الإسلام والعنف
الواقع وتحدي الإرهاب وأزمة البناء التعليمي
الفهرس
*الفصل
الاول...............د. خالص جلبي
مشكلة العنف في القرآن
وهل يوجد في الإسلام لاعنف؟
(رحلتي إلى اللاعنف)
*الفصل
الثاني................د. زهير المخ
آليات الإرهاب في العراق
*الفصل
الثالث ..................د. أحمد أبو مطر
أهمية تغيير المناهج التعليمية في الوطن العربي ؟
كيف بدأت فكرة هذا الكتاب ؟
إن ما يجري في العالم العربي وخاصة في القطر العراقي العامين الماضيين جعل المشهد العربي في الداخل والخارج من الصعب تصوره أو فهمه ، وقد بدى وكأنه لوحة سيريالية لا يتفق إثنان على شرحها أو تفسيرها، وخاصة ما استجد بعد سقوط النظام العراقي في ابريل من العام 2003 .
فرغم أن هذا السقوط أدى الى تخلص الشعب العراقي من نظام إستبدادي إرتكب بحقه العديد من الجرائم الفردية والجماعية ، إلا أن تقييم هذا السقوط إختلف بشكل مريع في عموم الأقطار العربية ، فهناك من ما يزال يبكي على سقوط ذلك النظام ويصوره على أنه نظام وطني ، وهناك من يعترف بإستبداده وجرائمه ولكنه لم يعجبه سقوطه بمساعدة قوى أجنبية دون أن يجيب على سؤال: وهل بدون مساعدة تلك القوى ، كان من الممكن إسقاطه وقد إستمر على قلب الشعب العراقي قرابة أربعة عقود، دون أن تبدو أية إمكانيات لتحرك داخلي يؤدي إلى إسقاطه ، رغم الحديث الموثق داخل العراق وخارجه عن جرائم ذلك النظام وتعدياته على الشعب العراقي ، وعلى جيرانه من دول إسلامية وعربية . وهناك الغالبية العظمى من العراقيين قد أعلنوا إبتهاجهم وفرحتهم لسقوط ذلك النظام ، وقد عبر العراقيون عن ذلك بخروجهم في نهاية يناير 2005 بالملايين الى صناديق الإقتراع ليمارسوا حقهم لأول مرة في إنتخابات ديموقراطية مباشرة رغم هول العنف الذي كان وما يزال يسود الشارع العراقي.
هذا العنف الذي إختلف العرب في تقييمه وتسميته، فهناك من يعتبره إرهابا واضحا صريحا، والآخر يعتبره مقاومة وشريفة أيضا، ومن خلال تنظيرات هذا الآخر بدأ تدفق الشباب من الجوار العراقي وخارجه لدخول العراق بأية وسيلة للمشاركة فيما يسمونه مقاومة ، مقابل الأغلبية العراقية من كافة الإثنيات والطوائف التي تعتبر ذلك إرهابا صريحاً يستهدف حاضر الشعب العراقي ومستقبله بدليل الإصرار على مواصلة الإستعدادات لبناء وتمتين الجبهة الداخلية ومقاومة هذا العنف، الذي أساء بشكل صريح لصورة العربي المسلم التي اصبحت في الدوائر العالمية الرسمية والشعبية ، هي صورة الإنسان الذي لا يعرف إلا العنف والإرهاب الأعمى خاصة بعد أن إستهدف هذا العنف الشخصيات التي لا علاقة لها بالخلفية السياسية لما يجري في العراق ، كالصحفيين والدبلوماسيين والمدنيين العاملين في مؤسسات إنسانية ، كما إستهدف منظمات دولية كالصليب الأحمر وهيئة الامم المتحدة .
إزاء هذا المشهد الملتبس جاءت فكرة هذا الكتاب ليجيب على الأسئلة التي بدأت تتفاعل في الشارع والذهن العربي ، وبعد مداولات وإتصالات مع العديد من الكتاب والمثقفين، إستقر الرأي أن يقوم الدكتور خالص جلبي بكتابة الفصل الأول من هذا الكتاب، ليقدم الخلفية والإطار الفكري لتلك الأسئلة الخاصة بهذا العنف وعلاقته بالإسلام، خاصة أن بعض من ينّظر لهذا العنف يحاول أن يجد له خلفية إسلامية حتى ولو عبر لوي عنق الحقائق وتفسيرات قصرية لآيات من القرآن الكريم ووقائع من التاريخ الأسلامي، وكذلك ليقدم الوجه الآخر للإسلام الذي يتجاهله الكثيرون ، وذلك عبر سؤاله ( وهل في الإسلام لاعنف ؟ ) ، ولن أذكر في هذه المقدمة الإجابة التي توصل اليها الدكتور خالص جلبي، لأترك الفرصة للقارئ للوصول الى الإجابة ، عبر هذا الكم الهائل من المعلومات والأدلة من القرآن الكريم والتاريخ الاسلامي التي يوردها الكاتب بأسلوب إيماني ممتع ، ينطلق من خلفية الباحث المتمكن الغيور على صورة المسلم والإسلام في ظل التشويه الذي لحق بها ، ليس ممن يمارسون هذا العنف فقط ، ولكن ممن ينظّرون له أيضا .
ولتقديم ما يثير العديد من الأسئلة ، فيما يخص الإلتباس السائد حول ما يجري من عنف ، يكتب الدكتور زهير المخ ، الفصل الثاني من الكتاب بعنوان ( آليات الإرهاب في العراق ) في محاور ثلاثة ، يدرس في المحور الأول (مصادر الإرهاب في العراق ) ، حيث يفكك البنى التنظيمية للجماعات المختلفة التي تمارس هذا الإرهاب ، عبر أجنداتها الخاصة التي سيكتشف القارئ من خلال المحور الثاني ( تخريب الموزاييك العراقي ) ، أنها أجنـدات لن ينتج عنـها إلا ( إغتيال مستقبل العراق ) ، الذي هو موضوع المحور الثالث، وذلك عبر عرض وثائقي مقنع ، تتميز به كتابات الدكتور زهير المخ، وفيما يخص المحاور الثلاثة لهذا الفصل، فإن ما تم تقديمه ودراسته بهذا الأسلوب التحليلي الهادئ ، لو قرأه أغلب منظّري ذلك الإرهاب ، أعتقد أنهم لن يختلفوا مع الكاتب ، على أن ما ينظّرون له ، لا يمكن تسميته إلا أنه (إرهاب) ، ولنترك الحكم لكل قارئ .
ولما كان من ضمن الأسئلة المطروحة ، لماذا كل هذا العنف وما هي خلفيته، كتبت الفصل الثالث حول ( المناهج التعليمية والتربوية ) السائدة في الوطن العربي طوال القرن الماضي ، محاولا إثبات أنها مناهج تغذي هذا العنف ، ولا تراعي التقدم العلمي والتكنولوجي، وهذا ما يفسر دخول شعوب فقيرة العصر النووي منذ عقود طويلة ، والأقطار العربية رغم كل ما فيها من امكانيات مادية وطبيعية ما زالت في عصر البخار ، لأن هذه البرامج التعليمية والتربوية ، لن ينتج عنها إلا العنف والتخلف والبقاء خارج إطار العصر .
هذا الكتاب، قصدنا منه إثارة الأسئلة في العقل العربي والمسلم ، إنطلاقا من خلفية وعقل الإنسان الذي يؤلمه ويدمي قلبه ، الواقع العربي خاصة ما تجلى في العراق على مدى السنتين الماضيتين ... هذه هي أسئلتنا وكما نرى إجاباتها ، وعلّها فرصة للقارئ ليضع أجوبته الخاصة بعد قراءته هذا الكتاب .
أحمد أبو مطر
مشكلة العنف في القرآن
(رحلتي إلى اللاعنف)
في عام 1997م دعيت إلى عمان للمشاركة في ندوات فكرية قدمتها مؤسسة سجى للإنتاج الفني، واجتمعت هناك بطائفة كبيرة من المفكرين المرموقين، الذين يعتبرون قمم الفكر الإسلامي، وكنت أنا وجودت سعيد نمثل فكرة اللاعنف في هذا المؤتمر.
ويومها اجتمعت بثلاث أشخاص أراهم للمرة الأولى، فقالوا لي أنت الذي يقول بعدم الدفاع عن النفس؟ وعدم استخدام القوة في تغيير الأوضاع؟ قلت نعم؟ وكانت أحداث سبتمبر لم تولد بعد؟ فبدأ أوسطهم في الحديث، وأصبح مقدم برامج في قناة الجزيرة لاحقاً، فضحك علي حتى وقع على ظهره من سذاجتي وقلة خبرتي وعدم فهمي للنصوص القرآنية، والرجل انتقل إلى رحمة ربه الآن وأصبح في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ولقد أصغيت بحذر لكلام الثلاثة لمدة 25 دقيقة بدون تعليق حتى إذا فرغوا قلت لهم: لاجديد عندكم وبإمكاني أن أعطيكم أسلحة جديدة من الأفكار تتسلحون بها ولكن لماذا أسهل مهمتكم، وكل الإفكار التي ذكرتموها معروفة ومردود عليها؟
قال الأول من جديد: أنت تتحدث باللاعنف والتاريخ كله دم فهل هناك شاهد واحد للتغيير الاجتماعي بدون دم؟؟ قلت له إن أعظم ثورة اجتماعية على الإطلاق في التاريخ لم تكن البلشفية ولا الفرنسية، وهي ليست بتلك النماذج المشرفة، ولا حتى الإيرانية التي بدأت باللاعنف وختمت بيد المجرم الخلخالي وأضرابه في حملات الإعدام التي لم تتوقف، ولكن ثورة محمد ص حدثت وتمت ونجحت بخسارة شهيد واحد، وكانت امرأة هي (سمية) التي لم تدافع عن نفسها، فهل هناك أسلوب اقتصادي أفضل من هذا للنجاح الاجتماعي؟
وعند هذه النقطة يقفز الجميع ويقول ما بال الغزوات والسرايا والفتوحات؟ وعند هذه النقطة نبق في ضباب أشد من عسير ولندن؟ وهو أن محمد ص أقام دولة وبنى مجتمعا باللاعنف.
وهنا يقولون أن المسيح لم يستخدم قوة مسلحة ومحمد ص استخدمها، والاختلاط يأتي من مرحلة (الدعوة) و(الدولة)، لأن الدولة هي التي تمارس العنف منذ أن اخترع البشر الدولة وصنعوها، بسبب بسيط أن الدولة باحتكارها العنف توفر الأمن للأفراد كي يتمكنوا من إقامة الحضارة، فلولا (الأمن) ما نشأت وحدات الحضارات، والرسول محمد ص يختلف عن المسيح عليه السلام، أن الثاني لم يكمل عمله، والأول أكمله، وكان المسيح يلوح أحيانا باستخدام القوة فقد جاء في الأنجيل: ما جئت لألقي سلاما بل سيفا؟، وبالمقابل كان الرسول ص يوصي أتباعه في المرحلة المكية بعدم الدفاع عن النفس، ونزل القرآن يقول: "كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة". وكان يكرر النبي ص لأتباعه: لم نؤمر بقتال؟
والسيف في الإنجيل إشارة إلى ما فعله محمد ص بعد إقامة الدولة، في ممارسة العنف بعد احتكار القوة، التي هي وظيفة كل دولة، ولا يمكن أن تقوم دولة بدونها عمليا حتى اليوم، فالدولة كنظام سياسي لها (وظيفة) أولى هي توفير الأمن داخلها للأفراد باستخدام العنف، يظهر هذا واضحا في منظر رجل الشرطة والمسدس يتدلى من خصره حينما يستدعى للفصل في حادث سيارة، في أي مكان في العالم اليابان أو ماليزيا أو أمريكا وكندا، ولا أظن أن (الريجيه) المؤسسة الكندية للفصل بين مالك البيت والمستأجر تتواني عن استخدام الشرطة، فيما لو حكمت القاضية بخروج المستأجر وعودة البيت لمالكه الأساسي، ورفض المستأجر الخروج من المنزل؟؛ فداخل أي دولة في العالم، تمارس أي دولة إذا لزم الأمر القوة المسلحة لتطبيق القوانين داخلها، والدفاع عن نفسها في الهجوم عليها من الخارج في الحروب، وهذا له حديث آخر لاحقاً. وحديثنا يدور حول موضوع (كيفية صناعة المجتمع؟) هل ينشأ بالقوة العسكرية أم سلميا؟ وما أهمية ذلك؟ ولماذا حرص كل الأنبياء على سلوك نفس الطريقة؟ ولقد جاءك من نبأ المرسلين؟ وهل يزال الطاغوت بطاغوت القوة؟ أم يزال الطاغوت بالشرعية؟ فهذا ما فعله محمد ص، وما كان يحاول المسيح عليه السلام وغيره من الأنبياء فعله، من إزالة الطاغوت بالشرعية سلمياً، ولم يكمل المسيح عمله، واكمل محمد ص عمله، مما جعل اليهود في المدينة حين سمعوا الآية: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" أن قالوا لو نزلت هذه الآية علينا لجعلنا يومها عيدا. وهو الذي جعل الفلكي الأمريكي (مايكل هاردت) في كتابه (العظماء المائة أولهم محمد ص) والذي سرق كاتب عربي كتابه ونسبه لنفسه؟ أن يعتبر محمد ص ناجح نجاحا باهرا مائة بالمائة، ليس مثل انتخابات أصنام العالم العربي من نماذج صدام الوحش، أو انتخابات حزب البعث في سوريا، فاستحق محمد ص أن يكون أفضل الرجال في التاريخ.
