كتاب عمر والتشيع (ثنائية القطيعة والمشاركة ) .. حسن العلوي

 

تم اقتباس الكتاب من موقع ملف برس

الكتاب: عمر والتشيع
الكاتب: حسن العلوي
الطبعة الأولى: كانون الثاني (يناير) 2007.
 

الناشر: دار الزوراء ـ لندن

4- CHARTERSCOURT

UB6 8BP

GREENFORD

LONDON  U.K.

Tel: 00442088131066

نيقوسيا ـ قبرص: 0035799437224

دمشق ـ مزة غربية ـ جادة قريش رقم ـ 1ـ

00963116123977

00963116119511

 

 التصميم والإخراج الفـنـي:

مي أحمد شهابي

الغلاف:

هاديا حسن العلوي

جميع الحقوق محفوظة 
 

 
 

 إلى ابن أعظمية النعمان بن ثابت إمام الساحل الشرقي

                  عثمان بن علي العبيدي

          إليه رجلاً أنقذ سبع أرواح من الموت غرقاً من بين الحشود التي سقطت في النهر على طريقها إلى إمام الساحل الغربي

وعند الثامنة تعانقت الروحان وهبط الجسدان معاً تحت مياه الجسر المشترك.

 وحسبك أنك حبر هذه السطور.

 

?

حسن العلوي

دمشق  ـ الشام 1/1/2007

 

 

تدافعت حشود عابرة على جسر في بغداد لإقامة المهرجان السنوي لذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق المدفون في مقبرة خصصها لقريش أبو جعفر المنصور عام 150 للهجرة، سميت بمدافن قريش، فدفن فيها ابنه ثم الإمام موسى بن جعفر وحفيده، وعندما توفي الإمام أبو حنيفة النعمان دفن في مقبرة الخيزران، على الجانب الشرقي من دجلة، وهي لعامة الناس، فسميت الأولى بالكاظمية نسبة إلى الإمام الكاظم على الساحل الغربي، وسميت الثانية بالاعظمية نسبة للإمام الأعظم أبي حنيفة، وعلى الجانب الشرقي من دجلة، خرج الشاب عثمان العبيدي،  وهو من السكان الأصليين، فرمى بنفسه إلى النهر سبع مرات، أنقذ في كل مرةٍ طفلاً أو رجلاً أو امرأةً شيعية، وفي المرة الثامنة أمسكه الغريق وقد أرهقه التعب، وخارت قواه، فلم يقدر على حمله إلى الشاطئ، وغرق عثمان بثقل من كان يستنقذه!.

 

  

 

أول الكـــلام

عابور النهر وصاعود المألوف


 

 

الكرادة والكتاب

ما لابن السبعين مرميّاً إلى العباب مختاراً، وأكثر من نصفه معطل عن العمل؟

لماذا لا يركن إلى دعة الضيعة عند أصغر صغاره، أوفي دمشق الشام وأكبر كباره، وبينهما ثلاث يتقحمّن الحياة بعد الجامعة بشجاعة العالم؟.

ما الذي يغريه في تعب المواجهة وهو في هذه السن؟.

أقول: لو كان الأمر بيدي لركنت إلى صُلبي وسكينتي، لكنّي خلقت غير مُوادع ولامُساكن، والأمر أمر ضاحية الكرادة وبساتينها التي ولدتُ وترعرتُ فيها على ضفة دجلة اليمنى، حيث هي اليوم بساتين المنطقة الخضراء.. والحياة على ضفاف الأنهار والمغامرة صنوان، فأنت صاعود نخلة عيطاء في الخامسة، وعابور دجلة سابحاً في العاشرة، وقاحوم ليل البساتين التي لم تعرف نور الكهرباء إلا في السنة الأخيرة من الدراسة في ثانوية الكرخ. وأشجار البساتين حرة وشبه مشاعة، وكان أيُّ منا ينتقل في لحظات من قعر النهر إلى قمة نخلة مترامية في السماء، أو فوق غصن توت. ولنا القدرة على التقاط الناضج، وانتظار موسمه الذي نعد أيامه على الأصابع.

كان النهر مصدر التحدي.. يأكل منا بعضنا ونأكل منه جميعاً. وبواسق النخل تتحدى قممنا الصغيرة، وكان علينا أن نعانق قممها فنصعد وتصعد الأيام، فإذا جَرَفَ النهر شقيقاً عُدنا إليه وكأن من ذهب كان قرباناً يضحي به الصيف للنهر الذي فقد نصف قوته. فإذا سقطتُ من أعلى نخلة، فقد سقط جدي وخالي، ولا يموت من يسقط من فوق نخلة. ولم نعرف سرّ هذا السر؟.

لا أظن الأمر قد اختلف عليَّ كثيراً. والإبحار لم يكن في المجهول. ولاشيء مجهولاً في بساتين الكرادة حتى مكامن الأفاعي ومتارب العقارب، فلم يحدث أن لدغ أحدنا وهو شبه حافٍ في ليلٍ دامس يبحث في البستان عن شيء في لعبة الليل، بل المخاطرة وأكبر المخاطرة أن تعبر المألوف الاجتماعي أو تصعد فوقه وهنا الشجاعة والإقدام.

أظن الكتاب أصبح مفهوماً،.. سباحة فوق نهرٍ عريض وصعودا على جذعٍ طويل، وبحثاً في بستان الأفاعي والعقارب عن مفقودٍ بين البساتين والماء.

أما صاحب الكتاب فكان من ذلك كله وهو فوق ذلك كله، لم يأنس العيش في مقطع زمني حددته له الأقدار، وأقعدته فيه العقائد، فصار ابن الكرادة المفتوح على الماء والسماء والمتحرك مابين قعر النهر وقمة النخلة كاتباً، وكان لابد إلاّ أن يكون هكذا مفتوحاً على ثلاثة أجيال وسبعة أطياف.

فإذا هَرُم جيل فله جيلان. وإذا نكث طيف فعنده الأطياف الستة.

وسلامٌ على النخل ذي السعفات الطوال وسلامٌ على التشيّع.

وعلى ابن حنتمة ألف سلام.

 

حسـن العلـوي

بغداد - الكرادة

26/7/2006

 

 

 

ثنائية الكتاب

هذه كتابة حرة مفتوحة الاتجاهات في عمر بن الخطاب، وفي سياسة الخطاب الشيعي إزاءه، ولا أبتغيها كتاباً موصد الأبواب، وبحثاً مشروطاً مكبلاً بسلاسل الايدولوجيا وشروط الانتماء. وهي في ناتجها كتابة تاريخية في إشكال سياسي راهن، نطل منها على الطوفان العراقي، في وقت ختم الخاتم أن لا نبي بعده، ولا أمل لتقي في دعاء نوح المستجاب، ولا سفينة للنجاة ولا جبل يعصمنا، حتى الجودي مغمورٌ تحت طوفان الدم، وماء الأهوار يغور، وليست في مستوطنة الطيور السومرية مهاجرات قادمات من أقاصي الهند في طريقها إلى أقاصي أوربا.

والعراق منقسم على ثنائية عمر وعلي، التي تسلّكت في قنواتها السرية إلى السياسة الدولية، منذ مطلع القرن الماضي، فيخطط إستراتيجيون بريطانيون طريقهم إلى البصرة آملين كسب المنبوذين الشيعة في الحرب على الأتراك السنة.

وتغير الحرب الأمريكية على دولة الفقيه الشيعي، الذي حجز في طهران على موظفي أكبر سفارة أمريكية في خليج العرب والمنطقة. ليكون العراق وليس باكستان وتركيا السنيتان والحليفتان مكان الإغارة في حرب تستمر ثماني سنوات، فتتخم أسماك نهر كارون وشط العرب بلحوم الجنود قبل أن يحين الوقت المجهول لحرب أمريكية على السنة. فجاءهم الغيث من كهوف طورا بورا وهجوم تنظيم القاعدة على نيويورك بطائرات مدنية قطرت الرؤوس العليا لمعماريات مانهاتن قبل انهيارها مع ثلاثة ألاف أمريكي أعلن عن هلاكهم في الهجوم.

وكان المتوقع، وقد حددت الولايات المتحدة الأمريكية، مساقط رؤوس المهاجمين، أن تبدأ الحرب الأمريكية على السنة في بلد هم فيه أغلبية مطلقة. لكنهم وجدوا في العراق موطناً للحروب لا يضيق بحرب أمريكية رفضت تركيا اندلاعها على أرضها وكذا الباكستان والسعودية ومصر رغم اختلافها السياسي مع شيعة إيران، ولا بحرب أمريكية على سنة العراق سترفض دول العالم الإسلامي والعربي وهي سنية بالإجماع الاستسلام لها. لكن ثنائية علي وعمر، شكلت جاذباً لوجستياً مغرياً ومضمون النتائج يوفر المناخ الصالح لحروب البيت الأبيض على الشيعة والسنة وحروب الباب العالي وغريمه الصفوي، مادام قصر يلدز حافلاً بحروف عمر المنقوشة على جداريات القصر، ومادام شاه تبريز قد أقام مصنعاً للكاشان الممهور باسم عليًّ، وستجد السياسة البريطانية وحليفتها الأمريكية، ما وجده الشاه والسلطان شعباً في بغداد يهلل للمنتصر على ساحلها الغربي وشعباً يستقبل الشاه المنتصر، وقد وسع في الصحن الشريف غرفاً جديدة بعد أن قذف على الساحل الشرقي جثثاً ضاقت بها بساتين الأعظمية. أما أسماك دجلة، فلم تعد تأكل صغيراتها، ففي ثنائية عمر وعلي، الأسماك تأكل البشر، مابين بغداد وخرّم شهر، ومابين القرن العاشر والقرن العشرين.

هو ذاته حقل اهتمامنا التليد يأتيك طارفاً وطرياً في كتب ربع القرن الأخير.

ففي الشيعة والدولة القومية عالجنا ثلاث قضايا أساسية: أولها تعجيم الشيعة بما يجعل العرب في العراق أقلية أمام الأكثرية غير العربية، لو نجح مشروع التعجيم هذا، وبإبطالنا تعجيم الشيعة إنما ندعو لأغلبية عربية تحفظ الوجود القومي في العراق.

والثانية أن كتاب الشيعة والدولة القومية، يستهدف نقد تمذهب الدولة، وظهور مذهب حاكم يستأثر بالسلطة وامتيازاتها، ومذهب محكوم ومحروم في دولة واحدة، تطرح خطاباً قومياً في الداخل والخارج. ومن العدالة انتصار. كتابنا للمذهب المحكوم والمحروم.

والثالثة أن الشيعة والدولة القومية لم يتحدث على الإطلاق عن حقوق طائفية بل عن حقوق مدنية. وقد جاء في مقدمة الكتاب الصفحة 11 الطبعة الثانية أن الكاتب لا يرجّح، حتى هذه اللحظة مذهباً على آخر، وأنكر أن يكون الخلاف في العراق خلافاً بين أبي حنيفة وجعفر الصادق وأعطى مثلاً أن السلطة التي سميت سنية لا تعرف شيئاً عن مذاهب الإسلام، ولم تحترم رئيس المذهب الحنفي الإمام الأعظم النعمان بن ثابت، فأقامت على أمتار من مسجده دار سينما حرة في عرض الأفلام، وعلى شاطئه صالات تسمح باحتساء الخمور والرقص المختلط في الوقت المناسب.

إن كتاب الشيعة والدولة القومية يدعو لإلغاء فكرة التمذهب، أما وقد سقط النظام القديم، وظهر نظام أعطى للشيعة دوراً أساسيا في صناعة القرار السياسي وبرلماناً هم فيه الأغلبية شبه المطلقة، فقد أوشك أن يكون الشيعة هم المذهب الحاكم وأهل السنة هم المذهب المحكوم.

وبسبب نفوذ حركات إسلامية شيعية، شاعت في الخطاب الشيعي السياسي لغة تضعف موقفي في مواجهة مشروع تعجيم الشيعة الذي اعتنى به وتعهده سنة السلطة في نطاق نظري على الأقل، بينما أوشكت الاتجاهات الراهنة لبعض السياسات الشيعية في العراق أن تكرس عجمة التشيع بأفكار ومشاريع وخطاب كان بعضه رد فعل لممارسات نظام قومي عربي استأثر بالسلطة طائفياً ونكّل بمواطنيه في الأغلبية العربية الداعين لقيام نظام حكم مشترك، غير أن تبريراً لميل شيعة السلطة الحالية نحو عزلة خارج المحيط العربي سيجد معارضة الأغلبية العربية ومثقفيها المستقلين.

في هذا الكتاب يستمر منهجنا من منطلقه العربي والعراقي واعتماد منهج تاريخي يؤصل للصراع ويحيله إلى القائلين أولا بالقطيعة التامة والكاملة والمؤبدة بين الإمام علي وسلطة الخلفاء الراشدين الثلاثة واستخدام خطاب تقليدي يتعرض فيه الدعاة والخطباء لمقامات الصحابة فيثيرون حفيظة الأغلبية العربية والإسلامية، في وقت لا يشكل فيه الشيعة نسبة قادرة على تحمل أعباء العزلة والقطيعة وهي تنتقل من تخوم التاريخ إلى درابين الحاضر.

والكتاب يروج لنظرية المشاركة في سعيه لرفع الحصار عمن ينحدر الكاتب من أصلابهم... وجداً بعمر وسيراً على طريق السلم الأهلي الذي يبدأ عندي من لحظة التصالح مع التاريخ حتى يسهل لدعاة المشاركة أن يتصافحوا في الحاضر.

وبئس كتاب يزعم الدفاع عن عمر... فمن يحتاج إلى هيئة لكتب الدفاع هم الذين لم يكتشفوا عمر حتى الآن. وجزء من الكتاب هو ليس الكتاب،وان كان التجزيئيون من أهل القطيعة سيفعلونها، مثلما جّزأوا التاريخ المشترك لعلي وعمر في القرار وروح المسؤولية التي أدير بها المركز الجديد لإدارة الشرق القديم على حصيرة من سعف النخيل فوق تراب المسجد النبوي.


 

السفر إلى ابن حنتمة

ليس في ذاكرتي القروية جديد يستحق التدوين، فكأي طفل في محيطه، يرتسم عمر في مخيلتي الصغيرة، شخصاً يشتغل في وظيفة مسؤولة عن عذاب الإمام علي وعائلته. ولم يكن لعمر في ذهني من عمل غير صب الأذى على ابنة الرسول وزوجها وولديها.

وربما أمتد دوره إلى نهاية العهد الأموي، مشفوعاً باسم يزيد قاتل الحسين في سجع شعبي يكرره الطفل، كلما أكل ثمرة لأول مرة، أو لبس جديداً، (إلبس جديد والعن عمر ويزيد!). وقد يكون عمر في أذهاننا هو الذي قتل الإمام علي!. ولم نكن نعرف أن الإمام علي توفي بعد وفاة عمر!.

وعلى كراهة محيطنا ليزيد، فإن "العدو"الذي كان اسمه يتردد بكثرة، هو عمر.  فقد كنت أراه في ليلة محددة من كل عام شخصاً من سوقة المحلة، يجري خلفه الصبيان، وقد لفت بطنه بمخدة فوقها ثياب نسوية مما ترتديها الحامل، مصحوباً بزفّة من شعر الزجل الشعبي في يوم يسمى "فرحة الزهرة".

فإذا سألنا الذين هم أسنُّ منا قيل: إنه اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب ففرحت الزهراء بمقتله. ولم نكن نعلم أن فاطمة الزهراء توفيت قبل مقتل عمر بثلاثة عشر عاماً.

كنت أعيش في ضاحية كرادة مريم حي العباسية، مابين مبنى المجلس الوطني العراقي والقصر الجمهوري في المنطقة الخضراء حالياً، حيث بستان جدي لأمي، حتى إذا دخلت المدرسة الثانوية في الكرخ، التي يؤمها الطلاب من (أبو غريب) واليوسفية والمحمودية والكرادة، فضلاً عن أبناء جانب الكرخ، اتيحت لي فرصة العيش مع طلاب معظمهم من السنة، فصحبني أحدهم وكان يتدرب على ترتيل القرآن إلى جامع مجاور يرتل فيه الحافظ خليل إسماعيل الذي صدمني بسؤال عن أهل الكرادة، ولماذا هم يكرهون عمر؟.

فلم أملك جواباً، لكنه أيقظ في ذهني عدداً من التساؤلات الممزوجة بالاستغراب أحياناً. فنحن لا نحب عمر لأنه عمر وهل يوجد هناك من يحب عمر؟!. وفي أيام أخرى صحبني صديق أخر في المدرسة إلى مركز حزب الاستقلال المجاور لمدرستنا، وكان الطالب توفيق المؤمن، الذي يكبرنا بعدة سنوات مسؤول الحزب في ثانوية الكرخ، قد سبقنا إلى المركز. فاستمعت إلى محاضرة عن القومية العربية فيها إشارات إلى تاريخ الأمة ورجالها الأوائل أمثال عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد!.

كانت المحطة الأولى ثانوية الكرخ، والحافظ خليل إسماعيل والمركز العام لحزب الاستقلال، وتوفيق المؤمن، والعروبة في أيامها الأولى تحملني طفلاً إلى أحضان عمر قبل أن يأخذني عمر إلى العروبة لاحقاً.

بدأت علامات التحول واضحة على قناعاتي في حينّا الفقير، وكان شقيقي هادي العلوي الذي يكبرني بعامين شبه معتكف في صومعة دينية، جعلت بيتنا الصغير حوزة علمية صغرى. فكان يمنعني من الاستماع إلى أغنية في الراديو، ويأخذ عليَّ عدم قيامي بالفرائض الواجبة، ثم صرت أتمرد على المشاركة في مهرجان " فرحة الزهرة " فيما انخرط شقيقي بكل وجدانه واهتماماته في النشاط الحوزوي رغم مواظبته على الدراسة الأكاديمية، ولم تمض سوى شهور حتى توفيت والدتي ولم تبلغ الأربعين من عمرها، فكان من تأثير هذه الصدمة على شقيقي هادي العلوي أن شرع يتحول عن أسلوبه الديني يوماً بعد آخر، احتجاجاً على المقادير والآجال، حتى تجرد نهائياً من أي أثر ديني وإن كان مازال على  صلة بمراجع التاريخ العربي والإسلامي كالمسعودي والطبري واليعقوبي وابن خلكان وابن الأثير والجاحظ.

 وهو مع موقفه السلبي هذا لم يبرح دائرة الحضارة العربية الإسلامية، حتى أواخر حياته(*) عندما تصدى بعنف لسليمان رشدي، فانعكس ذلك على علاقاته القديمة مع كتاب اليسار الماركسي ومع الليبراليين الذين انتصروا لرشدي.

وبالعودة إلى الخمسينات الميلادية، كان هادي يلقنني تلقين الأستاذ لتلميذه مايقع عليه في المراجع والكتب من تقييم لشخصية عمر المتماهية بشخصية علي.

أمّا والدي، وقد صار وعيي أكثر نضجاً، فقد أثار استغرابي، وهو سيد علوي، أنه لم يكن يحمل ضغينة على عمر كضغينة والدتي، وكان من الذين يحيلون الأمور إلى النوايا وإلى الله الذي سيحكم بين الناس.

وعن الخلاف المتداول المشتعل في أروقتنا بين علي وعمر، كان والدي يفضل الإمام علي بلا شك، إذا ماقورن بغيره من الصحابة، وفيما عدا ذلك كان ينظر إلى عمر وأبي بكر باحترام. وقد شغلني موقفه فيما بعد، وما إذا كان اعتداله غير المتوقع موروثاً عن أبيه السيد سلمان فقيه الكرادة وإمامها، فاكتشفت أن عاملاً آخر هو الذي أثر فيه، فقد كان صديقاً حميماً للقاضي مصلح الدين الدراجي، عضو المحكمة الكبرى في الحلة، وهو من أهل السنّة وقد يكون هذا الصديق الذي كان والدي يجله ويسرف في الحديث عن عدالته وعلمه هو الذي أوجد هذا الانعطاف فيه.

كان العام يمضي فأقترب خطوة إلى موقع متقدم في رحلتي إلى ابن حنتمة، فإذ دخل عامل مهم بعد تحولات هادي العلوي، كانت مفاجأتي كبيرة فيما سمعت من والدي، ولم اكتشف حتى ذلك الحين تلك العلاقة بين عصا الخيزران بقبضتها الجلدية البنية التي لا تفارق يمنى والدي في المنزل والزقاق والعمل، وبين دِرّة عمر.

ظل والدي حتى أيامه الأخيرة يخفق المارة بدرته، إذا مارأى في بعضهم خروجاً على الذوق العام، أو خروجاً على ما هو شرعي. وكان الناس في تلك المحلة(*)، يتقبلون الخفق عن طيب خاطر، وكأنها رحمة!.

ولم أكن حينها قد اكتشفت درة عمر، لكن صديقي الجديد في الثانوية الشرقية التي انتقلت إليها فهد السعدون قد عرفني على والده وهو عقيد طيار متقاعد له اهتمامات تاريخية وحماسة قومية، جعلته يكرر القول، بأن العروبة أهم من الإسلام، لكنه يستثني عمر بن الخطاب وينظر إليه بطلاً قومياً وليس خليفة. وكان يعزو نجاحات الإسلام إلى درة عمر، وإذ نمت قدراتي الفكرية وصرت أستقي المعلومات من مصادرها، اكتشفت أن المرحوم عبد الخالق السعدون إنما كان يشير إلى ما نقله ابن الجوزي عن العامة أنها كانت تسخر بحكامها، وتقول (لدِرَّة عمر أهيب من سيوفكم)(*).

وفي كلية الآداب انشرحت أمامنا أبواب التاريخ العربي، وحضرتْ مراجع الأحداث إلى صفوف الدرس اللغوي والنحوي في فترة كانت بغداد الملكية والجمهورية الصق ببغداد المأمون، فاستمعنا إلى أستاذنا علي الوردي عالم الاجتماع يكتب لمحات من التاريخ بمنهج شعبي ولغة مفهومة، ونختلس مجلس مصطفى جواد يحدثنا عن درابين بغداد وأيامها العباسية، وعرفنا منهج عمر الاقتصادي من المؤرخ المختص بالنظم الاقتصادية في الإسلام عبد العزيز الدوري وعرفنا عروبته من عروبة ناجي معروف. واستمعنا إليه يحاور الإمام علي على لسان الدكتور الوردي، وهو من عائلة شيعية تسكن حول ضريح الإمام موسى بن جعفر، لكنه يخترق محيطه خارجاً بعمر إلى رحابة إنسانية تتسع له ساخراً من المشعوذين، فيرد على كتابه وعاظ السلاطين ثمانية أدباء وفقهاء، خمسة منهم كانوا من رجال التشيع. وخرجت إلى بلدة فوق جزيرة على الفرات مدرسا في ثانوية حديثة، فصرت أحدثهم عن عمر، وهي مدينة لم تلتق بشيعي قبلي على ما أظن، لأن بعضهم كان يسأل عن الشيعة وكأنهم من أهل الأمازون.

وعند أهل حديثة تأكدت أن كتابات على الوردي تعيش في هذه المدينة النائمة على حضن الفرات، ويعيش عمر وعلي مثلما كان صالح الحديثي وكاتب السطور، فشغفت بعمر الذي تشرف ابني الثاني بحمل اسمه، وكان هادي العلوي يهديه النسخة الأولى من أي كتاب يصدر له ويلقبه بعمر الثالث.

وعند عمر ألتقي بشقيقي الذي طالت خلافاتنا منذ الطفولة حتى الكهولة، وكان مما يجمعنا في رأي واحد، انتهاؤنا من قراءة طه حسين، أو علي الوردي، وهما من المعجبين بالإمامين علي وعمر، ونحن هادي وأنا من المعجبين بهذين الباحثين الكبيرين.

وقبل وفاته بثلاث سنوات أسررت هادي بأني بدأت بوضع دراسة عنوانها (الفتوح السفيانية) حيث يجلس العليان أو العمران على صفحات البحث متقابلين باعتبارهما من ممثلي الخط المحمدي الأول، فبارك لي مشروعي هذا ولم أشأ طبعه ونشره لما يثيره عليَّ من صخب واحتجاج قد لا أكون قادراً على صده، فرأيت أن أتوسع بما يتصل منه بعمر وأمامي مشاهد يوم القيامة في العراق المحروق. ويدفعني إلى تدوين كتاب فيه وازع من حب الأمة واحترام التاريخ وتجميع الناس من بني قومي عرب الشيعة في مراكز الكتل الكبرى والانسجام معها كي لا يكونوا أقلية ملومة وصوتاً غير مسموع.

إن الموقف من الصحابة ومن عمر بالذات تتوقف عليه في عصر ثورة الاتصالات أمور لم تكن محسوبة قبل هذه الثورة، وسنواجه بتجريح الصحابة إشكالات اجتماعية حادة في مناخ يسمح بنشر أحكام التكفير والترويج لها في الفضائيات.

يدفعني إلى كتاب عن عمر حاجة الأمة إلى "حاد يحدوها لا يتعالى عليها ولا يجلدها وفي الوقت نفسه لا يتملقها أو ينافق حادٍ يحب قومه و"قبيلته"، ويريد لهم الخير والتقدم، لكنه لا يكره الغير ولا يحتقرهم "(*).

وإني لأرجو الله أن أكون في صف هذا الحادي الذي ينكر على بعضهم هجاء الأمة وتاريخها ولغتها وعقيدتها، ولا يرى في الأمة خيراً لا في قديمها ولا في حاضرها. يدفعني إلى عمر حاجة الأمة إلى شيء من بعض عمر.

 

 

 

البــاب الأول

  

l كونية عمـر

 

l البرية .. والدولة .. والرعية

 

 

 

 

فـي وضـح البـريّة

دِرّة الإبـل وقـانون الســماء

 
 

 

جاذبية المعروض التاريخي

بين منثور العناوين وتشابك الأفكار، وانفلات السيطرة على حركة الوجدان وفي لحظة الانسجام مع جاذبية المعروض التاريخي في شخصية عمر وسياسته، تترابط برية النشوء ونشوء الدولة بنشوء الضمان القانوني للبشرية الإسلامية، محكومة بمصير إيديولوجي وروحي واحد، يتصل في نهايته العليا بالإرادة الإلهية وفي نهايته الأرضية بالذراع المحمدية، وتحت ظلالهما وبوحيٍّ منهما تفسح النشأة البرية لعمر أن يسوح بنفس تتطلع إلى حرية الخلق المطلق، وتشكل الدولة الجديدة منّظماً قانونياً لجموح البرية في نفسه، فيتحقق قدر من التوازن في شخصيته وسلوكه بين الحرية والقانون، وبالمجانسة بينهما يتحقق الاستجمام للمخلوق البشري في هدفه السامي. نظن أن هذا المزيج أنجز عصراً عربياً، هو زيت العصور الإسلامية.

وفي الطريق إلى هذه الكونية يتدفق ذهن عمر وتُعتصر أذهان الصحابة لانتاج علاقات نموذجية بين السلطة والناس، وقبل ذلك بين السلطة وذاتها.  

وكان الإمام علي الشريك الأول، وليس المستشار الأول، في صياغة مشروع الدولة الناهضة وإدارتها، فيما منعت سياسة عمر، القائمة على التمثيل الموسّع للمجتمع الإسلامي الأول وتوزيع دقيق وذكي للمواقع الأساسية بما يشبه حكومات الوحدة الوطنية والجبهة الوطنية في أيامنا هذه، حصول توترات داخلية كالتي حصلت بعد رحيله المبكر، وقد ساعد على تجاوز ما لم يظهر من الإشكالات حق الاجتهاد في تدبير شؤون دولة ناشئة لم تقم على سابقة من النظم القديمة. وبانفتاح ثقافي على تجارب الشعوب، لم يجد رئيس الدولة الجديدة ما يمنعه من استعارة تجارب الأمم وتطويعها لصالح الإدارة الجديدة.


 

المكون البري

السماء فوقه ناعمة ممتدة إلى نهاية القدرة على النظر، والأرض تحته ناعمة منبسطة ممتدة إلى نهاية القدرة على البصر.

