الهروب إلى الحرية .. أوراق من أيام المحنة في سجون صدام
بقلم
الدكتور حسين
الشهرستاني
الشهرستاني
في
سطور
الإهداء
لمن
ساعدني لتنفيذ قرار
الحريّة
وتحديُ
سجن الظالمين
السيدة
أم زهراء
السيّد
عماد
الشهرستاني
الأخ
علي عريان
و
أولادي، زهراء و مريم
و
محمد
إبراهيم
حسين
الشهرستاني
1999
~ الفصل الأول ~
المنعطف
و
صفحة جديدة ...
لم
تكن صبيحة اليوم الرابع من كانون الأول عام
1979م
تختلف عن غيرها من أيام شتاء بغداد الباردة, فبعد الاستيقاظ لصلاة الفجر,
وتناول
الفطور مع العائلة..ودّعت زوجتي الكندية أم زهراء وابنتي الكبيرة
زهراء
والثانية
مريم, وقبّلت الصغير محمد إبراهيم(كانت زهراء تبلغ من العمر يومذاك
خمس
سنوات
ونصف, و
مريم ثلاث سنوات ومحمد إبراهيم تسعة أشهر.) , وغادرت منزلي الكائن
في
مدينة
المنصور التي تعد من أجمل مناطق العاصمة العراقية, متجها إلى مقر
عملي في
مركز
البحوث النووية في التويثة - إحدى ضواحي بغداد الجميلة التي تغفو
على ضفاف
دجلة
-
وبينما كانت السيارة تنهب الطريق نهبا, أخذت الشمس ترسل أشعتها
الذهبية
هادئة
وديعة متغنجة لتعانق صعيد العراق.
ومع
خيوط الضوء التي تسلّلت عبر
زجاج
السيارة لتلفني بالدفء الشتوي الحاني المنبعث من الرحمة الإلهية,
أخذت أمواج
الأفكار
والخواطر تدور في رأسي, وكما نبضات القلب المتسارعة, أخذت كلمات:
الثورة,
الإسلام,
العراق, الإمام الخميني, التغيير, حزب السلطة, الإرهاب, الانتصار
و...
و...
تنبض في مخيلتي وتسترجع شريط الأحداث خلال الشهور العشرة
الماضية...
فمنذ
انتصار الثورة الإسلامية في إيران (شباط/1979م) يلف
المنطقة،
دويّ هائل لا يكاد يصمت, وكان الشعب العراقي من أول الشعوب التي
تأثرت
بهذا
التغيير الكبير في المنطقة, وتفاعل معه, كما كان نظام صدام في بغداد
أكثر
الأنظمة
إحساسا بانّ الزلزال الذي أطاح بالنظام الملكي في إيران, اخذ يقترب
إليه
ويهزه
من الجذور..لذلك كان رد الفعل الطبيعي لهذا النظام في مواجهة
الإعصار القادم
هو
تيارات من دماء أحرار العراق في أبشع عمليات تصفوية عرفها التاريخ
المعاصر, لقد
كان
هاجس المطاردة والاعتقال يساور كل إسلامي يسير على خطى الرسول
العظيم محمد صلى
الله
عليه وآله ويوالي أهل بيته الطاهرين عليهم السلام.
وهكذا,
مع قيادتي
للسيارة
بشكل عفوي من شارع إلى شارع -لأنني كنت قد قطعت هذا الطريق مئات
المرات منذ
أن
بدأت عملي في مركز البحوث النووية في1970م - انتقلت بي أمواج
الخواطر لترسم
أمامي
مرة أخرى صورة حية لابن عمي الشهيد علاء الشهرستاني الذي كان احد
الأباة
الذين
رصعوا بتضحياتهم جبين العراق بالعزة والإباء والكرامة.
وكان
شريط
الخواطر
والأفكار يتقافز بسرعة تتسابق مع سرعة السيارة المتراكضة باتجاه
التويثة,
دون
أن يخطر ببالي أن يوم الثلاثاء هذا, سيكون المنعطف الرهيب في
حياتي.
~~~~~~
دخلت
مكتبي مبكرا وبدأت
عملي
-
كالعادة - باعتباري مستشارا علميا في منظمة الطاقة الذرية العراقية
وهي أعلى
رتبة
علمية تمنح لأهل الاختصاص في المنظمة.
ومرت
ساعات العمل في مركز البحوث
النووية
بشكل طبيعي ودون تطورات تذكر, رغم إن أجواء الوطن كانت مشحونة
بالتوترات
والمفاجئات,
إذ كانت وتيرة المطاردات والاعتقالات والمحاكمات الصورية والإعدامات
الجماعية
وعمليات القتل والاغتيال في الشوارع قد ارتفعت خلال الشهور
الأخيرة..
وعندما
أشرفت دقائق الدوام على الانتهاء, وكانت من عادتي إن أتأخر
يوميا
بعض الوقت في المكتب ريثما يخرج جميع الموظفين والعمال, إذ دخل
المكتب الزميل
الدكتور
جعفر ضياء جعفر(كان والده ضياء جعفر وزيرا في العهد الملكي في
العراق, ولم
يكن
الدكتور منتميا لحزب السلطة, وكان يتمتع بثقافة غربية). وهو
بدرجة مستشار علمي
أيضا
في المركز, وكانت زيارته طبيعية, فأخذنا نشرب الشاي معا ونتجاذب
أطراف الحديث,
وفجأة
دخل همام عبد الخالق, المدير العام في مركز البحوث النووية, يرافقه
الدكتور
خالد
سعيد, المسؤول عن تنفيذ المشروع الفرنسي( لم يكن المستوى العلمي
للرجلين
يؤهلهما
لهذين المنصبين, إلا انه بسبب انتمائهما لحزب البعث العراقي فقد
أنيطت بهما
هاتان
المسؤوليتان الإداريتان).ولم يثر دخولهما المفاجئ انتباهي كثيرا, إذ
إن هذا
كان
متوقعا ويحدث أحيانا بحكم طبيعة العمل. ولم اعرف في وقتها إن دخول
الرجلين إنما
كان
بالتنسيق مع ضابط أمن المركز الذي طلب منهما العمل على إلهائي
بتجاذب الأحاديث
المختلفة
ريثما يغادر المركز جميع الموظفين والعاملين.
وفي
هذه اللحظات
المثقلة
بعناء العمل مرّت في مخيلتي صورة أم زهراء وأطفالي الثلاثة الذين
ينتظرونني
الآن,
ككل يوم حينما أعود من العمل فتستقبلني زوجتي الوفية, واحتضن الصغار
الثلاثة
الذين
تطرد رؤيتهم عناء العمل وهموم الحياة.. إلا إن هذه الصورة الوردية
تمزقت -
على
حين غفلة - بدخول ضابط الأمن وهو يقول :
اسمحوا
لي.. عندي سؤال من
الدكتور
حسين
-:
تفضل أسأل
- قلت له -
أجاب
الضابط :
لا..
ليس هنا,
تفضل
معي إلى الخارج, دقيقة وتعود.
من
خلال هذه العبارة قرأت كل شيء..
فدقيقة
رجال الأمن قد تعني انك لا تعود إلا بعد سنوات, وقد تعني انك لن
تعود إلى
اهلك
أبدا.. عرفت إن الأمر هو الاعتقال, وبينما أنا اخرج بصحبة الضابط
خاطبت زميلي
الدكتور
جعفر: أرجو أن تخبر عائلتي إذا تأخرت.
وفور
خروجنا من المكتب تغيرت
تصرفات
الضابط المؤدب, إذ سرعان ما كشّر عن أنيابه ثم ربط يديّ من الخلف
وعصّب
عينيّ
بعصابة سوداء لكي يرفع بذلك النقاب عن وجه نظامه الكالح وحزبه
المتسلط, وهكذا
قادني
إلى سيارة الأمن التي كانت تنتظرني ودفع بي إلى الحوض الخلفي,
ورافقني في
السيارة
ثلاثة عناصر مسلحون إضافة إلى السائق، احدهم جلس عن يميني والآخر عن
يساري,
وثالث
غاص في كرسيه الأمامي في السيارة التي انطلقت مسرعة تسابق الريح,
متجهة إلى
مدينة
الرعب والدم.
~ الرعب والدم ~
وسط
عاصمة الرعب تقع (مديرية بغداد)
هذا
العنوان الرهيب الذي لا يعني للعراقيين غير الاعتقال .. الانقطاع ..
الرعب ..
الضياع
..
انتزاع الاعترافات الوهمية .. وأخيرا: الموت. ويخشى العراقيون حتى
النظر
إلى
جدرانها من بعيد، فهي تستقبل، كل يوم، أفواجا من المواطنين - رجالا
ونساء -
الذين
لم ينتقموا منهم إلا إنهم قالوا ربنا الله ، ثم تودّعهم إلى طاحونات
الموت
القاسية.
~~~~~~
أدخلوني
في غرفة تقع عند الباب تشبه
غرفة
الاستعلامات وقالوا لي:
اجلس
وانتظر.
....
وانتظرت طويلا ولم يحصل شيء.. وأسلوب الانتظار الطويل
هذا
هو من اشهر أساليب الأجهزة القمعية لتحطيم أعصاب المعتقل وتوتيرها
قبل جلسة
التحقيق
الأولى، وعندما لاحظت إن الشمس قد أذنت بالرحيل، ولأنني لم أكن قد
صليت
الظهر
والعصر، فخشيت أن يفوتني الوقت فقلت لهم:
أريد
أن
اصلي.
أجابوا:
لا
داعي
للصلاة.
وجدت
إن الجدال معهم غير نافع.
فتركتهم وتيممت، ثم وقفت
للصلاة
بين يدي ربي، ولكنهم سحبوني أثناء الصلاة وقالوا:
جاء
المدير.
قادوني
إلى غرفة المدير، وقبل الدخول شاهدت عند الباب ضابطا
معروفا
يلقب بــ (جزار البصرة) واسمه: فاضل الزرقاني الذي قام بتفتيشي بحثا
عن
السلاح،
ولما لم يجد سلاحا أدخلني إلى الغرفة، وكان فاضل البراك، مدير الأمن
العام(كان
يلقب بــ(بريا) سفّاح ال
.K.G.B
في عهد ستالين الدموي) جالسا إلى جنب
مدير
أمن بغداد. طلبوا مني الجلوس، فجلست متوكلا على الله سبحانه، وبدأ
فاضل
البراك
بالتحقيق:
-:
ما هي علاقتك بحزب
الدعوة؟.
أنكرت
أن تكون لي أية علاقة بالحزب المذكور، ولم يكن
إنكاري
تهربا من الاعتراف بل كان بيانا للحقيقة، إذ لم تكن لي فعلا أية
علاقة
تنظيمية
بأي حزب إسلامي، بالرغم من نشاطاتي الإسلامية السابقة في كل من
انجلترا
وكندا،
وبالرغم من مواقفي السياسة من موقع التزامي الديني.
سألني
البراك:
ماهي
علاقتك بــ ( ج . ز)
؟.
-:
انه أحد معارفي.
-:
لقد اعترف عليك
بأن
لك علاقة تنظيمية به, وانه زوّدك بالسلاح.
أجبت
-
منكرا هذه
التهمة
-:
لا
تربطني أية علاقة تنظيمية به وبأي شخص
آخر
فقال
البراك:
هاتوا
الرجل.
فجاؤوا
بالرجل، وفي الحقيقة لم أتعرف عليه في الوهلة
الأولى،
فقد
كانت ملامحه متغيرة تماما نتيجة التعذيب، وكان منهكا تماما وشبه
مشلول، علما
بأنه
لم يكن قد مضى على اعتقاله أكثر من يومين.