وفي جلستي تلك أذكر الثاني أيضا وكان مفكرا إسلاميا فلسطينيا فكان يصر على أسنانه غضبا وغيظا، وفي النقاشات التي دارت في لقاءات المؤتمر (سجى) صرخ يوما: لاتسمعوا لجلبي فهو يستند إلى آية من القرآن ونبيه رجل من الهند اسمه غاندي، فقام رجل فرد عليه وقال إن جلبي يدعو إلى حقن الدماء و(فلان) يدعو إلى سفك الدماء؟ مما جعل قياديا إسلاميا معروفا في الأردن أن يقفز ويتناول الميكروفون بسرعة ويقول يجب أن أدافع عن الرجل قبل أن يصبح اسمه في المطارات؟
ومن أعجب ما قرأت للرجل لاحقاً، إنني كنت أتصفح يوما جريدة الحياة، وإذا بالرجل نفسه يكتب في اللاعنف؟؟ مما يدل على ان الذي يغير عقلية الناس ضغط الأحداث أكثر من القناعات العقلية.
وينقل عن ماكس بلانك الذي كان أول من طور (ميكانيكا الكم) عام 1900م قوله: إن العالم لم يعترف ويسلم بأفكاره الجديدة في الفيزياء وينال جائزة نوبل عام 1934م حتى مات معاصروه. وهو الذي كان يقوله محمد ص أنه يطمع أن يخرج الله من ذراري المشركين من يعبد الله ولايشرك به شيئا.
وحينما يتحدث صاحبنا الفلسطيني عن اللاعنف فهو تقدم في مسارين: المسار الفلسطيني، وتغير عقلية أشد الناس صرامة في وجه تيار اللاعنف الذي هو رحمة للعالمين.
وبقي الرجل الثالث من الجلسة وهو الأخ الفاضل الوسيم العاقل (جمال الخاشقجي) رئيس تحرير جريدة الوطن السعودية السابق، الذي قال لمن حوله ياجماعة انتبهوا لهذه الأفكار فأنا في جعبتي خبرة واسعة من العمل الإسلامي في أفغانستان، وهو كلام جدير بالتأمل، واستفاد الرجل مما تكلمت، وأكرمني لاحقاً أن ضمني إلى باقة الكتاب عنده في الجريدة فكتبت 441 عمودا، حتى طار هو من الجريدة، وبطيرانه طرت أنا لاحقاً، وكله بسبب الفكر السلامي العقلاني الانفتاحي فدفع الرجل ثمن أفكاره.
وفي يوم اجتمعت في بيروت مع رجل مرموق من قيادات العمل الإسلامي الذي انشق وأنشأ له تيارا خاصا في السعودية عرف باسمه، ونشر كتابا بعنوان (وجاء دور المجوس) هاجم فيه الثورة الإيرانية تحت اسم مستعار، وسمى الأيرانيين بالمجوس، وكان برفقته رجل مهم من الأدمغة الإسلامية الحزبية فذكروا نظرية جودت سعيد في اللاعنف الإسلامي الذي أعلنه عام 1964م بكتاب بعنوان (مذهب ابن آدم الأول) استند فيه إلى الآيات الموجودة في سورة المائدة عن قصة ولدي آدم، وهي قصة ملفتة للنظر بقدر هامشيتها وغموضها في الثقافة الإسلامية، وأتذكر من السيد صاحب كتاب وجاء دور المجوس قوله إن جودت سعيد (مخلص) ولكنه (غير واعي)، وهو مع زميله اعتبروا أنفسهم واعين جيدا؟ وجودت سعيد ساذج مغفل، لأنه يدعو إلى السلم، ولا أظن أن شيئا تغير منذ أربعين سنة حتى الآن في موقف جودت سعيد والرجلين اللذين ذكرت، ولكن الذي تغير هو أن مرض العنف ارتطم بالبرجين في نيويورك؛ فلم يعد محليا عربيا؛ بل متفجرات على مدار العالم، ومصيبة كونية، وحروب تندلع، وقوى أجنبية تتدفق إلى أفغانستان والعراق، والمنطقة تتعرض لرياح تغيير عاصفة قاصفة؟ ومن لم يغير ما بنفسه أرسل الله إليه ما يدفعه إلى التغيير، ومن يغفل عن سنن الله ، فإن سنن الله لاتغفل عنه. كان في الكتاب مسطورا.
وهذه الإشكالية واجهتني أيضاًُ في مؤتمر فرجينيا في أمريكا عام 1993م حين دعيت للمشاركة في مؤتمر التعددية الذي نظمه المؤتمر العالمي للفكر الإسلامي، ولم يكن أحد قد سمع بعد بأحداث سبتمبر، فنبهت العيون إلى مخاطر العنف، وكان في المؤتمر رجال فكر مرموقون من الاتجاه الإسلامي وغير الإسلامي، وكان جواب رئيس المعهد يومها: أن عندنا من المشاكل كفاية ولا نريد زيادة، ولا أدري إن كان يذكر كلماتي الآن، وممن اجتمعت بهم رجل فاضل ومعتقل حاليا في أمريكا، وجماعة المعهد الفكري الإسلامي العالمي أظن أن معظمهم غادر أمريكا، بعد المضايقات الشديدة التي تعرضوا لها، وقام يومها حافظ الميرازي الذي يلمع حاليا في قناة الجزيرة فاستضافني في قناته الأمريكية يومها مع المذكور واظن أن اسمها كان (ANN) وكان سؤاله كيف أفهم موضوع سلمان رشدي؟ وكان جوابي: أننا يجب وضعه ضمن إطار اللاعنف الذي أنادي به أو ما أسميه شعار العلم والسلم.
ومما أذكر من الستينات ونحن نقرأ كتاب معالم في الطريق لسيد قطب أننا دخلنا في نقاش ضاري حول قتال الدولة الكافرة، ومنها نظام البعث في سوريا، ونظام عبد الناصر في مصر، حتى جاء اثنان من السوريين كانا يدرسان الطب في مصر فرويا لنا الاستعدادات العسكرية لمواجهة النظام الناصري في مصر، وأكدت لي هذا الكلام زينب الغزالي حينما زرتها في مصر، وتأكد لي من كتاب المعالم أن الأمر جد وليس بالهزل، فسيد قطب كان يرى أن الفكر يواجه بالفكر، ولكن النظام الكافر ـ ومنه النظام الناصري حسب وجهة نظره ـ يستخدم الفكر والقوة المادية لصرف الناس عن الحق، ولذا كان من العقل والحكمة استخدام المواجهة الثنائية المنافقين بالموعظة والكافرين بالفكر والصدمة المادية، والإعداد المسلح لحين شعور التنظيم بالقدرة على قلب نظام الحكم بالقوة المسلح، وأطلق على هذا التنظيم اسم القاعدة الصلبة الواعية كما يرد الاسم حاليا في أفغانستان، والذي نقله الظواهري في الأغلب من مصر إلى أفغانستان.
أذكر هذه الأحداث من أجل الدخول إلى الموضوع كم هو حساس وغامض، وخاصة في إطار الثقافة الإسلامية، ففي الغرب نشأت مؤسسات لاعنفية عريقة، وحاليا هناك من يضع قواميس كاملة لهذا الحقل المعرفي بعد أن نما كاتجاه وكوكب كامل بإحداثيات مغايرة مثل الفرق بين الأرض والمرخ، فالغازات مختلفة والضغط متباين وجو المريخ براد ستين درجة تحت الصفر، والأرض فيها حقول مغناطيسية تسمح بوجود الحياة وتحفظها، والمريخ كوكب ميت، وثقافة العنف موت وقتل، وثقافة اللاعنف حياة وسلام ووئام وحب. وكأن الاثنتين مثل آدم والشيطان، فثقافة السلام روح وريحان وجنة نعيم، وثقافة العنف من مارج من نار، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟
وفي هذه البحث المختصر سوف أحاول استعراض أهم الأفكار المتعلقة بهذا المذهب، الذي يقول: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، واستعدادنا لوضع يدنا في يد من يؤمن بالسلام ولو لم يستقبل الكعبة يوما، وعدم وضعها في يد من يؤمن بالقتل ولو حج كل سنة وقام الليل وصام الدهر؟ لأنه سيضحي غدا بنا، فلا أمان معه ومنه، أما من يؤمن بالسلام فلا خوف منه ولن يؤذي أحدا مهما اعتقد ودان، وهي فكرة مزلزلة للأصوليين، ولكنها مذهب السلاميين. وهو الإسلام صدقا وعدلا.
إن أول تساؤل وجهته الملائكة لحظة خلق الإنسان عن جدوى وجود هذا الكائن القاتل " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟". فلم تقل أتجعل فيها من يكفر بك بل أتجعل فيها من يقتل؟
وهذا يعني أن مسالة العنف واللاعنف مسألة وجودية.
وأول جريمة قتل حدثت على الأرض كانت بين ولدي آدم، فقال الأول: لأقتلنك وقال الثاني: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين.
ومن هذه القصة تتولد تلقائيا طريقتان لحل المشاكل: من يهدد ويقتل. ومن لايهدد، ولا يخاف من التهديد، ولا يمد يده بالقتل، ولا يدافع عن نفسه أمام القتل أي أن هناك مذهبان في العالم: الدموي والسلامي وهذا يعني أن مسألة العنف واللاعنف هي مسألة التاريخ. وحسب هيروقليطس( فالحرب أبو التاريخ.
ومن يطالع التاريخ خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة، منذ عرفت الكتابة في صحف إبراهيم وموسى، يصل إلى إحصائية مخيفة تقول: أن كل 13 سنة من التاريخ سادت فيها الحرب يقابلها سنة واحدة من السلام، كما اكتشفها (غاستون بوتول) الذي درس ظاهرة الحرب، فهل هذا قدر إنساني أم ثقافة؟
وحسب تحليل الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل): فإن انتقال الإنسان من الغابة إلى الدولة كان خيارا ذو اتجاه واحد من الفوضى إلى الطغيان. وهو خيار أحلاهما مر، فلم يكن السلام ممكناً بين الناس في الغابة، كما لم يستتب السلام بين الدول حتى اليوم.
وحسب (ابن خلدون) في مقدمته الشهيرة فإن (المجتمع) للإنسان يشكل ضرورة بسببين: الغذاء والدفاع.