فإذا أخذته الرمال، وقد ضاعت الصوى شد حركة قدميه بمواقع النجوم، وأعاده السرى إلى ماء لبني عدي فيرتوي، ويرتوي القطيع الصغير الذي عهد الخطاب إلى صغيره رعيه ورعايته.

والأرض لا تستغني في مرابع الجزيرة عن السماء، وإلاّ ضاع القطيع، وانقطع السبيل ودخل الناس في التيه!.

أظنها ذاتها عناصر الجدلية في فكرة الوجود الإلهي عند العرب، الذي يهدي التائهين بضوء النجوم قبل أن يغمرهم نور الله.

فمن الصعوبة إذن، تنكر العربي في باديته للسماء، وصدوده عنها، فهل توصلنا إلى قاعدة لسنا حذرين في الإعلان عنها، وتقضي بصعوبة انتشار الإلحاد في الجزيرة العربية؟. وإن كان ذلك لا ينسينا برية الإنسان في الجزيرة وفهمه للمطلق، وحصره المطلق بالحرية والحركة والانتقال. والانطلاق بالقليل من الضوابط والأقل من القواعد القانونية العليا، فهو يؤمن بفكرة الله وينتفع بها،  ولا يؤمن بما يترتب عليها من ضوابط في مجتمع غير ممتثل إلا لحاجاته القبلية والمعيشية. وعمر بن الخطاب من هذه البيئة، وعليها ربا ونما، وربت سريرته ونما وعيه، فوق برية ليس فيها حواجز وتضاريس، فنشأ مخلوقاً سهل النفس، منبسط السريرة، بعيد النظر. ولم تكن الحياة خاضعة لسلطان يتزلف إليه. ولا ذهبت به طبيعة العيش إلى المداورة والمداجاة. فانكشفت سايكولوجيته عن وحدة لا ازدواج فيها،  مشرقة واضحة. وليس عنده لأحد حاجة. ومعه ضرع المعزى، وظهر الدابة، وشكيمة النفس فوق شكيمة المقادير.

لقد تعاشق عمر والبرية، بما لم يتوفر مثاله لرجال سينتمي لاحقاً إلى محيطهم.

فهو لا يشبه أبا بكر الذي تشايخ صبياً فثقلت حركة يديه ورجليه. وليس له مثله عشرةً سابقة مع محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المهموم بمصير البشر قبل اتصال الوحي وبعده.

ولم يكن كعثمان ابن المدينة وسليل الإمارة، المجرب العارف بحياة الشعوب وأنظمة الدول في تجارته مابين الجزيرة والحبشة وبلاد الشام.

ولا كان عمر كعلي بن أبي طالب، وارث النبالة الهاشمية في بيت قضت الإرادة الإلهية أن يقام فيه بيت النبوة. كان عمر في حي متواضع من أحياء قريش، ليس له تاريخ من الحروب، ولا أساطير يرددها الشعراء، ولا أطلال يمر عليها أصحاب المعلقات. لكنه خرج إلى ما وراء الخيمة بعيداً في عمق الحياة، وإلى ما وراء الديار المحصنة قريباً إلى الأسواق كاسباً  لا تاجراً، خابراً نوايا الناس، عاركاً دروبهم، فارتبطت برية الطفولة في ضنك العيش. عاش عمر بريته الجاهلية على فرس اجرد، وترك للطبيعة الحرة أن تطبع اتجاهاته نحو الحرية في مفهومها الجاهلي المطلق، قبل أن يتداركها في إطارها الإسلامي المنظم.

والبرية تنتج إنساناً طبيعياً، خلواً من شائبة المداراة صفواً من كدر النفاق.

ولم يكن يوم إسلامه آخر عهد له مع البرية. وسلوكه مع أخته وزوجها كان برياً خالصاً في لحظة إسلامه. فصرع ابن أخيه سعيد كما لو كان في حلبة عكاظ. وأدمى وجه أخته كما اعتاد في بريته. ثم عاد إلى صفاء النفس. وعادت رجولته البرية في هاتف من الضمير.

واستمر الرجل بعد إسلامه على برية واضحة في سلامة القصد وسهولة الحياة، ومزاجية شفيفة لا تثقل على الآخر وقع كلامه. وكانت من آثار البرية عليه معترضاته الشهيرة التي في أعلى مراحلها موقفه من نص في صلح الحديبية.

وكان عمر بري الحياة، وهو رئيس أكبر دولة في الشرق القديم، في هزئه بالترف، وافتراشه الأرض، وزهد عيشه، وبساطة لباسه. وفي مهابة التباسط بعض منعكسات حياته البرية الأولى.

ولا أجد تفسيراً لعلاقة عمر بالبّرية دون غيره من الخلفاء سوى الدرة من صلة مع بريته الأولى يوم كان مسؤولاً عن رعي إبل وأغنام، وقد تحول إلى مسؤول عن رعية، محتفظاً بدور الراعي وهو يردد: لو أن جدياً مات بطفّ الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر. وقيل في الرواية صيغة: لو أن عناقاً "أنثى المعزى" أخذت لأخذ بها عمر.

ويلاحق بعيراً ندّ "أي هرب" من إبل الصدقة وهو على قتب يعدو، ويسأله الإمام علي ولمّا عرف سره، قال لقد اذللت الخلفاء من بعدك. وكان متيسراً لعمر أن يكلف أحداً غيره بالبحث عن ذلك البعير، لكنها مسؤولية الراعي وحده، وحيداً في البرية، وكأن الحياة لم تتغير، ولم يكن عمر ساعتها أميراً يحكم أعظم دولة ناشئة في الشرق. فلعل في قولنا هذا ماتلين له قلوب بعض الكتاب في العلمانية ومن أهل القطيعة، المتسائلين باستهجان: عن سبب ملاحقة عمر بنفسه لكثير من القضايا الصغيرة، وتحت سلطته ملايين الاتباع. وعدّوا ذلك من الغلو والمبالغة في تعظيم عمر.

وفي ظننا أن الأستاذ عباس محمود العقاد لم يرسم شخصية عمر بدقة في منهج استقراه واستقاه من حياة الجندية.

إن عمر ليس نتاج مكوّن وحيد، وإذا كانت البرية من بعض صغرى مكوناته. فلم تكن جندية العقاد ذات صلة بتلك الشخصية.

إن البرية، ولا بأس أن يحدد مصطلحها العلمي الحديث، أي الطبيعة، تعطي إحساساً فطرياًً بالولادة الحرة لإرادة الكائن البشري محضونها الأكرم المتجول في جغرافيا اللامحدود، وتحت سيادة شبه مطلقة لمطلق الحرية، على حساب القانون الذي يتنحى في البرية إلى المراتب الدنيا، أعرافاً وتقاليد، لا تؤسس قواعد قانونية عامة. وما هو قانوني في العرف القبلي قد لا يكون كذلك في مفهوم دستوري واسع، والطبيعة سعة إلى ما وراء الممكن للحرية، وضيق إلى حد قطع النفس في المساحات المخصصة للقانون.

وفيما يقترب من الحاجة المادية في التطور البشري لقانون ينظم الحياة وعلاقات الإنسان مع بعضهم ومع الكائنات العليا، كان ظهور الإسلام في الجزيرة العربية استجابة متوقعة لتحقيق التوازن بين الحرية والقانون.

إن شخصية الصحابي إلى ما بعد عصر الصحابة بقليل يتعاون على تشكيلها وصياغتها عنصرا الطبيعة والإسلام، أي الحرية والقانون وإذا كان البشر مختلفين في الاستعداد الذهني والنفسي للانجذاب نحو أحد هذين القطبين، فإن النفوس المقدر لها النهوض بأدوار في التأسيس الحضاري ستنزع نحو القانون بجدية قد تثير حفيظة المستقرات الطبيعية في المجتمعات البرية.

إن عمر بن الخطاب شاخص مادي وروحي لاجتماع الحرية والقانون. ولكون القانون طارفاً أو ناشئاً في تلك المجتمعات، ولميل عمر نحو إلزامية القانون، كانت ولايته صعبة وثقيلة على قطاع من المتمرسين على الحياة بالقليل من القانون.

وكان القانون في شخصيته يتكلم بأطراف الدرّة في قضايا المخالفات العابرة والصغيرة ويأخذ مداه في مؤسسة القضاء، التي كتبت المقادير أن تنتعش بمستخرجات هذا البري النادر.

إن درة عمر، وسيأتي حديث عنها، تشبه الإشارات الضوئية في أيامنا في تنبيه المارة إلى حق الحركة والتوقف،  فكانت بداية بسيطة لعصر سيدخل المجتمع العربي فيه إلى عالم القضاء الإسلامي المتشابك في عروق الاحتمالات والإشكالات ومزدحم الحلول المطروحة في مذاهب الفقه.

ودرة عمر الأجلى تعبيراً عن مشترك الذاكرة البرية وقانون المدينة.

فتى عكـاظ

التقى رجل راعياً،ً فقال له: أشعرت أن ذلك الأعسر أسلم؟.

فقال الراعي: إنه الذي كان يصارع في سوق عكاظ. فلما أجابه الرجل أنه هو ذاك. قال الراعي: أما والله ليوسعهم خيراً أو شراً.

وسبب شهرته في المصارعة، أن له طريقة خاصة في منازلته الخصم على الحلبة. فيتركه زمناً يحاوره ويحتال لصرعه وهو منه في موقف المدافع لا يبذل من الجهد، ما يبذله خصمه، فإذا شعر أن صاحبه قد هاضه ونال منه الجهد انقض عليه فركب أكتافه وألقاه على الأرض صريعاً، وهو الأسلوب الذي يستخدمه الملاكم العالمي محمد علي كلاي ذاته. فيتوجه عمر وسط ترحيب المراهنين عليه وكثرة منهم من النساء إلى إحدى الخمارات حيث الجميلات يتهنّ دلالاً وعمر يشرب بالكبير وهو الكاسب الرهان، ويشرب غيره بالصغير، وكان له شاربان مفتولان من نهايتهما إلى الأعلى على الطريقة التقليدية للرجل الدرزي. وقد اعتاد عمر أن ينفخ ويفتل شاربه قبل نزول الحلبة، وهو يقول: لست للخطاب إن لم أصرعه لأول مالقاه.

كما عرف في مسابقات الخيل، وكانت له شهرة في المصارعة. وكان لسان حاله يقول ماقاله أبو نؤاس بعد أن تاب فصام وصلى.

وأسمت سرح اللهو حيث أساموا

 

 

ولقد نهزت مـع الغواة بدلوهـم

 

فـإذا عصـارة كـلِّ ذاك أثـامُ

 

 

وبـلغت مابلـغ أمـرؤ بشـبابه

 

قامته تربو على مترين

 يوصف عمر بن الخطاب بانه ضخم جسيم، مديد القامة، تعلو هامته هامات الجمع كلها. فإذا كانت أعلى قامة في المعدل تزيد على المائة والتسعين سنتيمتراً في قياساتنا فإن هامة تعلو هامات الجمع كلها ستربو على المترين إلاّ قليلاً. وسيكون تقدير وزنه، مابين مائة وعشرة كيلوغرامات الى مائة وخمسة وعشرين تقريباً وهذا ظن لانقطع به.

يروى أن الناس جمعوا في مكة على صعيد واحد، فإذا رجل قد علاهم جميعاً فكان هو عمر بن الخطاب، وفي رواية لابن سعد في الطبقات أنه علاهم بثلاثة اذرع! وهذا من المبالغة غير المعقولة.

يقول محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق عمر:" لقد بلغ من إكبار المؤرخين لسيرته أن أضافوا أموراً أدنى إلى المعجزات التي خصّ بها الانبياء، وإن ذكروا ما لا يستطيع المؤرخ اثباته،  وعمر في غير حاجة الى شيء من ذلك يضاف الى سيرته، ولو أن المؤرخين الأقدمين لم يضيفوا هذه الخوارق إلى عمر لأغنوا من جاء بعدهم عن بذل الجهد في تمحيصها ولجنّبوهم الاختلاف على مبلغ صحتها. ولما طفف ذلك من قدر عمر.

هل وأد ابنته؟

أصحيح أنه وأد ابنته على طريقة بعض قبائل العرب في بعض أماكنهم  والمجهول من أزمانهم..؟.

لعلها فرية كبرى أراد بها أتباعه ومحبوه أن يبرهنوا على ما أحدثه فيه الإسلام  من انعطاف وما كان هو عليه في جاهليته من جهل وقسوة تكون ذروتها أن  يدفن الأب ابنته حيّة وكأنها ظاهرة يومية وعرف لا تحيد عنه، فيما يروى أن عمه عمرو بن نفيل كان بسبب إحساسه الإنساني ونبذه لتلك العادة التي فرضت أخبارها علينا يدفع ثمن من يراد وأدها فيتبناها أو أن يترك لأهلها مالاً يعيلون به الموؤدة.

فلماذا لم يدفع لابن أخيه جملاً أو جملين ثمناً لشراء ابنته لتبقى حية؟ إذا كان عمر لا يجد في قبيلته من يعيل طفلة؟ كما يقول العقاد.

 ولماذا لم يئد ابنته حفصة التي ولدت قبل البعثة النبوية، وهل عرف عن بني عدي أنهم يئدون بناتهم، أم أن المعروف والسائد في الروايات أن زعماءهم كانوا على سُنة عمرو بن نَفَيل.؟

عندما أمرُّ على هذه الرواية أتذكر المرحوم حندش ابن عمة والدتي محمد بن محمود وهو دليمي من قرية الكرابلة  هذه التي صارت اسماً يتداوله صحافيو العالم لرفضها الوجود الأمريكي، أقول أتذكر حندش بطيبته وفطرته ونقائه يبارك لصديقه الحاج مهدي عودته من أداء فريضة الحج قائلاً بين حشد من أهل الكرادة: سبحان الله سبحان الله، كيف يتغير الإنسان بالحج وماذا يفعل الإيمان، أتذكر يا حاج مهدي قبل ثلاثة شهور كيف كنت تسرق الدجاج من بيت جوري؟؟.

إن المؤرخين الذين يتحدثون عن وأد عمر لابنته، لا يختلفون عن رأي حندش بالحجي مهدي. 

إن التشهير بعمر الجاهلي، لا يخدم عمر الإسلامي، وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام.

أما حياة عمر بأسلوب الحياة الجاهلية، فهو لا ينتقص منه مثلما لا ينتقص من أي صحابي قادم إلى الإسلام من العصر الجاهلي.

البرية أم الجندية

يقول عباس محمود العقاد في عبقريته:

" إن طبيعة الجندي في صفتها المثلى، هي أصدق مفتاح للشخصية العمرية في أهم الخصائص التي تجتمع لطبيعة الجندي في صفتها المثلى، كالشجاعة والحزم والصرامة والخشونة والغيرة على الشرف والنجدة والنخوة والنظام والطاعة وتقدير الواجب والإيمان بالحق وحب الانجاز في حدود التبعات أو المسؤوليات.

هذه الخصائص تتجمع في ألوف السنين من تجارب الأمم في تعبئة الجيوش، حتى عرف الناس أخيراً أنها لازمة للجندي في أمثل حالاته، وكل هذه الخصائص عمرية لا شك فيها. وعمر وحده واضح بين أمثاله في جميع هذه الخصائص ".

ونقول: إن هذا التشخيص لا يتسق مع ما عرف عن موسوعية العقاد وتنوع أدواته في التحليل العلمي، فيدور بعمر حول فرضية جعلها مفتاحاً لشخصه، وهي لا تشكل في مراتبها العليا سوى سلك دقيق غير مشع في الشخصية العمرية المنسوجة بما يصعب إحصاؤه من خيوط الحرير الناعمة والصوف الخشنة والكتانية المتينة.

شخصية مركبة في نسيج مركب ومنشور بألوان البرّية والعقيدة والحياة والمزاج والضرورة والطموح والاستجابة والتحدي والتطبيقات المفتوحة للنصوص وإبداع ما اعتبر في ما بعد نصوصاً سارت عليها الأمم والشعوب الإسلامية، مما لا يصح اختزاله بوضع الإبهام والخنصر على رأس خيط منها ليكون ذلك مفتاحاً لشخصية عمر.

والعقاد شاعر كبير وناقد لا غيره يفهم شخصية الشاعر. لكنه ابن مدينة القاهرة لم يخرج إلى البرية ليرى عمر هناك يرعى إبلاً للخطاب، وينشأ على يومياتها وخلائقها. وأعجب منه أنه لم يكتشف في عمر شخصية الشاعر، ليس بمعناها السائب، بل بإحساسه وقدرته على الالتقاط ورهافته. شاعر له عشق الحرية والعدل والناس. فأي جندي هذا الذي يشبه عمر وإن كان المقصود من جندية العقاد الفروسية بمعناها الواسع؟.

يبدو تحليل العقاد من البساطة في هذه النقطة، وليس في غيرها، وكأنه يدخل في صالة النادي العسكري ويتطلع إلى لائحة التعليمات المعلقة عن أخلاق الجندي وشروطه، فيمليها فقرة بعد أخرى بتسلسل يبدأ من الشجاعة والشهامة واللياقة البدنية وطريقة المشية العسكرية شديدة الوطأة على الأرض، وتنتهي بالطاعة وحسن أدائه للواجب.

إن واقع عمر والمرويات عنه وخطوط شخصيته لا تؤشر على كثير من شروط النادي العسكري. فهو يكره الوطأ الشديد على الأرض خشية أن يكون المشي مرحاً وقد تعرض لعمرو بن العاص لما رآه يمشي مشية الضباط فخفقه بالدرة، لكنه يمشي سريعاً لأنه أروح القدمين، وهذه حالة طبية معروفة لسكان البادية. من جانب آخر، لسنا نعرف أن العسكريين في العالم إلاّ أقلية تحتفظ بما تصفهم لوائح الثكنات العسكرية، نخوة ونجدة وشهامة.

إن مزاجية عمر القائمة على الحيوية والانفتاح، تتعارض وجمودية العسكري وبواعث الإبداع في المرويات عنه، وتتعارض مع إلزامية ترسم حياة الجندي وعقله، وتضعه على سكة إن مال عنها سقط على الأرض، وليس كالجندية حقل تتكرر فيه المشاهد الرتيبة والكلمات والحركات.

من الثابت والبديهي أن صاحبنا على سكة صاحبيه، لا يحيد عنها  لكنه قد يتزود من وقود شخصي وطاقة ذاتية، ليستمر على مواصلة سيره، وقد يفتح للسكة فروعاً عندما تصل به إلى حافة مغلقة. وإذا ما منع عمر مشية الخيلاء، فقد جلد رجلاً أقبل مرخياً يديه طارحاً رجليه يتبختر، بعد أن عجز عن ترويض مشيته بصورة طبيعية، فكأنه رأى فيه ميوعة الأنثى!.

أغلب الظن أن العقاد، وقد استمالته الجندية فالبسها قميصاً لعمر سمع قول الشّفاء بنت عبد الله:

إنه كان إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقاً. والعقاد الأديب والشاعر عانى ويعاني مما تفعله القافية، وما يفعله السجع وضروراته، فيملي على الساجع مفرداته ليستقيم الصوت الواحد، وإن جنح به المعنى على غير قصده.

صحيح أن عمر كان إذا تكلم أسمع، وكانت لقريش قبل الإسلام مؤسسة خاصة تشرف على كلام الحجاج، فلا تترك أحدهم يعلو الضجيع، وهي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وتدعى عمارة المسجد، ولم تكن العرب تهمس في الكلام، بما لا يسمع لأنه من فعل النساء أو من فعل الوسواس الخناس.

أما أن يكون عمر إذا ضرب أوجع، فهو غير صحيح، إلا إذا كان الضرب أقامة لحد، وهو متروك لغيره عادة. أما أن تقصد الشفاء درة عمر فلم تكن توجع، ولهذا عرفت في استخدامها جملة (علاهم بالدرة) أو (خفقهم).

ولم تستخدم الدرة للإيذاء والايجاع أو للعقوبات، بل كانت عصا الإشارة والتنبيه فلم يضق بها كبار الصحابة الذين علاهم بها.

ولو استمر سجع الشفاء بنت عبد الله لقالت مثل ما نقول اليوم، وإذا أكل شبع، يوم لم يكن عمر يصل حدّ الشبع في وجبة زهيدة.

أسلم على طريقته البرية: بالصوت أم بصدمة الصوت

يقول العقاد: وقد تعددت الروايات في إسلام عمر واختلف بعض هذه الروايات في اللفظ واتفق في المغزى، وجعل أناس ينظرون فيها، كأنما الصحيح منها لا يكون إلا رواية واحدة وسائرها باطل لا يشتمل على حقيقة، فلم لا تكون صحاحاً كلها؟. ولم لا تكون أسباباً متعددات في أوقات مختلفات؟. فمن المستطاع المعقول أن نسقط منها قليلاً من الحشو هنا وهناك ثم نخلص منها إلى جملة أسباب لا تعارض بينها في الجوهر، وقد يعزز بعضها بعضاً في نسق السيرة وفي لباب النتيجة.

الرواية الأولى:

روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش. فخرجت أريد جلسائي أولئك فلم أجد منهم أحدا. فقلت: لو أنني جئت فلانا الخمار!. وخرجت فجئته فلم أجده. قلت: لو أنني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين!. فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام واتخذ مكانه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليماني، فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، وقام بنفسي أنني لو دنوت أسمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها ما بيني وما بينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام).

وبتنجيم سيرته واستقراء قراراته وانعطافاته، وما يروى عنه نتوقف عند لحظة يتوقف فيها عمر أو يتحرك منها، وهو في هذه وتلك يخضع إلى ما نسميه بنظرية الصدمة.

إن إسلام عمر يقترن في الروايتين المختلفتين باستماعه إلى الصوت القرآني مثلما هي حالة الكثير ممن أسلموا تحت التأثير البلاغي والروحي لهذا الصوت.

 في الرواية الأولى دخل عمر إلى الكعبة مختفياً وراء ثيابها والنبي يقرأ القرآن فاستهواه ذلك فأعلن إسلامه. لا نرجح هذه الرواية لافتقارها إلى عنصر الصدمة.

إن عمر من مثقفي الجاهلية وهو واحد من (17) رجلاً كان يكتب ويقرأ وهو المعروف بمناقضة الإسلام ومناضلة القرآن، فهل يعقل أن لا يكون سمع القرآن في ست سنوات خلت ولم يرقّ له قلبه فيبكي ويسلم؟.

الرواية الثانية:

وروى ابن اسحق في سبب إسلامه: (أن عمر خرج يوما متوشحاً بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم. فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟. فقال: أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله. فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر!.أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟. أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟. قال: وأي أهل بيتي؟. قال: أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه.. فعليك بهما..

قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وعندهما خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟. قالا له: ما سمعت شيئاً!. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها..

فلما فعل ذلك قالت له أخته: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى، وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد.. وقرأ سورة طه، فلما قرأ منها صدراً  قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، لما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: ياعمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطاب، فالله الله ياعمر!. فقال له عند ذلك عمر: دلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، وقام رجل من أصحاب رسول الله فنظر من خلل الباب فرآه متوشحاً بالسيف، فرجع إلى رسول الله وهو فزع، فقال: يارسول الله!. هذا عمر بن الخطاب متوشحاً السيف، فقال حمزة بن عبد المطلب: تأذن له، فإن كان يريد خيراً بذلناه له، وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه!. فقال رسول الله: ائذن له. ونهض إليه حتى لقيه بالحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟.  فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يارسول الله!. جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله!..

هاتان الروايتان هما أجمع الروايات للأسباب (المباشرة) التي قربت بين عمر والإسلام. وتتفرع منهما روايات منوعة يزيد بعضها تارة أن عمر قد أوفد لقتل النبي من قبل قريش، ويزيد بعضها تارة أخرى آيات من القرآن الكريم قرأها عمر في بيت أخته غير الآيات التي تقدمت الإشارة إليها في سورة طه. وأشبهها بالتصديق أنه لما أطلع على الصحيفة قرأ فيها اسم " الرحمن الرحيم " فذعر وألقاها. ثم رجع إلى نفسه فتناولها وجعل كلما مرَّ باسم من أسماء الله ذعر. فلما بلغ ".. ومالكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم أن كنتم مؤمنين.." قال: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وهذه على اختلافها روايات متقاربة يبدو لنا أنها قصة واحدة.

إذا كان ذلك صحيحاً، فما الذي كان يستفزه في كتاب لم يسمع منه آية واحدة، فإذا استبعدنا الرواية الأولى، فالثانية التي أوردها ابن إسحاق تنتهي هي الأخرى باعلان عمر إسلامه لحظة قراءته الآيات الأولى من سورة طه.

مناقشة الرواية

يبدو منهج العقاد هنا وكأنه يستخدم مهاراته الأدبية وآليات الجدل الصوري ومحاورات المناطقة للتوفيق بين المتعارضات وجمع النقيضين وجعلهما واحداً مع اختلاف الرواية. ولعله يتحاشى الوقوع في منزلق الشكوك الخاصة بمصداقية رواة ثقاة. أما منهجنا في فحص الروايات فيعتمد على استيعاب الموحيات النفسية التي نتذوق بها الخبر العمري.

إذعاناً لنصيحة الأستاذ العقاد نسقط الحشو في هذه الرواية بمناقشتها أولاً على ضوء التحليل النفسي لشخصية عمر ونظرية الصدمة وملائمة الرواية للواقع الاجتماعي آنذاك.

1- لا نظن أن عمر خرج ليقتل النبي. إذ كيف سيتمكن من ذلك وهو يتوجه إليه والنبي في بيت محاط بفرسان الصحابة أمثال الحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعدد كبير منهم.

2- لا نعتقد أن نصيحة نعيم بن عبد الله وتهديد عمر بما سيفعله بنو عبد مناف به في حال قتله للنبي قد غيّر فيه لأن ذلك سيعزز من عزيمة عمر المعروف بعنفوانه وإقدامه.

إن قارئ عمر وعارف سايكولوجيته سيرفض رواية يبدو فيها عمر وكأنه شخصية مهزوزة يثني إرادته تخويف عابر سبيل، فكيف والأمر يتعلق بمسألة على مستوى اغتيال النبي محمد؟.

المرجح هو أن عمر كان في زيارة روتينية لشقيقته فاطمة وزوجها سعيد ابن عمها وفي بيت فاطمة واجه عمر عدداً من الصدمات المتلاحقة.

الصدمة الأولى: سماعه هينمة أو صوتاً خافتاً.

الصدمة الثانية: وجود الصحابي الخباب بن الأرت.

الصدمة الثالثة: إحساسه السريع بأنهما قد أسلما. أي أن الإسلام أصبح في عقر داره. ومن أسلمت هي أخته وابن عمه، فأين هو مقام عمر ومكانه في العائلة؟. الصدمة، أن تصبح أخته وابن عمه وهما عدويان من قريش تلميذين بإمرة ألقين مولى أم انمار بنت سباع الخزاعية الذي أهداه والدها إليها.

إن الخباب في تلك اللحظة لم يكن بالنسبة لعمر العضو السادس في أول خلية إسلامية شكلها أبو بكر، وإنما هو عبد لسباع بن عبد العزى.

الصدمة الرابعة: أنه أهان ابن عمه سعيد أمام زوجته، وأهان أخته أمام هذا المولى الغريب.

وعليك أن تقترب من وجدان عمر ومنظومته القيمية ليرتسم أمامك حجم ردّ فعله، وهو الخاضع دائماً للشعور بالإثم وعتاب الضمير لأعمال هي أقل مما حدث له في بيت أخته. فإذا نهض نهضت من لاوعيه احتجاجات ضاربة وصراعات متضاربة، فماذا كان عليه أن يفعل؟.

لقد أستفرغ شحنة الغضب بوطأه ابن عمه على الأرض، ونفحه أخته في وجهها فبدا يستعيد توازنه، فيأخذ الصحيفة ويقرأ ثم يصاب بالذعر، ويتوقف بعد ذكر البسملة قبل أن يستعيد عزمه لقراءة الآيات الأولى من سورة طه.