وبكلمات
منهكة ومتهدجة قال
)
ج.ز.) أمام الحضور:
أنا
أعرف الدكتور حسين، وكنت
ألتقي
به، وكان ينتقد النظام ويتكلم ضد الحزب والثورة وضد الرئيس صدام
حسين، إلا
انه
أنكر تهمة العلاقة التنظيمية، وكذلك تهمة تزويدي بالسلاح.
وهنا
أخذت
زمام المبادرة وخاطبت البراك:
أنا
لا أعرف ظروف (
ج.ز
) ولكن يبدو واضحا بأنه لا يعي كلامه، وقد يكون مرغما على الإدلاء باعترافات
غير
واقعية، واني أنكر ما ينسبه لي باستثناء دعواه باني كنت انتقد
النظام وانتهاكه
لحقوق
الإنسان حيث الاعتقالات والإعدامات في صفوف الإسلاميين.
خاطبني
البراك
بلهجة أكثر جفافا وشدة:
أنا
أنصحك أن تعترف، ومن
الممكن
حينذاك أن نتساهل معك، و
إلا نضطر أن نتبع معك أساليب أخرى وننتزع منك
الاعترافات
التي نريدها.
إلا
انه لم يجد مني غير الإصرار على
موقفي
-:
لا شيء عندي لكي اعترف
به.
عندها
صاح البراك:
خذوه.
دفعني
فاضل الزرقاني خارج الغرفة، وعصّب عينيّ
بعصابة
أحكم شدها بحيث لم أستطع رؤية شيء أبدا، ثم ربط يدي بحبل إلى الخلف
وقادني
عدة
أمتار ثم دفعني على سلم يؤدي إلى طابق سفلي، فتدحرجت من مرقاة لأخرى
حتى وصلت
إلى
أسفل السلام بهذه الطريقة المبتكرة، حيث وجدت نفسي في دهليز مظلم
تحت الأرض
يضم
العديد من غرف التعذيب الرهيبة التي تشتهر بها ( مديرية الأمن(.
لغة
الصنّارة
سحبني
جلاوزة الأمن إلى
إحدى
غرف الدهليز المظلم، حيث تلخّص تلك الغرفة كل فلسفة حزب السلطة،
وتمثل أفضل
نموذج
تطبيقي لأفكار صدام حسين وفلسفة وجوده على رأس الحزب والسلطة، كما
تعكس بكل
وضوح
الحياة التي يعيشها الشرفاء من أبناء الوطن .. غرفة التعذيب التي
تترجم كل
الشعارات
الوطنية (!) و القومية(!) لحزب البعث العراقي عبر الآلات
والعضلات..
فحيث
عجزت أساليبهم ومراوغاتهم الكلامية عن انتزاع أية معلومات أو
اعترافات، قرروا
سلوك
أسلوبهم المفضل.
علقوني
بصنّارة مثبتة في السقف من يديّ المربوطتين إلى
الخلف
-
وتسمّى هذه الطريقة بــ ( الفراكونوية ) لأنها من إبداعات النظام (
الفرانكوي
)
في أسبانيا _ وتركوني لعدة دقائق كانت قابلة للتحمّل في الوهلة
الأولى،
إلا انه بعد مرور حوالي عشر دقائق بدأت أشعر بألم رهيب في الكتفين
وكأنهما تكادان
تنخلعان،
واخذ الألم يمتد شيئا فشيئا ليشمل كل الأعصاب المنتشرة في جسمي ..
ثم اخذ
الجلاوزة
باستخدام العصي الكهربائية وتسمى في قاموس حزب السلطة (( الزنبور))
..
يضعونها
على المناطق الحساسة من الجسم، بحيث كان التيار الكهربائي يسري في
كل
العروق
ويهز الجسم هزا عنيفا وأنا معلق بالسقف .. ومع كل لسعة كهربائية
كانت قهقهات
الجلاوزة
تعلو ارتياحا للخدمة التي يقدمونها لأحد أبناء الشعب .. ولكي يضمنوا
انهيار
السجين بشكل كامل والقضاء على معنوياته ، كانت السياط و الكيبلات
الغليظة
تتلوى
على بدني الذي بدا متهالكا من أثر التعذيب ، وكانت السياط تلدغ كل
أعضاء جسمي
وتحفر
عليها خطوطا دامية سرعان ما تتورم وكأنها لحوم إضافية نبتت كحبال
ملتوية على
كل
أنحاء الجسم ينبعث منها ألم قاتل ..
كان
ثلاثة أشخاص أو أربعة من
الجلادين
يقومون بمهمة التعذيب ، احدهم ( فاضل الزرقاني ) الذي كنت اعرفه من
صوته
لأنني
واجهته قبل ذلك في جلسة التحقيق الأولى في غرفة مدير الأمن ، كما
كان فاضل
البراك
موجودا في بداية التعذيب ، إلا انه ترك المهمة لزملائه وذهب لمتابعة
مسؤولياته
الوطنية (!) الأخرى.
الجلاوزة
يلّحون عليّ بالأسئلة المتتابعة عن:
التنظيم
..
السلاح .. المنشورات .. التآمر .. أعضاء الخلية الحزبية و .. و ..
وأنا
أصر
على موقف النفي والإنكار أو السكوت ..
وكلما
كنت أوشك على الإغماء وفقد
الإحساس
،
كانوا ينزلونني من الصنارة ويرشّون علي الماء وبعد الإفاقة يعلقونني
من
جديد.
وكان
الجلاوزة يواصلون التعذيب أثناء التعليق بمختلف الأساليب إلى أن
يتصبب
عرق بارد من جبين السجين، وكان هذا علامة على إن الفرد معرض للموت
خلال
دقائق،
ربما بسبب تعرض القلب لضغط هائل واحتمال توقفه المفاجىء عن النبض،
لذلك
كانوا
يسرعون إلى إنزال السجين من الصّنارة وتركه لفترة ريثما يستعيد
أنفاسه ، ثم
يعلق
مرة أخرى ، وهكذا تتوالى إلى حلقات مسلسل التعذيب .. وتطبيق مبادىء
( الحزب )
و(الثورة)
بحق أبناء الشعب والوطن.
وتمزقت
ملابسي خلال عمليات التعذيب التي
استمرت
طوال الليل ، ففي قاموس السلطة لا توجد مفاهيم الحياء والكرامة
..
كانت
الصرخات الوحشية المندمجة مع ضربات السياط ولسعات القضبان
الكهربائية
تطالبني أن أعترف:
1.
بالانتماء
لتنظيم
معاد
للنظام الحاكم.
2.
بامتلاك
السلاح لأغراض معاديه
للحزب
و الثورة.
3.
بأسماء
الأشخاص المعادين للسيد الرئيس
الذي
أتعاون معهم في النشاطات المناوئة للسلطة.
ورغم
كل الألم القاتل الذي
كان
يسري عبر كل العروق والأعصاب ، ورغم الدماء التي كانت تسيل من مختلف
أعضاء بدني
،
وتمسكت بالنفي والإنكار ، وتحديت كل ماكنة العذاب الصدامية بالإيمان
بالله
والتوكل
عليه ، إلا انه - ولعلمي بانّ جلادي الأمن سيفتشون بيتي شبرا ..
شبرا ..
ولكي
اكسب قسطا من الوقت ألتقط خلاله أنفاسي استعدادا للوجبات القادمة -
قلت
لهم:
أنا
املك مسدسا شخصيا احتفظ به في البيت لغرض
الدفاع
عن النفس ضد اللصوص، كما هي عادة أكثر العراقيين، وهو مسدس قديم و
صدىء
ورثته
من أبي، وهو الآن مدفون في حديقة المنزل ولا علاقة له بما تحقّقون
حوله.
هنا
كاد المحقق أن يطير من شدّة الفرح، إذا اعتبر نفسه يسجّل
أول
انتصار في هذا الملف وذلك بانتزاع الاعتراف بالسلاح مني فقال:
مسدس؟.
سلاح؟. تمام .. هذا هو المطلوب - وأطلق ضحكة خبيثة - نحن
نعرف
إن العملاء والجواسيس يجلبون الأسلحة من الخارج لتعريض أمن القطر
والحزب
والمواطنين
للخطر(!) .. هيا، نذهب ونأتي به ..
وهكذا
..
ورغم إنني
الضعيف
الذي لا يملك أي حول أو قوة غير إيمانه وتوكله على الله عزّوجلّ
والمقيد بين
يدي
الجلاوزة الدمويين الذين يمتلكون كل أسباب القوة المادية، سجلت أول
انتصار على
خدعهم
الماكرة .. إذ استطعت أن أحصل على عدة ساعات من الراحة ارتّب خلالها
أفكاري
وخططي
لمواجهة عمليات التحقيق القادمة، واستعيد بعض قواي الجسدية لمواجهة
وجبات
التعذيب
الآتية.. إذ لولا هذا (( الاعتراف الخطير!)) لاستمر التعذيب دون أية
وقفة.
~ لغة الصنّارة ~
وبسرعة
خاطفة احضروا سيارة خاصة
ونقلوني
فيها مكبّل اليدين ومعصوب العينين إلى البيت، واخرجوا المسدس من
حديقة
المنزل،
و فوجئوا بان المسدس فعلا قديم و صدىء، رغم إنهم كانوا يتوقعون أن
يكون هذا
خيطا
يدلهم على مخزن للسلاح.
صاح
احدهم:
ما
هذا؟ انه لا
يقتل
قطة!.
-:
قلت لكم بأنه قديم و صدىء ،
ولكنّكم
جعلتموها قضية.
وعادوا
بي إلى الدهليز المظلم مرة أخرى، وهم
يتفجرون
غضبا لأنهم لم يعثروا على ما يتمسّكون به لإدانتي.
وبدأ مرة أخرى مسلسل التعذيب: التعليق بالصّنارة والضرب بالسياط واستخدام القضبان الكهربية. وكّلما كان العرق بارد يتصبب مني ، كانت دقائق الاستراحة .. حيث يطرحونني على الأرض مكوما على نفسي أصارع الآلام والجروح ريثما يعودوا مرة أخرى للتعليق .. وبقية مبادئ السيد الرئيس!.
~~~~~~
ولما
عجزوا - بعد أيام من التعذيب -
من
الحصول على أية اعترافات عن السلاح والانتماء للتنظيم، اخذ المحقق
يصر على كشف
أسماء
الأصدقاء .. وكانت بالطبع مراوغة ماكرة لاستدراجي إلى الاعتراف ولو
بشئ بسيط
لكي
يتمسكوا به لانتزاع اعترافات متسلسلة أخرى ..
وهنا
لابد من تسجيل هذه
التجربة
التي تؤيدها كل وجبات التعذيب وحالات الصمود أو الانهيار، التي
تقول: إن
الاعتراف
-
ولو بشيء بسيط - يجر الفرد إلى اعترافات أخرى، وبالتالي فان وجبات
التعذيب
وأساليبه تتضاعف وتشتد، خلافا لما قد يبدو للإنسان في الوهلة الأولى
بان
الاعتراف
قد ينهي التعذيب أو يخفف من حدّته .. ذلك لأن الجلاّد بمجرد حصوله
على أول
اعتراف
فانه يضاعف الضغط أكثر فأكثر لانتزاع اعترافات أخرى، ولا يقتنع أبدا
بان
هذا
الاعتراف هو كل ما لدى السجين .. بينما الصمود والمقاومة والتمسك
بموقف الإنكار
والنفي
يقنع الجلاد شيئا فشيئا بان السجين لا يملك شيئا يعترف به. كما إن
الصمود
يجعل
المحقق والجلاد ينهاران نفسيا ويتراجعان في أكثر الأحيان حتى ولو
كانت
بايديهما
أدلة مادية تدينه في الظاهر.