ويقول عن الغذاء أن رغيف الخبز يحتاج إلى صناعات لانهائية في شكل شبكة من التخصصات، وهذا غير ممكن بدون وجود المدينة أي المجتمع الإنساني، ولولا مجتمع المدينة لم تتشكل الحضارة، فالحضارة ظاهرة نشأت تحت السقوف، وهذا قاده إلى فهم (ضرورة) وجود المجتمع، وبدون وجود المجتمع لم يوجد الإنسان. ولا ينطق الإنسان إلا بوجوده مع بشر مثله.
وحسب (مالك بن نبي) المفكر الجزائري فإن المجتمع للإنسان يعني نقل الإنسان عبر معادلتين بيولوجية وثقافية، فالأولى تعني الفرد والثانية تعني الشخص المكيف اجتماعياً.
وكل الدراسات الأنثروبولوجية أكدت على أن المجتمع للإنسان يعني نقلته من البهيمية إلى جعله بشرا سويا، والطفل الذي يولد في الغابة ويحافظ على وجوده لايزيد عن ذئب، بل هو أضل سبيلا، في رتبة حيوانية أضعف من الحيوانات. أكد هذا بيتر فارب في كتابه (بنو الإنسان) من تجربة الدكتور (ايتار) على صبي أفيرون الوحشي.
ولكن مشكلة خروج الإنسان من الغابة ودخوله المجتمع جعلته مثل الفأر الذي استأجر لنفسه مصيدة. فخرج من فوضى الغابة ليقع في قبضة طغيان الدولة، كمن يهرب من المطر إلى ما تحت المزراب، ولم يكن من هذا بد، كما ذكرنا ذلك من الأفكار السابقة. فكانت الدولة ومجتمع المدينة جميلة من جانب، ومصيدة وورطة من جانب آخر.
وصراع الأفراد غير الحروب فالحروب هي ظاهرة صراع الدول أو تفككها كما رأينا في يوغسلافيا ولبنان.
ويرجع صراع الإفراد إلى تركيب الدماغ، فدماغ أحدنا مركب من ثلاث طوابق، أعلاه الحديث وعمره نصف مليون سنة، أما الدماغ السفلي والمتوسط وهما مسئولان عن المراكز الحيوية والعواطف فعمرها أكثر من مائة مليون سنة، وبينهما قدر من التفاهم، وبذلك فإن دماغ أحدنا فيه ثلاث أدمغة وليس واحداً وبثلاث لغات وبدون ترجمان، والانسجام موجود بين الدماغين السفلي والمتوسط منذ مائة مليون سنة، خلافا للدماغ الجديد المتشكل منذ نصف مليون سنة، وغير المنسجم والمتفاهم مع الدماغين الآخرين.
وهذا يعني أن العدوانية مغروسة في البيولوجيا ولسبب حيوي فالغضب والانفعال آليتان للحفاظ على الحياة، ولولا الغضب ما عاش الإنسان، ولكن المشكلة كما جاء في كتاب (الذكاء العاطفي) أن تكون العواطف بما فيها الغضب تحت سيطرة الدماغ العلوي، الأحدث والأكثر تطورا والتي تميز الإنسان عن البهيمة، وهو أمر تربوي، وهذا الوعي الخاص كسبي، كما يقول (إقبال) في كتابه تجديد التفكير الديني، والإنسان يولد من بطن أمه لا يعلم شيئا، ثم يبدأ العقل السنني في التكون، وهذا يحتاج إلى تأسيس كل مرة، ومن ينظر في كيفية أكل الحيوانات بعضها بعضا، يدرك أثر هذا في تصرف البشر، الذين هم ثلثان من تمساح وسبع ضاري، فوقه ثلث من كائن عاقل يحاول ضبط الوحشين.
وحسب كتاب (الذكاء العاطفي) لـ (دانييل جولمان) فإن الدماغ المتوسط موضع العواطف مهم جدا للتصرف، ومركزه في الأميجدالا في الفص الصدغي، ولكنه مرتبط بالدماغ العلوي، وعدم انضباط هذا المركز العاطفي مع قشرة الدماغ العليا، هو الذي يقود للانفجارات العاطفية وكوارث الانفعال وبالتالي يفسر (لا منطقية) الإنسان.
وكما وجد الصراع وعدم الانسجام في البيولوجيا فهو في علم الاجتماع أشد، فالفرد حينما خرج من الغابة ودخل الدولة لم يعد في مقدوره حل نزاعاته مع الآخرين بالقوة، مع كل زخم اندفاع القوة الحيوانية من التمساح والسبع، بسبب أن الدولة تحتكر القوة فتحكم بين الأفراد فيما كانوا فيه هم مختلفون.
ولكن كما يقول عالم الاجتماع العراقي (الوردي) فإن هذا لم يوجد بين الدول، فالدولة تملك الإفراد، ولكن لايوجد دولة عليا تملك الدول. وهنا وفي هذه النقطة تنشب الحروب وصراعات الدول.
والدولة بوظيفتها الأساسية من (توفير الأمن) للأفراد تجعل الحياة متحملة، وأي نزاع ينشب بين الأفراد تتدخل الدولة ولو بالقوة المسلحة العارية فتفضه، ولكن لاتوجد مثل هذه القوة بين الدول، فاستمرت الحرب بين الدول حتى اليوم، وأي مراقبة للصراع البشري في ظاهرة الحرب تتبدى هذه الظاهرة على شكل واضح.
وجمعية الأمم المتحدة وما شابه هي محاولات متواضعة لإنشاء مثل هذه القوة العالمية التي تفك النزاعات بين دول المعمورة، ولكن لم يتحقق هذا حتى الان، وأعظم مرض أصيبت به البشرية هو ولادة مجلس الأمن المشئوم، الذي أعاق ولادة العدل حتى اليوم، وربما وقد تكون الوحدة الاوربية نواة مثل هذا المشروع التاريخي.
وكان بالإمكان لأمريكا أن تقوم بهذا الدور ولكنها قوة استعمارية تبغي الربح والهيمنة، وليس عندها روح العدالة والرسالة، ولذا فهي مكروهة من معظم أهل الأرض، وهو قدر كل قوة استعمارية تهدف الهيمنة على امتداد التاريخ.
ومع سيطرة الدولة على الأفراد لحل النزاعات داخل مربع الدولة الواحدة نشأ تلقائيا مرضان خطيران: الحرب مع الدول المجاورة. والطغيان الداخلي.
ومن أجل هذين المرضين بعث الإنبياء: التحرر من الطغيان الداخلي ونشر السلام بين الأنام. وبهذه الطريقة نفهم معنى مجيء الأنبياء في التاريخ وطريقتهم في التغيير السياسي القائم على فهم عميق للإنسان: أن أفضل ما يؤخذ من الإنسان هو بالإقناع والإيمان وليس بالكره والإكراه.
وإذا كانت هذه رسالة الأنبياء جميعا فكيف نفهم نصوصاً من القرآن تحض على القتل كما جاء في سورة الفتح عن الاعراب (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم شديد تقاتلونهم أو يسلمون) أو الآيات النارية في القتال في أمكنة أخرى مثل سورة التوبة، "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين" أو "فاقتلوهم حيث ثقفتموهم" وهذا المعنى أشكل على احد الكتاب ممن وصلتني مقالته بالانترنت فقال بأن القرآن كتاب عنف وأنه مصدر كل هذا الإرهاب في العالم، وهو تهور منه واستعجال وعدم إدراك القرآن والتاريخ والسياسة والإنسان والمجتمع.
يصف (أورهان بيار): اللاعنف في الإسلام في الفترة المكية أنه " غير مرتبط بالتسامح كما هو معروف عند رموز اللاعنف (النبي عيسى , ماني . غاندي) بل تسامح غير القادر على الرد بالمثل فالآيات لا تحرض على القتل والحرب لكنها تتوعد غير الموالين للدعوة الجديدة بشر العقاب وبنار جهنم ".
اي أن القتل والقتال أصيل في الإسلام أخفى وجهه لمصلحة تكتيكية.
ليمضي فيقول أنه لاحقاً:
"تظهر له كلمتا الغزو والسبي ومدى تأثيرها في الحياة القبلية ويبدل هاتان الكلمتان بأخريين الفتح والغنيمة ويدعمه القرآن في الوسيلة الجديدة لنشر الدين ويبدأ الإسلام بولادته الجديدة كحركة عنفيه تقوم أساساً على الفتح و جمع الغنائم وهذا ما يرجوه كل أعرابي وبهذا الشكل ومع أول نصر لمحمد في بدر تكبر الحركة ككرة الثلج المتدحرجة من أعلى الجبل".
ثم ليكشف الإسلام القناع عن وجهه الحقيقي حين يقول:
" ينتفي هذا الخيار الديمقراطي ليتحول الأمر إلى تخيير بين قبول الإسلام أو الدخول في طاعة المسلمين"
ليقرر السيد أورهان هذا الحكم أنه :
" من خلال مراجعتي المقتضبة لبعض جوانب العنف في المرجع الإسلامي الرئيسي توصلت إلى أنه لولا العنف الذي أستخدم بكثافة شديدة لما تمكن محمد ولا من خلفه من نشر عقيدتهم"
أو يقرر:
" كما توصلت إلى أن الأسلوب العنفي والإسلام شيئان متلازمان لا يمكن فصلهما فكل شعب يسلم يتحول إلى الناطق بالحق والمسؤول عن أوامر الله على الأرض ويبدأ باحتلال واستعمار الغير باسم الفتح فما علاقة البرابرة الترك ونشر الإسلام واحتلال أوربة وهم أبعد البشر عن الحضارة في الفترة السلجوقية والعثمانية ".
وينتهي الكاتب أورهان إلى هذه الخلاصة:
" إن العنف المنفلت من عقاله الذي نعاني منه اليوم منبعه الرئيسي هو النص القرآني الذي يحلل قتل ومعاداة ومحاربة المخالف مهما كان , فالإسلام لا يقبل الاختلاف والعالم في نظره قسمان لا ثالث لهما مسلمون وكفار وواجب المسلمين هو الجهاد في سبيل الله وهو محاربة الكفار حتى ينصاعوا لكلمة الله بقبول الإسلام أو الخضوع والاستسلام للمسلمين".
والواقع فإن السيد أورهان بيار ليس الوحيد ولا الأول ولن يكون الأخير قطعاً الذي لا يفهم القرآن وينطح جدار التاريخ بدون أثارة من علم. وهو الشيء الذي سوف يجب فهمه تحت فكرة (البنيوية في القرآن) أو التراكب الموضوعي. أو (المنطق الداخلي للقرآن). فآيات القرآن مثل نجوم السماء متناثرة نزلت على مكث، حسب المناسبات والأوضاع النفسية، ولا تبوح بأسرارها إلى من عاش هذه الظروف النفسية، كما حدث معي في سجن الشيح حسن في دمشق حينما قرأت الآية أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون؟ فكأنها نزلت علي يومها وأعطتني من الهدوء الشيء الكثير، ولايوجد في نهاية القرآن فهرس لموضوعاته، ولذا يجب أن نفعل كما فعل (تيكي براهي) و(يوهان كبلر) حينما نظرا في النجوم فخرجا بنظام خاص ومنطق خاص في عالم النجوم وكذلك آيات القرآن المنجمة.
وبالمقابل فقد جاءتني رسالة أخرى بالاتجاه المعاكس تماما من رجل فاضل هو (م. ص) الذي يقول إننا لانوافقك فيما تذهب إليه في مذهب اللاعنف، فلم يفهم رسالتي تماما، ولم يستوعب رسالتي في مئات المقالات التي كتبتها تماماً؛ فالرجل يذهب في تفسير صراعي ولدي آدم إلى تفسير جديد، يقول فيه إن الذي قُتِل (بالضم) كان سيدافع عن نفسه، كما جاء في قصة ولدي آدم التي أشرنا إليها أن هناك مذهبان: من يؤمن بالقتل سبيلا لحل المشاكل، ومن لا يهدد ولا يخاف من التهديد ويستعد للموت من طرف واحد دون مد اليد بالأذى للآخر.