في ظننا أنه أسلم عند قراءة البسملة وإذا كان اسم الله معروفاً، وليس له ذلك الوقع فإن (الرحمن الرحيم) استلت من عمر جبروت القسوة، وكأنها علاج عاجل لأزمة الشعور بالذنب فانحلت عنده عقدة وانزاح عن صدره تأنيب الضمير، فهو الآن في بطن الرحمة والرحمة في بطنه تحت ظلال الرحمن الذي تنتشر رحمته على وجه فاطمة المدمي وظهر سعيد المعفر بالتراب وامتعاض الشاهد.

فعسى أن يغفر الله لنا إن نحن استبعدنا جملة قيلت حقاً في حوار عمر مع أخته طالما أن إنكار بعض فقرات الحوار يبقى ملحاً على أصابع الكتابة. ننكر أن تجرأ أخت لعمر صفعه بكلمات مثل إنك نجس أو إننا أسلمنا رغماً عن انفك، لأن مثل هذا الكلام لايصدر لا عن فتاة جاهلية شقيقها عمر بن الخطاب، ولا عن سيدة مسلمة نبيها بعث بمكارم الأخلاق، ولا نكاد نصدق أن عمر استجاب لها كالطفل فغسل يديه وتوضأ قبل أن يمسك بالصحيفة، وهو بعد لما ينطق بالشهادة، ولم يكن الإيمان قد ملأ قلبه ولم يكن الرجل من صنف الذين يستجيبون لأوامر امرأة، وكأنه طفل بين يديها.

لكن الرواية أرادت أن تمنح شقيقة عمر هذا الامتياز الإسلامي.

أجل، لقد أسلم عمر بالصوت القرآني عندما أحدثت البسملة فيه تلك الصدمة.

رقم اسلامه 67 :

المشهور أن عمر بن الخطاب اسلم بعد 45 رجلاً وإحدى وعشرين امرأة فيكون رقمه في اللائحة الأولى للمسلمين 67.

وقيل: إنه أسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة، وكانوا تسعين بين رجل وامرأة، فيكون رقم عمر في تلك اللائحة يتجاوز المائة.

وفي رواية أقرب إلى مزاجه وواقع حياته، وتسند إلى عمر نفسه أنه كان يقول: كنت للإسلام مباعداً وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها واشربها وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم فلم أجد فيه منهم أحداً، فقلت لو أني جئت فلاناً الخمار وكان بمكة يبيع الخمر، فخرجت إليه فلم أجده.. وبقية الرواية تنتهي بالكعبة ولقائه بالنبي وإسلامه.

لاتتعارض هذه الرواية مع قولنا بإسلامه بالصدمة وبالهاتف الوجداني، بل هي تؤكد أمرين: الأول أن بيئة عمر "الخاصة" ومحيط صداقاته صار للانحسار حد شعوره بالوحدة والغربة وهم ذهبوا إلى الدين الجديد. والثاني أن هذه الحالة لا تكون وعدد من أسلم هو 45 رجلاً لم يكن معظمهم من رواد ذلك الوسط وهم معروفون بانتماءاتهم الاجتماعية، فيكون رقمه في الإسلام تجاوز المائة كثيراً، وإن كان حب المؤرخين له يجعلهم يختزلون في زمنه الجاهلي لصالح زمنه الإسلامي، فيستعجلون عليه بأرقام متقدمة لاينتقص من دوره طولها، ولايطيل في قامته قصرها. فحيث تقفر  الحانات والمحلات ويهجر الخمار حانته فمعنى ذلك أن غالبية المجتمع قد أسلم. ومجتمع مكة لم يكن يتكون من 45 رجلاً وإحدى وعشرين امرأة ولا من تسعين هاجروا إلى الحبشة، فإذا أسلموا وهاجروا أقفرت مكة من أهلها!.

إن رقم عمر في لائحة المسلمين قد يرتفع إلى ضعف أعلى رقم حدده المؤرخون لو أخذنا بروايته. وعمر فيها كما كان في غيرها صادقاً مع نفسه واضحاً مع الناس، فصدقت مروياته ووضحت ملامحه.

 

 

 

دولة الـمشروع الـمحمدي

التجانس بعـدالـة التوازن


 

عبقري السقيفة:

ليس من شأن هذا الكتاب الولوج في بطون العقائد،ولا الاقتراب من هوامشها وحواشيها، وليس في منهجنا الوقوف بين مشتجر الخلاف وسطاً، ولا نذهب إلى سوق الاشتجار براية الهلال الأحمر.

وكقارئ يفزعني ما تقع عليه عيني من محاولات التوفيق التي تصفق لها الصالة، وتبتسم لها المنصة، حتى إذا انفرط الجمع وولوا الدبر، عاد أي منهم إلى كهفه القديم.

ولا نخرج في هذا الكتاب عن أفكار تضمنتها كتبنا المطبوعة، لا سيما الشيعة والدولة القومية، الذي لم نتعرض فيه لخلاف المذاهب وتفضيل مذهب على آخر أو الترويج لمذهب ضد آخر. فمثل هذا الحقل سيكون خاصاً بالمشتغلين في العلوم الدينية والفقهية. ونحن نشتغل بعلوم الفكر العام والسياسة العامة. فإذا اهتزت مشاعرنا لرأي أو لموقف أو لإجراء، فلأن في ذلك قرباً عاطفياً أو إنسانيا أو اجتماعياً لما نبغيه وليس لطابعه المذهبي الخاص.

وبهذا المنظور ندخل سقيفة بني ساعدة التي لم يكن للنص الديني رأي فيها. فقد كانت من اجتهاد الصحابي سعد بن عبادة وجمع من الأنصار.

والسقيفة سقف ليس تحته نوافذ. مشرع لرياح الجنوب والشمال. وزمان محتقن مأزوم في يوم قد ينقطع عن يوم قبله، أو يتصل بيومه السابق، فتمتد السلسلة الزمنية والروحية للمشروع الإسلامي إلى حيث نحن الآن في اليوم الأول من الشهر الأول للعام الهجري السابع والعشرين بعد الاربعمئة والألف.

عرب مسلمون ومسلمون عجم نختلف في الاختلاف، ونتفق في الاتفاق، وننشق بأنفسنا فرقاً وطوائف، لكن مشروع ابن آمنة آمن متماسك، واحده الله ونبيه محمد والشهادة قائمة والصلاة قائمة.

إن دور عمر في المكان المفتوح منحه دوراً مفتوحاً في زمان دائم. أنجبته تلك اللحظة الحضارية التي أغرب ما فيها وما في ذلك المكان غياب المقدس عنها. فلم ينص عليها في قرآن، ولم يشر إليها في حديث شريف. ولم يكن لعمر دور في تأسيس ذلك المكان الذي قدح فكرة خاطفة لصحابي من الأنصار، فأجتمع إلى جمع من قومه مدفوعاً بالنية الطيبة وبإحساس استراتيجي وشعور بالمسؤولية في وقت قضى الله فيه أمره، وتوفي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسيحدث فراغ في  إدارة المشروع المحمدي إن تركت الأمور على غاربها. فكانت دعوة الأنصاري سعد بن عبادة إلى اجتماع السقيفة، هي اللبنة الأولى لاستمرار المشروع المحمدي في غياب صاحبه. ثم جاء دور عمر بن الخطاب ليختطف اللحظة ويحدد أطار المؤسسة الجديدة ورجالها الذين سيتحملون المسؤولية.

وقد ضرب عمر ضربته وكأن لم يقل قائلنا اليوم إلا فيه وعنه.

فتى خبط الدنى والناس طراً                      وآلى أن يكونهما فكانا

لم يكن الوحي حاضراً في غياب الرسول. وليس للقرآن رأي في السقيفة، فهي فكرة بشرية خالصة، وقرار سياسي ورغبة جماعة من الصحابة صيرها عمر بما أوتي له من حيوية قريش ومهارتها في تصريف الأزمات حدثاً لايزال الرجل يواجه المعترضين عليه!.  فبدا مُجيل اللحظة، وقابض الزمن برغبة ليس لها سقف، لجعل يوم السقيفة هو اليوم الأول والأخير لفراغ السلطة، فيتقدم اليوم التالي متصلاً باليوم السابق حين كان للمشروع صاحبه منذ أربع وعشرين ساعة. ولم يحدث الفراغ، ولا حتى الفجوة ولم تترك فرصة لأسباب الخلاف أن تتنفس في حينها لكنها ظلت تلاحق تاريخ عمر وتاريخ الإسلام، فتصير السقيفة مكان الكيد عند فئة، ومكان الفتح عند باقي المسلمين.

إن السقيفة كانت المكان الذي غاب عنه المقدس، فكان بداية الزمان لحياتنا المقدسة بعد أربعة عشر قرناً. وكان عمر قامع الفرقة في ذلك اليوم وحَقَّ له أن يحظى بلقب قفل الأمة.

حركة عمر في السقيفة أنجبت حركة حضارية لأمة كانت تتشكل على الأرض، فصارت حركة خلاف مذهبي يتصاعد مع التصاعد الحضاري للأمة، ومشكلة دينية تقوم على رفضها عقائد وعلى احترامها عقائد. وبالاحتكام إلى المعايير السياسية في نشوء الدول والحضارات، تصبح السقيفة بأعمدتها الأربعة التي أنجبت أربعة خلفاء لم يتكرروا في التاريخ.  قراراً وليس مؤتمراً بأن لا تموت الدولة الناشئة بموت مؤسسها.

الحذر من شبح القيصرية

 لم يخطط عمر لمفهوم دولة كبرى بالامتداد الذي وصلت إليه. وهي تنساح إلى أبعد مما كان في ذهنه. وحتى الوطن العربي، كان في تصوره لايمتد الى ماوراء الحدود الفلسطينية المصرية عند معبر رفح الحالي، والذي تجاوزه عمرو بن العاص، وهو يشاغل مبعوث عمر إليه، حتى يدخل إلى الأراضي المصرية فيفتح كتاب الخليفة وعند ابن العاص إحساس ومعرفة سابقة بعدم رغبة عمر في توسع الفتوحات والعبور إلى مصر، فلم يفتح الكتاب إلاّ بعد تأكده من اجتياز الحدود، فأبلغ الخليفة أن جيش الفتح في الأراضي المصرية ووضعه أمام الأمر الواقع ووضع نفسه تحت مراقبته المستمرة وملامة مكاتيبه ومبعوثيه. أما عبد الله بن أبي سرح، فكانت قواته تمرح في سهول ليبيا.

وعلى جبهة البصرة، كان عمر يرغب بعدم ذهاب قواته إلى ما بعد الاحواز (عربستان الحالية) متمنياً جبلاً من نار يفصله عن بلاد فارس، فلا يقاتلهم ولا يقاتلونه، لكن قادة الفتوح تحملوا مسؤولية إقناعه بالتوغل في بلاد فارس وملاحقة مراكز القيادة الكسروية المتنقلة والمستقرة آنئذٍ في خراسان، وتبنى الأحنف بن قيس هذه المسؤولية في الدبلوماسية مع عمر والعسكرية في الانطلاق إلى خراسان بعد أن اقتنع عمر بأن وجود كسرى في جوارهم سيثير الكثير من المتاعب وقد انتقضت مدن كثيرة في بلاد فارس فأعاد عمر فتحها ثانية. وفي ظننا أن شبح الكسروية والقيصرية والخوف من الوقوع في نموذجها، هو الذي كان يحدد رغبة عمر في الوقوف عند مشارف ماكان يعتبره وطناً عربياً ولا يتجاوزه.

وكان القليل من الخروقات القيصرية والكسروية يدفع الدولة الراشدة للتفكير ببناء مؤسسات وتقاليد، واستخدام مهارات ليس للجزيرة العربية عهد بها. وكان بعض قادة الفتوح يتحركون في فسحة قيصرية، محدودة لكنها مفيدة، وناجحة، فضلاً عن أمثلة الانسياح إلى أبعد من المشارف القصوى لحركة الفتوح عند عمر.

 كانت الدبلوماسية تجرب أولى نشاطاتها في وفد يبعثه الخليفة إلى سعد بن أبي وقاص في طريقه لمناظرة كسرى يزدجرد، فيضيف سعد إليه آخرين أختيروا بمواصفات دولة قيصرية وكسروية تأخذ بالقيافة واحجام الطول وعرض المناكب، وسعة التجربة. وملاحظة انحدار المبعوث من أسر ذات تقاليد "ارستقراطية " بمصطلح يومنا، وكان ذلك من بعض أسباب نجاح الوفد في كسب المناظرة.

كان عمر يأخذ بمبدأ الضرورة فيلتقط برامج وآليات العمل الإداري من دولتي كسرى وقيصر، فيستحدث مكاتب الديوان والسجلات وتأرخة الأحداث بعام هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد مناقشة مستفيضة انتهت بترجيح مقترح الإمام علي.

إن النبي محمد (ص) أنكر في الكسروية والقيصرية، زخارفها البيروقراطية وترفها السلطاني وأموراً دينية، وسياسية، لكن ذلك النقد لم يستهدف رفض تجربتها التكنوقراطية وتطور أساليب الإدارة. وتوزيع العمل وتوثيق السجلات. وتنظيم وسائل الاتصال في البعوث الدبلوماسية، ومؤسسات البريد.

وكان عمر يجرب أولى محاولات الاستفادة من ذلك أو بعض ذلك، فاستطاعت الدولة الراشدة مع حذرها البالغ، من اختراق هذا الشبح الذي كان من الأسباب التي عرقلت نمو مؤسسات الدولة الراشدة بما لم يجعلها قادرة على الاستجابة لاحتمالات المستقبل، فلم يتحول اجتماع المسجد النبوي إلى مجلس شورى كامل العضوية والصلاحية وبناء هيكل للدولة شاسعة الأطراف وضوابط لاتعتمد فقط على شخصية الخليفة.

إن النبي (ص) الذي رفض استبدال الحصير بمقعد وثير في جوابه الخاص بعمر وانتقال الحديث عن طريقه، حمّل عمر مسؤولية نبوية بعدم استبدال حصران النخيل بعروش قيصر وكسرى.

وهذا بعض سرّ نزوع عمر في زهد الدولة، كي لاتصل أو يصل بها إلى مشارف كسروية ففضلها محمدية على غرار بري وطبيعي وعفوي. وهنا المشترك الأوثق والأوضح بين سايكولوجية علي وعمر وروحية كلٍ منهما وسرّ مبدأ المشاركة، وكلٌ منهما قد نَفِس الآخر على النوم فوق التراب.

لقد كان الإمام علي وعمر يشتركان في هذا الحذر بدرجة أكثر حساسية مما لدى أصحابهما الآخرين، الذين لو أتيح لبعض منهم إدارة دفة الدولة في المقام الأول لأخذوا الكثير مما تجنب عمر وعلي أخذه من تجربة الدولتين الكسروية والقيصرية.

وكان متوقعاً وشبه حتمي سيرورة الدولة الراشدة إلى الكسروية والقيصرية فوقع المحذور النبوي وحصل الانقسام بين المفهوم الراشدي للدولة والمفهوم القيصري للأمويين، وكان مفترضاً وقوع النزاع بين العمريين والأمويين، وفي أكثر من مرة، كان الأمويون يخشون تجربة عمر، فإذا اكتشف أحد زعمائهم في خليفة منهم، ميلاً إلى الزهد أو المساواة أو رجوع الدولة إلى بعض ماكان في عصرها الراشدي خرجت عبارتهم الشهيرة.. اتريدها عمرية؟. 

لكن أسباباً لسنا بصددها هنا استدارت بالخلاف العمري الأموي إلى ثنائية الخلاف العمري والعلوي. فخرج الأمويون من هذا الصراع بمهارة عالية وساعدهم على النجاح تيار القطيعة الذي استجمع الأوصاف والأحداث والمسالك الأموية ونسبها إلى عمر، فأصبح ابن الخطاب أموياً بمفهوم أهل القطيعة وباجتلاب الأمويين لاسمه يحصنون به دولتهم من الطعون. ونسبتها إلى عمر بن الخطاب لترسيس طعنه باحتضان القادة الأمويين وهو مايتمناه الآخرون من سعيهم الذي لم ينقطع إلى يومنا هذا، باجتلاب تاريخ عمر وسيرته إلى جانب دولتهم يحصنون به سيرتهم من طعون الفقهاء وتيارات المعارضة عند الشيعة والخوارج وسواهما.

سـياسة التعيينات:

وفي تحليل سـياسة التعيينات، استخدم عمر أسلوب البريد في مراقبة الولاة, إذ يكلف رجلاً بالسـير في أحياء الولاية، مُنادياً أنّ من له بريد إلى الخليفة فعليه أن يسلمه إليه، وهذا يحمله بدوره إلى عمر مختوماً لا يطلع عليه أمراء الولاية ولا عاملها، فيعرف عمر ماذا يجري في الأمصار يوماً بيوم.

وهذه الطريقة بمصطلحنا الحاضر، تحمل طابعاً إستخبارياً اعتدنا أن نسميه التقرير الحزبي. والرسالة في لغة المسلمين سوى أنّ عمر بن الخطاب جعل الاستخبارات علنيّةً وليست سرّية. حتى لا يكيد الناس لبعضهم ويتحولوا إلى جواسيس ولعل هذا هو الفارق بين الاستخبارات العمرية وبين مفهوم التجسس.

اعتاد عمر أن يقرأ البريد وحده ويجيب على مُرسليه باستحضار الوالي أو بإرسال ممثله الشخصي الذي هو في العادة الصحابي محمد بن مسلمة الأنصاري، والذي كان يتمتع بصلاحيات التحقيق مع العمال واعتقالهم وتجريمهم، ويعتبر قراره نهائياً على الأغلب.

كان عمر يدعم جهاز الولاية بصحابةٍ من الرعيل الأول ومن هم في مدارج الإيمان أعلى درجة من أمير الولاية وبعض قادتها.

 بعد أن أخفقت تجربته الأولى  بتعيين هؤلاء الصحابة ولاةً، كسلمان الفارسي في المدائن، وبلال في بعض ولايات الشام، اكتشف أن الأعلى في درجة الإيمان والأقدم في الإسلام، قد لا يكون هو الأقدر على إدارة الأزمات وتصريفها في فترة التأسيس الأولى للدولة، والعرب مازالت على لقاحيتها تنفر من الإذعان للسلطة المركزية، فكيف وهي سلطة عمر الصارمة إزاء الاختلالات الاجتماعية؟ مما دعاه إلى اختيار أسلوب إداري آخر يقضي بالتفريق بين درجة الإيمان ودرجة الكفاءة والأهلية، ففضّل من نسميهم اليوم بالتكنوقراط وحين ينفّذ هذه الفكرة فسيكون رجال قريش عمالاً وأمراء وقادة إداريين في المرتبة العليا.

وفي إحدى الروايات أن عمر بن الخطاب استقبل سيد بني كلب امرؤ القيس بن عدي بن أوس، وكان لا يزال على نصرانيته وبحضور الإمام علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين، حيث أعلن إسلامه، فلم يتردد عمر كما تقول بنت الشاطىء في كتابها (سكينة بنت الحسين) أن يعقد له اللواء على من أسلم من قضاعة بالشام ودعا عمر برمح وقلّده إياه، وليس للرجل سابقة في الإسلام لكن له سابقة في الزعامة والإدارة والسمعة الطيبة.ومن المصادفات في ذلك اللقاء أن امرأ القيس بن عدي قد زوّج ثلاثاً من بناته لكلٍ من الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين، وكانت بنته الرباب من نصيب الإمام الحُسين، وهي التي أنجبت له سُكينة.

 أشرنا أن عمر كان يكلف في مثل هذه الحالة صحابةً من الرعيل الأول ليكونوا مراقبين، فاختار مثلاً عبد الله بن مسعود للقضاء وبيت المال في الكوفة وعثمان بن حنيف على سَقي الفرات، وعمار بن ياسر على الصلاة وأرزاق الجند. وكان عبد الله بن مسعود حرفياً، يتصرف مع سياسة الإنفاق من بيت المال، وكأنه مدير مكتب للمحاسبة القانونية في وول ستريت، فلا يتساهل بدينارٍ، وقد ترتجف يداه وهو يأخذ من بيت المال ليوزعه خشية أن يذهب المال إلى غير مستحقيه. ولو كنا نصنع مصطلحنا، وننتج لغتنا ولا نستعير المنتوج اللغوي والاصطلاحي من صانعيه الأوربيين، لكان مصطلح المسعودية كافياً للدلالة على ما يعنيه مصطلح المحاسبة القانونية.

وفي أكثر من مرة كلّف عمر بلال الحبشي للتحقيق مع العمال والولاة وشملت واحدة من تلك المهمات التحقيق مع خالد بن الوليد لمنحه الأشعث بن قيس عشرة آلاف دينار، فوضع عمر له سيناريو التحقيق بأن ينزع بلال قلنسوة خالد ويربط بها يديه إلى الخلف، بحضور أبي عبيدة بن الجراح، فاستسلم من لم يستسلم للأباطرة فحنى رأسه لتكون العمامة بين يدي بلال وأرسل يديه إلى الوراء ليشدهما بها إلى بعض. يقول المؤرخون الإسلاميون والفقهاء والدعاة من بعدهم إن مبادىء الإسلام هي التي أذعن لها خالد بن الوليد وهذا صحيح، فما يمنع من أن يكون إلى جانب هذه المبادىء سببٌ أخر أو عامل آخر يُدعى عمر بن الخطاب. لأني أشك أن يحدث هذا الذي حصل لخالد مع رجلٍ غير عمر لا قبله ولا بعده إلا في استثناءات لم يكن المتهم هو خالد ولا المحقق هو بلال. أقول.... هل كان خالد بن الوليد سيذعن لأمر بلال، لو كان أبو ذر بدلاً من عمر ودرجة إيمان أبو ذر وأسلوبه لا تقاسان بالمقاسات التقليدية؟.

هل كان غير عمر قادراً أن يقاضي شرحبيل بن حسنة ويسحبه إلى المدينة، ويضع سعد بن أبي وقّاص موضع المتهم فيحقق معه محمد بن مسلمة؟.

كانت لعمر في سياسة التعيينات جرأتان وسابقتان وقوتان:

جرأته في تكليف رجال قريش السابقين ورجال مكة شديدي المِراس، وبعضهم ممن أسلم قبيل الفتح قليلاً أو بعده ليعودوا من قادة في معسكر قريش إلى قادة في دولة الإسلام.

وجرأته الثانية في المحاسبة والمكافأة واستبدال الولاة والعمال بسهولةٍ ويسر. ويسرد أكثر من راوٍ بأن أبا بكر سنّ أول محاولات الإفادة من خبرة قريش ولكنه لم ينزع نزعة عمر في شدة المحاسبة والرقابة والإقالة، وإن كان شديداً على أهل الردة وحازماً.

 ويتمتع عامل البريد باستقلال إداري ولا يرتبط إلاّ بالخليفة، وكانت قرارات عمر تشمل العاملين في إدارة الولاية من الحاشية ليس صعوداً إلى الوالي بل بدأً منه وبه. إن الولاة الذين أطيح بهم هم من ذروة قريش أو من قادة الفتوحات ومن مصّروا الأمصار ووسعوا دار الإسلام. وعمر يعلن بعد عزل الوالي عن سبب عزلِه حتى لا تُنسج عنه الروايات، وكان يقول في عزل سعد بن أبي وقاص إنه لم يعزله عن سخطةٍ.

وكان يكرر أن من الخير له أن يعزل كل يوم والياً من أن يبقي ظالماً ساعة نهار. وبالغ عمر في تطبيق هذا المبدأ، فعزل ولاة لأسباب طفيفة كأن لا يخرج لزيارة مريض وإسعاف ضعيف، أو يحتجب الوالي في مكتبه، وكان أكثر ما يغضبه خبرٌ ينم عن نيّة لنظام الحجابة، فيتحسس من وضع الأبواب الكبيرة في بيوت الولاة والأمراء ويُعَدُّ ذلك تأسيساً لنظام القِلاع والقصور الامبرطورية. وقد أرسل مبعوثه الشخصي محمد بن مسلمة الأنصاري، ومعه قادحة النار لحرق الأبواب التي قيل لعمر إن واليه ســعد بن أبي وقّاص قد أقامها على بيتٍ بناه بعد فتح فارس، وسُــمي بقـصر سَـعَدْ وجرى بين المبعوث الشـخصي وسعد حوار. وعزل عامله على ميسان (العمارة) النعمان بن عدي. يقول علي محمد بن الصلابي في كتابه عمر بن الخطاب: إن عمر عيّن النعمان بن عدي أميراً على ميسان، وهي مدينة العمارة العراقية. فذهب إليها وامتنعت زوجته أن ترافقه، فأراد أن يبعث في نفسها الرغبة في صحبته مما يعرف عن غيرة النساء، فكتب إليها أبياتاً من فضل القول لا تمثل حقيقةً في كثيرٍ وقليلٍ

فمن مُبلغ الحسناء أن حليلها                     بميسان يُسقى في زجاجٍ وحنتمِ

إذا شئتُ غنّتني  دهاقينُ قريةٍ            وصناجـةٌ تحدو على كل ميَسْمِ

لعَّـل أمير المؤمنين يسـؤوُهُ                    تنادُمنـا في الجوسـق المتهدمِ

  فلما سمعها عمر عزله.

الاستبطان العمري وتوزيع المسؤوليات:

وُهبَ عمر القدرة على معرفة الرجال وقراءة نفسياتهم،بما كان يسمى آنذاك بالاستبطان. وشيءٌ من الهارمون الاجتماعي والتجانس في الحركة والأداء يربط أهل الإدارة ببعضهم وبعمر، ولا ينفي ذلك أنّ رجلاً فيهم كان لا يرتاح للآخر، وأن بين هذا وذاك ما ينغّص تلك العلاقة، فإذا اختلف اثنان أو فريقان استحال الخلاف بحضور عمر إلى وفاق. وفي عمر روح جامعة وهبَهَا الله لناسٍ معدودين وإلآّ كيف اتفق رجاله مع بعضهم فتفرقوا في غيابه؟.

أمامي قائمة برجال الإدارة والقضاء وضع عمر كل واحدٍ منهم في موضعه الدقيق وصُولاً إلى تحقيق التجانس بمبدأ التوازن. 

إن مبدأ التجانس بالتوازن مأخوذٌ به في عصرنا هذا، فالاتحاد لا يعني اتحادَ المتجانسين وفقَ أحادية الجنس والعُنصر والدين والمذهب والطبقة ومثل هذه الأحادية نادرة الوجود في معظم المجتمعات البشرية  والطريق إلى تجانس المختلفين هو في تشكيل إداري متوازن بالقدر والألوان.

ولهذا اختار عمر عبد الله بن مسعود لقضاء الكوفة وبيت المال وعمار بن ياسر لصلاةِ الكوفة وسلمان بن ربيعة لقضاء البصرة  وقيس بن أبي العاص القريشي لقضاء مصر ونافع الخزاعي لولاية مكة ويُعلى بن أمية لولاية صنعاء وسفيان بن عبد الله الثقفي لولاية الطائف وأبو موسى الأشعري اليمني لولاية البصرةِ وأبقى زيد بن ثابت قاضياً على المدينة.

أمّا رؤساء أركان الجيوش وقادة الفيالق والألوية فهم طراز آخر لم يأخذ فيه بمبدأ التوازن ولما عُرفت قريش بقدرتها العسكرية الإدارية كان نصيبها كبيراً وإن لم يكن غالباً.

فكان من قادته خالد بن الوليد قبل عزله وعبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان والنعمان بن المُقرن والمثنى بن حارثة وشرحبيل بن حسنة. ولآن هؤلاء عسكريون أقحاح وهو يدرك أن علاقة العسكري بقوانين الفكر والفقه وعلوم التفسير والحديث هي في مرتبة أدنى مما اعتنى به فقهاءٌ ودعاةٌ دأب عمر على إرسالهم مع الجيوش فتشكلت ما يسمى الآن مؤسسة التوجيه المعنوي.