كان
احد الجلادين يقول: إن السجين
المنهار الذي
يعترف يشبه الإسفنجية، نظل نعصرها باستمرار، إذ كلما عصرناها خرجت
منها
ولو قطرة واحدة .. بينما السجين المقاوم هو كالصخرة .. لا يمكن
عصرها، فلا بد
أن
نلقيها بعيدا ونتخلص منها.
وبدأت
المراوغة الماكرة ..
قال
المحقق
-
الجلاد:
ثبت
عندنا انه لاشيء لديك تعترف به، ولكن نريد منك
أسماء
أصدقائك.
هنا
تظاهرت بأنه لا مانع لدي من ذلك. فأعطيتهم أسماء
الزملاء
والأصدقاء في العمل. قال:
ليس
هذا هو
المطلوب.
أعطيتهم
أسماء بعض المعارف والأقرباء الذين ليست لهم أية
نشاطات
سياسية أو هم من المتواطئين مع النظام.
إلا
إن الزرقاني، الذي كان
خبيرا
بالحركات الإسلامية، وكان يعرف أدق التفاصيل المرتبطة بالإسلاميين،
إذ كان
يتمتع
بخبرة طويلة في التصدي للنشاطات الإسلامية منذ عام 1974م حيث كان
مسؤولا عن
ملف
مجموعة الشهيد عارف البصري، قال:
ليس
هؤلاء الذين نريد
..
وفي
إحدى وجبات التعذيب بدا لي أن أذكر اسم ( كوثر الزبيدي ) وهي
منتمية
لحزب صدام حسين وكانت تعمل في مركز البحوث النووية .. فارتاح
الزرقاني لهذا
الاسم،
لأنه تصور الأمر انه سيكون بداية الخيط، إذ إن الاسم يدل على إنها
شيعية،
إذن
فهي صيد سمين، ولكنه سرعان ما خاب أمله عندما بدأ اتصالاته بالمركز
فاكتشف إن
كوثر
الزبيدي هي من أعضاء السلطة ولا يمكن أن تكون لها علاقة بأي نشاط
إسلامي
معارض.
على
كل حال، كنت حريصا كل الحرص على عدم البوح باسم أي شخص من
الأصدقاء
الإسلاميين أو الزملاء المتدينين، لكي لا أكون سبب لتوريط احد من
المؤمنين
بهذه المحنة، وقد وفّقني الله عزوجل لذلك.. والحمد لله.
وبعد
أيام
عديدة من عمليات التعذيب المتلاحقة والتي كانت تستمر ليل نهار
بالطريقة التي
شرحتها
،
وعندما يئسوا من الحصول على أية معلومة تنفعهم فيما يخص ملف السلاح
والتنظيم
الإسلامي والأصدقاء الإسلاميين المعارضين ، قرروا فتح ملف جديد ،
وهو ملف
العمل
في مركز البحوث النووية.
مفاعل
تموز
قال
المحقق مراوغا:
ثبت
لدينا
انك مخلص ومتدين، ولكن بقي موضوع مهم أرجوك أن تحدثنا عنه وينتهي كل
شيء،
نريد
منك أن تقول لنا من الذي نسف المعدات النووية في فرنسا ، والتي كانت
على وشك
أن
تشحن من ميناء مرسيليا الفرنسي إلى مفاعل تموز النووي؟
وهنا
برزت
قضية
جديدة لم أكن أتوقعها ..
فما
هو مفاعل تموز؟
بدأ
الروس العمل
بإنشاء
مفاعل نووي قبل استيلاء حزب البعث العراقي على السلطة عام 1968م،
إلا أن
العمل
توقف فيه بسبب توتر العلاقات بين الروس والنظام العراقي جراء الأزمة
مع
الشيوعيين
في الداخل. وفي عام 1975م بدأت المفاوضات مع الفرنسيين لبناء مفاعل
نووي
جديد
يعمل بقدرة عالية، وفي عام1977م أبرمت إتفاقية مع الفرنسيين، وكنت
مع الدكتور
جعفر
ضياء جعفر المسؤولين الرئيسيين لمتابعة الأمور الفنية لهذا المفاعل
النووي،
وكان
الفرنسيون يسمون هذا المفاعل (اوزيراك) بينما كان يسمى في العراق (
مفاعل
تموز).
وكان المفروض استخدامه للأغراض السلمية، إلا أن صدام حسين كانت تحوم
في رأسه
أفكار
وطموحات شيطانية أخرى لم يكشف عن حقيقتها.
وفي
عام 1979م نسفت المعدات
التي
كانت من المفروض أن تنقل من ميناء مرسيليا الفرنسي إلى مفاعل تموز
في العاصمة
بغداد.
لذلك
أضاف جلاوزة الأمن هذه القضية إلى ملفيّ وطلبوا مني الكشف عن
العراقي
المتواطئ مع الاسرائيلين لنسف هذه المعدات.
وباختصار شرحت لهم كلما اعرفه عن المشروع:
لقد
سافرت إلى فرنسا للتحقيق في هذه
المسألة،
وقد اثبت التحقيقات التي أجريناها مع الفرنسيين عند ما كنت مسؤولا
في( منظمة الطاقة الذرية ) بأن العملية تخريبية قام بها جهاز المخابرات الإسرائيلية
وبالتنسيق
مع بعض الفرنسيين، فنحن لم نكن نعرف تاريخ شحن المعدات، لان
الفرنسيين
لم
يكونوا قد بلغونا بذلك، فنحن عادة نبلّغ بهذه التفاصيل بعد الشحن،
وقد
استبعدنا
نحن والفرنسيون أي تواطؤ من داخل العراق، لأنها نسفت عندما كانت في
مخازن
الميناء
الفرنسي قبل شحنها، فالمسألة واضحة جدا، وكل الدلائل تشير على إن
تواطأ
لبعض
العاملين في الطاقة الذرية الفرنسية مع جهاز المخابرات الإسرائيلية
كان وراء
عملية
التخريب.
قال
المحقق في محاولة لاستدراجي إلى ما
يريد:
تتوفر
لدينا معلومات مؤكدة بأن الدكتور جعفر ضياء
كان
متواطئا معهم لأن والده كان وزيرا في العهد الملكي، وهو نشأ ودرس في
انجلترا،
إذن
فهو الطرف الذي كان على اتصال بالمخابرات الغربية،
وكانت
العبارات
الأخيرة مراوغة ماكرة لاستدراجي للتعاون معهم وإدلاء أية أقوال ضد
الدكتور
جعفر.
أجبتهم:
أستبعد
هذا الكلام ، لأن
المخابرات
الغربية لم تكن بحاجة للحصول على المعلومات من الدكتور جعفر ، لان
المعدات
وكل المعلومات المتعلقة بالمشروع كانت عندهم وليس
عندنا.
ولما عجز المحقق عن تحقيق هدفه دخل من باب المساومة:
نحن
سوف نطلق سراحك، ولكن شرط أن تقول لنا
بأن
الدكتور جعفر هو عميل متواطئ ونؤكد لك بأننا سنغلق ملفك فيما يرتبط
بالتنظيم
الإسلامي،
والسلاح، و ... و ...
إلا أن موقفي لم يكن غير الإصرار على جوابي:
-:
أنا لا أستطيع أن أنسب للدكتور جعفر مثل
هذه
التهمة ، صحيح إن الرجل ليس ملتزما دينيا ولكن من المستبعد جدا أن
ينسق مع
المخابرات
الأجنبية.
وهنا
تغيّرت لهجة المحقق وراح يقسو في أساليب
التعذيب
وهو يسأل مرة أخرى عن علاقاتي التنظيمية، وارتباطي بإيران و ...
عشرات
التهم
السياسية الخطيرة الأخرى ، تصحبها وجبات دسمة أخرى من التعذيب
الرهيب
والتعليق
بالصنّارة و ... و ...
لقد عجز الجلادون عن انتزاع أية معلومات حول ما يريدون ، وباءت كل أساليبهم القاسية والمراوغة بالفشل.
وفي
الحقيقة كانت
الـ
22
يوما التي قضيتها في غرفة التعذيب .. بكل ما تحمل من إرهاب و قساوة
و دموية،
وبكل
ما يمارس جلاوزة الطاغية فيها من أساليب شيطانية لتحطيم معنويات
الإنسان وكسر
مقاومته،
وإخضاعه لما يريد الجلاد وسلب إرادته وحريته أمام ماكنة العذاب التي
تبدع
السلطة
الصدامية كل يوم في تطويرها وإضافة أساليب جديدة إليها في التنكيل
والقمع ..
كانت
هذه الأيام فترة اختبار صعبة وفّقني الله تعالى للصمود والمقاومة
وتحدي كل
الضغوط
والخروج منها مرفوع الجبين.
وأخيرا
..
قرر الجلاوزة نقلي من غرفة
التعذيب
إلى الممر المظلم الفاصل بين مجموعتين من الزنزانات الدموية ..
وخلال فترة
وجودي
في الممر لم يتصل بي احد، أو يكلمني أي شخص حتى الشرطة أنفسهم وأنا
معصوب
العينين
ومكبل اليدين، وكان أسلوبا ماكرا لإدخال المزيد من الرهبة والوحشة
والإحساس
بالوحدة لدى السجين لتحطيم معنوياته. وبعد فترة الممر، نقلوني إلى
غرفة
خاصة
يطلق عليها عنوان ( غرفة القيادة ) بسبب أهمية الأفراد المسجونين
فيها.
~~~~~~
وأشير
هنا إلى إن أساليب التعذيب
التي
تستخدمها أجهزة الأمن ضد المعتقلين لا تنحصر في الصنّارة والسياط
والقضبان
الكهربائية
التي استخدمت معي، بل هناك عشرات الأساليب الأخرى المبتكرة بواسطة
جلاوزة
حزب السلطة أو المستوردة من الأجهزة الأجنبية المماثلة .. ونذكر
كمثال:
ولكنهم
لم يستخدموا هذه الأساليب ضدّي، ذلك لان هذه
الأساليب
تترك آثارا ظاهرة على الجسم، وكان مركز الأبحاث النووية - كما عرفت
فيما
بعد
-
قد طلب من جهاز الأمن إعادتي إلى العمل إذا لم تثبت التهم الموجهة
الي، لذلك
فإنهم
كانوا حريصين على تعذيبي بأساليب لا تترك آثارا طويلة الأمد على
جسدي لكي لا
تشكل
أي إحراج للسلطة فيما لو قررت إعادتي إلى العمل و الاستفادة من
خبراتي
العلمية.
غرفة القيادة
بعد
فترة التعذيب والتحقيق
التي
استمرت 22 يوما ( أي من 4 إلى 26 كانون الأول 1979م) وضعوني في هذه
الغرفة
و يداي
مشلولتان تماما بسبب التعليق بالصّنارة، وقواي البدنية منهكة بحيث
لم استطع
حراكا.
وكانت هذه الغرفة تضم عددا من قيادات حزب الدعوة، منهم عبد الأمير
المنصوري ( من محافظة البصرة) احد مسؤلي الحزب.
وكان
المعتقلون في هذه الغرفة يقضون
معظم
أوقاتهم بالصلاة والدعاء والتضرع إلى الله عزوجل، بينما كان رجال
الأمن
يراقبونهم
ويمنعونهم من التحدث فيما بينهم.