قال الأخ إن القتل كان غيلة، وأن ابن آدم الذي أعلن موقفه أنه لن يقتل ولو بسط الأخر له في اليد كان كاذبا مدعيا متظاهرا، فلو شعر بأن أخيه توجه له ليقتله لمد يده إليه بالقتل، وهذا تكذيب للقرآن والنبي والصالحين ومبدأ الفلاسفة وطريقة الأنبياء في التغيير. وقتل لكل الحكمة الموجودة في الآيات من سورة المائدة، والتي ختمها القرآن بقوله: من أجل ذلك؟؟ أي أن القصة سيقت لأخذ العبرة، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
ومما جاء في أحاديث الفتنة التي لم يطلع عليها الأخ إشارة واضحة إلى مذهب ابن آدم في عدم الدفاع عن النفس، وهي عشرات الأحاديث المغيبة في تراث تشرب بالدم، بأشد من بني إسرائيل الذين أشربوا في قلوبهم العجل.
قال الأخ: "و لا نتخيل أن قابيل عندما جاء لتنفيذ جريمته، أن أخاه قد وقف أمامه مبتسماً محبّاً و هو يراه يرفع الفأس ليهوي بها على رأسه، بل يغلب الظن أن القتل كان غيلة، و ليصحح لنا الدكتور إن كانت لديه معلومات أفضل" ولا أعرف كيف وصل إلى هذا الفهم المنكوس على رأسه؟
وهذا الاختلاط عند الكاتب المذكور جاء من فكرة (الدفاع عن النفس)، ونسي الحديث الذي يقول أن القاتل والمقتول في النار، لأنهما انطلقا من نفس القاعدة النفسية " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه"
وهذا الاختلاط في فكرة الدفاع عن النفس منشأها أن الصراع البشري ينفجر عند هذا المنعطف تماما في تصور كل واحد أنه يدافع عن نفسه؟ فالعمل مبرر مشرعن، ولكن من المدافع ومن المهاجم؟ لقد قالت إيران والعراق نفس الكلمة في الحرب العقيم التي لم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم؟ وكل الحروب نشأت تقريبا بنفس الحجة، والفيلسوف الألماني (فردريك نيتشه) يقول: إن كل وزارات العالم المخصصة للقتل والقتال اسمها (وزارة الدفاع) وهي مخصصة للهجوم، فلم نسمع عن دولة سمت وزارة الحربية عندها (وزارة الهجوم)؟؟ ، ويقول نيتشه أن هذا العنوان يحمل النية السيئة للآخرين أنهم سيهجمون فيجب أن يدافعوا، والحروب الأهلية تنشب تحت ضغط هذا الشعور: علي قتله قبل أن يقتلني؟ أما إن قال كل واحد لن أقتل ولو مد يده بالقتل لانطفأت الحروب، ولكن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين.
وفكرة الدفاع عن النفس سوف نحاول أيضا تفكيكيها أثناء بحثنا عن مشكلة العنف واللاعنف في القرآن.
والحديث الذي يتحدث عن الدفاع عن النفس في وجه لص، هو غير الحديث الذي يتحدث في عدم الدفاع عن النفس تجاه الدولة، فالعمل الفردي الشخصي غير العمل الاجتماعي السياسي، وحينما شجع الحديث المؤمن ان يعرف ركوب الخيل والسباحة والرماية، وأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، فكله يصب في خانة مختلفة عن التغيير الاجتماعي السياسي الذي نتحدث عنه، فأن يعترض شقي طريق أحدنا فنحن مخيرون بين حسن التصرف للتخلص منه بالتي هي أحسن، أو طلب الدولة للتدخل، فهذا عمل الدولة، في الحجز بين الناس وكف العدوان، كما هو الحال في مطافيء الدفاع المدني، التي تهرع إلى إطفاء الحرائق، وهذه هي مهمة الشرطة والجيش، لحجز المعتدين من المرضى النفسيين وأشباههم، وهو أمر حادث وواقع، ويبقى لمن تعرض لهذه المواقف الصعبة في ظل غياب الدولة أن يدافع عن نفسه فرديا بالطريقة التي يردع فيها الشقي عن العدوان، وحديثنا ليس هنا، والأخ لم يستوعب مقالتي وظن أن هذا مثل ذاك، والأمر ليس كذلك، وسوف نحاول استعراض فكرة العنف واللاعنف في الإطار القرآني، من أجل فهم هذه الأفكار متناسقة في حزمة واحدة، وإلا كذبنا على الله. فالدفاع عن النفس الفردي في مواجهات مع عيارين وأشقياء وزعران في مناسبات سرقة ولصوصية وتحرش واعتداء وما شابه يجب حلها عن طريق الدولة التي مهمتها هذه الأعمال، وإلا تحول المجتمع إلى غابة، فإن غابت الدولة قام الفرد بما يسد هذا الفراغ لحين حضور رجل الدولة. وحديثنا هو عن التغيير السياسي أن الدولة أو المجتمع لو أراد اعتقال أو تعذيب أو سجن فرد ما، قام ضد الدولة وعارض الوضع السياسي، فلا يلجأ إلى القوة ضد الدولة، بل يتحلى بالصبر وضبط النفس، أو الهجرة في الحالات التي لم تعد تطاق، ويأس صاحبها من إمكانية التغيير في ظل وضع سياسي مشئوم، والقرآن حض على الهجرة في هذه الحالات، كما جاء في قصة أصحاب الكهف، الذين ضنوا بكلبهم أن يعيش في مجتمع وثني، وهذا الكلام ليس نكتة، ففي ليلة واحدة أمر الحاكم بأمر الله الفاطمي بإعدام كل كلاب القاهرة لأنهم أزعجوه بنباحهم، فحصلت مذبحة قضت على ثلايين ألف كلب ويزيدون؟
أما ماعدا ذلك فطريقة التغيير الاجتماعية التي مارسها الأنبياء جاءت على نحو واضح في الاية من سورة الأنعام (الآية ):
"ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين" فهذه الطريقة، والاستمرار فيها، هي طريقة صناعة الحكم والمجتمع في الإسلام، الذي أرجو أن أوفق لتوضيحه، وكذلك صيانته حين الانحراف، فلا تحل المشكلات بالدم والسيف كما حصل في التاريخ الإسلامي وما زال.
ولب المشكلة هنا أن من غير الإوضاع بالسيف والقوة المسلحة ونجح في ذلك ارتهن للقوة فأزال الطاغوت ليجلس محله فلا تزداد الأمور إلى مسخا وخسفا.
وهناك طرق ثورية في التغيير، كما أن الديموقراطيات الحديثة ترى أن الثورة المسلحة وقتل الظالم شيء مشروع، كما حدث مع الثورة البلشفية والفرنسية والأمريكية، أما طرق الأنبياء فمختلفة.
وهناك نقطة أشكلت على الأخ هي موضوع اجتياح الشعوب وكيف تدافع عن نفسها وهي نقطة قوية مما جاء في مقالته.
قال:" و حضارة الإنكا في أمريكا الجنوبية كانت حضارة راقية مسالمة ذات مدن ضخمة و أنظمة ري متطورة، و لم تُبادئ الغزاة الإسبان بأذى يذكر، بل إنها حاولت مد أيدي التواصل إليهم مراراً، فكيف صمد اللا عنف أمام همجية العنصرية الأوروبية؟ لقد دمّر الأوروبيون حضارة الإنكا بالكامل، و قتلوا آخر ملوكهم بعد أن أعطاهم من الذهب ما لم يتخيلوا وجوده في أزهى أحلامهم، و انقرض شعب الإنكا و بادت لغته و دمر تراثه، و لم يبق منهم اليوم إلا شراذم مضطهدة معزولة. و قد انتشر لدى الحركات العنصرية الأوروبية أن مسالمة هذه الشعوب المقهورة و استكانتها إلى مصيرها ما هي إلا لاقتناعها بتفوق الجنس الأبيض، فكان اللا عنف دعوة مفتوحة لمزيدٍ من العنف و لمزيدٍ من الإجرام من قبل الطرف المعتدي"
وهذه المعلومة التي جاء بها الأخ تعرج قليلا؛ يخيل للجاهل من سحره أنها تسعى وهي حبال؟ فلا حضارة الانكا مدت يد المسالمة، ولم تكن تعيش فيما بينها بسلام، ولم تمارس اللاعنف في وجه العصابات الأسبانية، وهنا الخطأ مضاعف ثلاث مرات.
وأنا تتبعت هذه الفكرة وفكرت فيها مليا. ويجب استيعابها ضمن بانوراما جديدة للفهم الإنساني. وحضاة الازتيك والانكا كانت دموية جدا، ولم يكن لمائة رجل أن يدمروا حضارة يعد أهلها بالملايين، بل كانت تمارس القتل على نحو جنوني، ومما يذكر أن حكام الازتيك كانوا يذبحون في أيام العيد لمدة بضعة أيام ثلاثين ألفا من خيرة الشباب من الشعوب المجاورة، وهو أمر تحققت منه قناة الديسكفري، وكورتيس تغلب عليهم من الانشقاق الداخلي. وتحريض بقية الشعوب المظلومة المضطهدة ضدهم، فلما استطاع جمع كلمتهم قضت بسهولة على حضارة الازتيك وينطبق نفس الكلام على بيزارو وحضارة الأنكا وملكهم هواتا هوالبا الذي خنق وشنق. وهو نفس الأمر الذي فعله الاسكندر مع مملكة الفرس، وينطبق على الفتح الإسلامي لمصر الذي تم على يد أربعة آلاف جندي؟
ونحن هنا نناقش موضوعا مختلفا وإذا كان لابد أن يقحم في موضوع الدفاع عن النفس، فهذا شيء مختلف عن الجهاد، والجهاد غير القتال فيجب التفريق بين المصطلحات، كما يجب التفريق بين الجهاد والخروج الذي مارسة الخوارج، وهو موضوع يجب التعرض له أيضاً، وهناك لبس وغموض في كثير من المفاهيم.
وأنا في هذه المقدمة أحاول ضغط الأفكار ما امكن مثل كبسولة دواء.
الجهاد غير القتال. والقتال قد يكون من الجهاد وقد يكون من عمل الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفا. فحين ينضبط القتال كطاقة لهدف قد يخدم موضوع الجهاد. وهنا يشبه الجهاد عمل إطفائيات الحريق على المستوى العالمي في صراع الدول بين بعضها البعض، فهذا هو الجهاد، وله شروطه، فهو ليس أداة بيد فرد أو حزب أو جماعة بل يجب ممارسته بيد دولة وصلت إلى الحكم برضا الناس، ويسخر ضد الظلم، أي أنه "دعوة لإقامة حلف عالمي لرفع الظلم عن الناس أينما كانوا ومهما دانوا" وهو مايكرره القرآن عن (رفع الفتنة عن الناس) كما هو في حكم أنظمة المخابرات في الأنظمة الثورية العربية، ومن هذا الجانب فهذه الأنظمة المتعفنة يجب الجهاد ضدها من قوى عادلة ولو كانت غير مسلمة، ولو أن أمريكا فعلت نفس الشيء في كل العالم لدخل الناس في دينها أفواجاً، ولكنها تنصر إسرائيل، وتدعم الديكتاتوريين في كل مكان، وتريد التوسع والهمينة، وتلعب دور فرعون المستكبر في العالم، الذي طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد، وهو الذي اختلط على المدعو أورهان، حينما استشهد بالآية من حيث لم يستوعب معناها، أن رفع الفتنة عن الناس تعني فتنتهم. وهو معنى اختلط عليه تماما. فالقرآن قال قاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله، وليس قاتلوا الناس حتى يكونوا مسلمين على الطريقة العربية الأعرابية؟ أي رفع الإكراه عن الناس حتى يكونوا أحرارا في اعتناق ما يشاؤون، وهذا المفهوم في القرن السابع للميلاد كان تقدمياً جداً، ولم يتعرفه البشرية إلا في عصور التنوير.
إن القرآن ينطلق من مبدأ: (لا إكراه في الدين) دخولا وخروجا، وهذا يعني أنه لايوجد قتل للمرتد كما نص عليه فقهاء العصر المملوكي. ويمكن للإنسان أن يخرج من الدين ثلاث مرات بدون أن تخرج روحه مرة واحدة. كما جاء في سورة النساء.
إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا" ولكن لم يقل أخرجوا أرواحهم بحد السيف، وهو ما فات على أورهان المبرمج على عداء الإسلامي أيديولوجياً، وعلى عدم الاستفادة من القرآن. ولا يعرف القرآن. ولم يطلع على القرآن.
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله؟؟.
ومشكلة الحداثيين والتحديثيين وأضرابهم أنهم لايعرفون الثقافة الإسلامية ويحاربونها عن جهل وسطحية، ومعهم الحق في بعض الزوايا، ولكن مثلهم مثل من يريد استئصال ثألول من الأنف بالمنشار أو المقص بدون تخدير.
وهذا ينطبق على الأصوليين الذين لم يستوعبوا صدمة المعاصرة فهم يستقبلون رياح العولمة الباردة بدون دثار وحطب ونار.
وكما ذكرت النموذج الأول (أورهان) الذي رأى في القرآن مصدر كل عنف وقتل، والنموذج الثاني (م . ص) من رأى أن اللاعنف لاينفع في المواجهات، وأن ابن آدم المهدد بالقتل لو انتبه لأخيه لقتله. وهو خطأ فادح في الفهم، وهي وصفة لا قرآنية جدا، فحين يتصرف الاثنان بهذه الطريقة فلن يحدث فرقا كبيرا، فمن سبق كان القاتل والمسبوق كان المقتول. وهذا يختلف جدا عن الرجل الذي لم يدافع عن نفسه، فمن دافع عن نفسه فقتل كان مجرما مثل القاتل الذي هاجم، فكلاهما نفسيا قاتل بفرق السرعة والسبق والفنية، وكلاهما من نفس العينة الإجرامية، وأهمية عدم الدفاع عن النفس أنها تحيل القاتل إلى مجرم، وأما حركة الدفاع والهجوم فتقلب القاتل إلى بطل منتصر، فهاتان آليتان نفسيتان مختلفتان جدا. ومنه جاء تعبير القرآن في لفظين في الآيات الست من سورة المائدة (الخاسرين) و(النادمين) "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، قال ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين؟ أي أن القاتل لم يكن بطلا بل مهزوما خاسئا مدحورا، ولم يتحرر من ضغط شعور الجريمة حتى تاب، وهو يعني أن من مات لم يمت بل نشر مذهبه، حين اعتنقه القاتل بعد غياب صاحبه، وهو معنى الخلود في الشهادة. وهذا قد يحدث، وكلنا سنموت يوما، والعبرة في ثبات وديمومة الأفكار. وإلا كان الكون باطلا بني عبثا، وما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون.
ونأتي الأن إلى النموذج الثالث من التفكير السائد في الساحة والتي جاءتني من الأخ (أحمد الخطيب) من فلسطين، الذي يقف في الزاوية المقابلة للتفكيرين السابقين، فهو يرى أن " العدو في الإسلام هو الكفر، والأعداء هم الكفار، فالكفر هو الأمارة الدالة على وجود الأعداء، أي هو السبب الشرعي. فنحن نعادي الناس بسبب كفرهم، والأصل في المعاداة بيننا وبين كل البشر هو وجود الكفر، فإذا وجد الكفر وجد العداء، وإذا عدم الكفر عدم العداء، لذلك كان الأصل في المعاداة هو وجود الكفر حقيقة وكان الكفر سبب في العداء" ليخلص بعدها فيقيس على هذا موالاة الكفار الأعداء:
"إذ لا يجوز لمسلم أن ينصر الكافر أو يعاونه أو يشاوره أو يحبه أو ينصحه أو يصادقه أو يركن إليه أو يخضع له أو يستسلم لسلطانه برضاه، فإن فعل ذلك كان موالياً له وينطبق عليه حكم الموالاة إلا في حالة التقية لقوله تعالى"
وبعد هذه المقدمة والشرح يصل إلى وصفة الخلاص أن العلاج الشافي:
" لمشاكل الأمة ومصائبها هو سهل وبسيط، ويتمثل في منع موالاة الحكام للكفار. ومنع هذه المولاة لا يتحقق فعلياً إلا بإبعاد هؤلاء الحكام عن السلطة، والإطاحة بهم، وتنصيب خليفة واحد للمسلمين مكانهم يوالي الله ورسوله وجماعة المسلمين"
وهذه الأحجار الثلاثة التي بناها الرجل غير مستقرة إذا سحب منها الحجر الأول سقط البناء برمته وتهاوى فكان لسقوطه دوي عظيم.
فالقرآن لا يربط بين (الكفر) و(العداوة)، بل بين العداوة والظلم، وفي السورة التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام التي يخاطب فيها الكافرين: كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" ينتقل بعدها مباشرة ليقول: "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة"؛ فيكسر بكلمة واحدة كل مقولة الأخ الخطيب من فلسطين فحجته داحضة. وليس هناك من علاقة بين العداء والكفر، أي يمكن أن يكون بيننا وبين الكافرين مودة، لينتقل بعدها من سورة الممتحنة وهي سورة تناولت موضوع الولاء ليقرر أن سبب العداوة غير شخصي، ولا علاقة له بكفر وإيمان، كما يقرر الخطيب بل ممارسة الإكراه. فينص على أن الكافرين إذا لم "يقاتلوكم في الدين ويخرجوكم من دياركم" أن تبروهم وتقسطوا إليهم، وأظنها مفاجئة غير سارة لمفاهيم الخطيب التي وقع في قبضتها بدون فكاك. وهذه هي المشكلة أننا نقرأ القرآن بعيون الموتى من ثقافة ميتة، وبيننا وبين الفهم سدودا من أقوال المفسرين.
بل ويقول القرآن في مكان آخر من سورة آل عمران:"ها أنتم هؤلاء تحبونهم ولا يحبونكم" فيقرر أن المسلمين يحبون الكافرين، في الوقت الذي يطلب المسيح من أتباعه أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم، فسبق صحابة رسول الله ص حواريي المسيح بدرجة، وهو يذكر بالفرق بين دعاء موسى أن يشرح الله صدره ، في الوقت الذي انشرح صدر النبي فقال ألم نشرح لك صدرك.
وهناك اختلاط آخر يقع فيه من يتأمل السيرة فكيف نفهم الغزوات تماما مثل مشكلة الآيات التي تحض على القتل والقتال، وهذا يذكرني بالقصة التي روتها لي ابنتي عن (نورمان فينكلشتاين) وأمه التي خسرت زوجها وكل عائلتها في معسكرات الاعتقال في (آوسشفيتس Ausschwitz) أنها لما طلبت شاهدة على المجرمين النازيين طلبت من ابنها أن يفعل بهم كل شيء، لأنهم رأوا الموت على مدار الساعة في معسكرات الاعتقال، قالت له ابنتي الموجودة في كندا: سوف ينشرح صدر والدتك وربما اسلمت أنت حينما تقرأ الآية التي تقول "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم" وأنا أعرف هذا الشعور من الجلادين في الأفرع الأمنية الذين كسروا أسناني بضرب البوكس وحجزي في إفرادية لا أتمناها لحافظ الأسد الذي وضع الشعب السوري في براد لمدة أربعين سنة؟؟ أو حفلات التعذيب في (كركون) الشيخ حسن في حي الميدان في دمشق حيث كان الجلاد يوسف طحطوح الديري يستطيب القدوم مع ساعات السحر للتمتع بتعذيب المعتقلين؟ رأيته بعيني وحقق معي شخصيا وأسأل الله أن لا أجتمع به في دينا ولا آخرة.
أقول كما فرقنا بين الدفاع الشخصي ضد شقي لص وبين عدم الدفاع عن النفس أمام النظام السياسي أثناء النضال المدني، كذلك الحال وجب التفريق بين القتال في مرحلة اللادولة ومرحلة الدولة، بسبب بسيط أن وظيفة العنف هي وظيفة الدولة، ولو تابع المسيح ما فعل محمد ص فبنى دولة لفعل نفس الشيء من رفع الظلم عن المظلومين والمضطهدين كما جاء في فلم دموع الشمس (Tears of the Sun)، وهذا الأمر يختلط على الناس فيظنون أن المسيح سلامي ومحمد حربي، والصحيح أن محمد أكمل عمله، فاعتبره مايكل هاردت الشخصية الأولى من مائة شخصية غيرت وجه التاريخ، والمسيح لم يكمل مهمته فخطفته الأحداث، مما أوقع المسيحيين في حيرة؛ فذهبوا مذاهب في تأويل الاختفاء كما فعل الشيعة مع الإمام الاثني عشر الذي اختفى في السرداب وأنه سيعود في آخر الزمن فيملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت جورا، وهو مذهب استخدمه كثير من السياسيين الدهاة لإقناع العامة بخروج المهدي ليقضي على الدجال، بمن فيهم من اقتحم الكعبة في مطلع القرن الخامش عشر الهجري في أول أيامه، أما المسيحيون فقالوا بتأليه المسيح، وهو بشر ممن خلق لم يكمل عمله، وبشّر وتحدث أن هناك من سيكمل عمله وهو غير أهل أن يحمل حذاءه؟
الدولة بيدها العنف وتحتكر العنف، والأنبياء لهم طريقتهم في بناء دولتهم الخاصة، فلا يغيرون الطغيان بطغيان، بل الطاغوت بالرشد، ولكن بني أمية المجرمين رجعوا فقلبوا الآية، وحولوا دولة الرشد إلى دولة طاغوت، إن مات هرقل جاء هرقل، فجعلوها هرقلية تلبس عباءة النبي، مثل مسجد الضرار، وهكذا توقفت مسيرة الإسلام قبل أن يبدأ رحلته، وبدأت الفتوحات الاستعمارية زورا باسم الإسلام، والإسلام لاينتشر بالسيف بسبب بسيط، هو أن العقل لايؤمن بالإكراه، ولا يعتبر الإيمان إيمانا ولا الكفر كفرا بالإكراه.
ومع كل هذا الإعلان من الأنبياء أن العنف لايحل مشكلة انطلاقاً من الخلفية الإخلاقية لفكرة اللاعنف فلم تتوضح أهمية هذه الأفكار والبرهنة عليها إلا صباح يوم 16 يوليو بانفجار تجربة أول سلاح نووي. حين ألغت القوة القوة بعد أن وضع البشر يديهم على سقف القوة.
العنف يعني تعطيل العقل. والعنف يعني لا ديموقراطية. والعنف يعني الإكراه. والعنف لا يحل مشاكل بل يعقدها. والعنف قد يجبر الإنسان ولكنه يأخذ الطاعة مع الكراهية، والمجتمعات نوعان: من دار حول الفكرة ومن عبد القوة، والمجتمعات العربية تعبد القوة فتخر لها الجباه ساجدينا. والغرب حل مشكلة الطغيان السياسي فأصبح فيه نقل السلطة سلميا، أما عندنا فمنذ جيل الصحابة الذين ضاع الرشد على أيديهم لم نعرف الرشد حتى اليوم؟
وفي علم النفس حينما تكون القوة مركزية فهي تولد تلقائيا الإكراه، وكما يقول الفوضويون(Anarchist)، وهي تسمية خاطئة وترجمة غير دقيقة، والأفضل أن تسمى المجموعات التي لاتؤمن بالدولة، فهم يرون أن الدولة الحالية تمثل الإكراه، وكل إكراه خطأ، وقليل من السلطة يعني القليل من الفساد، والسلطة المطلقة تعني الفساد مطلقاً، وحين تستخدم القوة للإكراه يمكن أخذ الطاعة من الناس كما في دول المخابرات الثورية في العالم العربي، ولكنها طاعة ممزوجة بالخوف والكره، وهكذا فالإكراه ولد الكراهية، وهي تقود تلقائيا إلى محاولة إعادة الاعتبار للذات المسحوقة فتتلمظ إلى القوة، وهكذا فالقوة دخلت في حلقة معيبة معكوسة متواصلة مترابطة المفاصل على النحو التالي: قوة ـ إكراه ـ خوف ـ طاعة ـ كراهية ـ قوة ـ إكراه وهكذا؟؟
وعبادة القوة يقود تلقائيا إلى عدم إمكانية ولادة مجتمع ديموقراطي يؤمن بتبادل السلطة السلمي، وهي مشكلة الثقافة العربية الحالية.