وكان يستبطن أصحابه فإذا اكتشف في أحدهم جانباً خاصاً به ذخره لمهمة ستأتي وكان قد عرف في بعضهم قوة الحضور الشخصي وقوة الحجة في الحوار آخذاً بعين الاعتبار أن لا يكون الموفودون إلى محاورة الملوك والقادة الأجانب من ذوي الأصول المتواضعة ،فكأنه يعالج النوع بنوعه ـ النظير الطبقي بنظيره الاجتماعي ممن يسمون عند العرب بأهل الأحساب فشكّل وفده لمناظرة ملك الفرس من النعمان بن المقرن وبسر بن أبي رُهم الجهني وحنظلة بن الربيع التميمي والفرات بن حيان العجلي وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة.

الاستفادة من الخبراء

كتب عمر إلى أمراء الجيش في العراق أن يستفيدوا من خبرة العسكريين القُدماء في الجيش الساساني وإن كانوا على دين المجوسية لأنهم متدربون وخبراء في الشأن العسكري والاجتماعي، وكان بعض هؤلاء العسكريين، إن لم يكن معظمهم، مخلصين في نصائحهم، فساعدت خبرتهم قادة الجيش الإسلامي على رسم الخطط العسكرية في ضوء الخرائط والمعلومات والأساليب الفنية التي يختزنها العسكريون الفُرس.

إنّ رغبة عمر في الاحتفاظ بالخبراء الفرس قد تدعم ظننا أنه لم يكن في أعماقه راغباً في قتل الهُرمزان وقد يكون فكّر في الاستفادة من خبرته الكبيرة في شؤون فارس فقبل إسلامه، وهو أدرى أن النطق بالشهادتين يجعل المرء مسلماً ولا يجعله في الحال مؤمناً.

لنعتمد في هذا الاستنتاج على أن من يأمر بالاستفادة من العسكريين الصغار بسبب خبرتهم فما الذي يمنعه من أن يستفيد من خبرة الكبار؟.

في هذا السياق نضع رغبة عمر في الاستفادة من قادة عسكريين شاركوا في تزعم حركة الردّة في خلافة أبي بكر، ولم يُوافق الخليفة آنذاك رغم إعلان توبتهم على إرسالهم في الجهاد أو تعيينهم بمراتب عليا. فرأى عمر غير ذلك وأرسلهم إلى الثغور حيث كشفوا عن مهارات قيادية عالية ساعدت في فتح بلاد فارس، ومن هؤلاء طليحة الأسدي وعمرو بن معدي يكرب.

إلزام الوالي بالكشف عن أمواله:

تنفرد الأنظمة الدستورية الحديثة بالزام رئيس الوزراء المنتخب والوزير عند تعيينه، وعلى رؤساء البنوك المركزية والمحافظين وشاغلي الدرجات الخاصة الكشف عن حساباتهم قبل توليهم المسؤولية لقياس نمو ثروته بعد التولية وقياس أمانته بها.

وكان عمر في مطلع التاريخ الهجري، قد سبق الدستوريين المعاصرين بإخضاع الولاة والقادة والأمراء بالإعلان عن حيازتهم من الأموال السائلة والأموال الجامدة. وعمر يراقب نمو هذه الأموال.فيستدعي من يرتفع عنده الرقم على المعدل المعقول، ويشاطره نصف أمواله. أو أن يرسل مندوبه الشخصي، مراقب الحسابات العام محمد بن سلمة الأنصاري، إلى مراكز الولايات فيعقد مع الوالي جلسة للتحقيق في أمانته. وينزع نصف ماله إذا كان النمو غير طبيعي.

وكان ممن شمله التحقيق وقرار المناصفة أبو هريرة وعمرو بن العاص وآخرون.

يمنع دخول الولاة والأمراء ليلاً

وكما قيّد عمر حركة الصحابة الأوائل ومنعهم من السفر، منع دخول العمال والأمراء والقادة إلى المدينة ليلاً قافلين من الأمصار، واوجب عليهم وعلى رواحلهم الناقلة أن تدخل نهاراً حتى يتسنى لعامة أهل المدينة أن يروا ما تحمله وتنقله رواحلهم من متاع وأموال، فإذا عثروا على ما يزيد عن المعقول أحالوا القادم إلى المساءلة وقد تصادر الزيادات أو يشاطرها الخليفة في نصفها إلى بيت المال.

ولما لم تكن البنوك والحسابات السرية معروفة، وعيون الخليفة تراقب حركة الوالي في سكنه ولباسه وخيوله وهو في الخارج، فليس لمن يجور على بيت المال أو يكسب بطرق غير شرعية إلا أن يحمل موجوداته إلى المدينة،فيلقي عمر القبض عليهم وهم في الجرم المشهود.

وتسمى هذه الحالة في أيامنا بالرقابة الشعبية على السلطة ولم يؤخذ بهذا الأسلوب في خلافة عثمان.

يحول الوالي إلى راعي غنم:

كان عمر يعالج الولاة بإدخالهم في ميدان العمل، مثلما فعل الصينيون مع آخر إمبراطور قبل نجاح ثورة ماوتسي يونغ، عندما عينوه بستانياً في حديقة عامة. فقد بلغه أن عياض بن غانم واليه على إحدى مدن الشام قد اتخذ لنفسه زمرة من الأصدقاء يسامرونه ويسهرون عنده، وقيل إن هذا الوالي قد أخذه ترف القصور وجعل لنفسه ولزمرته حمامات خاصة، فاستدعاه إلى المدينة وتركه ينتظر ثلاثة أيام ثم أذن له بالدخول، وكان قد أحضر له جبّة صوف مما يرتديه الرعاة وعصا وثلاثمائة شاة من أموال الصدقة، وطلب إليه أن يرعى بها في البراري وليسمنها، وتركه هكذا ثلاثة شهور ثم استدعاه وأعاده إلى عمله.

جرى ذلك وعياض ينفذ أمر عمر صامتاً، ولعله فهم أن العناية بأغنام المسلمين هي أكثر أجراً وأسلم له من رعاية زمرة من المترفين. 

نظرية منع التراكم

عمر مستعجل فالأحداث أسرعت في زمنه، وأسرع الزمن، وتراكضت الخيول، وعابرات الجيوش تطوي المسافات والمعارك الكبرى تحسم بأيام، والقادسية التي لم يكن لها نظير لم تدم أكثر من ثلاثة أيام.

فكيف لا يستعجل الرجل وهو أروح القدمين ومن طبيعة الأروح أن يُغذِّ السير بخطوات أسرع وأقوى من رجل بقدمين عاديتين.

وكان على مبدأ (تنظيف يومه من أزماته) فلا يدع لأزمة أو ثروة أو ظلم فرصة للتراكم. فيطفئ قدحة الفتنة ونفوذ المتنفذ وبارقة الظالم. فلا تبيت شكوى من فساد ليلتها تحت مخدته ولايؤجل مخالفة يأتي بها البريد، صغر المشتكى عليه أم كبر، صغرت الشكوى أم كبرت. وهو يعالج الهفوة بالدرة، والخطيئة بجلسة قضاء على قارعة الطريق، وإن كان المتهم صحابياً كبيراً. فقضى بسياسة عدم التراكم على الفساد. الذي تراكم بعده ولم يستطع الخليفة من إطفائه. ولم يذكر عنه أنه توسّد حصيرة، وافترش رملته وأخذه النوم، وبجانبه أزمة ساهرة.

وتجتمع عنده السرعة وروح العدل، فكان القضاء عنده سريعاً وعادلاً، ورفع عدل عمر خراج العراق إلى مائة مليون درهم وانزله ظلم الحجاج إلى ثمانية عشرة مليوناً.

إن النظام الذي أقامه عمر بن الخطاب، كما يقول طه حسين في "الفتنة الكبرى"  لم يكن مستلهماً من أمة أخرى. لم يكن نظام الحكم الإسلامي في ذلك العهد نظام حكم مطلقاً ولانظاماً ديمقراطياً على نحو ما عرف اليونان ولانظاماً ملكياً أو جمهورياً أو قيصرياً مقيداً على نحو ما عرف الرومان وإنما كان نظاماً عربياً خالصاً، بيَّّن الإسلام له حدوده العامة من جهة وحاول المسلمون أن يملئوا ما بين هذه الحدود من جهة أخرى.

ولايحتج أحد بشدة عمر، فالرجل بالتأكيد كان شديداً لكنه لم يكن عنيفاً. وكان ليناً ولم يكن ضعيفاً.

عمر والمعارضة السياسية:

تتقلص الروايات وتشح المعلومات الخاصة بنشاط سياسي معارض لعمر بن الخطاب في ولايته، لكن ذلك لا ينفي وجودها، وقد تكون صامتة أو أن ردّ الفعل عليها كان صامتاً. فلم يكن لتلك المعارضة شعراء ناطقون بلسانها حتى تسمع أصواتهم، ولم يكن لعمر جهاز قمع مزود بسلاسل الحديد حتى يسمع صريرها، ولم يتأسس سجن سياسي بعد، ولم تتشكل أجهزة الشرطة التقليدية، لكنه كان يمتلك آلية استخبارية تعرف ماذا في حمامات الأمراء والولاة، وهذه أول دولة في التاريخ توجه نشاطها الأمني نحو إدارتها الرسمية ومقاماتها العليا، وليس لها عيون على الناس ولم نسمع عن جلسات تحقيق ومحاكمة، أبطالها من عامة الناس بل كانت مثل هذه الجلسات تعقد لمحاكمة قادة من طراز خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة الدوسي.

لابد أن زعماء قريش وأصحاب المصالح الذين رأوا عطاء العبيد السابقين في الإسلام أكثر من عطائهم وجدوا فيه إخلالا في القانون الاجتماعي الذي نشأوا عليه.

وكانت بعض فروع قريش لاسيما الأمويين غير مرتاحة لسياسة عمر المالية والإدارية، ولم نقرأ في المصادر أن للإمام علي بن أبي طالب الذي وضعه الموروث المذهبي غريماً وخصماً في جدول الصراع مع عمر، رسالة احتجاج ضد تلك السياسة.

يقول هاشم معروف الحسني وهو مؤرخ شيعي معاصر في كتابه سيرة الأئمة الاثني عشر:

" إن أحداً من المؤرخين لم ينقل عن الإمام علي أنه وقف موقف المعارض لخلافة بن الخطاب وبدا منه ما يسيء إلى صلاته به، بل رضي لنفسه أن يكون كغيره من الناس، ولا ينطق إلا بلسان البررة الأطهار بمنحه النصيحة ويزوده برأيه، كلما أشكل عليه أمر من الأمور ". وكانت قريش والمتنفذون منها هم الذين ينادونه فيما بينهم بابن حنتمة أو الأعيسر ويعيبون عليه لبس القطوانية وهي عباءة يصنعها الكوفيون، ولم ينقل المؤرخون عن الإمام علي أنه تهاوش الكلام مع عمر، أو تساجل معه كما يتساجل المعارضون.

منا شـير عمرية ضد أمراء الدولة:

لم يكتف عمر باستخدام مبدأ الكفاءة والاستفادة من أصحاب الخبرة وإن لم يكونوا من المهاجرين الأولين بإصدار مراسيم التعيين وترك حبالهم على غواربهم.

ففي مراسلاته إليهم وهم قادة في الثغور أو ولاة في الأمصار يظهر عمر صرامة إذا ما وجد بعضهم ميلاً عن نهجه السياسي.

فإذا كان القائد من طراز عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ردواً عليه بما يحفظ لهم ارستقراطيتهم ودينهم.

فيكتب إليه عمرو: أما بعد، فأما ما ظهر لي من مال، فإنا قدمنا بلادا رخيصة الأسعار، كثيرة الغزو، فجعلنا ما أصبنا في الفضول التي اتصل بأمير المؤمنين نبؤها، ووالله لو كانت خيانتك حلالاً ما خنتك، وقد ائتمنتني، فإن لنا أحساباً إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك. وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير منّا، فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين باباً، ولا فتحت لك قفلاً.

فكتب إليه عمر: أما بعد، فإني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال، ولن تعدموا عذراً، وإنما تأكلون النار، وتتعجلون العار، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة، فسلم إليه شطر مالك.

فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاماً ودعاه فلم يأكل، وقال: هذه تقدمة الشر، ولو جئتني بطعام الضيف لأكلت، فنحّ عني طعامك، وأحضر لي مالك، فأحضره، فأخذ شطره. فلما رأى عمرو كثرة ما اخذ منه، قال: لعن الله زماناً صرت فيه عاملاً لعمر، والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية لاتجاوز مأبض ركبتيه، وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن وائل في مزررات الديباج. فقال محمد: أيها عنك ياعمرو!. فعمر والله خير منك، وأما أبوك وأبوه فإنهما في النار، ولولا الإسلام لألفيت معتلقاً شاة، يسرك غزرها، ويسوءك بكؤها. قال: صدقت فاكتم علي، قال: أفعل.

مظاهرة على بابه!

يمكن أن تكون أول مظاهرة سياسية في تاريخ العرب وبمعناها الحديث قد اجتمعت بباب عمر قادمة من أحياء العرب، احتجاجاً على شدته، لكن المظاهرة انقسمت إزاء هذا الشعار، فرأى بعضهم في هذه الشدة حزماً يثير الإعجاب، وأصل خروج المظاهرة العفوية يرتبط برد فعل شعبي ضد موقف عمر من جبلة بن الأيهم، وهو من ملوك بني غسان في الشام أسلم بعد أن رأى مصير هرقل فتوجه إلى المدينة مع (500) من أهل بيته، واعد له عمر استقبالاً شعبياً كان الأول في تاريخ المدينة والأول في تاريخ عمر خروجاً على عادته وتساهلاً مع ما تعارفت عليه نفسه وهو المعروف بكراهة المظاهرة والمهرجانات ورؤية الملوك على خيول مطهمة معقودة الأذناب، وتاج بن الأيهم يأخذ بأبصار الناس فتنبهر المدينة وعمر صامد حابس لمشاعره، خاضع لأول مرة لرسوم الاستقبال الملكي، مقدراً أن ضيفه مازال طري الانتساب للإسلام، تليد الانتساب إلى طقوس الملكية.

ولاشك أن مقبض الدرة قد ترطب بعرق يده. وقد يكون تذكر لحظتها مشهد أمراء الشام يزيد بن أبي سفيان وخالد بن الوليد على خيولهم فحصبهم بالحجارة، وهم بلاشك أعلى مقاماً عنده من جبلة. كان عمر يراقب هذا الملك كيف يخرج ويتبختر؟. ويتحدث من زاوية الفم أو بأطراف الأنف، فدعاه إلى زيارة الكعبة وأظن أن عمر أعد سيناريو الزيارة مسبقاً، وإذ هما يطوفان بالبيت الحرام وطيء أزار الملك رجل من بني فزارة، فضرب وهو يقيل عثرته، وجهَ الفِزاري بكفه فشكا الرجل إلى عمر، فعقد كعادته جلسة محاكمة للملك الزائر الداخل في الإسلام حديثاً!.

قال عمر لجبلة: عليك أن ترضي الرجل أو أن أقيده منك، فأنكر جبلة ماسمع وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك وهنا كان على عمر أن يلقن ضيفه الدرس الإنساني الأول في نظرية السواء الإسلامي.. وأنت لاتفضله بشيء إلا بالتقوى والعافية.

قال جبلة.. لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية.

قال عمر: دع عنك هذا، فإنك أم لم ترض الرجل عقدته منك. قال جبلة: إذن سأعود نصرانياًَ!.

فطلب جبلة أن ينتظره هذه الليلة، وتقول الرواية انه خرج في جنح الظلام متسللا ووصل بلاد الروم حيث استقبله هرقل وأقطعه ربوعاً ملكية شاسعة.

ولما علم الناس بأن الملك الغساني فرَّ هارباً مرتداً عن الإسلام حمل بعضهم المسؤولية على شدة عمر معه، فاصطدم المتظاهرون أمام بيت الخليفة، وكادت أن تحصل فتنة.

الطبـاق العمري

حركته تشبه حركة الناس العاديين، ولهذا رأى الناس فيه صورةً منهم، ولم يشعر أحد أنه محكوم بحاكم، فقلص المسافة بين الحاكم والمحكوم وهذه سمة تلقّاها الإمام علي مثلما تلقاها عُمر عن النبي، تجعلُ الحاكم محكوماً. وهو محكوم بالنصوص، فعاشَ سنوات حكمه العشر وكأنه يقود حركة معارضة. لاحركة سلطة فحسب، وعرض مقطعاً كما عرض الإمام علي في تاريخ السياسة العالمية يستحيل فيها رئيس الدولة، زعيماً للمعارضة في آن. فيراقب سير الإدارة بعين المعارض ويبعث برسائله إلى الولاة وكأنها مناشير المعارضة السرية.

وعمر لا يعد نفسه من الأمراء وأهل السلطان وهو أمير المؤمنين، وأغلب الظن أن إضافة الأمير إلى المؤمنين أخضعت ولو على مستوى الإيحاء النفسي هذا الأمير إلى المؤمنين وفقاً لمنطوق المضاف إليه الذي يعد المالك والمضاف مملوكاً.

لم يصطنع لنفسه طقوساً خاصة، ولاعالماً يتعرف الناس عليه بهِ، لكنك إذا تابعت تاريخه، وحدقت في حركته اليومية، فستشكل أمامك صورة عالمٍ خاص، واضح الملامح والسمات، يقوم على العفوية والبساطة وعدم التصنع والسهولة، فينعكس هذا على طقوس العبادات عنده لا تَكلف فيها ولا اصطناع.

كان يمنع جلبة المظاهر الدينية، ويقاوم السابقة قبل أن تتفشى، ويأخذ على بعضهم الغُلو في العبادات، فمن أدركته الصلاة فليصلِ وإلاّ فليمضِ إلى سبيله"

ويمنع أن يضفي التقديس على غير المُقدس، والمقدس عنده قرآن وسنة ويبقى من هو خارجها خُلواً من القداسةِ. ومع بساطته كان رجل الإستراتيجية.

ولعمر كاريزما كما نقول في أيامنا هذه، وأجمل ما فيه عندي، أن أراه يُسرع في أمَرْ من هامش الأمور فيندفع لحظة ثم ينسحب قبل مرور اللحظة التالية، فيتأثم وهو غير آثم، وتتحول حركة خاطفة من درتهِ يعلو بها كتف رجلٍ أو امرأة إلى حركةٍ ضد نفسه، فيطالب المُخفَقين خطأً أن يخفقوه، وهو ممن يمارس النقد الذاتي على نفسهِ بمرارة... ثكلتكَ أمك يا ابن الخطاب أأفقه منك امرأة، ثكلتك أمك يا ابن الخطاب إن لم تقلها، وأراه لحظتها يسارع إلى رأس الإمام علي فيقبله ولا أقامني الله في أرضٍ ليس فيها أبو الحسن.

وعمر ليس له باطنٌ وظاهر، وليست له سياستان سرية ومُعلنة، وليست له جملتان واحدة لنفسه وأخرى للناس.

ليس لعمر مثنيات، وقد أتاحت له عشر سنوات من الخلافة المستقرة تنفيذ البرامج الإسلامية واجبة التنفيذ فأطبقت النظرية على الحياة.

إن مناهج الدعاة قد تغري السامع والقارئ بجاذبية الرواية، وجمال الاستشهاد، مما تزهو به النظرية الإسلامية، فتنسب إلى صحابي وخليفة أو تابع وفقيه، وكأنها حسمت بالاستشهاد النظري، إشكالاً لمستشكل، أو اعتراضاً لناقد. لكنك وأنت في المشاهد العمرية، قد تتوقف عن ترتيب الروايات، وصياغة الاستشهادات وأمامك حركة الناس تتحد بحركة القرآن، فتتيسر الاستجابة من طرفيها...استجابة النظرية للحياة، واستجابة الحياة للنظرية.

وكأنك ترى عقيدة السماء تتمشى فوق أديم الأرض، وتمر مع المارة. أو كأنّ الناس عرجوا إلى السماء معلقين على تعاليمها.

في عصره، اختفى الخلاف الأبدي الذي كان بين أهل الأرض وسكنة السماء!. والأرض تسمو والسماء تدنو أو تتدانى، ليولد ما نسميه الطباق العمري. وشخصيته مكشوفة حيَّ على الصلاة.

لايكيد والكيد سلوك باطني، ولا يحبُّ في السرِّ ما لا يحبه في العَلَن. إذا ضاق بموقف أو مشهد، فهو لايكتم ضيقه ولا يصبر على المخالِف.

إن علماء النفس يسمون هذه الشخصية بالانبساطيّة.

منبسط النفس مثل الأرض التي خرج منها وعاد إليها لا التواء فيها ولا زوايا ولا يحجبَ الرؤية حاجز من تضاريس النفس. والعين تمتد حتى الأفق، فإذا ارتفعت أخذت من صفاء السماء في نجدٍ والحجاز صفاء النفس والرُوح.

وأخذ من وضوح الصحراء والسماء وضوح العقيدة وتسهيل الحياة للناسِ. عاش جاهلية واضحة، وأسَلَم في وضح النهار، وهاجر في وضح الشمس، وحكم في وضح الشريعة، وغُدرَ به قبل أن يتوضحَ الصُبحُ وكان غادره من أهل العُتمة.

فتساءل بعد أن استعاد وَعيه: أعن ملأ منكم؟.

فذكروا له اسم الغادر. والحمد لله الذي لم يجعل موته على يد رجلٍ سجد لله ولو سجدة.

وعُمر لا تقتله العرب.

كيف صُيِّر الرجلُ زعيم فرقة ورئيس مذهب وعنواناً لطائفة، وهو الذي كان يُنكر على الناس اختصاصهم بمجالس خشية أن يدعوهم ذلك لأن تكون لهم آراء متفرقة متباينة تنتهي بالتحزب والانقسام.

روى ابن عباس أن عُمر قال لناس من قريش: بلغني أنكم تتخذون مجالس، لا يجلس اثنان معاً حتى يُقال من صحابةُ فلان؟ من جلساء فلان؟ حتى تحوميت المجالس أي تحاشاها الناس.

وأيمَ الله إن هذا سريعٌ في دينكم. سريع في شرفكم. سريع في ذات بينكم.

ولكأني بمن يأتي بعدكم، فيقول: هذا رأي فلان، قد قسموا الإسلام أقساماً. أفيضوا مجالسكم بينكم، وتجالسوا معاً، فإنه أدوم لألفتكم وأطيب لكم في الناس.

أتُراه أصدر فتوى بتحريم العمل السري؟ لعله فعل، ولو أصاخ الناس سمعاً لفتواه لتجنبوا الكثير من كوارث الأحزاب والمنظمات السرية والأسماء المستعارة بالآباء والأبناء زوراً وبهتاناً.

خلا فـة السلم الأهلي 

كانت خلافته نزهة في زورق على بحيرة زرقاء، لا ريح اليمين تزعجها ولا الشمول تضربها، فكانت الحياة والإجراءات والأيام وحركة التاريخ تسيل بهدوء وسلامة وسلاسة. وبصيغة اسم التفضيل، ستأخذ خلافته منّا أجمل المفردات فهي: أسهل خلافة في انتقالها إليه من أبي بكر وحركة سيرها. وهي أسلم خلافة فلم تسفك فيها دماء ولم تواجه احتجاجات، ولعلها الفترة الذهبية التي عزَّ تكرارها في تاريخ الخلافة الإسلامية، كونها جداراً لم يتشقق ونسيجاً لم يتهلهل.

فصارت الخلافة الأولى في التاريخ العربي التي تخلو من التمرد، وانفرد عهد عمر بعدم ظهور معارضة مسلحة أو انشقاق، بينما واجه أبو بكر في أيامه الأولى عدم مبايعة الإمام علي وانشقاق الردة وتمرد القبائل العربية على خلافته.

وفي خلافة عثمان كان الانشقاق اجتماعياً وطبقياً، اتخذ صيغة المعارضة السياسية والفكرية التي انتهت بالهجوم على داره وقتله بوحشية.

أما الإمام علي فقد تكالبت على عهده ثلاثة انشقاقات كبرى، فعالجها مرة بالسيف ومرة بالسلم كانشقاق أصحاب الجمل، وانشقاق معاوية، وانشقاق الخوارج، لقد شنت على الإمام علي حرب استنزاف متعددة الجبهات، لكنها موحّدة العوامل والأسباب.

أما عمر بن الخطاب فقد حصد ثمار السلم الأهلي وغنائم الفتوحات في بلاد كسرى وقيصر ورضى الصحابة، فأتيح له أن يقدم أوضح تشكيل لخارطة الإسلام على الأرض، لكن رأياً يقول: إن المعارضة في زمن عمر كانت مؤجلة، فانفجرت في عهد عثمان.

ونقول: ان ذلك سيكون صحيحاً، لو أن البنية الاجتماعية والشخصية لحركة المعارضة في عهد عثمان هي نفسها التي كانت صامتة في عهد عمر، ولم يظهر في تاريخه المكشوف الزوايا والأبعاد، أن الأقاليم أو الأعراب، والفقراء، وبعض الصحابة وأبنائهم، قد احتجوا على سياسته، إنما صدرت إشارات عن بعض رجال قريش وقادتها بما يعني ضيقهم من شدة عمر وجرأته بمنعهم من السفر ومساواتهم بمن كانوا من عبيدهم ومواليهم، وهذا الاتجاه وجد انفراجاً لأزمته في عهد عثمان. 

مفهوم جديد للدولة ونظام سياسي خاص

إنه بالتأكيد نظام غير مسبوق كما يقول طه حسين، فلا يشبه أنظمة الرومان واليونان، ولا يتصل بشكل الأنظمة المعاصرة.

لم يكونوا يعرفون ما اصطلح عليه اليوم بالنظام الديمقراطي، لكن جوانب كثيرة منه تقوم على ما قامت عليه أساليب الحكم الديمقراطي.

ولم يكن المؤسسون، قد تعرفوا على مشكلات النظام البيروقراطي، عندما عزفوا عن البيروقراطية. وسارت العلاقة بين السلطة والمجتمع على شيء من التواحد من جهة واختزال الوسائل في المخاطبات من جهة.

كان النظام الإسلامي يحمل نزعات اشتراكية واضحة وهو يأخذ باقتصاد السوق، ولا يعرف تحديد الملكيات وبالكثير مما عرف في النظام الرأسمالي لاحقاً بنظام الضرائب على الدخل. ولكن اقتصاديات الأرض مزيج من النص والإبداع والتأثر بالتجارب القديمة للإمبراطوريات المفتوحة.

وطبيعي ألا يعرف عصر أبي بكر التوزع السياسي بين السلطة والمعارضة ولا أن يعرف الناس آلية العمل عندما يكونون معارضين، فكانوا يلجأون إلى آلية السلاح، قبل أن تظهر الجمعيات الباطنية والفرق السرية، وكانت هذه بشكل عام تنتهي بحمل السلاح ضد السلطة تعبيراً عن رفضها الانضواء في النظام السياسي القائم عندئذ، ويمكن أن يسجل للتشيع في أصله الإمامي الأوسع أن الإمامية اتجهت بعد مقتل الإمام الحسين إلى نبذ العنف الثوري، واعتماد أساليب تربوية وثقافية وإعلامية في نشر أفكار مدرسة أهل البيت.

ولم يتزعم أي إمام بعد الحسين، حركة مسلحة أو يقف وراءها، واستقل الفرع الزيدي بزعامة زيد بن علي بن الحسين بالعمل المسلح والثورات الشعبية المسلحة عند الشيعة.

في العصر الإسلامي الأول يتحول الصحابي الكبير والرجل البسيط والمرأة العادية إلى معارض في مجلس الخليفة ضد قرار أو رأي يصدر عنه، فإذا تطابق رأي المعترض مع النص، أخذ به وتنازل الخليفة عن قراره أو رأيه في ذات اللحظة.

لكن عمر بن الخطاب كان يعترض على قرارات وإجراءات معمول بها في زمن سابق لزمنه، وقد يتوقف عن الأخذ بما صدر عن أبي بكر ذاته.