أما
وضعي الصحي فكان متدهورا
للغاية،
إذ لم أكن من - شدة آثار التعذيب - استطع القيام من مكاني، بل لم
يكن
بمقدوري
تحريك يدي وأصابعي، حديث كنت اشعر بان أعصاب الكتفين واليدين
متقطعتين
تماما
بسبب التعليق الطويل ولعشرات المرات بالسقف، إلا إنني كنت بفضل الله
تعالى
استعيد
قواي شيئا فشيئا وبشكل تدريجي .. وكان الأخوة المؤمنون في الغرفة
يساعدونني
في
القيام بشؤوني، وكانت العلاقات بيننا علاقات ود وتعاون وتعاضد.
~~~~~~
في
هذه الغرفة سألني عبد
الأمير
المنصوري الذي كنت التقي به لأول مرة في حياتي:
هل
ذكرت اسما من الإسلاميين المعارضين؟.
فأجبته
بالنفي.
وكان عبد الأمير يعرفني عن طريق صديقي ( ص.ف.) الذي كان المنصوري
مسؤوله
التنظيمي
بينما لم أكن أعرف بذلك.
~~~~~~
وفي
احد الأيام دخل
الجلاد
فاضل الزرقاني الغرفة وخاطبني:
كيف
حالك؟
-:
قلت له:
الحمد
لله.
-:
لقد عثرنا على صاحبك الذي أعطاك المنشور
وقد
اعترف عليك بكل شيء.
وكان عناصر الأمن قد عثروا أثناء تفتيش البيت على منشور كان قد جلبه لي شخص من انجلترا، وكان المنشور يحتوي على أسماء مجموعة من المعدومين كان منهم المهندس علاء الشهرستاني ( ابن عمي ). وفي التحقيق الدموي كنت قد أنكرت معرفتي باسم الشخص الذي جلب المنشور ، وكان هذا هو الحقيقة ، إذ إن الشخص المعني لم يكن يعرفني ولذلك فقد أوصل المنشور الي عن طريق صديق مشترك هو ( ح. ر.)
وتحت
إصرار المحقق لاعترافي باسم الشخص الذي أعطاني المنشور قلت
له:
أتذكر
إن اسمه مركب من كلمة (عبد) ثم اسم من أسماء
الله
الحسنى إلا إنني نسيته وهو من أهالي البصرة.
فبادرني
المحقق
وكأنه
حصل على ما يريد:
اسمه
عبد الرزاق؟. هنا توقعت
بأن
عبد الرزاق شخص معتقل ، وقد اعترف بأنه هو الذي جلب المنشور لي ،
لذلك اعتبرت
الإنكار
لا يفيد طالما أنّ المنشور عثر عليه في بيتي وأنّ الذي جلبه من
انجلترا
اعترف
على نفسه.
فأخذني
المحقق إلى غرفته، وقال لي:
اعترف.
-:
بماذا أعترف ، إنّ عبد الرزاق هو عندكم وقد اعترف
بكلّ
شيء.
-:
ما اسم والده؟
هنا
أدركت بأنهم لم يعتقلوا الشخص
الذي
جلب المنشور لأنهم لو اعتقلوه لعرفوا أسم والده، وكان هذا من غباء
المحقق حيث
جعلني
اكتشف الحقيقة التي انطلت علي في الوهلة الأولى، فأنكرت معرفة اسم
والده.
سأل
المحقق:
في
أي دائرة
يعمل؟
-:
إما بالميناء ، أو السكك ، أو
البتر وكيماويات.
فاشتاط
المحقق غضبا وصفعني وهو يصرخ:
هل
تركت أحدا بالبصرة؟
ثم
قاموا بتعذيبي من جديد.
بالعصي
الكهربائية ... ، بالفلقة... ، بالكيبل... ، غيرها ، وفي الوقت نفسه
شنّوا
حملة
اعتقالات واسعة بالبصرة على كل من أسمه عبد الرزاق.
ومن
المهازل
السخيفة
التي تثير السخرية والاشمئزاز في آن واحد من تصرفات السلطة الجنونية
هو
إنهم
جاؤوا بشخص من البصرة اسمه عبد الرزاق، وكان بدينا، ثم جاؤوا بي
إليه ورفعوا
العصابة
عن عيني وقالوا لي:
هل
هذا هو الذي أعطاك
المنشور؟
بينما
كان المسكين يبكي ويقول:
والله
إنّ هذا جسمي كلّه من الويسكي، وأنا لا أصوم ولا اصليّ،
ثم
أخذ يكرر عبارات الكفر بالله عزوجل لكي يثبت أن لا علاقة له
بالإسلاميين،
ففكرت في نفسي: رغم إن هذا الرجل غير مؤمن ولا قيم له إلا أن الله
لا
يرضي
أن أغبنه، لذلك فقد أنكرت معرفتي بالرجل، فأطلق سراحه.
أخوة الزنزانة
في
زنزانات
مديرية
الأمن، حيث التحقيق المطعم بوجبات التعذيب الرهيبة، مقدمة للمحاكمات
الصورية،
صاحبت الكثير من المؤمنين الذين كان الواحد منهم أسطورة في الجهاد
والمقاومة
والتحدي.. ووفاء لعهد الصحبة والأخوة كنت أود أن اذكرهم جميعا هنا،
إلا
أن
المجال لا يسع، لذا فإنني أشير إلى عدد منهم لتعميم الاستفادة من
تجاربهم:
كان
مستشارا في وزارة النفط، من
محافظة
كربلاء، وكان من أعز أصدقائي، وأقربهم إلى نفسي، وكنا نتزاور
دائما.
لقد
عذبوا الدكتور حسن تعذيبا قاسيا بحيث تهرّأ جسمه، وبرزت عظام
رجليه،
وبعد ذلك أودعوه في سجن أبو غريب، ثم أوخذ مع (( الوجبات)). * (
الوجبات
مصطلح
أطلق على مجاميع السجناء الذين أخذوا من سجن أبو غريب على شكل وجبات
يتراوح
عدد
منها بين 30 و60 سجينا يربطون سوية بسلك طويل ويقادون خارج السجن،
ولم يحصل
على
اثر لأي سجين أخذ في هذه الوجبات، وأكثر الظن إن نظام السفاح قد
أعدمهم ودفنهم
في
مقابر جماعية. وشملت هذه الوجبات بالإضافة إلى سجناء أبو غريب بقية
المعتقلين في
مديريات
الأمن في بغداد والمحافظات ويقدر عددهم حوالي 000/ 300معتقل)
وهو
طبيب من أهالي مدينة الكاظمية في
ضواحي
بغداد، وكان مسجونا في زنزانة قريبة من القاعة التي كنت فيها، وكان
رجال
الأمن
لا يسمحون باختلاط السجناء أو التحدّث فيما بينهم.
وفي
إحدى المرات
خرجت
مجموعة الدكتور رياض إلى المرافق الصحية، ولكنّه تأخر بعد أن رجعت
مجموعته
لأنّه
كان في وضع متعب للغاية، ويصارع جروحه الدامية، غير قادر على التحرك
بسرعة.
وقد
اعتقد الحارس رجوعه مع المجموعة، وحينما خرجت إلى المرافق - وكنت
اخرج لوحدي -
رأيت
الدكتور رياض وهو في حالة منهكة، ولم أكن اعرفه قبل ذلك، فقلت
له:
أخي
!
يعز عليّ أنّ أراك بهذه الحالة، ولا أعرف من
الذي
يسبق الآخر للشهادة، ولكن إذا كنت تحب أن توصيني بشيء فأنا
بالخدمة.
نظر
الدكتور رياض الي وقال:
دكتور*
(
كان الدكتور رياض يعرفني بالاسم لأنه كان قد سمع بوجودي في
السجن
مثلما سمع بقية السجناء) وصيّتي لإخواني أن لا يطأطئوا رؤوسهم لهذا
الطاغية،
ولا
أملك غير هذه الوصية.
لقد
كان الدكتور رياض صامدا كالجبل، ولم
يدل
بأي اعتراف. أما ما هي قصة اعتقاله؟. وما هي تهمته؟.
كان
أحد المعتقلين
من
أهالي مدينة الثورة في بغداد واسمه عبد الرزاق قد انهار نتيجة
التعذيب واعترف
اعترافات
خطيرة على المجاهدين من أبناء مدينته فقد اعترف على أكثر من ( 300 )
شخص،
وفي
إحدى المرات التقى بالدكتور رياض فقال له الدكتور:
إنك
عشت مسلما وستموت كافرا. انظر لسوء العاقبة كيف تكون، وقارن
نفسك
بـ (( الحر بن يزيد ))، الذي خرج لقتال (( الحسين عليه السلام))
ولكنّه دخل
الجنّة
بتغيير موقفه عندما اكتشف الحقيقة ، أما أنت فقد كنت من أهل الجنّة
، وسوف
تدخل
النار لأنك تعاونت مع الظلمة.
حينما
سمع عبد الرزاق هذا
الكلام
رفع تقريرا إلى فاضل الزرقاني وأخبره بكلام الدكتور رياض، فتمّ
استدعاؤه،
وأخذوه
إلى غرفة التعذيب وكسروا قنينة زجاجية وأدخلوها في مقعده فتمزق
مقعده،
وتمزقت
أمعاؤه، وأصبح في وضع يتمنى الشهادة بأسرع وقت، ويعتبر هذا الأسلوب
الوحشي
من
أكثر أساليب التعذيب قساوة وألما.
وبعد
سنوات التقيت بوالد الدكتور رياض
في
طهران فقلت له:
(( إن رياض )) استشهد
كبطل.
لقد
تمّ إعدام الدكتور رياض فيما بعد، وأما الخائن عبد الرزاق
فقد
أطلق سراحه لفترة، إلا أنه لم ينج من الإعدام أيضا وباء بسوء
العاقبة في
الدارين.
وهو
من أهالي مدينة الناصرية، وهو ابن شيخ
قبيلته،
تمّ اعتقاله مع مجموعة من ضباط الجيش منهم:
كان
النقيب حميد رجلا أسمر طويلا
شجاعا.
عندما
جاؤوا به رأيته مزهوا بشجاعته وبنشأته العسكرية، وكان مصمما
على
عدم الاعتراف، وقبل أن يأخذوه للتعذيب قلت له:
أخي
أنا
لا أعرفك، ولا ادري إذا ما كنت تعرفني أم لا؟
ولكني
أوصيك أن تتحمل ولا
تعترف
على أحد ولا تجعل دم مؤمن في رقبتك
،
فقال لي وقد عرفني:
دكتور
حسين ! تكرم ... لا تخف علي.
ثم
جاء المحقق فاضل
الزرقاني
مع ضابط الأمن وأخذا النقيب حميد، ومارسوا معه تعذيبا رهيبا لأنهم
كانوا
يخشون
من وجود تنظيم عسكري تابع لحزب الدعوة الإسلامية حيث كانوا قد
اكتشفوا قبل
ذلك
تنظيما عسكريا واعتقلوا عدّة ضبّاط.
لقد
ثقبوا عظام يديه بالمثقاب,
وحرقوا
جسمه بالتيزاب حرقا شديدا, ولمّا عادوا به كان جثّة ممزقة, وعظاما
مهشمة
بحيث
لا تكاد تعرفه بأنه ذلك البطل المعتد بنفسه, الواثق من شجاعته, لقد
تم إعدامه
فيما
بعد هو وبقية أخوته النقباء.