والآن إلى الدليل العلمي وهو بحث يجب أن يوسع أيضا ولكن خلاصته هي أن القوة عبر التاريخ كانت في رحلة تضخيم بدون توقف، فمذهب ابن آدم الأول الذي بدأ رحلة القتل بالحجر تطور ليصل في النهاية إلى سقف القوة، حيث ولد على الأرض القنبلة الهيدرجينية المحمولة على صاروخ وترفع درجة الحرارة كما يحدث في باطن الشمس مائة مليون درجة سنتغراد. وهذا التطور المرعب قاد إلى مفارقة عجيبة هي أنه لم يعد بالإمكان حل المشاكل بالقوة لأنها نهاية اللاعبين فلم يعد هناك منتصر في الحرب، وهذا التطور في القوة كان عجيبا غريبا أدى إلى لجم القوة، فقد أنهت القوة القوة على غير ميعاد. وبذلك تحقق حلم الأنبياء النظري حاليا، ولم تنفع كل المواعظ والكتب المقدسة في البرهنة على هذه الحقيقة، كما في نظرية الانفجار العظيم، فقد تعب الفلاسفة في تفسير الكون حتى جاءت نظرية الانفجار العظيم وأعطت الجواب أن العالم بدأ قبل 15 مليار سنة، وهذا الكلام هو الشعار الذي أرفعه بوابة العلم ـ السلم. ومن الغريب أن يأتي السلم من رحم القوة، ولكن هكذا يتطور التاريخ وما ينفع الناس يمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال.
وبذلك انتهت الحرب من التاريخ، وماتت مؤسسة الحرب، ولم تعد الحرب تشن إلا بين المتخلفين أو لتأديب المتخلفين. وفي حرب العراق وإيران التي امتدت أكثر من الحرب العالمية الثانية كان يمد الطرفين ثلاثين دولة، وأدرك الجميع أن الحرب يمكن أن تبدأها ولكن نهايتها ليست في يدك، ومن بدأ الحرب فقد باع نفسه لعالم الكبار، الذين يملكون التقنيات ولا يستعملونها فيما بينهم، وهو أمر عجيب يحدث في العالم، ويشي بعمق الأزمة الأخلاقية في العالم التي تمارسها االدول الصناعية، ولم تعد الحرب تقع بين دول الشمال الأوربي بعد أن خاضوا وجربوا ضراوة كل أنواع الحروب الدينية والقومية والعالمية، وحاول بونابرت توحيد القارة بالمدفعية، وهتلر بالبانزر، ولكن لم تتوحد إلا بشعار السواء، بدون ألمانيا فوق الجميع بل ألمانيا مثل الجميع، ومات نابليون في جزيرة تذكر بجهنم مسموما بالزرنيخ، ومات هتلر منتحرا مضاعفا بالرصاص والسيانيد مع عشيقته ايفا براون في قبو الاستشارية في برلين.
وفي ختام هذه المقدمة سوف أحاول ضغط الأفكار ملخصة مرة أخرى على شكل كبسولات صغير: فاٍلاسلام يبني المجتمع ويصنع الدولة بطريقة سلمية بدون عنف، فهذه طريقة الأنبياء، وهي تختلف عن طريق الثورات الفرنسية أو البلشفية أو الأمريكية، وبعد قيام المجتع والدولة يصبح بإمكان الدولة وضع يدها على آلة العنف فتمارس وظيفتها الأساسية في توفير الأمن للأفراد بدون طغيان داخلي، ويكون حجم العنف من الشرطة والأسلحة والمؤسسات مثل الإطفائية في المدينة، فليس الجهاد بيد فرد أو تنظيم، كما أن الجهاد بمعنى القتال المسلح ليس لنشر الدعوة بل لرفع الظلم عن البشر، ومن يمارس الجهاد هي دولة راشدية وصلت إلى الحكم برضا الناس، وهذا يعني أن الجهاد بمعنى القتال المسلح لرفع الظلم عن الناس إذا سلط في مكان فيجب أن يكون ضد معظم الدول الإسلامية.
وليست وظيفة الدولة اضطهاد الناس بالمخابرات، وجلد ظهور الناس، وسلب أموالهم، وبناء مجتمع طبقي فرعوني يجعل الناس شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، أي بناء المجتمع المحرر من القوة داخليا، باستيلاد وخلق الإنسان الحر، فإذا حصل هذا فإن صيانة هذا النوع من المجتمع والدولة تتم بنفس الطريقة السلمية، كما فعل أبو ذر الغفاري في الوقت الذي رفع الكل السلاح في وجه الانحراف الأموي بمن فيهم الحسين كرم الله وجهه، فكان عليه أن يفعل كما فعل أبو ذر، ولايدخل المجتمع أزمة لم تحل حتى اليوم، فما زال الشيعة يضربون أنفسهم كل سنة بالسواطير والسلاسل ندبا وحزنا على الحسين، بحيث أنهم حولوا أنفسهم إلى طائفة حسينية، أكثر منها محمدية؟ وهو كلام ثقيل على الشيعة، ولكن يجب أن يقال، ويمكن أن نسجل للخميني من الشيعة أنه قام بأعظم ثورة سليمة ضد الظلم، ليس على طريق الحسين بالسلاح، بل على طريقة الصحابة، فكان المتظاهرون يضعون الورد في فوهات بنادق الجنود، وانتصر الدم على السيف، وهي ليست طريقة حزب الله في لبنان التي اعتمدت القوة، فهي قد نجحت في طرد اليهود من جنوب لبنان بالتعاون مع آخرين، ولكن ليس بإمكانها ترسيخ الديموقراطية، ووجدناها في خندق واحد مع الطاغوت السوري، حتى منَّ الله على اللبنانيين أن تخلصوا من الجاندراما والمخابرات والذل.
وبعد قيام الدولة والمجتمع سلميا وصيانته سليما فإن هذا المجتمع المحرر من القوة، يحاول وضع يده في يد أي قوة عالمية عادلة، من أجل رفع الظلم عن الإنسان، أينما كان ومهما دان، ونتائج هذا أننا قد نضع ايدينا مع كافر عادل ضد مسلم ظالم.
وتبقى زاوية مظلمة لا بد من شرحها، فمثل المقاومة الفلسطينية التي لم تمش الخطوات الطبيعية في إنشاء المجتمع والدولة وولادة الإنسان المحرر من القوة، فهذه القوة تصادم قوة أخرى، وهو صراع يحدث بين قوى كثيرة في العالم، مثل صراع التماسيح والسباع في الغابة، وهذا لا علاقة له بمفهوم الجهاد الذي نتحدث عنه، ولا يوجد اليوم مجتمع إسلامي محرر من علاقات القوة، وتخلص من مرض المستكبرين والمستضعفين فيجب الانتباه لهذا.
ونقطة أخرى وهي أن هذا المجتمع المحرر من القوة على فرض تحققه، فإنه يدافع عن نفسه بقوة السلاح إذا لزم الأمر في العدوان عليه، وهو ما اختلط على الشيخ القرضاوي في تعليقه على جودت سعيد، فلا يوجد جهاد طلب ودفع، بل الجهاد هو بناء إطفائية حريق عالمية لنجدة المضطهدين في الأرض من أي دين وملة، وهو المشروع الذي اشتغل عليه إيمانويل كانت في كتابه (نحو السلام الدائم Zum ewigen Frieden) حيث تخيل ما يحدث اليوم من قيام جمعية الأمم المتحدة، ولولا مجلس الأمن الإجرامي بحق الفيتو الذي فيه، ولو أن مجلس الجمعية يتحول إلى برلمان دولي عنده القدرة على تنفيذ القرارات، إذا لتحققت فكرة الجهاد، وتشكلت الدولة العالمية التي تفض النزاعات، وتوفر الأمن للجنس البشري، وتضع الحرب أوزارها كما تنبأ القرآن، كما فعلت الدولة للأفراد فلم يبق نزاعات، وإن حصلت فتتدخل الدولة وتفضها بالقوة، فهذا هو الجهاد الداخلي وذلك هو الجهاد العالمي.
فهذه هي مجموع الأفكار باختصار، ويجب تنزيل الآيات منجمة على هذا القانون الداخلي للقرآن. وبذلك تفهم آيات كفوا أيديكم، وآيات قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، وآية ولا تعتدوا إنه لايحب المعتدين، وآية لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبروهو وتقسطوا إليهم، وبهذه الصورة ينكشف الغطاء عن الوجه الإنساني للإسلام، ويفهم على شكل منطقي، وليس عدوانا من النوع الخطير الذي يطرحه القرضاوي وغيره، من جهاد الطلب وشن الحروب في الأرض. وهذا الكلام منطقي ومتماسك ومتوازن ويمكن التحدث به في أي مجلس دولي والدعوة له، كما فعل الفيلسوف الألماني كانط بمشروعه للسلام العالمي، وأهمية هذا الطرح أن العالم يظن أو يحاول فهم أن الإسلام دين حرب وضرب واغتيال وقطع للرؤوس، كما أن الكثير من الشباب المغفل والجاهل تنطلي عليه أفكار المتطرفين فيموت في جبهات يظن أنه تدخله الجنة فيدخل النار التي وقودها الناس والحجارة.
وسوف أحاول الآن بعد استعراض هذه الأفكار في الصفحات القادمة تناولها بشكل تفصيلي. وقد تأتي بعض الأفكار مكررة ولكن علينا تحملها لأهميتها حتى ترسخ في الوجدان.