 

 

ســيا سـته القُرشـــية

السيادة منزوعة الحلاقيم

 
 

عمـر وعثـــمان

هما في المنهج السلفي واحد، وعند منهج القطيعة الشيعي واحد. لكنهما مختلفان في مناهج التحليل العلمي المستقل.

لا أظن عثمان بن عفان مرَّ بأيام الفتوة ولا مرت عليه فترة الصبا، على مافيه من جاه ووسامة، ووجاهة الثراء والانتساب الارستقراطي،وكان وزنه الاجتماعي أرزن من أقرانه، وشخصيته أقرب إلى مسالك الشيوخ، فأضفى عليه ذلك هالة من الوقار في سن مبكرة.

وبالمقارنة مع شخصية عمر ستبدو جلياً حيوية عمر التي رافقته إلى فجر اغتياله. كان عمر واحداً من أبناء البرية مشرباً بتقاليدها، وحياته متصلة بحياة الناس البسطاء. وهم يعيشون على سطح طبقي واحد، وحركته تشبه حركة الناس العاديين، وحركة عثمان تشبه حركة أبناء الأمراء، فرأى الناس في عمر بعد استخلافه صورة منهم، وقد قلص عمر المساحة بينه وبين الناس، ولم يكن سهلاً على عثمان أن يترسم خطى عمر، فيعسّ في الليل ويخفق بالدرة ويلتحف الرمل ويجلس على قارعة الطريق أو يقوم يهنأ بعيره بالقطران أو يعدو على قتبٍ باحثاً عن بعير ند من إبل الصدقة، أو ينفي شاباً وسيماً لأنه وسيم، ولايمر ببال عثمان أن يسأل عن طفل يبكي طارقاً باب أمه لمعرفة أسباب بكائه، ولا كان ممكناً لعثمان حتى مجرد التفكير بمسك ستارة معلقة على نافذة أحد ولاته فيمزقها.

لقد نشأ كل منهما على إحساس طبقي واجتماعي وتربوي، فصار عمر الحاكم الوحيد في التاريخ، الذي ليس له معارضة سياسية أو سجون سياسية. أما جهازه الأمني فكان مخصصاً لمراقبة الأمراء والقادة والولاة ورجال السلطة ولا يخرج عنهم إلى الناس.

أما عثمان، ففي القسم الثاني من خلافته تكاملت أسباب الدولة القائمة على فكرة التعالي كما يقول هشام جعيط في كتابه (الفتنة) الصادر عن دار الطليعة.

ويرى أن عثمان كان في أعماقه مسكوناً بفكرة تعالي الدولة، المرتبطة بفكرة تعالي الله. وأنه لم يكن مجرد ألعوبة بين يدي مروان. لعله التقاط ذكي وسيكون ميسوراً لنا السؤال عما إذا كانت فكرة التعالي إذا ارتبطت بفكرة تعالي الله غائبة عن النبي وأبي بكر وعمر وعلي. وأغلب الظن أن فكرة التعالي هنا ترتبط بطفولة عثمان وارستقراطيته ولاصلة لها بغير ذلك. كان عمر بن الخطاب كاسباً، وكان عثمان تاجراً كبيراً تغني له النساء في تنويمة الأطفال.

وكان تاريخ كل من عمر وعثمان مختلفاً في الجاهلية. إذ لم يذهب عثمان إلى حلبات الملاكمة ولم يشترك في سباقات الخيل، ولم يعرف عنه كثرة المشروب.

وفي التحليل السيكولوجي، كان عثمان بعد إسلامه يعاني من أزمة وحرج اجتماعي، وكان في مأزق قيمي. إذ خرج وحيداً من بني أمية إلى الإسلام في أيامه الأولى، فخذل قومه، وكانت آيات القرآن تصب اللعنة على المشركين والمنافقين، والمسلمون يعرفون أسباب النزول ومن هو الفاسق والمنافق ومدى قرابته من عثمان. وكانت قبيلة عثمان تقود قريش في حروبها ضد الإسلام، وعثمان يمول الجيش الإسلامي بمعدات القتال والانتقال وإن بلغت أرقاماً ليس لغير عثمان بن عفان أن يسدد قيمتها.

إن شعوراً كهذا لم يدخل إلى نفس عمر، فهو من حي متواضع من أحياء قريش، وقبيلته عدي لم يكن لها دور كبير في الحروب ضد الإسلام، وأن عمر نفسه أعطى جهده للدفاع عن معتقدات قبيلته، فلم يسلم في وقت مبكر. ولم يترك أقرباءه يقاتلون الجيش الذي انتسب إليه كما هي حال عثمان. حتى إذا أسلم لم يكن هو من أوائل الخارجين على قبيلته، وقد أسلم قبله ابن عمه زيد وأخته فاطمة. فليس لديه شيء من الإحساس بالذنب والإثم أو من عتاب الضمير فيما يتعلق بمرحلتيه الجاهلية والإسلامية.

وكان من الطبيعي، وعثمان تحت ضغط هذا العامل النفسي، أن يعوض بني قومه عما فاتهم ليرضي نفسه قبل أن يرضيهم، فكان سخاؤه عليهم  يوازي به سخاءه على الجيش الإسلامي. ولدى عثمان مسوغ. فأقرباؤه قد أعلنوا إسلامهم والإسلام يجب ما قبله.

فتيسرت أو لعله هو الذي يسر الوسائل المادية والشرعية استناداً إلى موقعه وصلاحياته لتسيير المال وسواه لمن يعتقد أنه مطلوب ولو نفسياً لرد ماعليه من ديون أدبية أكثر منها مادية. ولم يكن عمر قد مرَّ بذات التجربة.

ومن مخطوء الأحكام والتقويمات التاريخية شيوع القول بضعف عثمان، وكأنه لم يخلع ولاة قريش الأقوياء مثل المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، وسيعد عثمان أكثر جرأة أدبية وقوة إرادة عندما يعين عبد الله بن أبي سرح والياً على مصر ووليد بن عقبة والياً على الكوفة ويعبر مشاهد ورسوماً لعمر فعطل قراره بإمساك قريش والصحابة الكبار عن مغادرة المدينة، والانتشار في البلاد المفتوحة، وفتح أمامهم آفاقاً جديدة.

ومنعت عثمان عن النزول إلى الإحياء والصفق في الأسواق نزعة ارستقراطية بتعبيرنا المعاصر، تقابلها نزعة شعبية لعمر هيأته لسن قوانين في الضمان الاجتماعي ورعاية الأطفال الرضع ومنع الاجتماعات السرية.

كان عمر من طبقة أو من حي بلغة العرب هو دون حي أمية، وكانت له أعرافه وملاعبه وكان عثمان ينحدر من سلالة لها أعراف صارمة وليست لها ملاعب مفتوحة.

الإسلام وقريش:

خرج منها الإسلام إلى العالم وخرج عليها وخرجت عليهِ، وحين قرر النبي الهجرة التحق منها نفر معدود وعاد إليها بعد ثماني سنوات وعديد جيشه الألوف، فخُيّل لبعض أنصاره أن فتح مكة سيكون نهاية قريش فيما كان الفتح بدايتها الجديدة ونَصرها المؤزر (وهي المكسورة) وخيوط حلمها في دولة ليست لأوثان الكعبة بل على أرض الجزيرة بمشاركة خاصة ورقابة صارمة من السماء والحاكمون هُمُ هُمُ.

والخلافة في قريش، وهذا بعض سرِّ مما وراء قرار القائد القرشي حامل المهمة السماوية والمكلّف الإلهي، بإصداره عفواً عاماً عن مقاتليها وزعيمهم، ولم يستثن سوى أحد عشر رجلاً وجدوا طريقهم فيما بعد إلى الحرية وصوت النبي يعلو والفرح يملأ قلبه...لا يُقتلُ قرشيٌ صَبراً بعد اليوم.

ومنذ الهجرة والكتاب المنزل يقدّم المهاجرين في تسلسل الآية قبل الأنصار.

ولم يهجرُ النبي انتسابه القرشي في محتدم الصراع مع قريش، فيسأل شاعره حسان بن ثابت... كيف تهجو قريشاً وأنا منها؟.

فيقول حسان: أَسلُّكَ كما تَسِّلُ الشعرة من العجين يا رسول الله.

وفي نفس النبي لو كان هذا العجين بلا شعرة. صافياً للإسلام. وقد تحقق ذلك في فتح مكة.

إن قريشاً لاتُحشَرُ في مصنفات القبائل، وهي شعبٌ مترامي الأحياء والبيوت ينفرد بخصائص لم تتوفر لغير شعب قريش في الجزيرة، وتقوم على المهارة في السياسة والاقتصاد. وتحتاج السياسة إلى الدبلوماسية، فإذا أخفقت كانت الحرب وقريش تعرف هذا الفن وذاك.

وهي في اقتصاد الجزيرة مثل وول ستريت في أمريكا والِستي في لندن.

وشخصية القرشي أميلُ إلى الواقعية بفعل السياسة والاقتصاد وأفصح في التعبير عما يسمى بالبراغماتية مع شيء من الوعي الاستراتيجي والقدرة على التكيف والتأقلم مع الواقع.

وهذه من خصائص التُجار، وقد يُفسّر منحى قريش هذا أنها كانت تفتقر إلى الشعراء، وأن أبناءها لم يُهيموا لا في وادي عبقر ولا في وديان عذرا.

فإذا ظهر منهم شاعر كبير كعمر بن أبي ربيعة بعد عقود، كان الرجل زعيم الواقعية في الغزل.

إن الإسلام وُلِدَ في قريش، لكنها لم تكن الحاضنة الأوفى، مثلما كانت الأوس والخزرج وقبائل المدينة، فإذا انتصر الإسلام حصدت، وهي الخاسرة، ثمار الانتصار.

إن قريش منذ فتح مكة وتحوّل زعمائها وقادتها إلى الإسلام صارت المالك الرسمي للمركز الأول في الدولة. لا يقترب من هذا الموقع قرشيٌ غير مُعتقد بحق الأرومة، حتى أقرّ عُمر وهو في منعطف تأسيسي بعد وفاة الرسول وثيقة خطيرة بإعلان سيادة قريش في الدولة الإسلامية والخلافة فيها وليس في غيرها.

أمّا الإمام علي، وهو من زعماء قريش وفرعها الأسلم بني هاشم، فقد استوعب معنى العفو المحمدي عن قريش بعد فتح مكة، لكن قريش لم تستوعب رؤيته على منصة الزعامة.

ومما ساعد قريشاً في استرجاع مكانتها إلى جانب العفو النبوي تلك القاعدة الفريدة في الإسلام الذي يجب ما قبله. أي يدفن ماضي المسلم ليس في حفرة بل في جُبٍ عميق وتدفن معه موبقات الفعل والقول وأدوار وصراعات، فقطع النبي على مجتمعه الجديد أية محاولة لتذكير بعضهم بتاريخ بعض.

أما علاقة عمر الخليفة بقريش فقد اتجهت نحو منحىً آخر، فبعد قرار منع السفر الذي أحال بين رجالها والانتشار في البلاد المفتوحة حُلماً في بناء إقطاعيات ومراكز تجارية، مما يضعف قوة المراكز في دولة مترامية الأصقاع وفي آليات اتصال بدائية، توترت العلاقة بين عمر وقريش، فوقف في منفذ حدودي هو شِعب الحرة قائلاً: إنه سيأخذ قريشاً من حلاقيهما.

وكان رد قريش عليه بالفخر في انتسابه لحيٍ متواضع منها وعدم مشاركة قبيلته عدي بدور كبيرٍ في الحروب، وهي تعبّر عن نيةٍ غير صافية عندما تكنّيه بابن حنتمة بأحاديثها الخاصة.

ذكرنا أن عمرو بن العاص بعد فتحه مصر قد تعرض لمساءلة ماليّة، وكان مندوب عمر إليه محمد بن مَسلمة، فاستكثر ابن العاص ذلك، فغمز عمر قائلاً: كنت أراه وأباه وعلى كل واحدٍ منهما عباءة قطوانية لا تستر ركبتيهما، وكان العاص بن وائل (والده)على مزرارة الديباج.

وكان آخرون يكررون عليه كلاماً مشابهاً: فقد كنت وضيعاً فرفعك الله، وراعياً فحملك على رقابنا.

إن انتقادات قريش لعمر لم ترتفع نبرتها بعد إعلان إسلامه، وإنما بعد إعلان خلافته.

أمّا موقفهما من الإمام علي فقبل استلامه الخلافةِ وبعدها. لاسيما وقد مال نحو أحياء وقبائل لم يكن لها نفوذ قريش.

كان عُمر يستخدم طريقتين لم يشأ الإمام علي السير فيهما. رغم أنه لم يعترض عليهما، ينقل طه حسين في (الفتنة الكبرى) حواراً بين الإمام علي وعثمان يحتج فيه الإمام على تقريب الأخير أقرباءه في الإمارة والولايات، فيقول عثمان لعلي: إن عمر ولّى المغيرة بن شعبه على الكوفة والبصرة، وولّى معاوية على دمشق، فقال له الإمام علي: إن عمر كان يراقب ولاته ويخيفهم وإن ولاتك يستبدون بالأمر من دونِك.

وعندما قيلَ: إن الإمام علي عيَّن ثلاثاً من أبناء عمه ولاةً قال طه حسين: إن سيرة علي مع ولاتهِ من بني عمه هي سيرة عمرُ، فكان شديداً عليهم، مراقباً لهم، لا يتحرج عن عزلهم إن قصرّوا. على حين لم يعزل عثمان والياً من بني أمية وآل أبي معيط إلاّ حين أكرهته الأمصار على ذلك.

كان هدف عمر تطويع  قريش بإشراكها في إدارة السلطة والإفادة من مهاراتها في السياسة والاقتصاد والحرب والإدارة، فأخذ منها ما يستفاد منه في بناء الدولة الجديدة في الوقت الذي كان فيه زعماء قريش تحت إمرته وطوّع يديه.

وإن كان التذمر القرشي واضحاً في رؤيةِ من كانوا في عداد العبيد، أصحاب قرار وأمراء وولاةٍ وقضاة ومندوبين عن الخليفة مُخولين بنزع عمامة خالد بن الوليد وربط يديه بها من الخلف كما فعل بلال بأمر من عمر الذي كان يقدّم اسم بلال أو سلمان الفارسي على أبي سفيان عند المقابلات.

لم ينهج علي نهج عمر في الاستفادة من قريش، ولا كانت قريش لينةً طائعةً معه، كما كانت مع عمر ولا هي ستخضع لقرارٍ يصدر من الخليفة علي بن أبي طالب بعزل أحد رجالها عن ولاية أو إمارة وليس لأحدٍ منها أن يستسلم لعمار بن ياسر في ولاية الإمام علي، كما استسلم زعماء قريش لمحمد بن مسلمة الأنصاري، عندما كان يشاطر بعض أموالهم لصالح بيت المال.

إن مرونة عمر مع قريش أوسع من مرونة الإمام علي معها، وشدة عمر عليها أكثر من شدة الإمام، ولم يكن الإمام علي يوافق على مرونة واسعة كهذه، ولم تكن قريش ستقبل منه شدة كتلك عليهم.

ومُختصر القول: إن الإمام علي ما كان يرضيه رؤية المتنفذين من قريش نافذين في الإسلام ولا كانت قريش قد استكانت لإمامته منذ الأيام الأولى، فلم يتهيأ للإمام علي الاستعانة بهم فيستخدم المرونة أو الشدة، وليس أمام الإمام قبل انشقاق قريش عليه، متسعٌ شرعي وقد أعلنوا إسلامهم وتقبله النبي (ص) بعد فتح مكة. والإمام علي مُريد قبل أن يكون وبعد أن يكون حاكماً أو ثائراً.

حلاقيم قريش

عُمر منها لأنه قرشي، من القائلين بدور أساسي لها في إدارة الدولة الجديدة، وهو ليس منها في النزوع القرشي نحو السيادة والاستحواذ مما يتعارض مع مبدأ العدالة، حينها سيكون مع العدالة على قريش. فرضيت على سياسة عمر حيناً وغضبت عليه أحياناً.

إنّ عُمر الذي وَضَعَ موضعَ التطبيق شعارَ الخلافة في قريش، فجال على بيوت الصحابة، وخاض أخطر معركة في تاريخ الإسلام بعد وفاة النبي (ص)، ليأخذ البيعة للقرشي أبي بكر، ويُفِهمَ الأنصار أن الخلافة ستبقى في قريش، هو الذي قال: (سآخذ قريش من حلاقيمها).

وإذا كان يُعزز من نفوذ قريش، أو على الأقل لا يُهمل رجالهَا من الذين تأخر إسلامهم، فإنه كان  يُحذر من فتيان قريش ذوي الأرومة فيها، وهو الذي حجرَ عليها وعليهم، ومنعهم من مغادرة المدينة في أول قرار يصدر في تاريخ العرب بمنع السفر.

غير أن عمر لم يكن على وفاق تام مع هذه الفئة وممثلها الأقوى الفرع الأموي وسياسة عمر إزاء قريش أن يُرخي ويَشدُ،يُعطي ويُراقب حتى إذا امتلأت بالثروة أقسَمَ:" لئن عشتُ لهذه الليلة من قابلٍ، لألحقنّ أخرى الناسَ بأولاهم، حتى يكونوا بالعطاء سواء".

وفي رواية أخرى يقول:

إن رسول الله قدَرَ فوضع الفضولَ في مواضعها، وتبلغَ بالتزجية، وإني قدرت فو الله لأضعنَّ الفضول مواضعها ولا تبلغنَّ بالتزجية.

أي أن يأخذ الأموال الزائدة ويتبلغ بالتزجية كنايةً عن عيش الكفاف.

وقد خَبُرَ عُمر حياة قريش ورجالها، وعَرَفَ ما يستبطن رجالها فاستبطنهم، وتحدث فيهم حديث عالم النفس، ورسم شخصياتهم بأسلوب الروائي المعاصر،  وكان أميناَ على علمهِ وخبرتهِ، فيعطي الرجلَ منهم في السلب والإيجاب، فعنيت فئة بسلبه وأخذت أخرى بالإيجاب. ولم يمت عمر حتى ملّته قريش كما يقول الشُعبي.

وعمر كما يقول الوردي يتهم أشراف قريش بأنهم لا يخلصون في الجهاد للإسلام ولايعرضون أنفسهم للموت في سبيله.

يقال: إن خالداً بن الوليد رأى عكرمة بن أبي جهل (وهو ابن عمه) مصروعاً في إحدى معارك الشام فوضع رأسه على فخذه، وأخذ ينظر إليه ويقول:" زعم ابن حنتمة أننا لا نستشهد ".

يقول الطبري: إن قريشاً ملت عمر بن الخطاب، فهو قد حصرها في المدينة ومنع عليها التجول في الأمصار، وقال بصريح العبارة: ألا إن قريشاً أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده. ألاّ فأما وابن الخطاب حي، فلا، أني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش. وحجزها أن يتهافتوا في النار.

ومن الغرائب التي قام بها عمر، والكلام للوردي، أنه عيَّن عمار بن ياسر والياً على الكوفة، وعيَّن سلمان الفارسي والياً على المدائن، ولم يكن ذلك هيناً على قريش.

يقول طه حسين:

كان زعماء قريش وسادتهم يحسون أنهم الطلقاء، وأنهم أقل درجةً من الذين سبقوا إلى الإسلام وأبلوا فيه بلاءً حسناً، فكان ذلك يغيظهم ويحفظهم ويشعرهم بشيء يشبه ما نسميه عقدة النقص أو مركب النقص.

ثم كانوا يعرفون رأي عمر خاصة فيهم، فكان ذلك يغيظهم من عمر، ويدعوهم إلى أن يحسنوا البلاء في الجهاد، ليظهروا لعمر أن رأيه فيهم جائر، عن القصد، وليظهروا ذلك للناس، وليظهروا ذلك لأنفسهم قبل أن يظهروه للناس.

وهذا هو تأويل ما روي من أن خالد بن الوليد أتى بعكرمة بن أبي جهل، وقد صرع في يوم من أيام الشام، فوضع رأسه على فخذه وجعل ينظر عليه، ويقول:

زعم ابن حنتمة أننا لا نستشهد! وابن حنتمة عمر.

كان عمر إذن يسوس قريشاً هذه السياسة العنيفة على علم بدخائل نفوسها وبعد همها وحرصها على الاستمساك بما بلغت والوصول إلى ما تبلغ، حتى ولو خاضت إليه الغمرات خوضاً.

وقد روي أن النبي رخص لعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكّة كانت به، فيُقبل عبد الرحمن ذات يوم على عمر ومعه فتى من بنيه قد لبس قميصاً من حرير,فينظر إليه عمر، ثم يقول: ما هذا؟ ثم يدخل يده في جيب القميص فيشقه إلى أسفله.

قال عبد الرحمن: ألم تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قد رخص لي في لبس الحرير؟.

قال عمر: بلى! لشكوى شكوتها، فأما لبنيك فلا.

وعلى هذا النحو، كان يشفق على المهاجرين أن يتوسعوا فيما رخص لهم فيه النبي (ص)، ويشفق على غير المهاجرين من قريش أن يتوسعوا حتى فيما لم يرخص فيه النبي (ص). وقد قام عمر دون معاوية يأبى عليه غزو البحر إشفاقاً على المسلمين من هوله.

وأكبر الظن أنه كان يرى غزو البحر هذا الذي كان معاوية يلح فيه مغامرة من هذه المغامرات، التي لا تترد قريش في ركوبها، وكان يرى أن الحق عليه للمسلمين أن يجنبهم مغامرات فتيان قريش.

نستنتج من لائحة عرَضَها طه حسين لعمّال عُمر في الأمصار أنه أعطى لقريش ثلاثة عُمّال من بين (12) عاملاً، ووزّع المسؤوليات الأخرى على عمّال، واحدةٌ لخزاعة، وثلاثة لثقيف، وواحدة لليمن، وواحدة لبني سَهْم، وواحدة للأنصار وواحدة لكنانة.

لكن أياً من هؤلاء العُمّال عندما يسمى، فسنكون أمام الأسماء ذات الأدوار الكبيرة في معسكر قريش سابقاً ومعسكر الإسلام لاحقاً ممن نصفهم اليوم بالتكنوقراط كعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وأبي موسى الأشعري..

وقد أقرهم عثمان على أعمالهم لمدة عام بوصية من عُمر، فقد أشفق عُمر كما يقول طه حسين أن يتعجل الإمام بَعَده في الاستمتاع بالسُلطان، فيعزل ويولّي ويقطع بذلك ما استأنف العمال من أعمالهم، ويضطرب لذلك أمر الإسلام والمسلمين في الأمصار والثغور.

وفي استقرائنا للأسباب المعتمدة في سياسة العزل والتعيينات لم نعثر على حالة واحدة كان سبب العزل فيها سياسياً، ولا عثرنا في أسباب التعيين على دافع سياسي أو شخصي وكانت مسافته واحدة مع رجال الإدارة عند ترشيحهم للتعيين وعند عزلهم لسببٍ ما.

وفي سياسة التعيينات تبرز ثقة الرجل بنفسه، وهو يحيطها بقادة عسكريين من الطراز الأول، ودهاة يصعب على غير عمر ترويضهم!.

ويردّ علي الوردي على من ينكر على عثمان سياسة التعيينات، لأن عمر هو الذي عيَّن معاوية، فيقول: إن معاوية مع عمر هو غيره مع عثمان " أوشك الوردي أن يرى معاوية في زمن عمر محكوماً ومع عثمان حاكماًً

عمر وخالد بن الوليد

لشيوع الرواية بعزل عمر بن الخطاب خالداً بن الوليد مرتين، كنا نؤثر عبورها وقد اشبعت نقاشاً ونقداً ودفاعاً.

فالمدرسة السلفية تنفي أو على الأقل لا تقترب من قصة زواجه من زوجة قتيله مالك بن نويرة في حروب الردة. وقد تحسبها من فعل أعداء الإسلام، وتحصر الإشكال بين الاثنين بما نصح به عمر بن الخطاب أبا بكر الصديق بتقليص صلاحيات الولاة والأمراء ومنهم خالد بن الوليد، وأن لايعطي شاةً مالم يرجع إلى الخليفة. فرفض خالد بن الوليد تحديد صلاحيات.

ولاتتعرض الكتب السلفية لرواية تقول: إن عمر بن الخطاب أبلغ بواسطة بريده الخاص أن خالد بن الوليد يتدلك بالخمرة، فكتب عمر: "أن الله قد حرم ظاهر الخمرة وباطنها ومسّها، فلا تمسوها أجسادكم".

فأجابه خالد "إنا قد فتناها فعادت غسولاً، غير خمر".

ولم يعجب عمر هذا الجواب، فرد عليه مغضباً، كما يقول محمد حسين هيكل: "إن آل المغيرة ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه ". وفي قصة تبرعه للأشعث بن قيس بعشرة الآف درهم اعترض عمر أن هذا المال يجب أن يحبس على ضَعَفةَ المهاجرين وليس أعطيات لذوي البأس والشرف واللسان. فيما كان عمر يفرض عليه أن لايعطي شاةً أو بعيراً إلا بأذنه. فكان جواب خالد أما أن تدعني وعملي وإلا وشأنك وعملي.

وسمح عمر لبلال أن يأخذ عمامة خالد ويشد بها يديه من الخلف.

ولا نظن أن عمر بن الخطاب قد فعل ذلك مع عامة المسلمين، ومازلنا نتذكر غضبه على أبي موسى الأشعري لأنه شهر بشارب الخمر الذي شكا الأشعري عنده، وكان والياً على البصرة. فطلب إلى الوالي الاعتذار منه وقبول شهادته إن تاب وعوضه بمال عما لحقه من إهانة. فكيف يهان خالد بن الوليد بسلسلة من الاتهامات تتدرج في لائحة الاتهام على الصورة التالية: تهمة قتل مالك بن نويرة، ولم يكن من أهل الردة.

زواجه من أرملة مالك.

استحمامه بالخمرة.

تبرعه بعشرة الآف درهم للأشعث بن قيس.

فإذا أضفنا إليها لائحة أخرى من هذا الغرار يستعرضها خليل عبد الكريم في كتابه إياه واتهامه بقتل النساء وحرق البيوت في غزواته، فسيكون خالد بن الوليد نموذجاً لضابط إفريقي أو من أمريكا اللاتينية وما إلى ذلك ممن لا يلتزمون بأخلاقيات العسكر.

وفي اعتقادنا أن الكثير من هذه الروايات مردود لتعارضه مع طبيعة الحياة في تلك المرحلة المبكرة من بدء التطبيقات التجريبية للإسلام وتحت إشراف عمر شخصياً. ولعلي أنفي بعضها على الأقل، لاسيما رواية استحمامه بالخمرة والحوار بين عمر وخالد حولها، وكأن خالد ناشيء لم يعرف موقف الإسلام من الخمرة، أو كأن صاحب الرواية يصوّره على صورة أباطرة الشام في وقت لم يكن لهؤلاء الأباطرة حمامات من هذا القبيل. وانفي عن خالد أن يقتل امرأة ضعيفة. أما ما حدث في قتل مالك فالقاعدة الفقهية تقول: إن السلب للقاتل. لكن عمر لم يقتنع بهذه المسوغات.

أما من قتل خطأ في غزوات خالد، فالمعروف عسكرياً حتى في المناورات، سقوط عدد من القتلى بالنيران الصديقة.

ولا يأسف القائد العسكري على قتلى يقعون من قبل جيشه، وفقاً لقاعدة النيران الصديقة.

إن رجلاً عسكرياً بحجم خالد بن الوليد يتقبل إمارة من يصدر الخليفة قراراً بتأميره حتى لو كان طفلاً فيطيعه، هو طراز محترف من الذين وهبوا عبقريةً عسكرية تهون أمامها أخطاء القادة.

يروى عن خالد بن الوليد بعد أن عزله عمر بن الخطاب، وكان أميراً على قنسرين في بلاد الشام:

لقد استعملني على الشام حتى إذا كانت بثينة وعسلاً عزلني.

