤية في استيعاب كُنه الوطنية ووظائفها؟ الوطنية منظومة من العلائق المتبادلة بين المواطنين والدولة. وحين تتأزم هذه العلاقة وتهيمن الغربة بين الطرفين، تضطرب مقومات الوطنية، ويختلط الحابل بالنابل. ويمثل المشروع السياسي العراقي مثلاً حياً لإشكالية الوطنية التي عاناها ذلك المشروع، وقادت إلى ما نحن فيه.
والجدير بالذكر أن القانون العراقي كان يذهب إلى أبعد مما يقترحه المقال، إذ كان يمنع المتزوج من أجنبية تبوء مواقع مفصلية في الدولة العراقية. كما أن التحقق عن المرشح لمثل هذه المناصب كان يصل حد التقصّي عن أصله إلى "خامس أو سادس ظَهر". وخاصة في القوات المسلحة. ولكن انظروا ماذا حدث؟ استسلمت بغداد خلال أيام! …. ولم يكن ذلك بسبب غياب الروح الوطنية لدى الجيش العراقي المعروف بشهامته وغيرته. بل بسبب الإشكالية القاتلة للوطنية العراقية، الناشئة عن الهوة السحيقة بين المواطنين والسلطة السياسية، الممثل الرسمي للوطنية.
إن حماية منظومة الوطنية العراقية من الاختراق، لا تحققها بطاقة الجنسية بل فاعلية المنظومة نفسها. فلنبحث في هذه المنظومة وعوامل تخلخلها. وإلا فإننا سنصوّب على شجرة، بينما يقف الصيد على شجرة أخرى، فيهرب الصيد ونخسر ثمن الإطلاقة.
المُقْتَرَب الثْالِث
الإرادَويّة
3-1 مدخل
تمثّل الإرادوية أهم سمات المشروع السياسي العراقي. وإذا كانت في المشاريع السياسية الأخرى تمثّل أحد ألوان الطيف السياسي، فإنها كادت أن تشكّل التمثيل الضوئي الذي يلوّن النبتة بالخضرة في المشروع السياسي العراقي. لهذا من المجدي التوقف عند مفهوم الإرادوية (Voluntarism) وجذورها الاجتماعية والبيئة السياسية التي تحتضنها، لننتقل بعدئذ إلى تجلّياتها في المشروع السياسي العراقي، وآثارها في مساراته.
"الإرادوية" لغة، منحوتة من "الإرادة"، ويثير ذلك تداخلاً بين المفهومين مما يثير اللبس، الذي تشق "الإرادوية" طريقها عبره. لذا يقتضي الأمر تبيان الحد الفاصل بينهما.
تتمثل الإرادة في قدرة أو ملكة الإنسان على تحقيق ما يصبو إليه. وترتكز على العديد من المقومات النفسية والسلوكية مثل: التصميم، والجرأة، والإقدام، والسيطرة على النفس، والتأثير في الآخرين وإبهارهم (الكاريزما) … وغيرها. أما "الإرادوية" فإنّ لها -في حقيقة الأمر- أبعاداً فلسفية واجتماعية وسلوكية أخرى. إذ ترى في إرادة الإنسان لوحدها عاملاً حاسماً في إحداث التغيير، سواء أكان ذلك على مستوى الطبيعة أو المجتمع، بصرف النظر عن القوانين والنواميس التي تحكمها. حتى وان كانت الظروف الموضوعية والذاتية غير مواتية للتغيير. فكل شيء –وفق الإرادوية- ممكن، إذا توفرت إرادة الإنسان. ولعل المثل أدناه يساعدنا على إيضاح الفرق بين الإرادة والإرادوية.
إذا عزم سباح ماهر على اجتياز بحر المانش سباحة، فهي الإرادة. أما إذا أقدم على ذلك رجل لا يجيد السباحة، فمصيره الغرق لا محالة، مهما أوتي من إرادة وتصميم. وتلك هي "الإرادوية".
يرى الفيلسوف البريطاني فرديناند شيلر (1864-1937) أن الواقع مطواع، يخضع بيسر للإرادة الذهنية، ويقول بهذا الصدد:
"العالم في جوهره مادة من غير شكل. إنه على النحو الذي نشكّله نحن" [30]
وتغازل الإرادوية الكثير من التطلّعات والطموحات عند الأفراد والجماعات، في ظل اندفاعهم وحماستهم للتغيير، موحية لهم، أنهم قادرون على خلق الظروف بأنفسهم، ومن العبث الانتظار حتى تنضج. ويرى أحد زعماء الشعبويين الروس نيكيتش تكاجوف (1844-1885) إن الثوري لا يمكن أن ينتظر لحين أن تؤشر الأحداث اللحظة الملائمة للتغيير. فلحظة الانقلاب الثوري يحددها الثوري بنفسه:
"الثوري يريد دائماً، ويقدِر دائماً على إنجاز الثورة" [31]
وتنجح الإرادوية أحيانا في كسب الجماهير إلى شعاراتها وبرامجها الجذابة، وتتظاهر إنها تستمد الإرادة من الجماهير، ولكنها في حقيقة الأمر تنظر إليها كما ينظر الراعي إلى قطيعه، وكما يتعامل النحات مع قطعة الحجر التي يشكلها كما يشاء. وبهذا الصدد يقول المفكر التركي الشيخ محمد البكري في مؤلَفه "مستقبل الإسلام":
"ما الشعب إلا شمع سيّال، يمكن تشكيله على النحو الذي نشاء،وبمقدور الإرادة البشرية وحسب، التأثير في المجتمع"[32]
ويقصر عمر البرامج الارادوية، وتخفق في الانعطافات الأولى لمسيرتها، عندها تقتصر خسائرها على التضحيات الفردية التي يقدمها أبطالها قربانا لبرامجها. بيد إن ثمن الإرادوية يكون باهضاً عندما تقفز إلى دست الحكم وتمسك بيدها مقاليد المجتمع، الذي يصبح مشروعاً مفتوحاً لمغامراتها غير المحسوبة. ولا يصطلي بنارها شعبها فقط، بل وشعوب اخرى أحياناً. ومشكلة الإرادوية إنها لا تتعظ من تجاربها الفاشلة، بل توغل اكثر في منحاها المغامر، مثل المقامر الذي كلما خسر جولة، تمادى في اللعب لتعويض خسائره، فتتزايد اكثر فأكثر. وغالباً ما يمنى الارادويون بهزائم نكراء، وسرعان ما ينقلبون من جَوَامح إلى جَمَاميح منهزمة يصعب اعادتها إلى ساحة المعركة.
3-2 تجليات الإرادوية في المشروع السياسي العراقي
3-2-1 النـزعة الانقلابية
هيمنت النـزعة الانقلابية على المشروع ال