(تفكيك اجتماعي وانثروبولوجي لعنف الدولة)
أحدثت النتائج التي خرج بها علم النفس من المدرسة الأمريكية في الستينات من هذا القرن ذعراً بين المطلعين عن أثر الانصياع للأوامر في إمكانية ممارسة التعذيب ضد الانسان وعرضت السينما الفرنسية التجربة في فيلم اغتيال رئيس. حيث وضع رجلان في التجربة يمتحن الأول آخر مربوطاً على كرسي ومتصلا بأسلاك كهربية فإذا فشل في الإجابة على السؤال عاقبه الممتحِن بلسعة كهربية قابلة للزيادة مع تكرار الخطأ. لقد أظهرت التجربة أمرين في غاية الخطورة: إمكانية ان يتحول الانسان السائل الى وحش تعذيب حقيقي يرفع الفولتاج الى 450 فولتا والثاني أن تكرار التجربة علىشرائح شتى من الناس أثبت أن 60% منهم قابلين للسقوط في هذه الوهدة من الانحطاط الانساني. والواقع يروي كيف أن كل جيوش العالم مختزلة بإرادة الأفراد. وأن الجندي عليه أن ينفذ أولاً قبل الاعتراض في استباحة أي شيء في مخالفة جوهرية لتعاليم الأنبياء (لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق). إن الجندي عنده استعداد أن يفعل كل محرم وآثم وإجرامي تحت مبرر (هكذا جاءت الأوامر). وفي الحرب العالمية الثانية كرَّر عتاة الجستابو من النظام النازي نفس المسوغ في محاكمات (نورمبرغ) لمجرمي الحرب: (كانت أوامر علينا تنفيذها). في الواقع لايبقى جيش من جيوش العالم الحديثة متماسكاً لو طبق تعاليم الأنبياء لأن سر الانضباط والتماسك في البنى العسكرية هي في إلغاء (الإرادة الفردية) و (الاستقلالية) و(التفكير) و (الاعتراض). إن بنية الفرقة العسكرية تتلاشى عندما (يفكر) الأفراد على نحو (مستقل) أو يعلنوا (عدم الطاعة) في الحملات العسكرية اللاأخلاقية. إن الانضباط العسكري يقوم على تحويل المجموعة من البشر الى كتلة لحمية منضدة جاهزة للضرب كالمطرقة في أي اتجاه وضد أي كائن. ويعتبر (روجيه غارودي) في كتابه ( نحو رقي المرأة) أن هذا الانحراف في مسيرة البشرية كان خلف بناء المؤسسات العسكرية (الذكورية) ودفع المرأة الى شريحة دونية مستضعفة طالما كان الحكم للعضلات والسيف وليس الفهم والرحمة، بل وبناء كل نمط الحياة على شكل ثكنات و(هيراركي) مثل الجيش يقوم على التراتبية وتلقي الأوامر التي لامرد لها ولا اعتراض. ومهمة الأنبياء كانت في تحرير إرادة الانسان من (علاقات القوة) وهذا هو لب التوحيد. وهذا يفتح عيوننا على بنية الدولة وعمودها الفقري من الآلة العسكرية. إن (علم النفس الاجتماعي) والانثروبولوجيا (علم الانسان) حاولت فهم عدة ظواهر انسانية مثل (الدولة) و (المجتمع) و( الحضارة) وكيف ولدت ومتى حدث هذا في التاريخ؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحياة بدأت قبل 3,8 مليار سنة فإن سفر الوجود يظهر لنا الانسان في الصفحة الأخيرة من كتاب مكون من ألف صفحة. كما أظهرت الكشوفات الأخيرة في الحبشة على يد (تيم وايت) عن أقدم انسان أخذ اسم (ارديبيثيكوس راميدوس ARDIPITHICUS RAMIDUS) قبل 4,6 مليون سنة. وإذا كانت رحلة الانسان على ظهر الكوكب قد بدأت قبل خمسة ملايين من السنين فإن الحضارة بدورها لاتظهر الا في الصفحة الأخيرة من مجلد ضخم مكون من ألف صفحة. فقد بزغت أولى الحضارت قبل ستة آلاف سنة في جنوب العراق كما ذهب الى ذلك المؤرخ (توينبي) في كتابه (الانسانية من أين؟ والى أين؟). أما الكتابة فقد اخترعت قبل خمسة آلاف سنة وبدأ (جوتنبرغ) في استخدام مطبعته قبل 500 سنة. وسخّر الناس البخار قبل 200 سنة والكهرباء قبل 120 سنة أما كل التقنيات الالكترونية الحديثة فعمرها لايتجاوز عقوداً قليلة. أما ثورة الاتصالات والمعلومات فعمرها عشر سنوات. وينفعنا هذا التسلسل للاطلال على بانوراما من التطور الانساني واكتشاف مكان (الدولة) ضمن تعاقب الأحداث وأن عمرها قصير فهي مؤسسة سياسية ولدت مع مجتمع المدينة وتقسيم العمل. إن اختراع (الدولة) كان تتويجاً لولادة المجتمع الانساني بعد بزوغ مالايقل عن ثلاثين حضارة من رحم 600 مجتمع بدائي. ويرى (ابن خلدون) أن المجتمع الانساني يشكل (ضرورة) انطلاقاً من حجتين (تأمين الغذاء) و(نظام الحماية) وتحت المبرر الثاني نشأت مؤسسة العنف بكل أذرعتها من الجيش والبوليس والاستخبارات. كذلك يفيدنا علم (الانثروبولوجيا) كما جاء في كتاب (بنو الانسان) لمؤلفه (بيتر فارب) أن الثورة الزراعية حررت الانسان من الجوع للمرة الأولى في تاريخه وكان ذلك قبل تسعة آلاف سنة فمع اكتشاف المرأة للشجرة ونظام الزراعة كما أشار الى ذلك (ديورانت) في (قصة الحضارة) حصلت وفرة في الغذاء وبدأت أعداد البشر تتزايد والمدن تعمر والأنظمة السياسية في الولادة. ومع ولادة النظام السياسي ولد (عنف الدولة). فبقدر ماكان أشباع حاجات الانسان (الاقتصادية) من السلع والخدمات يتم بطرق سلمية فإن الفعالية السياسية هي على النقيض من ذلك وتمارس بالضغط على الآخرين وبتعبير عالم الاجتماع (ماكس فيبر) في كتابه (الاقتصاد والمجتمع) في وصفه للدولة أنها:( تحتكر العنف الجسدي الشرعي). ومع احتكار الدولة (آلة العنف) ظهرت (القوانين) التي تنظم علاقات الأفراد. يرى (بيير فيو): (أن الاضاءة التي تسلطها العلوم الانسانية على العنف غنية بالعبر لإن العنف ليس حادثا عابرا بل هو وضع مألوف من التوترات والمجابهات ولإن العلاقات الانسانية تقوم على أرضية من الصراع والتناقضات وبذلك يكمن العنف كتهديد دائم قابل للانفجار دوما). إن مشكلة وجود الانسان في المجتمع كما يقول (لالند) في كتاب (المجتمع والعنف):( إن الانسان شخص مستقل يحدد بنفسه القوانين التي يخضع لها وأن المجتمع جماعة منظمة تطالب أعضاءها باحترام عدد معين من القواعد والاكراهات وإن وضع الانسان النزاعي يلخص بالتوازن غير المستقر والضروري لهذين المطلبين المتضاربين). أو كما يرى الفيلسوف (برتراند راسل) في كتابه (السلطان):(تجد المخلوقات البشرية أن من المجدي لها أن تعيش في جماعات ولكن رغباتها خلافا لرغبات النحل تظل فردية الى حد كبير ومن هنا تنشأ المتاعب في الحياة الاجتماعية والحاجة الماسة الى قيام حكومة إذ بدونها لاتستطيع الا نسبة صغيرة من السكان في البلاد المتحضرة أن تأمل في البقاء وأن يكون بقاؤها في وضع من العدم يدعو الى الإشفاق. ولكنها تنطوي على عدم تكافؤ في السلطان إذ أن من يملكون أكثره يستخدمونه لتحقيق رغباتهم التي تتعارض مع رغبات المواطنين العاديين. وهكذا فإن الفوضى والطغيان يتشابهان في نتائجهما المدمرة ومن الضروري العثور على نوع من التفاهم على حل وسط إذا أريد للمخلوقات البشرية أن تنعم بالسعادة). ويذهب (علي الوردي) في موسوعته عن المجتمع العراقي تحت عنوان (الطبيعة البشرية) أن مشكلة الدولة أنها استطاعت باحتكار العنف أن تضمن (أمن الأفراد) ولكن المشكلة أن الأرض فيها العديد من الدول ولايوجد دولة عليا تضمن (أمن الدول) بين بعضها البعض كما فعلت الدولة بين الأفراد. وهذا هو سر اندلاع الحروب في التاريخ فالحرب هي ظاهرة اصطدام مربعات الدول أو مرافقة لتفكك الدول في الحروب الأهلية. إن الفرد لايستطيع ان يعيش بدون مجتمع بل لايصبح فردا انسانيا بدونه وحسب معادلات المفكر (مالك بن نبي) فالانسان يولد كقطعة لحم ومادة خام ولكن تشكيله الثقافي يرجع الى عمل المجتمع على الفرد. وهكذا فالانسان له معادلتان الأولى (بيولوجية) ولايختلف في هذا انسان عن آخر سواء في كندا أو راوندا ولكن المجتمع هو الذي يصنع هذه المادة الخام فيصبح (كائنا اجتماعيا) ينطق ويحسن التصرف وهذا يفسر طول فترة الطفولة عند الانسان لأنه يختزل تجارب الانسانية خلال خمسة ملايين سنة مضغوطة في خمس سنوات. بكلمة مختصرة لولا المجتمع لانصبح بشرا أسوياء. ظهر هذا واضحاً في العديد من الاكتشافات الانثروبولوجية كما في صبي غابة أفيرون الوحشي عندما عثر على انسان في فرنسا عاش بين الحيوانات فلم يتطور قط وكان أقرب الى الحيوان بما فيها عجزه عن النطق ولكن المصيبة أن كل محاولة تأهيله للحضارة فشلت في مؤشر جدا خطير أن سنوات الطفل الأولى حاسمة في قلبه الى انسان ورفعه من المملكة الحيوانية وإدخاله الحياة الاجتماعية. ومن هنا يظهر خطأ الفيسلوف (ابن طفيل) في قصة (حي بن يقظان) الذي وصل لوحده بدون أي اتصال اجتماعي على جزيرة منفردة الى كل المعارف العقلية. الدولة إذاً ضرورة ومصيبة وكل الأنظمة السياسية هي محاولات لإيجاد صياغة ناجحة بين فردية الانسان والانضباط الاجتماعي. ومع ولادة الدولة يولد أخطر مرضين على الاطلاق: الطغيان الداخلي وبرمجة الحروب. يقول (بيير فيو) عن أثر سقوط تفاحة السلطة في يد البعض وبرمجة العنف في المجتمع:(يغدق المسؤولون على أنفسهم أو يوزعوا على زبانيتهم من أصدقاء ومعاونين امتيازات لاتبررها أية خدمة أسديت للمجتمع. وعندما تصل هذه المخالفات درجة من الخطورة والاستمرار والاتساع وتمس حقوق معظم الناس الأساسية لصالح قلة من أصحاب الامتيازات ينشأ وضع عنف. فحتى لو استسلمت الجماهير أو عجزت وتابع النظام القائم استمراره فإن عناصر الانفجار باتت مجتمعة). إن العنف في الثورة الفرنسية انطلق من تصور مفهوم حماية المواطن الصالح كما عبر روبسبير:(أن الحكومة الثورية ملزمة بتوفير الحماية الوطنية للمواطنين الصالحين أما أعداء الشعب فليس لهم الا الموت). أما الماركسية فرأت في العنف وسيلة وحيدة لهدم البنى القديمة كما جاء في البيان الشيوعي وطبقه ستالين بموت عشرين مليون انسان. ونحن نعلم من سيرة الرسول ص أنه أقام النظام السياسي ولم يمت الا امرأة ورجل وكان ص يأمرهم بالصبر في عملية التحول الاجتماعي فهذا هو الفرق في كيفية بناء الدولة عند الانبياء وعند غيرهم. إن اهمية ولادة الانسان الذي لايؤمن بالعنف وسيلة لتغيير النظام السياسي أمران على غاية من الأهمية: التغيير السلمي الداخلي والمحافظة عليه من الانحراف بنفس الآلية السلمية في التصحيح.
إن مشكلة العنف هي في قلب البدايات كما عبر الشاعر الألماني (غوته):(في البدء كان الفعل) في الوقت الذي ابتدأ الأنجيل بالكلمة (في البدء كان الكلمة) أي (اللوغوس) وأول كلمة نزلت في القرآن كانت(اقرأ). ومن هنا فإن أعظم الاضداد الانسانية في الوجود هي (اللوغوس) مقابل (العنف) وكما يقول (ب.ريكور):( إن القول والعنف هما أعظم الأضداد الانسانية في الوجود الانساني وإن تاكيد ذلك باستمرار هو الشرط الوحيد لاكتشاف العنف في مكمنه). إن لب دعوة الأنبياء في التاريخ كانت اجتماعية وعندما اكد القرآن على مفهوم (السنة) كان يريد منها ليس القانون الفيزيائي بل ( السنة النفسية الاجتماعية). ومشكلة مواجهة الدولة لتغيير طبيعة العنف فيها هي مزودجة أيضاً بالحد من طغيانها الداخلي بحيث تكون وظيفتها في تأمين جرعة مكافئة من العنف لضمان (أمن الأفراد)كما تفعل مؤسسة الدفاع المدني لإطفاء الحرائق. كما أن البناء السلمي لها يجعلها لاتخوض حروب الجوار والتوسع أو تقبلها للاستعباد. إن دعوة اللاعنف تزداد ثباتا مع الأيام واليوم توقف الشمال عن خوض الحروب الا ضد السيكوباثيين من الطغاة. وهم مع كل امتلاكهم تقنيات الأسلحة لايعمدون الى حل مشاكلهم بالسلاح والحرب بل بالحوار أي إعادة تفعيل اللوغوس. وأمام هذا اللون من التحليل فإننا مدعوون لتشكيل هذا التيار في العالم العربي فلايمكن للديموقراطية أن تشرق شمسها عندنا بدون انقلاب في محاور دوران الفكر. وحتى يحصل هذا فلايشترط تغير كامل المجتمع بل يكفي أن تتغير شريحة 10% من الناس تؤمن وتمارس الكفاح السلمي .