فقام إليه رجل فقال:

أجد أنها الفتنة

فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا.

والبثينة هي الحنطة. وعلى لونها سميت النساء بهذا الاسم.

المغيرة وأم جميْل:

نعتمد على مصْدر من مؤسسي المدرسة المصرية المعروفة بمرجعيتها العادلة ومنهجها العلمي وتساميها عن شطحات الفِرق وغلّ الرواة، فيقول محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق عمر بطبعته العاشرة: "إن أم جميل كانت إحدى نساء بني هلال وأنها كانت تغشى الأمراء والأشراف فغشيت المغيرة بنِ شُعبه، وهو على ولاية البصرة فأطعنه فيها قوم عند عمر فعزله عن ولايته.ِ والطبري يسوقُ قصة أم جميل هذه، وأنها كانت تغشى الأمراء والأشراف ويقول: وكان بعضُ النساء يفعلنَ ذلك في زمانها، أي في عهد عُمر.

فأُستدعي المغيرة لمحكمةٍ عُليا برئاسة عُمر، فشهد ثلاثة ضد المتهم، وارتبك الرابع وتلجلج حتى قيل في ذلك كلام خطير أن الشاهد رأى في وجه عُمر ملامح من عدم الرضا ومن الحرج إذا ما ثبت ذلك على بن شعبة وأقيم عليه الحد، فصدر القرار ببراءةِ المتهم وما يترتب على كذبِ الشهود من حد، لكن عُمر لم يوافق على إعادة المغيرة إلى ولاية البصرة وأبقاه في المدينة.

يقول علي الوردي في عدالةٍ كهذه، وهي وجهة نظر لمفكرٍ خالص النية لوجهِ العلمانية "إن الذي يريد أن يعدل بين الناس يجب عليه أن يراعي مشاعرهم قبل أن يراعي نص القانون، فالنص القانوني قد يستخدمه العادل والظالم معاً".

عمر ومحكمة نورنبرغ لأبي سفيان:

خرجت محكمة نورنبرغ التي شكلها الحلفاء ضد مجرمي الحرب النازيين بعد سقوط برلين، تنفيذاَ لتصريح أصدرته أمريكا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي ضد مرتبكي الحروب العدوانية،من كونها خاصة بالظرف الذي ظهرت فيه إلى سابقة دولية. وقد أوشك عمر بن الخطاب أن يعقد محكمة على هذا الغرار، لو ترك له الخيار عند فتح مكة، لمحاكمة مجرمي الحرب من قريش، وفي المقدمة منهم أبو سفيان بن حرب.

لكن شفاعة العباس بن عبد المطلب أو دوره حال دون ذلك.

كان العباس يخشى أن يدخل الرسول مكة عنوة قبل أن يستأمنوه حتى لا تهلك قريش آخر الدهر. فخرج على بغلة رسول الله البيضاء. وطلب إلى الإمام علي أن يبعث بعض الصحابة أو المارة فيخبر أهل مكة بمكان رسول الله ليأتوا إليه ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة.

وإذ كان يسير عليها ويلتمس ما خرج له، فإذ سمع صوتاً لأبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: مارأيت كاليوم قط نيراناً ولاعسكراً.

فعرف العباس صوته، وقال: ويحك يا أبا سفيان. هذا رسول الله في الناس، قال: فما الحيلة؟.

قال العباس: لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله، فأستأمنه لك. فركب أبو سفيان خلف العباس، وكلما مروا بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟. فإذا رأوا بغلة رسول الله قالوا: عمّ رسول الله على بغلته. حتى مروا بنار عمر بن الخطاب (والنار تعني الحاجز العسكري). فقال من هذا؟. وقام، فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال عمر: أبو سفيان عدو الله. الحمد الله الذي أمكن الله منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله، وركضت البغلة فسبقته. فدخل العباس على الرسول. ودخل عمر، فقال: يا رسول الله. هذا أبو سفيان. فلأضرب عنقه. فاعترض العباس قائلاً: يا رسول الله إني أجرته فجلس إلى جانب الرسول.  وأقسم أن لا يناجيه رجل دونه. وكان عمر يكثر في شأن أبي سفيان ويفصل القول، وكأنه مدع عام. يتلو حيثيات الجريمة. فأوقفه العباس وغمزه قائلاً: أما والله أن لو كان من رجال عدي بن كعب ما قلت هذا. ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال عمر: مهلاً يا عباس. والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام أبي لو أسلم.

فأمر النبي (ص) بإرسال أبي سفيان مع العباس، وبات عنده. ولم يكن أبو سفيان قد أسلم حتى صباح اليوم التالي.

أقول: لو جرى تثقيف الناس بتاريخهم لعلم خلق مهموم بربط عمر حتى هذه اللحظة بتاريخ الأمويين أن الرجل وحده عند فتح مكة كان مهموماً بإنزال القصاص بأبي سفيان وجماعته. لكن لرسول الله رؤية إلهية. 

عمر والسلفية:

السلفية مدرسة أخلاقية أكثر منها علمية. وتاريخية أكثر منها سياسية. ومحافظة أكثر منها متحركة. ومن يتعامل مع جانبها الأخلاقي سيكتشف فيها دعوة للسلم الأهلي، لكن في بطون التاريخ. فهي تميل إلى التسوية بين الفرقاء وتدعو إلى نظرية وحدة الصحابة وعدالتهم ولا تتساهل مع اختلاف الناس على رأي يميل لهذا عن ذاك.

في السياسة الإسلامية كانت السلفية منهجاً وفكراً ورجالاً هي الفضلى عند أهل السلطة، مادام السلفيون لا يتحرشون بأمن الدولة، خوف الفتنة. وفي الحق أنهم يحرصون على أن لا تضيع الدولة، وليس على السلطان ذاته. فكيف هي مع السلطان الظالم مادامت لا تقرُّ بظلمه؟.

وجوابها أن ظلم السلطان لا يلغي إسلام الدولة، فالسلطان قد يكون ظالماً، وقد يكون بعيداً عن التزاماته الشرعية، لكن المجتمع إسلامي. والحياة إسلامية، والقضاء إسلامي والدولة إسلامية.

 إن أحكامهم منعكسات لقناعات إيمانية. وهم حسنو الظن برجال صدر الإسلام وإن اختلف بعضهم عن بعض. وقاتل بعضهم بعضاً. وليس صحيحاً أن السلفيين أعداء للإمام علي وكارهون لأهل البيت، إلا من كان منهم ناصبياً سفياني الهوى، وليس منهم من يفضل معاوية على الإمام علي، وهم ملتزمون بقاعدة التراتب الرباعي. ومن خرج عن هذا التراتب خرج منهم. وقد لا يرضيهم في كاتب السطور أنه ممن لا يأخذ بنظرية التراتب الزمني للخلفاء.

أما منتقدو المنهج السلفي، فهم ليسوا فقط الآخذين بالمنهج العلمي الحديث، في دراسة التاريخ. بل هم أولاً المنتمون إلى المدارس الثورية في الفرق الإسلامية، ومنهم مفكرو التشيع.

لقد واجهت السلفية أربعة اتجاهات نقدية صارمة في البلاد العربية. كالمنهج العلمي الليبرالي لمدرسة طه حسين. والمنهج الماركسي الذي سار عليه اليسار العربي كحسين مروة وهادي العلوي وأحمد عباس صالح وصادق العظم وآخرين. ثم منهج العلمانية النزقة التي ظهرت مؤخراً بتحريضها على المقدس. واستخفافها بالدين والروح والغيب، ثم مدرسة التشيع وهي الأقدم في التاريخ.

ولو أريد لي أن أفصح عن ميل لمنهج أرجحه فليس سوى منهج طه حسين والمدرسة المصرية. وواقع الحال أن الحركات الدينية والسياسية في أيامنا هذه لم تخرج عن الفهم السلفي للتاريخ الخاص بها، فإذا كان السلفيون السنة يرون في الصحابة سلفهم الصالح، فالأئمة الاثنا عشر عند أهل التشيع هم السلف الصالح المقدس المعصوم. كما للاسماعيليين والزيديين سلفهم الصالح. وللماركسيين سلفهم اللينيني الماركسي الصالح ويحاول أصحاب المشروع القومي العربي أن يتفقوا على سلف صالح لهم.

ولو اعتنى هؤلاء القوم بميراثهم العربي الإسلامي الذي أغفلوه، لاكتشفوا في عمر بن الخطاب ما توصل إليه أبو عمرو الجاحظ في كتاب (العثمانية) وقد بدا له الرجل متعرباً. والمتعرب في لغة عصر الجاحظ هو محب العرب، والنافح عنهم كيد أعدائهم. ومانع السبي عن نسائهم. وراسم خارطتهم القومية الأولى. والمتعربون غير المستعربين، ولو كان دعاتنا متعربين لجعلوا عمر بن الخطاب سلفهم الصالح.

 

 

 

مستطـرف الرعية

هموم العقيدة والكينونة البشرية

 
 

احترام الكرامة الإنسانية

كان لعمر والٍ على الحيرة يكثر من الهزل، وقد حدث مرة، أن دعا رجلاً، فأمال عليه بالطعام والشراب، مادعا به، فمسح بلحيته، فركب الرجل من العراق إلى المدينة ليشكو عمر قائلا: لقد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إليّ ما أتى في مُلكك. قال: وماذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب مادعا به، فاحتبس الهزل فدعاني فمسح بلحيتي. فأرسل إليه عمر، فقال: هيه؟ أمال عليك بالطعام والشراب مادعوت به ثم مسحت بلحيته؟.

والله لولا، أن تكون سُنَّةً ماتركت في لحيتك طاقة إلاّ نتفتها. ولكن اذهب فو الله لا تلي عملاً أبداً.

وأبلغ عمر أن قائداً عسكرياً كان يجمع رجاله ويطلب إليهم أن يخبروه بكل ذنب أذنبوه، وهم يعترفون بذنوبهم طاعة له، فقال عمر: ماله لا أم له يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟ والله لا يعمل لي أبداً. 

وكتب عمر لرجل كتاباً بتعيينه والياً. فدخل الرجل عليه، فرأى بعض أولاد عمر في حجر أبيهم يُقبلّهم، فقال الوالي المرشح مستغرباً: تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما قبلّت ولداً لي قط!. فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لاتعمل لي عملاً، وردّه، ولم يستعمله.. أي ألغى قرار تعيينه!.

وعزل قائداً عسكرياً أمر أحد جنوده أثناء فتح فارس بالنزول إلى النهر في يوم شديد البرد لينظر للجيش مخاضة يعبر منها، فتوفي  الرجل بعد دخوله الماء، وكان عمر يتجول في سوق المدينة حينما بلغه الخبر، فاستدعى أمير الجيش، ووبَّخه قبل عزله.

إعفاء المعيل من خدمة العلم:

أعفى عمر بن الخطاب المعيل الوحيد لأبيه من الذهاب إلى الجهاد إلا بموافقة أبيه، وكان قانون التجنيد الإلزامي العراقي قد أخذ بهذا المبدأ بإطلاق، واستمر العمل به إلى أن استلم السلطة الرئيس صدام حسين فعطّل هذا الاستثناء العُمري الخلاّب، ومازال العمل مستمراً به في نظام التجنيد الإلزامي السوري حالياً.

وملخص الرواية أن شاباً اشترك في فتوح الشام تاركاً والده كهلاً عاجزاً، فالتقى مع عمر بن الخطاب وقرأ له أبياتاً كتبها إلى ابنه خراش.

ألا من مبلـغ عنّي خراشـاً   وقـد يأتيـك بالنبـأ البعيد

ألا فاعلم خراش بأن خير الـ  مهاجـر بـعد هجرته زهيد

رأيتـك وابتغـاء البرِّدونـي                   كمخضوب اللبـان ولا يعيد

فتأثر عمر وكتب بعودة خراش إلى أبيه وأمر بأن لا يغزو من كان له أب شيخ الا بعد أن يأذن له.

أبو العيال يخاطبُ الذاهبين إلى الثغور:

" ولكم عليَّ ألاّ ألقيكم في المهالك ولا أجمركم " أي أبقيكم مدةً طويلة " في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث، فأنا أبو العيال. حتى ترجعوا إليهم "

ولأنه أبو العيال أصدر قراراً بنفي نصر بن الحجاج فاتن النساء، حرصاً على نساء المجاهدين. وهو يقول:

" لو سَلمني الله لأدفعنّ عن كل أرملةٍ بحيث لا تحتاج لأحدٍ بعدي."

والأرملة كما هو المعروف عندنا، هي من فقدت زوجها، وكانت المرأةُ في العصور التي صُنعت فيه اللغة العربية تلتصق بالرمال عَوزَاً وفقراً لفقدِ مُعيلها فيعلوها الرمل... و تترمل!

يجوع ما جاع الناس

اشفق عليهم بسّري وعلانيتي مااستمرأوا الترف وما رددوا اسم عمر، وهم سلاطين الحاضر، الذين يتدللون على الزمان كما اشتهت شهواتها قبُّ البطون وحام على قول القائل، فإذا حاربوا فقراء شعبهم شهروا، عليهم سيفاً ينسبون لعمر، وادعوا شهادة لا يحفظونها حباً لعمر ضد الخارجين عليه! وعمر ألصق بمن وقع عليهم سيفه المسروق، واسمه المنتحل، وإلاّ فما الذي يجمع المترفين بجانب من شخصية عمر، وهم يرفعون لافتة شد الحزام على البطون في سنوات الحصار والجوع وعمر يجوع ماجاع الناس ولا يشبع بشبعهم.

حدث بعدما اشتدت المجاعة أن جيء عمر بخبز مفتون بسمن، فدعا رجلاً بدوياً فأكل معه فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك إلى جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك؟ وأجابه الرجل: أجل! ما أكلت سمناً ولا زيتاً ولا رأيت آكلاً له منذ كذا وكذا إلى اليوم. فحلف عمر لا يذوق لحماً ولا سمناً حتى يحيا الناس، وظل على هذا العهد حتى أذن الله فعاد المطر وزال عن الناس الجدب.

وقد كان جاداً في هذا العهد كل الجدّ. قدمت عُكّة من سمن ووطبٌ من لبن، فاشتراها غلام له بأربعين درهماً، وذهب إليه الغلام فقال له: قد أبر الله يمينك وعظم أجرك. قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن فابتعتهما بأربعين. قال عمر: أغليت فتصدق بهما فإني أكره أن آكل إسرافاً. وأطرق هنيهة ثم قال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما يمسهم.

قال عمر لرسوله الذي بعثه يلتقي عير الشام:" أما ما لقيت من الطعام فمل به إلى أهل البادية. فأما الظروف فاجعلها لُحفاً يلبسونها، أما الإبل فأنحرها لهم يأكلون من لحومها ويحملون من ودكها ولا تنتظر أن يقولوا ننتظر بها الحيا. وأما الدقيق فيصطنعون ويحرزون حتى يأتي أمر الله بالفرج".

لم يبعث عمر جباته عام الرمادة ليقبضوا الزكاة، بل أخّرهم إلى أن ارتفع الجدب. فلما أطمأن الناس إلى العيش وكثرت عندهم مادته أمر الجباة أن يسيروا إليهم وأن يأخذوا من كل قادر حصتين: حصة عن عام الرمادة، وأخرى عن العام الذي بعده، وأن يقسموا إحدى الحصتين على المعوزين، ويقدموا عليه بالثانية. بذلك زاد في تخفيف الفقر عن الفقراء، ثم لم يرهق غيرهم ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به.

عزل المصابين بأمراض معدية

رأى عمر امرأة مجذومة تطوف بالكعبة فقال لها: يا أمة لو تقعدين في بيتك لا تؤذين الناس فقعدت فمرّ بها رجل بعد ذلك فقال: إن الذي قد نهاك قد مات فأخرجي فقالت: والله ما كنت لا طيعه حياً وأعصيه ميتاً.

أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد طنفسة فرآها عمر عندها فقال: أنى لك هذه؟.

فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري، فأخذها عمر فضرب بها رأسها حتى نفض رأسها وطلب الأشعري وأوتي به وقد أتعب وهو يقول: لاتعجل عليّ يا أمير المؤمنين.

فقال عمر: ما يحملك أن تهدي لنسائي ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: خذها فلا حاجة لنا فيها.

يحفظ عروبة المسيحي حتى لا ينفّره من الإسلام:

يقول محمد حسين هيكل في الجزء الأول من كتابه "الفاروق عمر" وإنما أصر نصارى بني تغلب على ألا يؤدوا الجزية إن كان في قومهم عزّ وامتناع يرون في أداء الجزية آية خضوع ومذلة لا تليق بهم ولا تتفق وما عرف الناس لهم من إكرام وكرامة. وكرامتهم وقوتهم هما اللتان جعلتا الوليد بن عقبة يريدهم على الإسلام ليكون لهم به قوة ومنعة. ولقد كان تشدد عمر معهم في أمر الجزية بادئ الرأي ثم قبول صدقتهم مضاعفة بعد مشورة الإمام علي بن أبي طالب، سياسة منه يحمد عليها، مع مخالفتها لموقف أبي بكر من أهل الردة، ومخالفتها لموقفه هو من أعدائه الأقوياء في فارس والروم. فبنو تغلب عرب، وكان عمر حريصاً على عزة العرب. ولئن أقام على نصرانيته منهم من أقام ليرجعن هؤلاء جميعاً إلى الإسلام ولو بعد حين. والرفق في هذا الموقف أبلغ. وقد دلت الأيام على حسن فراسة عمر وبعد نظره إذ نصرت تغلب المسلمين من بعد نصراً عزيزاً، وأيدتهم على أعدائهم في مواقف كثيرة.

لم يكتف عمر بقبول الصدقة من هؤلاء النصارى! بل رأى أن ما بينهم وبين الوليد بن عقبة من خلاف قد يدفعهم إلى إخراجه فيضعف صبره فيسطو عليهم. لذلك عزله عنهم وأمر عليهم فرات بن حيان كيما يطمئن إلى استتباب الأمن واستقرار الطمأنينة في ربوعهم. تم ذلك كله في السنة السابعة عشرة من الهجرة فتم استقرار السلطان للمسلمين بالشام من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.

عهد عمر إلى النصارى في بيت المقدس

" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية ومن أحّب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم أن يبلغوا مأمنهم. ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله. فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية". وختم عمر الكتاب بتوقيعه.

سفط نهاوند

عثر المسلمون في غنائم نهاوند على سفطين(*) مملوءين جوهراً نفيساً من ذخائر كسرى فأرسلهما حذيفة بن اليمان أمير الجيش إلى عمر مع السائب بن الأقرع، فلمّا أوصلهما له، قال:" ضعها في بيت المال، والحق بجندك".

فركب راحلته ورجع، فأرسل عمر وراءه رسولاً يخّب السير في أثره حتى لحقه بالكوفة فأرجعه.

فلما رآه عمر قال: مالي وللسّائب، ماهو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها، فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان ناراً؟ يتوعدوني بالكيّ إن لم أقسمها، فخذهما عنّي، وبعهما في أرزاق المسلمين. فبيعا بسوق الكوفة.

وبعد معركة نهاوند تسارع زعماء الفرس من همدان، وطبرستان، وأصبهان، وطلبوا الصّلح، وتمّ لهم ذلك على التوالي.

خضيراء الوالي

حذر النبي (ص) في واحدة من أبلغ صور الكلام العربي الرجال من الاطمئنان للمرأة الجميلة في منبت سيء قائلاً: إياكم وخضراء الدمن، وشاعت كلمة الخضراء في الدلالة على المرأة الجميلة الزاهية الجذابة المغرية التي تعيش في حمأة العفن، مثلها مثل العشب الأخضر الزاهي الذي ينبت عادة فوق المزابل والدمن فتنجذب الإبل إليه فإذا اقتربت من أنوفها عافتها الإبل لزفرة فيها.

أما الخضيراء عند عمر فهي الزوجة أو المرأة المدللة أو التي لها على زوجها تأثير وغنج. لقد بلغه أن زوجة مجاشع بن مسعود كانت تجدد بيتها أكثر من مرة فعّد ذلك من السرف والتبذير وربما دلَّ ذلك عند عمر على أن لمجاشع فضلاً من المال، فكتب إليه:

" بلغني أن الخضيراء تُحدّث بيوتها فإذا أتاك كتابي هذا فعزمت عليك ألا تضعه من يدك حتى تهتك ستورها ". أي تزيل الديكورات والإضافات التي أحدثتها الخضيراء.

فأتاه الكتاب وهو في مجلس فانطلق بالكتاب إلى داره ومعه بعض مجالسيه فهدموا ما جددته الخضيراء.

يمنع زوجاته من السياسة:

وكان عمر يمنع أزواجه من التدخل في شؤون الدولة. فعندما كتب على بعض عماله فكلمته امرأته فيه قائلة: يا أمير المؤمنين فيم وجدت عليه، أي ما الذي أغضبك منه؟.

قال: يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا إنما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين. وفي رواية: فأقبلي على مغزلك ولا تعرضي فيما ليس من شأنك. ولعلي أقرب إلى تصديق الرواية الثانية، حيث يحدد عمر مهمة المرأة في ذلك الوقت أما أن تكون لعبة فهو مما لا يتوافق والذائقة العمرية. لكن الراوي أراد ألا يغال في عزل المرأة لأغراض الفراش، فيما عمر أعطاها المغزل ويعني به الوظيفة الإنسانية وليس التحديد. وهو القائل: والله لئن سلمني الله لادعّن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي أبداً.

ويستمع إلى امرأةٍ برزت على ظهر الطريق، وهو خارج من المسجد، فسلم عليها فردت عليه السلام، وقالت: ياعمر. عهدتك وأنت تسمى عميراً بسوق عكاظ تذعر الصبيان بعصاك فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر. ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين. فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد.

فقال جارود العبدي وكان مرافقاً لعمر: أكثرت  يا امرأة على  أمير المؤمنين.

فقال عمر: دعها. أما تعرف هذه؟ هذه خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها فوق سبع سنوات. وعمر أحق أن يسمع لها وكان يشير إلى آية كريمة نزلت فيها:

 )قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها(.

يمنع التشهير بشارب الخمرة

قضى أبو موسى الأشعري والي البصرة على رجل شرب الخمرة بضربه وتسويد وجهه والتطواف به في المدينة، ونهي الناس أن يجالسوه. فأوشك الرجل أن يهم بقتل الأشعري، لكنه رأى من الحكمة أن يتوجه إلى المدينة ليشكوه عند عمر، فقال عمر للمشتكي:

إن كنت ممن شرب الخمر فلقد شرب الناس الخمرة في الجاهلية، وأمر له بكسوة ومائتي درهم. وكتب لأبي موسى الأشعري بأن يأمر الناس ان يجالسوه ويخالطوه، حتى قبل التوبة فإذا تاب فاقبل شهادته.

وكانت الخمرة قد شاعت في المجتمع أثناء الفتوحات. وهي مشكلة جعلت عمر في أول قضاء شرعي لحد الشارب، أن يعقد مجلساً يستفتي به الصحابة حيث لم تُحَدّ شارب الخمرة لا في زمن الرسول ولا في ولاية أبي بكر، فاقترح الإمام علي حده بثمانين جلدة، وهذا هو حد القذف. إذ اعتبر الإمام كل شارب خمرة خارجاً عن إرادته فاقداً للسيطرة على عقله ولسانه فيأخذ بالشك والقدح والقذف.

إن القضاء عند عمر يفرق بين الحد القانوني للعقوبة، وبين التشهير باعتباره مساساً مباشراً بكرامة الإنسان.

ينفي الوسيم البطران!

سمع عمر، وهو في العَسِّ، امرأة تتغنى ببيت من الشعر، عن فتى يدعى النصر بن حجاج، ولو أن الله أعطاها رجلاً على تمامه!.

وفي اليوم التالي استفسر عمر عن هذا الاسم، وأمر باستدعائه فشخص الفتى أمامه وهو على جانب من الوسامة، فسأله عن عمله، ولما أيقن أن الفتى بطران، يعتاش من العطاء، ويتجول في حارات المدينة. وكانت أوصافه أقرب إلى وسامة المغني الأمريكي الشهير " إلفس برسلي"، قضى عمر بحلاقة شعره المتهدل. فإذا به أكثر وسامة !.  فقرر نفيه إلى البصرة، ليكون قريباً من ثغور المجاهدين، بعيداً عن نسائهم اللائي قد يُفتنَّ به، ولم يوافق عمر على توسلاته بالعودة إلى المدينة قائلاً:

 أما وأنا حي... فلا!.

ولا ندري إذا ما أعاده عثمان بن عفان في خلافته، مع من أعيدوا من المطرودين إلى المدينة؟.

إن قصص عمر وحركته واجتهاده، تكسر القول بوحدة الصحابة، وتمنحه فرادة هي مزيج من صلابة المعتقد، وانفتاح الحياة، وطول التجربة، والشجاعة في الرأي،.. والإلهام الخاص، والحرص على مصالح الناس.. وامتلاك المزاج الجميل. 

ينزع ثياب الحيطان

في زيارته إلى الشام دخل عمر إلى بيت أحد ولاتِهِ هناك يزيد بن أبي سفيان، فرأى قماشاً يتدلى على الحائط، فاستغرب أن تلبس الحيطان ثياباً زاهية من مصنوعات حلب أو دمشق، فاتجه إليها قبل أن يأخذ مكانه في الجلوس وشرّعَ يُقطع أوصالها

قائلاً: "ويحك أتلبس الحيطان ما لو ألبسته قوماً من الناس لسترهم من الحرِ والبرد".

يفضل لغة الصحافة:

وأنت تصغي لرواية عن عمر تطوي القرون والتواريخ، فتراه على شاشة التلفزيون قاضياً يتحدث في الحقوق الدستورية للمتهم، وداعية اشتراكياً مهموماً بالمسحوقين، وتراه قائداً عسكرياً يشرح على خارطة الحائط حركة الفيالق ويؤشر على منافذ التسلل خطوط الرجعة. أمّا أن يفرق هذا الرجل بين مفهوم الأديب ووظيفته والصحفي ووظيفته بما يلتبس الأمر علينا في عصر الثورة الإعلامية والانترنت، فهو الصدمة لي شخصياً كوني أمتهن الصحافة.

تقول الرواية:

إن رجلاً يدعى صحّار العبدي بُعِثَ إلى عمر عندما فتح المسلمون أرض مكران في بلاد فارس، فوصله مع أصحاب الغنائم. وكان من عادته أن يسأل القادم من الأرض المفتوحة عن أهل تلك البلاد وعاداتهم وطبيعة الأرض، وكيف يعيش العرب خارج الجزيرة. فانطلق العبدي قائلاً:أرضٌ سهلها جبل. وماؤها وشل. وثمرها دقل(*).  وعدوها بطل. وخيرها قليل وشرّها طويل. والكثير فيها قليل. والقليل بها ضائع وما وراءها شرٌ منها.

فقال عمر: أسجَّاع أنت أم مخبر؟. أجابه: بل مخبر!.

والسجاع هو الخطيب الذي يتحدث ساعة قبل أن يصل إلى البضاعة، فيأخذه السجع وينسيه التحليل العلمي، أو الوصف الطبيعي للأشياء وهذا فعل الصحفي الذي عرفه عمر آنذاك ومن نسميه اليوم بالمندوب المحلي والمخبر في الجريدة.

لقد أستكثر عمر على المتحدث خروجه من الواقع إلى البلاغة. وطالبه بأن تكون لغته مثل محرر الأخبار المحلية في وكالة الأنباء العراقية سابقاً.

فكتب عمر إلى أمير الجيش أن لا يجوز مكران وأن يقصر إلى مادون النهر.

جرائم الجنس في عهده..