كان
السيد عبد الرحيم الياسري
عالما
دينيا وكان وكيلا للسيد الخوئي( قدس سره) في ديالى, كما كان أحد
المسؤولين في
((
حزب الدعوة )) وكان ضعيف البنية وعذبوه عذابا رهيبا, لذلك قرر
الانتحار بواسطة
سلك
الكهرباء الموجود في المرافق, إلا إن محاولته فشلت, ثم كرر المحاولة
في اليوم
الثاني
لكنها أيضا فشلت, وقد حدثني - فيما بعد -عن محاولتيه وقال:
لقد
عذبوني عذابا شديدا حتى شعرت بأني لم اعد أتحمل التعذيب, وخشيت
الانهيار
والإدلاء باعترافات تؤدي بالعشرات من المؤمنين إلى الإعدام, فقررت
الانتحار
لأني رأيت بان الانتحار ليس جائزا فقط, بل واجبا علي, كي احمي
المؤمنين
وخصوصا
الشيخ
((
حسن معن))* (أحد
قيادي (( حزب الدعوة )) وهو من الأفذاذ وقد
ضغط
رجال الأمن على السيد الياسري ليدلهم على مكانه فلم يتمكنوا من
الحصول على
اعتراف).
وقد شرح المحاولتين كالتالي:
عندما
أخذوني إلى
المرافق
أخذت السلك الكهربائي بيدي فرجتني الكهرباء رجة قوية ورمتني بعيدا,
وكنت
أنتظر
بأن أسقط في أحضان الحور العين لكني وجدت نفسي مرميا على
الأرض.
ويضيف
السيد الياسري:
جئت
وحكيت
القصة
لشخص أثق به, وقلت له بان الكهرباء لم تقتلني فما هو السبب؟.
فقال
لي
:
يجب
أن تكون هنالك رطوبة تحت قدميك حتى يكون جريان
التيار
الكهربائي قويا.
وفي اليوم الثاني حينما أخذوني إلي المرافق, خلعت نعلي وسكبت الماء على الأرض ووقفت عليها أخذت السلك الكهربائي بيدي فرجتني الكهرباء أيضا رجة قوية ورمتني, إلا إنها لم تقتلني في هذه المرة أيضا. وفي اليوم الثالث اخذوا مني وللأسف اعترافا على الشيخ حسين معن, وكانت كل الخطوط التنظيمية تنتهي به.
وروى
لي السيد الياسري هذه الواقعة. قال:
كنت
وكيلا للمرجع الديني الكبير السيد الخوئي في ديالى, وذهبت في
إحدى
المرات إليه وطلبت منه أن يعفيني من الوكالة لأنني وكما شرحت له -
أصبحت مقلدا
للسيد
محمد باقر الصدر بعد ثبوت اعلمتيه لدي
.
قال السيد
الخوئي:
عليك
بتقليد السيد الصدر بعد ثبوت اعلميته
لديك.
ولكنني أريدك أن تبقى وكيلا لي كذلك في ديالى.
وقد
حكم على
السيد
الياسري بالسجن لسبع سنوات, وسجن في قسم الأحكام الخاصة في سجن أبو
غريب,
وفيما
بعد اخذ ضمن صفوف ( الوجبات ) ولا يعرف مصيره حتى الآن.
وهو
أحد قيّادي حزب الدعوة, وكان
شجاعا
ومقداما بدرجة كبيرة, ومن ابرز قصصه المعروفة انه حينما اعتقل
الشهيد الشيخ
عارف
البصري والمجموعات التي اعتقلت معه عام1974م, فان عبد الأمير
المنصوري ذهب إلى(أمن الديوانية) حيث كان يجري التحقيق هناك ولبس نظارة سوداء,
وكانت شواربه مثل
شوارب
البعثيين(8شباط)*(وهي شوارب متدلية من الجانبين على شكل رقم8, وهذا
التاريخ-
أي
8شباط -يمثل تاريخ انقلابهم العسكري الدموي سنة 1963م ضد حكومة
((عبد الكريم
قاسم)).وانتحل
صفة رفيق حزبي ودخل على الضابط المسؤول عن الملف, والمحقق فاضل
الزرقاني
وسلم عليه, وقال له:
إن
مدير أمن البصرة(فلانا) يسلم عليك ويريد مني أن أحدثك بحديث خاص.
فأخرج
الزرقاني
الموجودين
في الغرفة, ثم تحدث عبد الأمير المنصوري فقال:
هناك
بعض الأشخاص(( من حزب الدعوة)) في البصرة وقد اعتقلناهم, وأنا
رفيق
حزبي, ويوجد أحد الأشخاص من عائلتنا اسمه (فلان) معتقل فإذا كان
موجودا عنكم
فأرجو
تسليمه لي لكي أعدمه.
فقال
الزرقاني:
نعم
إنه موجود عندنا, وإعدامه لا يجوز الآن, ولكن تحدث معه وانصحه
بأن
يعترف.
فاستدعى
المحقق ذلك الشخص فصفعه المنصوري صفعتين وشتمه
وقال
له:
لقد
أخزيت عائلتنا, من الذي أتى بك إلى
هؤلاء,
ثم
قال للمحقق:
اسمح
لي بأن أختلي به
وأنصحه,
فاختلى
به, وبشكل سريع عرف سير الاعترافات, ثم وجهه كيف يربط الخطوط
كي
لا تسري الاعترافات إلى الآخرين, وقال له:
هل
فهمت؟
فقال
المعتقل:
نعم
ثم
صفعه وخرج, وأتى المحقق وقال له:
رفيق
إنه وافق على الاعتراف.
وفعلا
تحدث المعتقل بمثل
ما
وجهه به, واستطاع قفل الخطوط..
إن
هذا الموقف يعتبر أسطوريا, إذ يدخل شخص
في
فم الأسد ويخرج منه بلا خوف أو تردد.
ويعتبر
عبد الأمير المنصوري من
المؤسسين
للاتحاد الوطني لطلبة العراق*(منظمة طلابية, تمثل حزب البعث
العراقي, في
جامعات
ومدارس العراق!!), إلا انه كان يحمل بعض الآراء القومية, وكان منشقا
على
قيادة
حزب الدعوة يجب أن تكون عربية, وكان منشقا على قيادة حزب الدعوة في
الكويت
حيث
كان من أعلامها الشيخ محمد مهدي الآصفي, وحينما اكتشف أمره وتم
اعتقاله - أي
عبد
الأمير المنصوري- قال لهم:
ماذا
تريدون... أنا
أعترف
لكم, فأنا أساسا مختلف مع قيادة((حزب الدعوة)) لأنها قيادة غير
عربية, صحيح
إننا
إسلاميون ولكن لا نستطيع أن نتفاهم معكم طالما أنتم ضد أمريكا
وإسرائيل(!).
كان
عبد الأمير المنصوري يريد أن يستغل السلطة
ويستدرجهم
للعفو عن المعتقلين, فكان يضحيّ ببعض الخطوط في سبيل أن ينقذ بعض
الخطوط
الأخرى
حسب اعتقاده, فمثلا اعترف على (قاسم عبود) وهو مسؤول تنظيم مدينة
الثورة في
بغداد
لأنه كان يعتقد بأن قاسم عبود سيصمد ولا يعترف, ولكنه في الوقت نفسه
كان يريد
أن
يثبت حسن النية للسلطة لإنجاح مشروعه!!
وعرف
قاسم عبود بأن عبد الأمير
المنصوري
اعترف عليه, لذلك قال للمحقق:
نعم,
إن عندي
تنظيم,
وأعطاهم
تنظيما وهميا, ولم يكشف عن التنظيم الحقيقي. لقد حكم على
قاسم
عبود بالإعدام, وقبل تنفيذ الحكم فيه، قال:
يكفيني
فخرا
أن أذهب للقاء ربي وثوبي ناصع أبيض إذ لم أعترف على أحد.
إن
هذه
الكلمات
أربكت سلطات الأمن, لذلك أصدروا الأوامر- فيما بعد - بعدم تنفيذ حكم
الإعدام
بمن يدلي بمعلومات جديدة حتى تستكمل المعلومات, فإذا استكملت نفذوا
الحكم
فيه.
مضى
الشهيد قاسم عبود إلى ربه بطلا واستطاع أن يحفظ بذكائه وصموده
ثلاثمائة
من المؤمنين المرتبطين به تنظيما في مدينة الثورة ببغداد.
وحينما
جاء
خبر إعدام الشهيد قاسم عبود,انهار عبد الأمير المنصوري ولم يستطع أن
ينام تلك
الليلة,
لأنه شعر بأن خطته فشلت, وهذا أول مؤمن يعدم بسببه, لأن قاسم عبود
لم يكن
مطلوبا
من السلطة وإنما اعترف عليه المنصوري في سبيل أن يثبت للأمن حسن
النية كي
تنجح
خطته (مشروع المصالحة), لأن الأمن خدعوه, وقالوا له:
لقد
أوقفنا الإعدامات وإذا اعترفت على أحد فإننا لا نعدمه وسننظر
بمشروع
المصالحة.
مشروع
المنصوري:
لقد
اقترح
عليهم مشروع مصالحة بين الإسلاميين في العراق وبين السلطة, وذلك بأن
ترسل
السلطة
عبد الرحيم الياسري الذي كان معتقلا عندهم إلى السيد محمد باقر
الصدر
باعتباره
وكيلا له ويعرفه السيد الصدر ويثق به, ويزود برسالة من صدام
حسين!!
تتضمن
العفو عن المعتقلين الإسلاميين, وبعد إطلاق سراحهم, يرسل السيد
محمد
باقر الصدر رسالة شكر إلى صدام حسين.
كان
عبد الأمير المنصوري يعتقد
بأنه
بهذا المشروع يستغفل رجال الأمن, ويستطيع أن ينقذ المعتقلين, ويؤجل
الصراع إلى
مرحلة
قادمة خصوصا وأن التنظيم قد انكشفت معظم خطوطه. وقد حدثني المنصوري
عن
مشروعه,
فقلت له:
عبد
الأمير! إنك مخطئ, هذا خيال,
هؤلاء
قتلة, هؤلاء ليسوا طلاب إصلاح, إن خطتك تعني إيقاف أي عمل جهادي ضد
السلطة
الحاكمة
في بغداد, وإن السيد الصدر لما سار في هذا الطريق فإنه لن
يتراجع.
وكان
المنصوري يثق بي لأن فاضل الزرقاني كان قد قال له في
إحدى
اللقاءات:
إن
جماعتكم أقسام, قسم مثل الإسفنجة
كلما
تعصرها يخرج منها الماء, ونحن نبقى نعصرها, وقسم مثل الصخرة لا يخرج
منها شئ
وإذا
عصرتها لا تؤذي إلا يدك, وهذا القسم نقطع رقبته ونتخلص منه, وإن
حسين
الشهرستاني
من هذا القسم.
وكانت
مثل هذه الحوارات تجري بين عبد الأمير
المنصوري
ومدير الأمن العام فاضل البراك, والمحقق فاضل الزرقاني, بينما كان
المنصوري
يشرب معهم الشاي.
لقد
ظهر عبد الأمير المنصوري على شاشة التلفزيون,
ولم
يضرب ضربة واحدة, وكانت القيادات المعتقلة من (( حزب الدعوة)) تتوجس
منه وتشكك
فيه
ولا تتعامل معه.
~~~~~~
وحول
قضية عبد الأمير
المنصوري
حدثني الشيخ حسين معن فقال:
أن
مشكلة المنصوري
تكمن
في قضيتين:
الأولى:
أنه يعتقد بأن وجود عناصر من أصول إيرانية على رأس
حزب
الدعوة أمثال الشيخ الآصفي هي ظاهرة غير مطلوبة, وأن قيادة حزب
الدعوة يجب أن
تكون
عربية.
وأضاف
الشيخ:
إن
هذا انحراف
خطير,
لأن مسألة القومية غير مطروحة في منهج الحزب.
الثانية:
ظاهرة الإعتداد
الشديد
بالنفس حتى تصل إلى درجة الغرور.