أحصينا لدى محمد الصلابي  في كتابهِ العمري الجامع المانعَ خمساً وعشرين جنحةً وجناية من هذه التي تنشرها الصحافة العربية عن سجلات الشرطة اليومية في أيامنا هذه وهي تعكس جانباً من حركة الجريمة اليومية في عهد عمر خلواً من جريمةٍ سياسية لأن تعاليم الخليفة لم تتحدث عن حظر النشاط السياسي أو مراقبة الناشطين، فَلم يُسجن أو يعاقب شخصٌ يحتفظ برأي مخالف لرأي الحكومة، ولم تُراقب حركة أبي لؤلؤة مما سهّل له فعلَ الاغتيال المشين على تلك الصورة السهلة.

ومن بين (25) حادثة مسجلة احتلّ الجنس المرتبة الأولى واستقلّ بإحدى عشرَ قضية يشكلُّ الزنا محورها الأساسي أو أن تتصل بقضية زواج غير شرعي، وتشير الحالات المدونة إلى مفارقات جريئة لا يملك القارىء المعاصر إلاّ أن يقدرَ الأمانة العلمية والصحفية للمؤرخين العرب، الذين لم يغفلوا تدوينَ أخبار الزنا ولو كان المتهم بها صحابياً كالمغيرة بن شعبة.

إن أخبار الجنس في عصر الصحابة في الكتب الإسلامية لا تُوردُ إلاّ إذا كان المتهم قد أخذ حكم البراءة فيما تُسِرفُ مناهجُ البحث الأخرى في استعراض تفاصيل الجرائم الجنسية بما يُخرجها من التاريخ إلى التشهير السياسي.

من طرائف هذا السجل أن امرأةً قد تسرّت بغلامها أي عاشرته المعاشرة الزوجية فلما سُئلت قالت، أليس الله يقول ما ملكَت أيمانكم فهذا مُلك يميني.

ورُفع الأمر إلى عُمر فقال لها: لا يحلُّ لكِ ملكُ يمينك.

وفي رواية أخرى: وفرّق بينهما وجلَدَها مئةَ جلدة تعزيراً لا حدّاً  واسقط عنها الحد لجهلها بالتحريم.

ومعروف شرعاً أن الرجل وَحدَه له حق التسري والمعاشرة الزوجية مع ما ملكت يَمينُهُ من النساء.

والذي يبدو أن هذه المرأة أرادت أن تتساوى في هذا الحق مع الرجلِ. ولا أظنها جاهلةً مادامت أشارت إلى النص.

وأوتي عمر بمجنونةٍ قد زنت فاستشار الناس فأمر بها أن ترجم لكن القدر أنقذها عندما مرّ بها الإمام علي بن أبي طالب، فقال: ارجعوا بها وقالَ لعمر أما علمت أن القلم قد رُفع، فذكر الحديث وفي أخره قال عمر بلى، فقال الإمام علي ما بال هذه تُرجم. فأرسلها وجعل عمر يُكبّر، لكنّه أي عمر صَلَبَ رجلاً غير مسلم اغتصب مسلمةً واستكرهها على الزنى.

وكان عمر لا يُعاقب المُستكرهات على الزنى. وقد أُتي بنساء من إماء الإمارة استكرههن غلمان من غلمان الإمارة فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء. 

وتدخل الإمام علي مرةً أخرى فأنقذ متهمةً بالزنى كانت استسقت راعياً فأبى أن يسقيها إلاّ أن تمكنه من نفسها ففعلت، ورُفع أمرها إلى عمر فقال لعلي: ما ترى فيها يا أبا الحسن.

قال الإمام: إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئاً  وتركها.

وكما يتزوجُ الرجلُ أكثر من واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، تزوجت امرأة رجلاً على زوجها وقد تكتمت على زواجها فرجمها عُمر ولم يَرجِمُ الزوج لعدم عِلمِهِ بزواجها.

الجنس والمشاهير:

كما تطارد عدسات المصورين حتى الموت زوايا الحياة الخاصة بالمشاهير لتنشر أخبارهم الشخصية مكبّرةً بمانشيت عريض في صحف التابلويد الفاضحة. كانت عيون الرواةِ تُحصي على مشاهير الصحابة ومجتمع المدينة عثراتِ القدم وشطحات اللسان ولو حدَثَ ما هو أفضحُ لغيرهم تُسِترَ بالإهمال وعدم الاكتراث.

وبأسباب تتصل بثراء الفتوحات واتساع المجتمع وتلون أطيافه، أُثقل هذا العصر بقصص الجنس والمشاهير مما التقطه مؤرخون محترفون ثقاة كالطبري والبلاذري وابن الأثير ولو كان الملقوط صحابياً أو قائداً عسكرياً بحجم خالد بن الوليد  والمغيرة بن شُعْبَه.

فماذا كان موقف عمر من قصص الجنس في عهده؟

تبدو لي أن سياسته تشبه السياسة البريطانية والأوربية بشكلٍ عام حالياً باعتبار الحديث في أسرار الحياة الشخصية مُباحاً عندهم إذا كان صاحب القِصة ممن يعملُ في الخدمة العامة كالرؤساء والأمراء والوزراء ورجال الأعمال. ويُحرّمُ الحديث في هذه القصص إذا شملت ناساً بُسطاءْ من عامة المجتمع.

وبهذا يمكن أن نخلص إلى حل الإشكال بين موقفين لعمر: أحدهما ينحو منحى الإشهار وإقامة المحاكمة وتنفيذ الحكم. وآخر هو الإستار وقد عزل والياً على مدينةٍ صغيرةٍ حين بلغه أنه كان يَجمعُ الجندَ ويطلب إليهم الكشف عن أسرارهم الخاصة وما يفعلونه وراء الكواليس. فقالَ له عمر: أتكشف ما ستره الله؟

وفي حادثةٍ أخرى عرضَ عليه رجل قصة ابنته التي جنحت والموقف منها وبعد أن فصّل له الرجلُ فروعَ القصة فَرَدَعُه قائلاً: أتكشف ما ستره الله: انكحها نكاح  العفيفة.

ولا ينبغي أن يُفهم من كلامنا أن عمر كان يتساهل مع الجريمة الجنسية. إنّه إنما يمنع الإشهار وتداول الخبر الجنسي، لكنه لا يسكت عن جريمةٍ جنسية.

وفي السياق ذاته يورد الفقهاء مسائل الجنس في كتبهم إلى حدّ طغيانها على مسائل الحقوق المدنية والسياسية في المجتمع الإسلامي، مما أنكره الإمام الخميني على فقهاء عصره احتجاجاً على انشغالهم بما اسماه بقضايا الحيض والنفاس.

وتُدرس جرائم الجنس في كتب القضاء الإسلامي وما صدر فيها من أحكام.

أربعة خلفاء وأربع دعاوى:

وجد الخلفاء الراشدون الأربعة أنفسهم أمام إشكال قانوني سياسي إزاء متهمين بالقتل، فماذا عليهم أن يفعلوا إزاءهم، وكان أي منهم يواجه من شركائه الصحابة رأياً مختلفاً.

إن عمر بن الخطاب كان مصراً على معاقبة خالد بن الوليد المتهم بقتل مالك بن نويرة، لكن الخليفة أبو بكر رأى غير ذلك فقبل تبريراً لخالد لم يقبله عمر، ومازالت التهمة ملتصقة بابن الوليد في كتابات جميع المؤرخين عدا أصحاب المنهج السلفي، لكن عمر يواجه إشكالاً مماثلاً مع الهرمزان القائد الفارسي الذي غدر بعد إعطائه الأمان، ثم ألقي القبض عليه وهو متهم بقتل اثنين من الصحابة فعرض إسلامه الهش فقبل به عمر.

أما عثمان فهو الآخر يواجه في اليوم الأول لاستخلافه مشكلة عبيد الله بن عمر الذي قتل الهرمزان ورجلاً مسيحياً وابنة أبي لؤلؤة. وكان رأي بعض الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب أن يقتل عبيد الله بهم. فعفا عثمان ودفع الدّيات من جيبه وكانت تلك بداية مشكلة مع عبيد الله ضد الإمام علي الذي كان يصر على معاقبته كإصرار عمر على معاقبة ابن الوليد، وترسم المقادير وضعاً مماثلاً لوضع عثمان عندما استخلف الإمام علي بعد مقتل عثمان فطالبه الصحابة بقتل قاتله، والمتهم هذه المرة هو محمد بن أبي بكر، فالتبست الأمور واشتبكت الآراء قبل اشتباك السيوف في معركة الجمل وماتلاها من انشقاق معاوية على مركز الخلافة.

العفو عن الهرمزان:

لما أسر الهرمزان حمل إلى عمر من تستر إلى المدينة، ومعه رجال من المسلمين، منهم الأحنف بن قيس، وأنس بن مالك، فأدخلوه المدينة في هيئته وتاجه وكسوته، فوجدوا عمر نائماً في جانب المسجد، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه، فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: ها هو ذا، قال: أين حرسه؟ قالوا: لا حاجب له ولا حارس. قال: فينبغي أن يكون هذا نبياً، قالوا: إنه يعمل بعمل الأنبياء. واستيقظ عمر، فقال: الهرمزان؟ فقالوا: نعم، قال: لا أكلمه أو  لا يبقى عليه من حليته شيء، فرموا ما عليه، وألبسوه ثوبا صفيقاً، فلما كلمه عمر، أمر أبا طلحة أن ينتضى سيفه ويقوم على رأسه، ففعل. ثم قال له: ما عذرك في نقض الصلح ونكث العهد؟ - وقد كان الهرمزان صالح أولاً ثم نقض وغدر فقال: أخبرك، قال: قل، قال: وأنا شديد العطش! فاسقني ثم أخبرك. فأحضر له ماء، فلما تناوله جعلت يده ترعد، قال: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أمد عنقي وأنا أشرب فيقتلني سيفك. قال: لا بأس عليك حتى تشرب، فألقى الإناء عن يده، فقال: ما بالك؟ أعيدوا عليه الماء. ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش، قال: إنك قد أمنتني، قال: كذبت! قال: لم أكذب، قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قال: ويحك يا أنس! أنا أومن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك! والله لتأتيني بالمخرج أو لاعاقبنك، قال: أنت يا أمير المؤمنين قلت: لابأس عليك حتى تشرب. وقال له ناس من المسلمين ذلك فأقبل على الهرمزان وقال خدعتني والله لا أخدع إلا لمسلم فأسلم فعرض له على ألفين أي خصص له راتباً وأنزله المدينة. 

  

 

ســياســته العـلـــويــة

التأسيس المشترك والإدارة الجماعية .

وأهل البيت على الراس



 

علي المؤسس لا المستشار:

بنوايا بيضاء ورغبة مخلصة لتوشيج النسيج الإسلامي يكتب محمد الحاجي مؤلفه علي بن أبي طالب مستشار أمين للخلفاء الراشدين. وبذات النية والهدف والاتجاه يكتب الدكتور الفقيه محمد سعيد رمضان البوطي عن التعاون المتميز الصافي بين عمر وعلي، فيقول: " إن الإمام علي هو المستشار الأول لعمر في سائر القضايا والمشكلات وما اقترح علي على عمر رأياً إلا واتجه عمر إلى تنفيذه عن قناعة ".

ويستعرض الدكتور علي محمد الصلابي في مفصله عن عمر بن الخطاب جوانب من هذه الاستشارات الكبيرة منها والصغيرة.

وفي تذوق لغوي وذائقة تاريخية وسياسية لا أجد في مصطلح المستشار إلا ماتعافه نفسي، أما أن يكون أولاً فليس ذاك عندي سوى أن جعلنا من الإمام علي واحداً من عشرات المستشارين. وهو ما تستنكره سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري ومروج المسعودي. فالمريد الراضع حليب القرآن في يوم مولده والمولود في رحاب الكعبة والفتى والسيف والجذر والصهر والإمامة وبيت النبوة في بيته ليس موظفاً تحت الطلب يحتاج إليه في يوم وينسى شهراً أو شهوراً.

لم يكن مركز إدارة الصراع العالمي الذي تأسس في المسجد النبوي، والمدينة عاصمة العالم الجديد، دائرة حكومية فيها رئيس ووزراء تنفيذيون وجملة مستشارين ممن لم يلصق بهم اللقب إلا لعجز في القدرة على القيادة أو لبطالة.

لا نشك أن مصطلح المستشار المستخدم في الكتابات المتأخرة عند التوفيقيين أو في المدرسة السلفية إنما يراد به الردّ على فريق من المسلمين  القائلين باعتكاف الإمام علي في حجرة واصّرارهم على أخذ الإمام علي إليها ليعلن القطيعة الكاملة ليس فقط بين علي وعمر وعلي ودار الخلافة، بل بين علي ومركز إدارة الصراع الجديد وإخراجه من دائرة الصراع، فيقول العلامة السيد كاظم القزويني في كتابه (الإمام علي من المهد إلى اللحد) إن الإمام علي كان جليس البيت منذ وفاة النبي إلى ظهور اسمه في هيئة الشورى، الذي أوصى به عمر قبيل وفاته عام 23 للهجرة.

وليس هذا من المقطوع به عند جميع فقهاء التشيع، فالعلامة المؤرخ هاشم معروف الحسني في كتابه (سيرة الأئمة الاثني عشر) يقول غير هذا ويرى أن أية معارضة لم تصدر من الإمام علي على خلافة عمر لا في القول ولا في الفعل، وهو ذاته ماقال به المرجع الشيعي الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها).

ومرجع ماذهب إليه القائلون بمصطلح المستشار أن آلية إصدار القرار في ولاية عمر تعتمد على مبدأ الشورى الذي توسع به الخليفة الثاني بالمقارنة مع ولاية أبي بكر وولاية عثمان بن عفان. فلم يوسع أبو بكر فيها حرصاً على أن لايخرج عما سار عليه النبي (ص) قبله.

ولكون عثمان قد أحيط بمستشارين من المسلمين الجدد القادمين من الفرع الأموي فلم يعد قدماء الصحابة يجدون في مجلسه ماكان متوفراً ومتاحاً لهم في شورى عمر. وقد يكون مصطلح المستشار اشتقاقاً لغوياً غير سليم عن مصدر الشورى إذ لا يُدعى عضو الشورى مستشاراً ولم تستخدم حتى الآن صيغة اسم الفاعل لهذا المصدر.

وفي الشورى مشاورة ومناقشة في مجلس يتساوى فيه الأعضاء في المكانة النوعية كمنتخبين والكمية كأعداد في التصويت، وإن كانت آلية عمر في الشورى تميل إلى الترجيح وليس إلى التصويت.

وبسبب ثقل الإمام علي واتساع خبرته وعمق صلته بالإسلام وتفرغه الأكاديمي لدراسة القرآن والحديث الشريف في فترة اعتكافه بعد مبايعة أبي بكر، والتي استمرت ستة أشهر فقط، فيما أحالها فريق من المسلمين إلى قطيعة مازالت قائمة حتى يومنا هذا، كان رأي الإمام مرجّحاً والمقترح الذي يشير به إلى عمر كما يقول البوطي مقبولاً عند عمر عن قناعة.

كان الشريف الرضي فقيهاً وشاعراً معاصراً لأبي العلاء المعري ومن أحفاد الإمام موسى الكاظم يجيز العمل مع السلطان، ولا يرى في الدولة العباسية دولة غصبية أو مغتصبة، خلافاً للسائد الشيعي.

ويشترك معه شقيقه الشريف المرتضى في هذا الرأي، وكانت لهما صلة طيبة مع دار الخلافة أعادت إلى الأذهان الأيام العمرية العلوية.

لكن الشريف الرضي لم يستسغ في أعماقه أن يكون أقل من الخليفة شأناً ومكانة مع أنه لم يكن الإمام ولا الفقيه الأول فخاطب الخليفة ذات يوم بقصيدة تبدو لي الآن وكأنها تنقّط على معجمات الحروف في مصطلح الاستشارة والمستشار.

عطفاً أمير المؤمنين فإننا          في دوحة العلياء لا نتفّرق

وكلاهما الرضي والخليفة في المعالي معرّق. لكن الرضي حرّ مطلق من مسؤولية الخلافة والخليفة مطوقاً.

ولا يكون المقبول في علاقة الإمام الأول علي بن أبي طالب بعمر بن الخطاب بأقل من مقبول علاقة الشريف بالخليفة.

في يوم السقيفة:

عمر منع الفراغ وعلي منع الانشقاق

هل أوصى النبي (ص) للإمام علي من بعده في غدير خم، وهو حديث توثقه المراجع الإسلامية الأولى عند الفريقين، ويختلفون فيه على حدود الولاية وكيفية التعامل مع خبر الولاية في كتاب عن عمر والتشيع وما بين الاثنين خلاف على النص هو الأصل في ظهور التشيع عند بعض المؤرخين؟.

وما الموقف في قول عمر في النبي (ص) حينما حضرته الوفاة وطلب أن تدون له وصية (انه ليهجر)؟.

وما الموقف من السقيفة؟.

أما إيراد الروايات فلا يزيد الحديث معلومة جديدة على المتداول في أروقة السجال منذ وفاة النبي (ص) حتى اليوم.

وإذا كان مؤرخو الإسلام وفقهاء وأئمة المذاهب لم يتوصلوا إلى اتفاق مشترك فهل سينتهي السجال بما يقوله كاتب لم يخرج من ضلع الحوزة ولا دخل الدرس في مشيخة الإسلام ولا وضع نفسه في مشتجر الخلاف؟.

السبيل الأسلم أن نتعامل مع تلك التساؤلات والأحداث والسجالات بطريقة الإمام علي، الذي تتحدث الروايات عن اعتراضه واحتجاجه وعدم ذهابه إلى بيعة أبي بكر فدخل في القطيعة فعلاً ستة شهور قرر في نهاية الأمر أن لا يكون أوائل بناة مشروع الدولة الإسلامية سبباً في تقويضها وهي مهددة بارتداد قبائل العرب، حتى لم يبق مع مركز الخلافة سوى الأوس والخزرج وقريش وثقيف، فأنهى الإمام شهور القطيعة وقرر البدء بمرحلة المشاركة في العملية السياسية قائداً بارزاً واسماً لامعاً في تاريخ التأسيس الإسلامي الأول.

وفي فترة احتجابه سيطر الإمام علي على مستوى لدرجة الاحتجاج لا يتحول فيه الخلاف إلى معارضة والمعارضة إلى حركة مسلّحة خلافاً للمألوف العربي الطويل وتقاليد المعارضة والاحتجاج، التي كانت لا تضع حواجز بين الرأي والخلاف والخلاف والتعبير المسلح عنه، فلم يكن ثمة برلمان تتحادث داخله المعارضة، ولا صالة يجتمع إليها السلطة والمعارضة، والقاعدة العربية المعمول بها في تاريخ العرب والمسلمين أن الاعتراض السياسي ينتهي في أقصر زمن بالاحتكام إلى السيف. وقومي تميم والفلاة ورائيا.

خرج الإمام علي على تقليد سائد في اللجوء إلى قوة السلاح أو حتى إلى حجج اللسان، فأحال شهور القطيعة الستة إلى معتكف علمي لدراسة القرآن ومراجعة الأحاديث النبوية وترتيب الأوراق والأولويات وأوراقه الشخصية وتنشيط الذاكرة وتسجيل شهادته في أسباب النزول، فأسست في شهور القطيعة الستة لأول مرة في تاريخ العرب والمسلمين ظاهرة السياسي المثقف والخليفة الفقيه ومن يسمى الآن آية الله أو المرجع الدستوري في الدولة. فجددت تلك المرحلة عشرين عاماً من التلمذة الروحية لمريد النبي (ص) والتربية العائلية لربيب ابن عمه والمشاركة اليومية في حياة داخل مسكن واحد فكبر مقامه الكبير في نفوس المسلمين وأضيفت لنفوذه الروحي أسباب الورع والزهد والبعد عن النَفَس في الرياسة وتعالٍ عن الخلاف، ولم يكن لرجل بدور الإمام في بناء الإسلام إن يبتعد في القطيعة إلى أكثر مما انتهى إليه قراره. وكان من الطبيعي أن يكون أصحاب الإمام وهم من رجال الصحبة الأوائل قد بايعوا معه ومعهم الهاشميون الذين لم يباعوا بعد، ولم يقاطع أي من أصحاب الإمام وبني هاشم مركز الخلافة، واندمجوا في الدولة الجديدة ولاةً وقادةً وأمراء مابين البصرة والكوفة والمدائن.

كانت سابقة للإمام علي قد تبدو فريدة في التقاليد السياسية للخلاف في الدولة الإسلامية، حيث لم يلجأ إلى الثورة ولا إلى شيء من التنظيم السياسي لحزب معارض فاعتمدت الشيعة الأمامية بعد مقتل الإمام الحسين ذلك نظرية عمل مقابل فريق شيعي آخر تزعمه الإمام زيد بن علي بن الحسين، وكان تواصلاً للطريقة العربية في ربط المعارضة بالثورة التي عبّر عنها الإمام الحسين في معركة الطف بكربلاء.

لابد أن اتجاهات داخل الفرع الأمامي كانت في وضع حرج بين إعلان المصالحة والمشاركة حيث تصالح الإمام علي وبين فكرة الخروج على الخلافة إلى الثورة المسلحة في النظرية الزيدية، فتكون قد خرجت على شروطها، ولم تحتمل تلك الاتجاهات رؤية الإمام علي في المسجد النبوي إلى جانب أبي بكر وعمر وأبي ذر وسلمان وعمار بن ياسر ومعهم صحابة قادمون من المعسكر السفياني، الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة، استفادت تلك الاتجاهات من انقطاع الإمام علي في الشهور الستة الأولى عن مركز الخلافة لصياغة نظرية القطيعة المستمرة ورفض المروي عن تصالح الإمام مع مركز الخلافة واستبعادها أن تكون علاقة الإمام حسنة مع عمر بن الخطاب الذي يحّمله ميراث التشيع الرسمي مسؤولية عدم الأخذ بحديث الغدير ومنع النبي (ص) من تدوين وصيته وأخذه بيعة أهل السقيفة لأبي بكر ومهاجمة بيت الإمام علي وكسر ضلع الزهراء وإسقاط جنينها.

حدث ذلك في يوم واحد، وهو اليوم العمري عند فريق الأغلبية من أهل التشيع المكرر كل يوم والموجود في التاريخ والمنقوش في الذاكرة والموروث للأجيال. هو ليس يوماً في التاريخ، إنما اليوم الذي ألغى التاريخ، فخرجت حركة ذلك اليوم عن كونها فعلاً سياسياً وخطة قرشية إلى البعد المعياري المقدس الذي تجرب على ضوء القبول به ورفضه نوايا الأتباع واختبار الحقائق، ودخل مصطلح السقيفة أو يوم السقيفة وأهل السقيفة في المعجم السياسي للتشيع بما يفقد المكان دلالته المكانية إلى دلالته المعيارية، ويكتسب ميكافيلية مبكرة معجونة بالكيد والإصرار على التآمر والاتفاق على استلاب الحق وانتهاك المقدس النبوي. ولهذا كان السؤال الأكثر إحراجاً عند السائل يصوّب نحو كاتب السطور من موقفٍ عند السقيفة ستتبناه هذه السطور، وكيف سيكون الموقف الشرعي إزاءه وإزائي؟. 

أما جوابي فليس معقداً وليس فيه من الإحراج ما يجعل الخروج منه صعباً.

وسيكون التعامل مع مصطلح السقيفة بطريقة سياسية واقعية، والسقيفة مكان غاب عنه المقدس، وهي فعل بشري خالص، لكنها يوم التأسيس الثاني للدولة الإسلامية بعد اليوم الذي أعلن فيه النبي (ص) نزول الوحي وليس مهماً، أمام مشروع دولة ناهضة وكبرى، من سيكون الرجل الأول في السلطة سواء كانت البيعة لسعد بن عبادة أم لعلي بن أبي طالب أم لأبي بكر مادام مؤتمر السقيفة سياسياً لم يأت به قرآن ولاحديث نبوي ولاسنة ولاسابقة.

وأظنه موقفاً مشتركاً للمؤرخين والكتاب والعاملين في السياسة العربية، الذين هم خارج ميدان الخلاف الفقهي في موضوع الولاية نصاً كانت أم انتخاباً. وعندهم أن السقيفة يوم تقرر فيه مواصلة العمل في مشروع الدولة فلم يؤد الخلاف إلى انشقاق مسلح وانقسام بين أتباع وأتباع وظهور إمامين أو خليفتين .

والسؤال الذي يوّجه من كاتب السطور إلى سائليه، لو أن الإمام علي بن أبي طالب ذهب إلى اتخاذ قرار بإعلان خلافته وحوله صحابة مؤيدون وأتباع، وحدث الانشقاق المسلح، هل كان ليوم السقيفة أن يواصل بين مرحلتين رحل النبي فيها عن الأولى وبدأت الثانية متصلة بالأولى، دون فراغ في السلطة والإدارة؟.

أقول.. إذا كانت براعة عمر بن الخطاب، التي سأتحدث عنها في صفحات لاحقة قد سجلت ليوم السقيفة أن يملأ الفراغ، فالذي منع الانشقاق وحال دون الانقسام هو الإمام علي بن أبي طالب الذي أكتفى بالاحتجاج العلمي والعيش مع البحث العلمي في القرآن وإلى جانبه زوجته بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أكل الحزن جسدها النحيل فلم تقاوِم سوى تلك الشهور لتبقى حيةً، وقد فارق والدها الحياة.

إن الإمام علي رافض الانشقاق، ولم يكن من روافض خلافة الشيخين.

الفقه المشترك

 يقول محمد حسين هيكل: جاءوا إلى عمر يوماً بامرأة، وأقرت، فأمر برجمها. فقال علي بن أبي طالب: لعل بها عذراً؟.

ثم قال لها: ماحملك على ما فعلت؟ قالت: كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثا. فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد، فسقاني. فقال علي: الله اكبر!. (فمن اضطّر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم). وفي السنن للبيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمى أن عمر أتي بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في رجمها فقال علي: هذه مضطرة أرى أن تخلى سبيلها، ففعل.

وروى أن غلمانا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم. فلما ولّى رده ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم.

ثم قال: يامزني، بكم أريدت منك ناقتك؟. قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة، وأعفِ الغلمان السارقين من الحد، لأن حاطباً اضطرهم إلى السرقة لجوعهم وحاجتهم إلى سد رمقهم.

ومن صميم الفقه الذي واجه به عمر التطور الجديد في الحياة العربية اجتهاده في تفصيل ما لم يرد عنه نص صريح في كتاب الله، فقد وضع القرآن نظاماً للتوريث لم يكن معروفاً قبل الإسلام، وفرض لكل ذي حق من الورثة حقه. على أن من التفاصيل مالم يكن عليه نص في هذا النظام. وقد رفعت لعمر مسائل أخرى لم يكن عليها نص في كتاب ولا سنة، فلم يكن بد لحلها من اجتهاد الرأي.

من ذلك المسألة المعروفة بالمسألة العمرية، أو المسألة الحجرية، فقد قسمت تركة فأصاب أخو المورث لأمه فرضه، ولم يبق لأخي المورث الشقيق ما يرثه. فلما رفع الأمر إلى عمر أفتى بأن الأخ الشقيق أخ لأم وأخ لأب معاً، فليس من الإنصاف أن يحرم لأنه شقيق، ولذلك قال: هبوا أباه كان حجراً، وفي رواية كان حماراً، وورثه من التركة على أنه أخ لأم يشترك مع غيره من الإخوة لأم.

وقد واجه عمر الشيء الكثير من مشاكل الميراث بعد طاعون عمواس بالشام، فقد هلك ألوف بهذا الطاعون، وتداخلت مواريثهم تداخلا كان يشغل دور القضاء في أية أمة. وكان مما صنعه أن قسم المواريث فورث بعض وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم. وتستطيع أن تتصور الدقة في هذا الأمر، وما يمكن أن يثور بسببه من نزاع. وليس من غرضي أن أفصل شيئاً من ذلك، وإنما أشير إليه تنويهاً باجتهاد عمر في مشكلة عويصة حلها في أسابيع حلا رضيه المسلمون جميعاً مع تعلقه بمنافعهم الخاصة، وهذا دليل بالغ وحجة على أن الناس يطمئنون إلى اجتهاد الرأي ما قام على أساس عادل نزيه.

أنتقل الآن إلى مسألة كان اجتهاد عمر فيها متأثراً بسياسته العامة لأمور الإمبراطورية الناشئة، وبحرصه على مواجهة أطوارها الجديدة،وكان له أثره في ازدياد رقعتها فسحة وسعة، ذلك اجتهاده في شأن الأرض التي فتحت عنوة بالعراق والشام.

وقد رأيت المسلمين في العراق والشام انتصروا بالقادسية، وفتحوا المدائن وجلولاء وحمص وحلب وغيرها من المدن وغنموا منها، فكان ما غنموه يفرز خمُسه ويرسل إلى أمير المؤمنين، وتقسم أربعة أخماسه بين الجند المنتصرين، وذلك عملاً بقوله تعالى: " واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل "(*). فلما فتحوا أرض السواد بالعراق أرادوا قسمتها على هذا النحو، يكون خمسها لبيت المال، ويقسم سائرها بين الجند الذين اشتركوا في فتحها. وخالفهم عمر عن رأيهم في قسمة الأرض، وقال: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد قسمت وورثت عن الآباء وحيزت! ما هذا برأي. قال عبد الرحمن بن عوف: ما الأرض والعلوج إلا ما أفاء الله عليهم! أي على الفاتحين ورد عليه عمر: ما هو إلا كما تقول، ولست أرى ذلك، والله ما يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كلاّ على المسلمين. فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها فماذا تسدّ به الثغور ويكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق!.

لم يسترح الفاتحون إلى قول عمر، فأكثروا عليه، وقالوا: أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا! أما عمر فأصر على رأيه، ولم يزد على أن قال: هذا رأيي، فلما رأوا إصراره عليه قالوا: فاستشر. فجمع المهاجرين الأولين فاختلفوا: بقى عبد الرحمن بن عوف على رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأى عثمان وعلى وطلحة رأى عمر. وأرسل عمر إلى عشرة من كبراء الأنصار وأشرافهم، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج وقال لهم:" إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تعبوا هذا الذي هو هواي، فلكم من الله كتاب ينطق بالحق. فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق!" قالوا:" قل نسمع ياأمير المؤمنين؟" قال عمر:" قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلماً! لئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت. لكني رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وأنا في توجيهه. وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئاً للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم. أرأيتم هذه الثغور، لا بد لها من رجال يلزمونها!

أرأيتم هذه المدن العظام، لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، ولابد من إدرار العطاء عليهم! فمن أين يعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟!"  

الإمام علي يقترح على عمر: التاريخ الهجري

وعقد عمر اجتماعاً للمهاجرين والأنصار. فقال: متى نكتب التاريخ؟. فقال له علي بن أبي طالب: منذ خرج النبي (ص) من أرض الشرك، يعني من يوم هاجر، فكتب ذلك عمر بن الخطاب. وبدأ العمل بالتاريخ الهجري، منذ ذلك الحين.

الإمام علي يؤيد مخصصات لعمر!

أبى عمر أن يأخذ نفقة من بيت المال مقابل عمله كخليفة، حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، ولم تعد له تجارة تكفيه وقد انشغل عنها بأمور الرعية، فعقد مجلساً للشورى، فأشار عثمان بن عفان إليه، أن.. كُل وأطعِم.

فسأل عمر الإمام علي ما تقول أنت في ذلك؟.

قال الإمام: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك، وقد بيَّنَ عمر حظه من بيت المال. فقال: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيّم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف.

علي ينصح بذهاب عمر إلى فلسطين

تناول عمر كتاباً من قائد الجيش الإسلامي في فلسطين يدعوه فيه للحضور هناك فقرأه على المسلمين في المسجد واستشارهم فيه. ورأى عثمان بن عفان أن لا يبرح عمر المدينة قائلاً له: إنك إن أقمت وإن لم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستعد فلم يلبثوا إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطوا الجزية. وخالف علي بن أبي طالب رأي عثمان وأشار إلى عمر بالسير إلى إيلياء فقد أصاب المسلمين جهد عظيم من القتال وطول المقام فإذا أنت قدمت عليهم كان لك وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست أأمن أن ييئسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم لا سيما وبيت المقدس معظم عندهم واليه يحجون. وآثر عمر رأي علي وأخذ به فاستخلفه على المدينة وأمر الناس بالتأهب للسير معه.

ودخل إلى بيت المقدس في قصة معروفة.

الإمام علي لا ينصح عمر بالذهاب الى بلاد فارس:

في العامين الأخيرين من خلافة عمر بن الخطاب، استكملت فئات اجتماعية في الكوفة، أسباب الرفاه، فضربهم البطر، فضعفت روح الاندفاع، وتراخت النفوس، فانضاف ذلك إلى ماعرف عند القبائل العربية التي تشكل منها المجتمع الكوفي، من ميل إلى الخصومة والمشاكسة، فتنافسوا مع بعضهم البعض، ولم يكن والي الكوفة سعد بن أبي وقاص إدارياً حازماً، مثلما كان قائداً عسكرياً فريداً. وقد استبطن عمر هذا الجانب في سعد. فاستدعاه إلى المدينة، وكان طبيعياً لجهاز الاستطلاع الفارسي المتغلغل في المدن المفتوحة، أن ينقل صورة ما عن اضطراب الكوفة التي هي مركز النشاط، وقاعدة الفتح الأولى، مما بث في قادة الجيش الفارسي قوة ارتدادية وتشكيل بؤر ثورية لطرد العرب من بلادهم فتقدمت قوات منهم لاستعادة بعض المدن من سلطة العرب، وكان القائد الفارسي الغيرزان يدير حرباً نفسية.

ويتقدم نحو مدينة همدان الإستراتيجية، حتى خيل لأهل الكوفة المنشغلين بصراعاتهم، أن الغيرزان على أبوابهم، فأبلغ مركز الخلافة في المدينة بهذه التطورات. وكان المبعوث الشخصي لعمر، محمد بن سلمة قد اخفق هذه المرة في معالجة الإشكالات بين أهل الكوفة وسعد بن أبي وقاص، فاستدعى عمر أهل المدينة إلى الصلاة في المسجد النبوي وارتقى المنبر، ونقل لهم أخبار الوضع العسكري على الثغور، وما قيل عن كثرة العدو واستعداداته، وأن الكوفة أصبحت مهددة بالسقوط!. وهذا أسلوب محمدي التزم به الخلفاء الراشدون، ويقضي بمكاشفة الناس بأسرار الواقع العسكري والسياسي، مثلما هو، على طريقة الدول الديمقراطية الحديثة، وعليه سار الإمام علي في حربه مع معاوية، ولم يلتزم الأخير به، إذ اعتبر ذلك اختراقاً يبيح "للعدو " الوقوع على معلومات عسكرية لا يجب الاطلاع عليها. واعتبر ذلك من أسباب نجاح سياسة معاوية كما أعلن ذلك مرة.

أقول: إن عمر بعد أن عقد المؤتمر الخاص وصولا إلى المشترك، عرض على المؤتمرين استعداده للتوجه شخصيا إلى العراق. وأشار بعض الحاضرين بأن يسير الخليفة بالجيوش إلى العراق، ويدعو قواته باليمن والشام لمواجهة الحركة الارتدادية والتي كان مركزها في نهاوند. وأشار عليه آخرون بأن يقيم في المدينة ويرسل الجيوش من تلك الأمصار لوقف الغزو الفارسي المتوقع.

أما الإمام علي فقد رفض فكرة ذهاب عمر إلى الثغور، ورفض فكرة استدعاء الجند من اليمن والشام، وعرض مقطعاً يوجز مالدى الإمام علي من فكر استراتيجي في جانب، وحرصه على سلامة عمر بن الخطاب في جانب آخر قائلاً:

" يا أمير المؤمنين، إنك إن أشخصت أي استدعيت أهل الشأم شأمهم صارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن أشخصت من هذه الأرض، انقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم اليك مما بين يديك من العورات والعيالات، وإنما مكانك من العرب مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. وان الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب، فكان ذلك أشد لكلبهم فتألبوا عليك، أما ما ذكرت من عدد القوم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، ولكنا كنا نقاتل بالنصر، فاقم مكانك، واكتب إلى أهل الكوفة فهم إعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان، وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم".

اقتنع عمر برأي الإمام، وسرَّ به، وطلب إلى مؤتمر المسجد النبوي أن يرشح أميراً للجيش الذي سيتوجه إلى قتال الفيرزان وقواته، واقترح أن يكون الأمير المرشح عراقياً. فوقع الاختيار على النعمان بن المقرن.

فصاح الحاضرون.. هو.. لها. فوضع الأمير العراقي خطة عسكرية للهجوم، بدأت باستطلاع سري تسلسل خلاله عمرو بن معدي يكرب إلى مقربة من قلب القوات الفارسية في نهاوند فعاد ومعه خارطة ومعلومات خاصة سرعان ما أخذ بها النعمان والتحم الجيشان وسالت الدماء فزلق جواده واستثمر الفرس كبوة الجواد فأصابه سهم في خاصرته وكان إلى جانبه شقيقه نعيم بن مقرن، فسجاه بثوبه، وأخذ اللواء من يده ودفعه إلى الحذيفة بن اليمان، وسار باللواء إلى حيث كان النعمان وانتهت المعركة بنصر كبير وتحرير نهاوند التي أصبحت في وسط العراق العربي، وهي التي يرد ذكرها في الأخبار اليومية باعتبارها موقعاً مناسباً  لرمي الجثث المقطوعة الرؤوس لعراقيين من عامة الناس.

وكان الحذيفة بن اليمان، من أصحاب الإمام علي وأشد الموالين له، وهو قائد جيش عمر الذي منع الغزو الفارسي وطرد الفرس من قلب العراق في أخطر مواجهات الفتوح وفي نهاوند تلتقى الإرادتان والعبقريتان وتنجح العرب.

لكن منطق السياسة الطائفية ومناهج القطيعة تقضي بأن تقدم جماعة تحمل اسم، جيش الفاروق عمر، لذبح المارة المسلمين وهم في طريقهم إلى منطقة قد تبعد قليلا عن مكان قوات تحمل اسم أهل البيت والموالين للإمام علي فتداهم بيوت المدائن وتختار عشواء وتقتل عشواء لتضع الجثث المكبلة الأيادي والمعصوبة الرؤوس في موقع نهاوند ذاته!.

عمر يبسط رداءه للإمام علي

إن السيد شرف الدين صاحب "المراجعات" لا ينكر العلاقة الطيبة التي كانت قائمة بين عمر والإمام علي، فيؤيد الرواية التي تتحدث عن بسط عمر رداءه للإمام قائلاً: وسأل علي عمر أيام خلافته، فقال له: أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل، فقال لك أحدهم: أنا ابن عم موسى أكانت له عندك إثرة على أصحابه، قال: نعم، قال، فأنا والله أخو رسول الله وابن عمه، فنزع عمر رداءه فبسطه، وقال: والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نتفرق، فلم يزل جالساً عليه، وعمر بين يديه حتى تفرقوا بخوعا لأخي رسول الله وابن عمه!.

عمر يُقبِّل رأس الإمام علي:

شكا رجل عليا إلى عمر فلما جلس عمر لينظر في الدعوى، قال عمر لعلي: ساو خصمك يا أبا الحسن! فتغير وجه علي، وقضى عمر في الدعوى، ثم قال لعلي: أغضبت يا أبا الحسن! لأني سويت بينك وبين خصمك؟ فقال علي: بل لأنك لم تسو بيني وبين خصمي يا أمير المؤمنين! إذ كرمتني، فناديتني يا أبا الحسن! بكنيتي، ولم تناد خصمي بكنيته، فقبّل عمر رأس علي وقال: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن.

عمر للإمام الحسين: انتم على الراس:

عن الدكتور علي محمد الصلابي في كتابه عمر بن الخطاب وقد جمع فيه كل جميل في عمر. وكل جليل لعمر.

جاء فيما رواه الحسين بن علي: أن عمر قال لي ذات يوم: أي بني! لو جعلت تأتينا، وتغشانا؟ فجئت يوماً وهو خال "بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت، فلقيني بعد، فقال: يا بني لم أرك أتيتنا؟ قلت: جئت، وأنت خال" بمعاوية، فرأيت ابن عمر رجع، فرجعت. فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمرو، إنما أنت من رؤوسنا ما ترى! الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه.

وروى ابن سعد عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين، قال قدم على عمر حلل من اليمن، فكسا الناس، فراحوا في الحلل، وهو بين القبر والمنبر جال، والناس يأتونه، فيسلمون عليه ويدعون له، فخرج الحسن، والحسين من بيت أمهما فاطمة يتخطيان الناس، ليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر مقطب بين عينيه، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم! قالوا: يا أمير المؤمنين! كسوت رعيتك، فأحسنت، قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس، وليس عليهما من شيء، كبرت عنهما، وصغرا عنها، ثم كتب إلى واليه في اليمن أن ابعث بحلتين لحسن، وحسين، وعجل. فبعث إليه بحلتين، فكساهما.

وعن أبي جعفر: أنه لما أراد أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه، جمع ناساً من أصحاب النبي (ص) فقال عبد الرحمن بن عوف: أبدأ بنفسك، فقال: لا والله ! بالأقرب من رسول الله (ص)، ومن بني هاشم رهط رسول الله (ص)، وفرض للعباس، ثم لعلي، حتى والى بين خمس قبائل، حتى انتهى الى بني عدي بن كعب، فكتب من شهد بدراً من بني أمية بن عبد شمس، ثم الأقرب، فالأقرب، ففرض الأعطيات لهم، وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول الله (ص).

يقول العلامة شبلي النعماني في كتاب " الفاروق" حول عنوان " رعاية الحقوق والآداب بين الآل والأصحاب ": إن عمر رضي الله عنه لم يكن يبت برأي في مهمات الأمور قبل أن يستشير علياً الذي كان يشير عليه بغاية من النصح، ودافع من الإخلاص، ولما سافر إلى بيت المقدس، استخلفه في جميع شؤون الخلافة على المدينة، وقد تمثل مدى الانسجام، والتضامن بينهما حينما زوجه علي من السيدة أم كلثوم، التي كانت بنت فاطمة وسمى أحد أولاده عمر، كما سمى أحدهم أبا بكر، وسمى الثالث عثمان ولا يسمي الإنسان أبناءه إلا بأحب الأسماء، وبمن يرى فيهم القدوة المثالية.

وكان عمر يستشيره في الأمور الكبيرة منها، والصغيرة، وقد استشاره حين فتح المسلمون بيت المقدس، وحين فتحت المدائن، وعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند، وقتال الفرس، وحين أراد أن يخرج لقتال الروم، وفي موضوع التقويم الهجري وغير ذلك من الأمور، وكان علي طيلة حياة عمر ناصحاً لعمر خائفاً عليه، وكان عمر يحب علياً، وكانت بينهما مودة، ومحبة، وثقة متبادلة، ومع ذلك يأبى أناس إلا أن يزوروا التاريخ، ويقصوا بعض الـروايات، التي تناسب أمزجتهم، ومشاربهم، ليصوروا لنا فترة الخلفاء الراشدين عبارة عن: أن كل واحد منهم كان يتربص بالآخر الدوائر، لينقض عليه.

عطاء أهل البيت في عهده

إن الانتقادات التي رميت بها سياسة العطاء في ولاية عمر بن الخطاب لاتزال متواصلة، لكونها جرت على تصنيف المشمولين إلى مراتب تأخذ بنظر الاعتبار القرب والقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، والقِدم في الإسلام على رأس الشروط الأولى، وهو يعتقد أن من غير العدل مساواة من قاتل رسول الله ومن قاتل معه، وليس من العدل عنده أن تكون مخصصات العطاء واحدة لزوجة النبي أو لعمه أو لابن عمه، ولأحفاده مع عامة الناس لشعور عمر بأن هذه المساواة ستغبن أهمية البيت النبوي، وهو لا يأخذ من حصة الناس، فيعطيها للعائلة المحمدية، ولقدماء المسلمين. وإنما يزيد حصتهم بعد أن يوزع الحصص وينال كل واحد منهم نصيبه، وكان لهذا المبدأ دور في ظهور الثراء عند شريحة من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم.

كعمه العباس بن عبد المطلب، وابنه، وأم المؤمنين عائشة، وكثير من الصحابة الأوائل سواء كانوا من أشراف قريش كعبد بن الرحمن بن عوف، وطلحة والزبير، أم من عبيدهم ومواليهم السابقين، كبلال الحبشي، والخبّاب بن الأرت، وصهيب الرومي..

بمعنى أن حصة الإمام الحسن والإمام الحسين كانت أكثر من حصة أبناء الصحابة الآخرين. لكن تعفف الإمام علي وفرضه الزهد والكفاف على نفسه وعائلته جعلت تلك الأموال توزع على فقراء المسلمين، لأن الإمام علي كان يأخذ بآية تحريم الكنز، وقد اختلف الفقهاء والمفسرون، ما إذا كانت منسوخة بآية الزكاة. فلا يحفظ في بيته مال سائل، ولا جامد، ولم يتمتع عياله برفاه الفتوحات، وعلى هذا جرى أصحابه كأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ولم يجرِ عليه صحابة آخرون، منهم عمه العباس وعائلته مادام ما يكسبه حلالاً طيباً.

ولمّا وليّ الإمام علي، عاد إلى التسوية في العطاء، وألغى مبدأ التفضيل، فشمل ذلك قدماء الصحابة، وأهل البيت الذين كانت حصتهم أكبر في عهد عمر من أموال العطاء.

وكان هادي العلوي نشر رسالة فقهية ناقش فيها آية الكنز، واعتبر القول بأنها من المنسوخ، بداية تحول خطير في الميل، عن الزهد الإسلامي، لصالح الطبقة الارستقراطية الجديدة، فاصطدم رأيه بعموم السياسيين الإسلاميين الشيعة، إذ لا يعتبر الأثرياء وكانزو الأموال من الفقهاء والتجار موالين للإمام علي، على قاعدة تحريم الكنز.

وبالعودة إلى سياسة عمر في العطاء، فقد تمنى لو عاش إلى " قابل " أي إلى العام التالي، ليأخذ الفضول ممن اغتنوا بالأموال، ويعيد توزيعها على مبدأ التسوية.

وعند هذا يعود العليّان للالتقاء مرة أخرى، لكن الخنجر المسموم كان قد أخذ مكانه في أمعاء عمر، وأحال بينه وبين ذلك اللقاء المنتظر على سياسة العطاء.

أما موقفي الشخصي، فمازلت على حماسة المقالات التي كتبتها في الستينات والسبعينات إعجاباً بسياسة عدم المساواة في العطاء، لأنها تأخذ بحق القِدم. وامتياز العائلة النبوية... ولا أساوي من قاتل رسول الله(ص)، ومن قاتل معه.

عمر والعلويون ضد الاجتثاث !.

أظهر أبو بكر في معالجة حركة الارتداد في الأيام الأولى من خلافته بعد وفاة الرسول (ص) حزماً يتعاشق بالعنف مما لم يكن متوقعا من شيخ مسالم طالما عرض نفسه وسيطاً لدرئ الأذى عن أسرى قريش والمتهمين بقضايا وجنح فيستحيل عند خلافته قائداً ثورياً صارماً لا يلين.

وبلغة الصحافة اليومية استحال أبو بكر من جناح الحمائم إلى جناح الصقور، ولم يتساهل مع المرتدين حتى بعد أن عادوا إلى الإسلام من جديد وأعلنوا توبتهم، وأرسلوا بوفود الصلح إليه، لكنه لم يترك لهم شرطاً فأملى شروطه كاملةً: فلا يولي أي زعيم في القبائل المرتدة، وإن أعلن توبته وعودته إلى السلطة المركزية.

ولا يتسلم مسؤولية إدارية ولا يرسل أياً منهم إلى الجهاد. ومن يراجع لائحة أبي بكر، التي أصدرها في حروب الردة يجد فيها سابقة واضحة الفقرات لقوانين الاجتثاث السائدة في أيامنا هذه.

أما عمر المعروف بشدته، والذي وصفه النبي (ص) بأنه يشبه النبي نوح في القسوة على قومه، فقد تحول إلى صفوف الحمائم عندما أملى أبو بكر بحضور عمر على وفد الصلح في حروب الردة خيارين. أما الحرب المجلية وإما السلم المخزية.

قالوا: هذه المجلية فقد عرفناها فما المخزية؟.

قال أبو بكر: ننزع عنكم الخلفة والكراع، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون قتلانا، أي تدفعون الدية، وتُترَكون أقواما يتبعون أذناب الإبل.

نهض عمر فوافقه على شروط واعترض على أخذ الديات منهم على قتل المسلمين بعذر شرعي مقبول، وإن كنت أميل إلى وجود عامل آخر دفع عمر إلى الاعتراض لرؤيته زعماء القبائل في ذلك الوضع الذليل، فأراد أن يخفف عنهم ماداموا قد عادوا إلى الإسلام مرة أخرى. قائلاً حول رفض الدية: إن قتلانا قاتلت على أمر الله وأجورها على الله وليس لها ديّات، فتتابع القوم على ما قال عمر. وتعجب مع عجب طه حسين أن يستثني أبا بكر من زعماء الردة، الأشعث بن قيس الكندي ذلك الذي أسلم أيام النبي (ص) ثم ارتد بعد وفاته. وألب قومه حتى ورطهم في الحرب، وأسرع إلى المدينة تائباً، فلم يعصم دمه من أبي بكر فحسب. ولكنه أصهر إليه وتزوج اخته أم فروة ثم همل في أيام عمر، وظهر في أيام عثمان. وانتهى به المطاف إلى الإمام علي لكنه كما يقول طه حسين لم يخلص له نفسه وقلبه ولم يكن ناصحاً له!.

ولم يستطع أن يثني صاحبه وشيخه عن قراره باجتثاث المرتدين إلى يوم وفاة أبي بكر وإعلان خلافة عمر، وقد انشغل في أسبوعه الأول بمراجعة قرارات أبي بكر مع أهل الردة فقرر عمر ما يلي:

إطلاق سراح الأسرى من القبائل العربية وتحريرهم ووضع سابقة لعدم جواز سبي المرأة العربية فحرر السبايا وأعادهن إلى قبائلهن.

رأى من المفيد للدولة أن يستخدم ذوي الكفاءات العسكرية العالية لزعماء الردة بإرسالهم إلى الثغور والاستفادة من تجاربهم في وضع الخطط العسكرية على أن لا يولي أي تائب من المرتدين في مناصب قيادية عليا. فاستدعى طلحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي يكرب الزيدي وأرسلهما بمهمة عسكرية إلى العراق وفارس. وقد أبلى كل منهما بلاء حسنا وساهموا في إنجاح الخطط العسكرية كما استعان بهم في وفد التفاوض الذي شكله إلى كسرى انيشيروان.

وسياسة عمر كان لها أمثلة في الدعوات العلوية، فإذ تعرض العلويون لسياسة الاستئصال والاجتثاث في الأوان الأموي، فاستثمرت ذلك الحركة العباسية للتشهير بالأمويين، وليس حباً أو احتراماً لحياة العلويين. باشرت الدولة العباسية بسياسة استئصال واجتثاث جذري لكل أموي زعما منها أنها تثأر للعلويين والهاشميين وكان القائد العباسي داود بن علي أكثر أقرانه حماسة لسياسة الاستئصال. وبعض الشعراء يشجعون عليها ويطالبون بالمزيد فتبنى الزعيم العلوي الثائر عبد الله بن الحسن المعارضة العلنية ضد سياسة اجتثاث واستئصال الأمويين فقال لداود بن علي: " يا ابن أخي إذا قتلت هؤلاء كلهم فمن تباهى بملك الله ".

وكان هذا العلوي يظن أن إثارة هذا الجانب ستكون كافية لمنع سفك دماء الأمويين، لكن داود بن علي العباسي واصل حملة الاجتثاث والاستئصال حتى النهاية. فيما واصل عبد الله بن  الحسن العلوي احتجاجاته ضد الاستئصال الدموي لبني أمية.

لقد اجتمع رأي عمر والعلويين فيما بعد على رفض سياسة الاجتثاث وان كان المطلوب اجتثاثه تائباً من أهل الردة أم أمويا متهماً بقتل العلويين.

فيتصدى ضحاياه بعد حين لمنع وقوع الاستئصال عليه رحمة إلهية وكرماً علوياً.

تقول سميرة الليثي في كتابها "جهاد الشيعة " إن عبد الله بن الحسن العلوي أبدى سخطه على السياسة التي انتهجها الوالي العباسي داود بن علي في التنكيل بأنصار بني أمية حيث أسرف في سفك دمائهم.

وعند فتح مكة وضع النبي (ص) لائحة بأحد عشر مطلوباً. كان منهم عبد الله بن أبي ربيعة. والحرث بن هشام، ولم يشملا بالعفو العام فلجأ المطلوبان إلى بيت شقيقة الإمام، علي، وتكنّى أم هاني بنت أبي طالب، فعثر عليهما الإمام علي، وكان مدججاً بالحديد، فلم تتعرف عليه اخته التي وقفت بين علي وبينهما وحالت دون قتلهما حتى بعد أن اكتشفت هوية شقيقها. وقيل في رواية أغلقت عليهما الباب وذهبت إلى النبي (ص) وشكت إليه. أسوة بمثاله الجاذب عمر بن الخطاب وبجده المجاهد عبد الله بن الحسن.

لقد نجح عمر في منع الاجتثاث، وأخفق عبد الله بن الحسن وحفيده لأن الأخيرين لم يمتلكا السلطة. ولم يملك أي منهما بعضاً من قوة عمر وإن سارا على سيرته.

والحمد لله أن العلوي كاتب السطور والذي طارده نظـام البعث في العراق ربع قرن لاستئصاله وقف بعد سقوط نظام الحزب في 9/4/2003 على منصات التلفزيون وأمام الميكروفونات ناصحاً أصدقاءه في السلطة الجديدة بعدم المضي في سياسة الاستئصال وكان من أبرز معارضي قانون الاجتثاث.

الإمام علي يرثي عمر

يروى عن أبي طلحة كما يقول المؤرخ المصري محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق عمر أنه قال: ما من أهل بيت من العرب حاضر ولابد إلا وقد دخل عليهم بقتل عمر نقص في دينهم وفي دنياهم. وروي عن الحسن انه قال: أي أهل بيت لم يجدوا(*) فقد عمر فهم أهل بيت سوء.

وكان الضعفاء والبؤساء أقوى شعوراً لوقع الكارثة التي نزلت بهم وكان لهم حصناً حصيناً ويستغرب هيكل أن لا يورد المؤرخون من رثاء أصحاب الرأي يومئذ لعمر مثلما أوردوا لأبي بكر من رثاء يوم قبض. وقد دخل الإمام علي بن أبي طالب على عمر إثر وفاته فألفاه مسجى بثوب في ناحية من غرفته فرفع الثوب عن وجهه. يرحمك الله أبا حفص ما أحد أحب إليّ بعد النبي (ص) أن التقى الله بصحيفته منك. والأكثر تواتراً أن علياً وقف على عمر بعد أن غسل وكفن وحمل إلى سريره فأثنى عليه وقال والله ما على الأرض رجل أحب إليّ من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بالثوب. فلما صليّ على عمر جاء عبد الله بن سلام، فقال: لئن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه لاتسبقوني بالثناء عليه.

أحد عشر عاماً و 18 الف صلاة

مازال البحث جارياً ورغبتنا متواصلة في العثور على أحد عشر عاماً في مطلع التاريخ الهجري، فقدت أو بالأحرى أم محتوياتها مفقودة. وتتصل بحياة الإمام علي وأين أمضى تلك السنوات عند ما كان عمر خليفة. المعروف فقط لدينا عنوان مسكن الإمام في حي بالمدينة يلتف حول مسجد بناه الرسول والصحابة في الأيام اللأولى للهجرة النبوية، وعلى بعد أذرع كان بيت لعائشة، وثالث لعمر، ورابع للعباس بن عبد المطلب، والخامس لعثما