وكان
الشيخ يحاول عدم الاصطدام به كي لا
يدفعه
في أحضان السلطة, وكان قبل الاعتقال يحاول استلام المسؤولية منه
بالتدريج.
وهو
أحد القياديين الكبار في حزب
الدعوة,
وكان معتقلا في سنة1974م ضمن الخطوط التي اعتقلت مع الشهيد الشيخ
عارف
البصري
رحمه الله وكان رأيه - قبل الاعتقال- في عبد الأمير المنصوري بأنه
صاحب فكر
منحرف,
وخطر على حزب الدعوة, ويجب حماية المؤمنين منه. وقد أصدر أمرا بفصله
عن
الحزب,
إلا أن عبد الأمير المنصوري كان يعرف كوادر الحزب القيادية
والتشكيلات وخطوط
الارتباط..
وعندما
اعتقل عدنان سلمان عاهد ربه بان لا يعترف على أحد, وان
لا
يكلم الجلاوزة حول الاتهامات التي تنسب إليه بكلمة, لذلك حينما سأله
المحقق عن
التنظيم,
وطلب منه اعترافا, قال له:
أنا
عدنان سلمان.
وأنا
المسؤول الأول بالدعوة. وأنا المسؤول عن كل الخطوط, وهذا آخر كلام
تسمعونه
مني,
وجربوا ما بدا لكم من أساليب, فلن انطق بكلمة واحدة ضد أحد.
فقال المحقق: سأجعلك تتمنى الموت.
وفعلا
استخدموا معه
أساليب
رهيبة في التعذيب, لكنه صمد صمودا أسطوريا, ولما اشرف على الموت
احضروا له
ثلاثة
أطباء لعلاجه لكي يبقى على قيد الحياة لينتزع منه الاعتراف, وقال
لهم
المحقق:
إذا
مات عدنان فسوف نعدمكم.
وكان
عدنان
عند وعده, شان الصادقين, ولم يتكلم بكلمة واحدة إطلاقا, وحينما
اقتادوه إلى
المحكمة
كان عدنان في الرمق الأخير وفي سويعات الخلاص, لقد سطر درسا بدأه,
ياسر,
و ميثم,
ورشيد وقد صافحت كفه أكفهم, وسيبقى رمزا للبطولة تذكره الأجيال.
ويعتبر
الشيخ حسين معن ظاهرة فريدة في
الحالة
الإسلامية من ناحية علمه وتقواه, ومن ناحية شجاعته وقدراته
التنظيمية, وكان
ظاهرة
فريدة أيضا من حيث الاعتقال وسير التحقيق معه, حيث كان مطلوبا
للسلطة منذ
عام1974م, ولكنها لم تعثر عليه رغم كل المحاولات, وكان رحمه الله
أحد القياديين
البارزين
في حزب الدعوة, ولما علم بان قيادات الحزب إما غادرت العراق أو
اعتقلت من
قبل
السلطة الصدامية - وكان الحزب يعاني من غياب عناصر قيادية مسؤولة
وفعالة - فانه
تقدم
وتحمل المسؤولية.
وقد
حاول الشيخ احتواء عبد الأمير المنصوري, لأنه إذا
تم
اعتقاله والحديث قبل الاعتقال سيكون كارثة على الحزب لمعلوماته
الكثيرة عن
تشكيلات
الحزب وخطوطه, ولاجتهاداته الخاصة به.
قصة الاعتقال
إن
من جملة الخطوط التي لم تكن
مكشوفة
بعد, هو خط ((الكوفة والنجف)) وكان مسؤول النجف في نهاية 1979م هو
عبد
السادة
الكعبي*( وهو معلم من (( ميسان)) وكان يدرس في (( الكوفة)).), وقد
كلف
الشيخ
حسين معن أن يستلم هذا الخط منه, فكانت طريقة اعتقاله كما رواها لي
كالتالي:
قال:
إني
لم أكن اعرف عبد السادة الكعبي, ولم
التق
به قبل ذلك الوقت, وقد أعطيت شفرة بان اذهب في يوم معين وفي ساعة
معينه إلى
موقف
سيارات نقل الركاب بين الكوفة والنجف, وسوف أجد هناك شخصا تحت
المظلة يلبس
نظارة
سوداء ويحمل في يده اليمنى كيس نايلون احمر, واسأله: هل هذه السيارة
تذهب إلى
الكوفة؟
فيكون الجواب لا, في حين أنها تذهب إلى الكوفة.
ذهبت
على
دراجة
ووصلت الموقف في الموعد المحدد, ورأيت شخصا يلبس نظارة سوداء, وبيده
كيس
نايلون
احمر, وسألته خط السيارة فأجابني بالجواب الخطأ, فعلمت بأنه الشخص
المطلوب
فتعانقنا,
و أخذنا نسير باتجاه النجف ودراجتي بيدي وكنا نتحدث عن الحركة
الإسلامية
وعن
الاعتقالات, حتى وصلنا (( ساحة الميدان)) التي تقع قبل سوق النجف
الكبير. إلا
إنني
فوجئت بان الوضع غير عادي, وأحسست بان المكان مطوق, وفعلا اعتقلوني
وأنا أصيح
بان
هؤلاء حرامية.
لقد
ظهر لي بعدئذ أن عبد السادة الكعبي كان قد اعتقل خلال
اليومين,
بين الاتفاق معه على الشفرة وبين موعد الاتصال به, ووجدوا الشفرة
عنده,
لذا
أرسلوا شخصا تقمص شخصية الكعبي, وهكذا وقعت في الفخ واعتقلوني,
وأخذوني إلى
دائرة
أمن النجف, إلا إنني كنت احمل بطاقة شخصية باسم (فاروق عبد الله
الدليمي)
المهنة:
معلم في البصرة.
سألني
المحقق, ما اسمك؟ ومن أي منطقة؟ و ماهي مهنتك,
وما
هو تنظيمك؟
قلت له:
أنا(فاروق عبد الله
الدليمي)
معلم في محافظة البصرة, وأنا سني جئت في إجازة من البصرة إلى بغداد,
وكان
معي
في القطار رجل يبدو عليه إنه إنسان طيب, واخذ يحدثني في أمور كثيرة,
وحدثني عن
فضائل
علي بن أبى طالب عليه السلام وحثني أن أزوره واطلب حاجتي, والواقع
أنا لم أكن
مقتنعا
بمثل هذه الأمور, فقلت للرجل, أنا لا اعرف أحدا في النجف, كما
إني لم أزر((
النجف))
سابقا,
فقال لي:
لا
تقلق أنا سأكتب لك
رسالة
وأعرفك لأهلي وهم يستضيفونك, واذهب إلى المكان الفلاني ستجد شخصا,
فسلم عليه,
وقل
له:
أنا
من طرف فلان. وفعلا جئت في الموعد والمكان المحددين وحدث ما
حدث.
الواقع إن رجال الأمن لم تنطل عليهم هذه المسرحية, لأنهم كانوا قد اكتشفوا الشفرة والتفاصيل المتعلقة بها من خلال اعتقال الكعبي, وكانوا مقتنعين بان الشخص المعتقل مرتبط بالتنظيم, إلا إنهم لم يكونوا يعرفون*(لان عبد السادة الكعبي لم يذكر في اعترافاته اسم الشيخ حسين معن). بأن هذا الشخص هو الصيد الأثمن, لان هويته كانت تعرف بغير شخصه, لقد مارسوا معه أبشع أنواع التعذيب من ضرب بالكيبلات وبالعصي الكهربائية, وبالهراوات والفلقة والصنارة بالسقف, وكانوا يأخذون المردان الأحمر- وهي حشرة تتواجد في المناطق الرطبة, والمرافق الصحية - ويضعونها في فمه, حتى أن المحقق اخذ يتقيا, ولكن الشيخ حسين معن كان يقول:
احتسب
ذلك عند الله.
كان
الشيخ رحمه الله ظاهرة فريدة
في
انتحال الشخصية, وظاهرة فريدة في صموده البطولي.
~ البرزخ ~
لما
يئس الجلادون من انتزاع أي اعتراف
منه،
وفشلت آلاتهم الإرهابية أمام عظمة الصمود وسمو الروح وعزة النفس
وأمانة
الطريق،
لذلك رموه في غرفة صغيرة مظلمة حالكة وهو فاقد الوعي - وكان ذلك
ليلا -
وفجأة
دخل عليه رجلان يرتديان ملابس سوداء، وأقنعة تغطي الوجه، ولا يبدو
منهما
إلا
عيون تلمع، وكان أحدهما يحمل سيفا والآخر يحمل حربة، فصاح الأول أنا
منكر ...
وصاح
الآخر أنا نكير ، وهما يمثلان حالة استجواب الميت في قبره ، وكانا
بذلك يوحيان
للمعتقل
بأنه ميت ويواجه الملكين في عالم البرزخ!.
يقول الشيخ حسين معن:
مارست
اللعبة معهما، فجلست في زاوية الغرفة،
وأخذت
أصيح:
أماه
أنا في القبر ... لقد حل يوم القيامة ... لقد جاءني منكر
ونكير
...
سأتكلم الحقيقة ... إن رب العالمين لا تخفى عليه
خافية.
فسأله
منكر ونكير!! عن اسمه، وشغله، وتنظيمه ... نفس أسئلة
التحقيق،
فأجابهم بمثل ما أجاب به المحققين, فيئس منكر ونكير منه وتركاه ولم
يضرباه.
وعندما
يئس(أمن النجف) من انتزاع أي اعتراف منه، نقلوه إلى (مديرية
أمن
بغداد)
وقام بالتحقيق معه فاضل الزرقاني، ولا يعني التحقيق بالطبع غير
الضرب
بالكيبلات
الكهربائية، وبالعصي الغليظة، والصعق بالكهرباء، والكي بالكاوية
الكهربائية
والحرق بالتيزاب، والفلقة، والتعليق
بالصنارة.
كرسي الاعتراف
وهو
عبارة عن كرسي بسيط من
صنع
محلي، يجلس المعتقل عليه ويربطون على عنقه وعلى معصميه وعلى رجليه
أطواقا
حديدية،
وأمامه أضواء ساطعة متعددة الألوان، ومكبرات صوت متعددة وإشارات
ضوئية
وهاجة،
ويجلس المحقق في غرفة أخرى، ويتكلم من خلال سماعة بصوت معدني، يشبه
صوت
الإنسان
الآلي الذي يظهر على شاشات التلفزيون، وعندما لم تنفع مع الشيخ
مختلف
الأساليب
السابقة جاؤوا به إلى هذه الغرفة، وقالوا له:
إن
هذا الجهاز احضر من أمريكا ولا يمكن أن تنطلي عليه كذبة، لأنه
جهاز
إلكتروني، والكومبيوتر يكشف الكذب من الصدق،
يقول
الشيخ:
لقد
ارتبكت وخفت على المؤمنين لا على نفسي،
لأنه
قد تكون هنالك أساليب الكترونية متطورة تكشف الحقيقة.
جلست
على
كرسي
الاعتراف ووضعوا الأطواق الحديدية وجاءني الصوت المعدني من السماعة,
ما
اسمك؟
فقلت:
فاروق
عبد
الله
الدليمي.
فأجابني
الجهاز:
(صح)،
واشتعلت
الأضواء الخضراء الساطعة.
وهكذا
اكتشفت منذ اللحظات الأولى بان هذا
الجهاز
لا يستطيع أن يكشف شيئا، فتبددت مخاوفي وزالت هواجسي، ثم جاءني
الصوت،
كم
عمرك؟
فقلت:
25سنة.
فأجابني
الجهاز
(صح)
،
واشتعلت الأضواء الخضراء.
ثم
جاءني الصوت،
هل
أنت
عضو في حزب الدعوة؟
فقلت:
لا.
فأجابني
الجهاز:
(كذب)،
وبدأت الرجة الكهربائية، واشتعلت الأضواء الحمراء الساطعة وأصوات
وضجة متداخلة
ومخيفة
في نفس الوقت.
الواقع
إن الشيخ حسين معن كشف هذا النوع من التحقيق
وأبطل
مفعوله، واثبت بأنه غير فعال وغير مجد في انتزاع الاعترافات من
المعتقلين،
ولم
نسمع بأنه استخدم مع غيره من المؤمنين.
السجن
وعندما
لم تنفع أساليب
التعذيب
المختلفة، والمسرحيات المراوغة في الحصول على معلومات واعترافات من
الشيخ
معن،
أخذوه إلى محكمة صورية حكمت عليه بالسجن المؤبد، فنقلوه إلى سجن أبو
غريب،
قسم
الأحكام الخاصة، باسم(فاروق عبد الله الدليمي).
وكان
الشيخ يحذر
ويتحاشى
أي حديث أو حوار مع السجناء الذين هم إخوته في الدين والعقيدة، كي
لا تعرف
حقيقة
شخصيته وينكشف أمره، وقد يوشي عليه احد المنافقين، أو يعرف من ملفات
تحقيق
تفتح
من جديد.
وكان
الشيخ يمثل دورا على السلطة والآن اخذ يمثل دورا على
المؤمنين،
وذلك بالتظاهر بأنه رجل سني ولا علاقة له بقضية الحركة الإسلامية،
وكان
السجناء
يعرفون الشيخ، ويسمعون عنه خارج السجن، إلا إنهم لم يكونوا يعرفون
صورته
لأنه
كان يعيش متنكرا منذ سنة 1974م.
هفوة وثمن
-:
أين الشيخ حسين معن؟.
كان
السؤال الأهم الذي يوجه
للسيد
عبد الرحيم الياسري بعد اعتقاله.
ففي
إحدى وجبات التعذيب وبعد فشل
محاولتيه
الانتحار، قال لهم:
انه
عندكم!!
وكان
الشيخ
في سجن أبو غريب، لكنهم لم يهتدوا إلى أن الشيخ حسين معن هو نفسه
فاروق عبد
الله
الدليمي، وفي أحد الأيام احضر المحقق فاضل الزرقاني صورة وسأل
الياسري:
هل
هذه صورة حسين
معن؟!
فقال:
نعم.
وهكذا
أدركوا
بان فاروق عبد الله الدليمي هو نفسه الشيخ حسين معن فاحضروه من سجن
أبو غريب،
إلى نفس الزنزانة التي كنت فيها في مديرية أمن بغداد، وإنني لم أكن
قد تعرفت
عليه
من ذي قبل.
حينما
رجع الشيخ من سجن أبو غريب رجع باسمه الحقيقي: حسين
معن
،
لقد كان همه الرئيسي الآن هو أن يطوق الاعترافات ، ولما كان السجناء
موزعين
في
زنزانات متفرقة ومقطوعين عن الاتصال ، لذا كان يستغل فترة الخروج
للمرافق ،
وفترة
الأكل ، للاتصال الخاطف بمن تيسر من السجناء فيحفظ أسماءهم ، وكان
يتمتع
بحافظة
قوية، وفي الليل كان يربط الخطوط ويثبت الأسماء بحيث يكون فلان
مسؤول فلان ،
ويجعل
الأمور تنتهي به ، كي لا يسري لهيب الاعترافات إلى أشخاص خارج السجن
، وبذا
يطوق
الحريق الذي تشعله الاعترافات العشوائية غير المنسقة ، ويحفظ
المؤمنين الذين
لم
يلق القبض عليهم.
وعند
الخروج للمرافق في اليوم التالي كان يوجه المؤمنين
بما
رتبه في الليلة الفائتة.
المطبعة
كان
الشيخ حسين معن
مسؤولا
عن مطبعة سرية في النجف لطبع النشرات السرية، وكان قد وضعها في
سرداب
استأجره
لهذا الغرض، وفي أحد الأيام تعطلت المطبعة، فاستعان بشخص لتصليحها
هو ((ف. د))، وكان هذا الشخص مسؤول ورشة فنية، ولما تم اعتقال الشيخ بقيت المطبعة
عاطلة
،
ولم يلاحظ ((ف. د)) بأن المكان مراقب، كما لم يأت أحد لتفتيشه وهو
واثق من
صمود
حسين معن وانه لن يعترف، لذلك فكر في نفسه:
لم
تبق المطبعة عاطلة من
دون
الاستفادة منها؟! سوف اذهب لتصليحها.
هذا
ما كان من ((ف. د))، وأما ما
كان
من الشيخ فانه بعد أن أعادوه من سجن أبو غريب إلى مديرية أمن بغداد
، اعترف بعض
السجناء
بان ((حسين معن)) هو مسؤول مطبعة النجف ، فقدر الشيخ:
1. إبان المطبعة عاطلة ولا تفيد الحزب.
2. وان مكانها سري وغير معروف.
3.
يوحي لرجال
الأمن
بأنه متعاون معهم، فيضحي بالمطبعة كي يطمئنوا به، ولا يلحوا عليه
ويحفظ
أمورا
غير مكشوفة.
وبعد
اعتراف الشيخ على مكان المطبعة أخذوه إلى النجف
ليدلهم
على مكانها، وصادف وصوله في الوقت الذي كان ((ف. د)) يقوم بتصليحها
فالقي
القبض
عليه.
كان
التحقيق مع (ف. د) اقل قسوة من غيره، ولكن بسبب بدانته فقد
انخلع
كتفه حينما علق بالصنارة، وكان اعترافه حسب توجيه الشيخ حسين
كالتالي:
لقد
خدعني هذا الشيخ، وأنا مجرد فني جئت
لتصليح
المطبعة.
وكان (ف. د) مؤمنا حقا وكانت ثقته بالله عالية ،
فمثلا:
كان المؤمنون يصلون صلاة الليل ، وكان بعضهم يطلب من الله أن يكون
حكمه
بالسجن
مؤبد ، لان الحكم الغالب كان الإعدام ، وكان السجن المؤبد يعتبر
فرجا ورحمة
بينما
كان ( ف. د) يقول لهم:
لماذا
تطلبوا من الله ذلك
...؟
لماذا لا تطلبون الفرج ...؟ أنا حتى لو وضعوا الحبل في عنقي، فإنني اعتقد
بقدرة
الله على تغيير الوضع في آخر لحظة.
كان
الشيخ حسين معن يصلي
ويدعو
في صلاته لعبد السادة الكعبي، وكان الشيخ يعتبر نفسه تلميذا صغيرا
له، وكان
عبد
السادة مثالا للصمود، ولم يعترف على اخوة الطريق، وكان من القياديين
المطلعين
على
تفاصيل واسعة في الحزب.
الدرس
وهكذا
تعرفت على الشيخ
حسين
معن بشخصيته الحقيقية في زنزانة (أمن بغداد) ونشأ بيننا نوع من
الألفة حتى
صرنا
متلازمين نقضي أكثر أوقاتنا إما بالعبادة، و إما بمناقشة شؤون
الحركة
الإسلامية،
وان هذه المحنة كيف جرت...؟ وان أزمة الاعتقالات والانهيارات في
صفوف
الحركة
الإسلامية يجب أن تستفيد منها الأجيال القادمة وان لا تفوتها هذه
المحنة دون
اخذ
العبر، وهل كان من الممكن تلافيها ...؟ و كيف يجب على الإخوة
الموجودين في خارج
العراق،
والجيل الإسلامي الذي يأتي بعدنا أن يتعلموا الدروس والعبر من هذه
القضية،
كي لا تتكرر المأساة. وأذكر أنى قلت له في إحدى المرات:
أنا أستغرب، لماذا لم تهئ قيادة حزب الدعوة كوادرها بالشكل المطلوب، لقد كان واضحا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أن حزب البعث العراقي سيشن هجمة شرسة من الاعتقالات في صفوف الإسلاميين، فكان من المفروض أن تعرف الكوادر أساليب الاعتقال... أساليب التحقيق ... أساليب التعذيب ... كيفية الصمود والتمويه... وتطويق الاعترافات، لا أن تسلسل الاعتقالات دون أية احتياطات في صفوف الحزب.
وضربت
له مثالا على ذلك:
في
فترة
تحقيقي
احضروا غلاما عمره(14) سنة، وكان هذا الغلام مرتبكا جدا وخائفا
ويبكي، وقد
نال
فصلا مشبعا من التعذيب، لان رجال الأمن داهموا بيتهم لإلقاء القبض
على أخيه
الضابط
في الجيش العراقي، ولكنهم لم يجدوه فالقوا القبض على هذا الصغير
ليدلهم على
مكان
أخيه، وليخبرهم بأسماء أصدقاء أخيه، وقد أراد هذا الصغير أن يلعب
دورا
بطوليا،
وان لا يذكر أسماء أصدقاء أخيه، إذ كان فخورا بأخيه ويحبه لأنه أحد
ضباط
الحركة
الإسلامية، ولكنه لم يكن يعرف ماذا سيفعلون به، أو كيف يناور ويراوغ
المحقق،
وقد كان مرتبكا جدا، فهدأت روعه، وقلت له:
سيأخذونك
إلى زنزانة، ويعصبون عينيك، ويشدون يديك إلى الخلف،
ويعلقونك
في صنارة مثبتة بالسقف، وسوف تشعر بألم رهيب في مفاصل كتفك، حتى
تشعر
بأنك
لن تستطيع تحمله، ثم يستخدمون معك القضبان الكهربائية على المناطق
الحساسة من
الجسم،
وكذلك على الأعضاء
التناسلية،
وهذه لا تؤذي أكثر مما هي لسعة نحل، ثم
تشعر
بأنك سوف تنهار ولا يمكن أن تتحمل هذا الألم، فهنا عليك أن تتحمل
هذه المرحلة
وان
تتجاوزها، وبعد ذلك تشعر بخدر في جسمك، ولا يؤثر فيك التعذيب، سوى
ألم الكتف،
ثم ينزل عرق بارد من جسمك بحيث تشعر بأنك ترتجف.
في
هذه الحالة سوف ينزلونك من
الصنارة
ويتركونك على الأرض لفترة، وتسمى مرحلة نزول العرق البارد عند الأمن
بالعلامة
،
ثم يستدعونك مرة ثانية ، وبعدها يتركونك ، ويقولون ما عنده
شيء.
لقد
هيأت الطفل نفسيا وشرحت له أساليبهم، وفعلا تم
استدعاءه
وفعلوا به مثلما قلت له، ورجع وهو مشلول اليدين دون أن ينتزعوا منه
اعترافا،
وقبلني وقال:
جزاك
الله خير
الجزاء.
وفي
لقاء آخر مع الشيخ معن تحدثت معه حول مسالة أخرى وهي
ضرورة
أن يكون لكل خط تنظيمي واقعي خط وهمي، ففي بعض الحالات يرى المعتقل
نفسه
مجبرا
على الاعتراف، لوجود أدلة ثبوتيّة عليه، ففي هذه الحالة يعترف على
الخط
الوهمي
ويحمي الخط الحقيقي كما فعل ذلك الشهيد قاسم عبود, ثم أضفت:
إذا
كانت قيادة الحزب لم تخطط بعد للصدام مع السلطة في هذه المرحلة,
كان
عليها أن تهيئ أفرادها لتوقي الضربة.
فقال
الشيخ:
دكتور
حسين, لم يكن لنا من ينبهنا إلى هذه المسائل, إن هذا درس,
والحركة
الإسلامية يجب أن تدرسه بعمق, وان أزمة الاعتقالات والانهيارات في
صفوف
الحزب
يجب أن تستفيد منها الأجيال القادمة وان لا تفوتها هذه المحنة دون
اخذ
العبر.
الإعداد العائلي
كان
الشيخ يعد
ولده
الصغير ((سجاد)) للمستقبل, وكان يعلمه دائما:
إذا
سالك
رجال
الأمن عني، وقالوا لك:
هل
هذا هو أبوك؟
فقل
لهم:
لا,
أصر
على ذلك.
وكان رجال الأمن يشكون بشخصية فاروق عبد الله، ويعرفون عائلة حسين معن، لذلك احضروا زوجة الشيخ وطفله سجاد، وقف الطفل الذي لم ير والده منذ شهور وقف أمام والده، ولم يرم بنفسه في حضنه، وقف وكأنه لم يعرفه، وسأله المحقق فاضل الزرقاني:
سجاد!
هل هذا
أبوك؟
فقال:
لا,
أصر على
ذلك.
ولكن
حينما عاد الشيخ من أبو غريب باسمه الحقيقي وأتضح بأنه
حسين
معن، احضروا سجاد و أوقفوه أمامه، لكن الطفل لم يرم بنفسه في حضن
والده،
ووقف
وكأنه لم يعرفه، ولما سأله المحقق:
هل
هذا
أبوك؟
أجابه:
لا,
أصر على
ذلك.
فتألم
الشيخ لمحنة الطفل، وقال له:
تعال
يا ولدي، قل لهم، أنا أبوك.
فحينما
سمع الطفل
من
والده ذلك وافق على أن يقول لهم:
انه
والدي.
الوصية
وقبل
صدور حكم الإعدام
بحقه
بليلة أو ليلتين، قال لي الشيخ:
أنا
أتوقع أن
يحكموني
بالإعدام، وأحب أن أوصيك وصيتي وأنت أمين عليها، وصيتي هي:
أن
تبلغ
المؤمنين والدعاة من بعدي باني سوف اذهب إلى لقاء الله ونفسي لم
تشبع من ثلاثة
أشياء
في هذه الدنيا:
أ-
لم اشبع من عبادة الله عز وجل.
ب-
لم اشبع من
مجاهدة
الظالمين التي تعطيني لذة ما بعدها لذة.
ج-
لم اشبع من خدمة إخواني
المؤمنين,
والفقراء.
الإعدام بالجملة
هنالك
أربعة
خطوط
من الحركة الإسلامية سيقت إلى المحكمة التي كانت تعقد في الأسبوع
مرتين أو
ثلاث
مرات، قبل محاكمتي، وهي:
أ-خط
الأطباء
منهم:
1. الدكتور رياض زيني.
2. الدكتور طاهر.
3. الدكتور غازي الحريري. وآخرون.
وكان بعض هؤلاء الأطباء يعمل في مستشفى الكرامة في بغداد، وكانت عندهم قنابل يدوية(رمانات)، وفي تلك الفترة كان صدام حسين يقوم بزيارة المستشفيات في بغداد للاستهلاك الإعلامي، وكان قرار هؤلاء الأطباء هو اغتيال راس السلطة الطاغية عن طريق تفجير القنابل.
لقد
حكم على
هؤلاء
الأطباء بالإعدام.
ب-خط
الضباط
منهم:
1.
النقيب سعيد المالكي.
2.
النقيب هشام
اللامي.
3.
النقيب غالب.
4.
النقيب عاصم.
5.
النقيب حميد.وآخرون.
وكان
هؤلاء
الضباط من وحدات مختلفة، كما اعتقل جلاوزة الأمن ضابطين من وحدات
صواريخ أرض
-
أرض الكائنة في معسكر المحاويل* (موقع عسكري في منطقة تابعة لمحافظة
بابل).,
وكان
هذان الضابطان مسؤولين عن هذه الكتيبة، وكانت عندهم خطة لضرب القصر
الجمهوري
بهذه
الصواريخ.
لقد
حكم على هؤلاء الضباط أيضا بالإعدام.
ج-نواب
الضباط
وكان
عددهم يتراوح
مابين35-45نائب
ضابط ، وكانوا يعملون في قاعدة كركوك الجوية. لقد حكم على جميع
هؤلاء
بالإعدام باستثناء اثنين حكما بالسجن المؤبد.
د-خط
الكوكبة اللامعة
وهم:
1.
الشيخ حسين
معن.
2.
السيد عبد الرحيم الياسري.
3.
الأستاذ((ف. د)).
وعندما
اقتادوا
هؤلاء
الثلاثة إلى المحكمة اتفقت مع الشيخ حسين على شفرة معينة تخبرني
نوعية
الأحكام
الصادرة بحقهم, وكانت الشفرة كالتالي:
إذا
حكم الشيخ مع السيد
الياسري
بالإعدام، فان السيد يقول للحارس، سلم لي على الدكتور حسين.
وإذا
حكم
الثلاثة بالإعدام، فان(ف. د) يقول للحارس، سلم لي على الدكتور حسين.
وهكذا تم
الاتفاق
مع الشيخ على هذه الشفرة.
وحينما
ذهبت هذه الكوكبة إلى المحكمة,
وعاد
الحرس فإنه وقف بباب الزنزانة وناداني فجئت وراء ا لشباك الصغير
بباب
الزنزانة,
فقال الحارس:
دكتور!
الشيخ حسين معن يسلم
عليك.
فعندها
علمت بان الشيخ حكم عليه بالإعدام وان صاحبيه حكما
بالسجن,
وهكذا ذهب إلى ملكوت السماء صابرا محتسبا تتحدث عن صموده
الأجيال.
ثم
أنى سألت الحارس:
ماذا
قال
الشيخ...؟
ماذا فعل...؟
فالتفت
الحارس يمينا وشمالا, ثم
قال:
يا
أخي اقسم بشرفي, هذا بطل لا يأتي العراق
بمثله.
وبعد
أن حكمت على المحكمة بالسجن المؤبد واقتادوني إلى سجن
أبو
غريب وجدت هناك السيد الياسري و(ف. د) فتأكدت من سلامة الشفرة التي
اتفقت عليها
مع
الشيخ الشهيد, ثم سألتهما عما جرى في المحكمة, فقالا:
لقد
كان الشيخ بشوشا طوال فترة المحاكمة, وقال للحاكم مسلم هادي
الجبوري
-
وهو يبتسم على عادته:
لماذا
تضيعون وقتكم مع هؤلاء ... أنا مسؤول
العراق
...
أنا مسؤول هؤلاء ... أنا المسؤول عن جميع القضايا.
وكان
الشيخ
متفقا مع صاحبيه أن يقولا للحاكم:
كل
شيء مسؤوله
الشيخ
حسين معن.
وحينما
سأل حاكم( ف. د) عن التنظيم وعن المطبعة,
أجابه:
إن
المعلومات أخذت مني بالقوة، ولو قالوا لي من
الذي
رمى القنبلة الذرية على ((هيروشيما)) لقلت لهم أنا، لقد وقعت على
ورقة وأنا
معصوب
العينين لا ادري ما كتب فيها.
لقد
خدعني هذا الشيخ حينما طلب مني
تصليح
المطبعة، أنا سني ولا اعرف هذه الأمور.
فقال
الحاكم:
((
حقك ابني حقك, أنت ما عنك شيء، إن هذا لم
يخدعك
فقط، بل خدع الدولة.))
لقد
حكم ((ف. د)) سبع سنين، والسبع
سنين
معناه إفراج, إلا أن طاحونة الإعدام فاغرة فاها لا يكل!! وقد طحنته
فيما بعد
عن
طريق (( الوجبات)).
الوجبات
حينما
تسلم صدام حسين السلطة في
1979م،
قام بحملة اعتقالات شرسة ضد المعارضة الإسلامية، فكان قسم منهم تتم تصفيتهم
في
دوائر التحقيق، والقسم الآخر يؤخذ إلى محاكم صورية فيحكم عليه
بالإعدام أو
السجن،
ولكن حينما صدر قرار إعدام كوادر الحركة الإسلامية وجماهيرها في 21/
شباط
/1980م
فان رجال الأمن قاموا بعمليات تصفية كوادر وجماهير الحركة الإسلامية بطريقة
((
الوجبات)) أو ما يسمى (( بالمصير المجهول)) حيث يؤخذون من سجن أبو
غريب ومن
دوائر
الأمن في بغداد والمحافظات الأخرى إلى أماكن مجهولة، و بعد أن تعصب
عيونهم
وتربط
أيديهم إلى الخلف بجامعات حديدية، مرتبطة بسلك، وقد بلغ عدد الأشخاص
الذين
اخذوا
(
وجبات) حوالي (000/300) شخص، وبقي السؤال عن مصائر هؤلاء من دون
جواب
جازم،
ولكن هنالك شواهد وقرائن ترجح إعدامهم واليك بعض هذه الشواهد:
الشاهد الأول
حينما
فتحت الأقسام المغلقة
للسجناء
في أواخر سنة 1989م وسمح للسجناء بمواجهة عوائلهم استطعت أن التقي
بعدد من
السجناء
وقد جاءني أحدهم في احد اللقاءات وقال لي:
إن
أحد
أقربائي جاء لزيارتي وعنده موضوع خاص يريد أن يتحدث حوله مع إحدى
الشخصيات
الإسلامية
المرموقة ، بحيث لا يتسرب الخبر.
فقلت له:
جئني
به.
وجاءني
ذلك الشخص وقال لي:
أنا
ضابط أمن، وكانوا يأمرونني أن أخذ مجاميع كبيرة للإعدام وكان ذلك
خلال
عامي 1982,1981توجد ثلاث
مقابر جماعية أستطيع أن أدلكم عليها، تقع في جهة
الاعظمية
بعد (جسر الأئمة) في بغداد, وبالتحديد في منطقة(سبع أبكار) ، حيث
كانت
تحفر
حفرة كبيرة ، وكنا نأتي بكل مائة شخص مربوطين سوية ونطلق عليهم
الرصاص ونرميهم
بالحفرة.
الشاهد الثاني
ذكر
احد السجناء
وقد
كتب الله له النجاة كي يروي لنا المصير المجهول للكثير من المؤمنين
- وهو من
محافظة
كربلاء -, ذكر خبرا حيث قال:
لقد
تم اعتقالي في
سنة
1982م ضمن الاعتقالات الواسعة التي تجري في المناطق الشيعية، حيث
نقلوني إلى (
أمن
كربلاء) وبقيت هناك عدة أيام.
وفي
إحدى الليالي ربطوا عيني وشدوا يدي
إلى
الخلف وفعلوا بعدد أخر من السجناء مثلما فعلوا بي ونقلونا إلى((
منطقة
الأخيضر))*
(منطقة
في بادية ((كربلاء)) يقع بها ((قصر الأخيضر)) الأثري واسمه في
التاريخ (( قصر بني مقاتل)) )، إلا أن السائق ضل الطريق وبقينا حتى
الفجر فرجع
السائق
إلى (أمن كربلاء)، وقد علمنا - فيما بعد بأن هنالك ساحة إعدام
وشفلات للحفر
وغيرها.
الشاهد الثالث
جاءت
إحدى
العوائل
-
هي من (( منطقة عفك)) - لتزور سجينا لها في سجن أبو غريب, وسمعتُ
منهم
قولهم:
نحن
فلاحون وعندنا ارض في منطقة (عفك), وقمنا
بكربها,
فظهرت عباءة امرأة, وحفرنا المنطقة فظهر عدد كبير من جثث النساء مع
عباءاتهن
وتبين أنها مقبرة جماعية.