في الوقت الذي يدفع العرب مليارات الدولارات للتسلح من ميزانيات تئن تحت العجز ينقل لنا العلم معلومات مثيرة عن رحلة السلاح النووي على لسان أكبر خبير ، واسأل به خبيرا ، ولاينبئك مثل خبير ؟!
في المقابلة التي أجرتها مجلة الشبيجل الألمانية العدد 32 \ 98 ) مع الجنرال ( لي بتلر LEE BUTLER ) قائد القوة النووية الأمريكية الضاربة السابق وجهت له سؤالاً حرجاً : جنرال ( بتلر ) كان من المحتمل إذا شمرت الحرب عن ساقها ، أن تضغط باصبعك على الزر النووي ؛ فتنطلق صواريخ الترسانة النووية الأمريكية بكامل طاقتها تدمر الأرض عشرات المرات ؟؟
أجابهم وقد اعتدل في جلسته يعرِّف بنفسه : نعم بكل تأكيد ، ربما أعلم ذلك أكثر من أي انسان آخر على وجه البسيطة !! كل مستقبلي وعملي العسكري كان مرتبطاً بالسلاح النووي . كنت أُدَرِّس نظرية الردع النووي في أكاديمية القوى الجوية لطلابي . كنت أحلق بالقاذفة B52 تحمل في أحشاءها الرؤوس النووية . مؤخراً كنت أنا من يقود الزحف النووي العالمي . تحت قيادتي كامل القوة النووية الاستراتيجية الأمريكية القاذفات والصواريخ في البر والبحر . كنت اساهم في تطوير الرؤوس النووية وكنت أنا من يقرر كيفية استعمالها . أنا من جلس في مفاوضات التسلح أو مراقبة نزع التسلح . كنت أقدم خدماتي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية كخبير في الاسئلة النووية . وأريد أن أفيدكم أن كل خطط الهجوم النووي في حالة القيامة النووية كانت تحمل توقيعي . كان الجنرال بتلر، المشرف على خارطة للعالم تضم 12500 موقع يجب تدميرها نووياً يوم القيامة النووية ، تصل الى أي نقطة بمدى ثلث ساعة ، بخطأ لايتجاوز 15 متراً ، منها خرائط تفصيلية لمسح مدن بالكامل تابع الجنرال قوله : كان تصرفنا كالسكران في يده مسدس يلعب الروليت الروسية ، وعندما ضغط الزناد للمرة العاشرة نطق ببلاهة انظروا مازلت على قيد الحياة ؟ أننا لم نكن نعي تماماً ماالذي سيحدث للكون في حال اندلاع الحريق النووي ؟! كانت رحلة طويلة صرفت أمريكا خلالها ستة ملايين مليون دولار طورت مايزيد عن سبعين ألف رأس نووي بـ 116 نموذج محمولاً على ظهر ( 65 ) نموذج قذف صاروخي ، بدءً من قنبلة هيروشيما ثم صعوداً ( MAXIMIZING ) بتطوير القنبلة الحرارية النووية ( الهيدرجينية HYDROGEN - BOMB ) بعيار فلكي من مستوى (ميجاطن ) حتى وصلت جرعة التفجير في الستينات الى مايزيد عن قوة هيرشيما بثلاثة آلاف مرة ، ثم تطوير الجيل الثالث ( قنبلة النيوترون NEUTRON-BOMB ) بتكثيف جرعة الاشعاع على حساب الضغط والحرارة فيقضى على البشر ويتم استلام المدن نظيفة ، الى رحلة تصغير الحجم ( MINIMIZING ) فأنتجت قنابل صغيرة من أجزاء من قنبلة هيروشيما يمكن حشوها بالمدفعية ، ومن كرات التفاح الصغيرة هذه حمل الحلفاء في حرب الخليج الأخيرة مايقرب من 600 رأس نووي صغير ، على ماروته مجلة ( الشيفرة CODE ) الألمانية . بجانب هذا مسحت خلال نصف قرن الماضي الجو الخارجي بتطوير نظام الساتلايت ( الذي تحول الى شبكة الدشوش الزاحفة على سطوح المنازل ) والبر من خلال تطوير نظام كمبيوتري ( الانترنيت) ، كما رسمت قيعان البحار بخرائط تفصيلية ، من غواصات نووية مستخفية بالليل ساربة بالنهار ، تحولت في النهاية الى خرائط ( الكارتو جرافي CARTOGRAPHY) يستفيد منها صيادو الحيتان والاخطبوط ، وتصمم بموجبها غواصات من نموذج (الطائر العميق الجيل الثاني DEEP-FLIGHT-II ) تتحمل الضغط الى عمق 11000 أحد عشر ألف متر ، ويكتشف في القاع عشرة آلاف مليار طن من مادة (الميتان المبللور CRISTALIZED METHAN ) بطاقة تكاد لاتعرف النفاد ، هذا عطاؤنا فامسك أو انفق بغير حساب ؟؟
من الطريف بالذكر أن الجنرال (بتلر) اعترف أنه لم يجلسوا ليحسبوا على وجه الدقة ماذا سيكون وضع العالم، عندما يزحف الرؤوساء من المخابيء النووية بعد الحريق الأعظم ، يخرجون من الأجداث الى سطح الأرض كأنهم جراد منتشر ، مهطعين رؤوسهم يقولون هذا يوم عسر ؟؟ كل مافعله الجنرال عندما سئل ماذا كتبت في اوراقك حيال قيامة قبل القيامة ؟ قال كانت حسابات رياضية فقط عن كمية التدمير التي سوف تنزل على رؤوس البشر والمنشآت الحيوية . لامعلومات عن انقلاب المناخ وكسوف الشمس الطويل !! لاخبر عن الحرائق التي تلتهم الغابات فتحيل الأرض الى جهنم تتلظى !! لااحصاءات عن الاشعاعات التي ستفتك ببني آدم ؟! لامخبر عن تقطيع كامل النسيج الحضاري ؟! لم تكن تقاريرنا تتضمن كلمة واحدة عن كل هذا ؟؟ أما السؤال عن الضحايا فكانوا يستعملون منطق الشيوعي ( جوزيف ستالين JOSEF STALIN ) مقتل انسان تراجيديا أما مقتل الملايين فهي مسألة احصائية ؟؟!!.
على الرغم من تخصيص 35 مليار دولار في أمريكا لتطوير السلاح النووي هذا العام ، يقرر ( لي بتلر ) الجنرال السابق والقائد الأعلى للزحف النووي يوم النبأ العظيم ، ومدير الخطط الاستراتيجية النووية في البنتاجون ، في القيادة العامة في اوماها ( OMAHA ) في نبراسكا ( NEBRASKA ) بكلمات مختصرة الحقيقة التالية :
(( إننا نضيع الفرصة الثمينة لتطوير قواعد جديدة للأمن في العالم حيث لايوجد مكان للسلاح النووي ؟؟!! وهكذا كتب الرئيس ايزنهاور عام 1956
( يجب على الطرفين المهتمين بالحرب أن يجلسا في في يوم ما على طاولة المفاوضات وهما مقتنعان أن عصر التسلح قد انتهى وبأنه يتوجب على البشر الخضوع لهذ الحقيقة أو اختيار الموت) وكررها جورباتشوف في كتابه البريسترويكا (أن غواصة نووية واحدة تحمل في أحشاءها من الطاقة النارية مالم يستخدم في كل الحرب العالمية الثانية) وبموجبها طرح فكرتي (الجلاسنوست والموراتوريوم = الانفتاح والتخلي عن القوة من طرف واحد) وأكدها الرأس العلمي في مشروع مانهاتن (روبرت اوبنهايمر) أول من اخترع السلاح النووي (كأن العالم على صورة عقربين تحت ناقوس زجاجي واحد يمارسان الانتحار المزدوج) .
تحمل الحرب اليوم ستة مفارقات ففي الحرب العالمية الثانية قتل الحلفاء 200 ألف انسان في مدينة (درسدن) الألمانية واليوم تحرص على أن لايجرح مدني واحد في بلغراد تتفرج عليهم وهم يرقصون. والحرب كانت تفاجيء الخصم بالسلاح الاستراتيجي واليوم لايستخدم مع توفره في أعجب مفارقة تاريخية. وقنبلة النيوترون أخطر تطور للقوة كانت تريد استلام مدن نظيفة من الاناسي والناتو اليوم يهدم المنشآت ويحافظ على البشر. وكان الخصم قديما يهدد غريمه بالزحف العرمرم ليأتينهم بجنود لاقبل لهم بها والناتو اليوم يصرح للخصم أنه لن يرسل الجنود. وكانت الحرب كما ذكر توينبي المؤرخ (تسلية) الملوك يتفرجون على الأقران يتذابحون واليوم أصبحت الحكومات شعبية تخشى من سخط الجماهير فلا ترسل ابناءها قرابين للسياسية الا الدول خارج احداثيات العصر. ويعتبر العسكري (فيكتور فيرنر) أن الحرب تحولت اليوم الى كائن خرافي مثل جوليفر في مدينة الأقزام بكائن شكله انساني ولكن طوله ووزنه بقدر ناطحة سحاب يدب في شوارع لاتتحمل وطء أقدامه لاتحدث الا في الاساطير . إنها تبدلات جذرية في صورة الحرب وتطور السلاح .
الباكستانيون ثملون بالخمر النووي، والعرب يرون في هذا التطور ظهيراً لهم في صراعهم مع جالوت النووي الجديد في المنطقة (اسرائيل)، والمسلمون مستبشرون يهللون بولادة طفل نووي لهم. والعالم يعلن عن ولادة قنبلة نووية اسلامية؟
السكر النووي خطير، والطفل الجديد قد يكون مشوها، ولم يكن للقنابل دين في يوم من الأيام؟ ومايحل مشكلة العرب اليوم أمام (جالوت) الجبار ظهور فتى صغير اسمه (داوود) يحمل في يده مرقاع وحجر .
السلاح النووي صنم، والتسلح خرافة تنتمي الىالعهد القديم، والشعوب قوة لاتقهر والجيوش والانظمة سهل هزيمتها، والاسلحة المتطورة شرك لدولنا الفقيرة، والعالم ينتظر ولادة انسان الفكرة وتوديع أداة القهر، فنتعلم أن أفضل مايستخرج من الانسان باقناعه لابتخويفه ؟!! ......
من كان له اذنان للسمع فليسمع .
(كيف يتغير الانسان بامتلاكه القوة من انسان طيب الى شيطان مريد. من يقرر الطغيان ليست الأخلاق الفردية بل الوسط الاجتماعي. تجربة ستانفورد تثير الذعر عن طبيعة الانسان)
روى لي معتقل سياسي يساري في بلد عربي لبث في السجن مدة 12 عاماً بسبب تورطه في تنظيم سري وكان أفضل حظاً من آخرين فقد قضاها في زنزانة جماعية. وهناك من بقي في الإفرادية أطول بحيث خرج يترنح بين الجنون والعبقرية. قال لي في إحدى الليالي أراد أن يعاقبنا السجَّان لسبب فلم يعثر عليه ولكنه رأى أحد الناس يصلي فلما طلب منه المثول لم يشأ أن يقطع صلاته فكلفه هذا أن يسحبه السجَّان ويرمى به الليالي ذوات العدد في إفرادية مظلمة. كان من يحكم وينفذ هذا نفس الجلاد وبرتبة صغيرة وعنده صلاحية أن يتصرف في مصائر الأفراد كيفما يحلو له بالتعذيب والاذلال.
إن هذه القصة تحكي مرض (علاقات القوة) بين الناس وتتبدى في صورتها العارية في السجن. وكما قال (أتيين لابواسييه) في كتابه (العبودية المختارة عام 1562 م):(يجب أن لانراهن على الطيبة الموجودة في الانسان طالما يمكنه أن يؤذي ومعه مفاتيح القوة). وجميل ماذكره باسكال: ( أي شيء هذا الانسان الذي يجمع بين الحكمة وبالوعة الضلال أن يكون قديسا أو وحشا. في كل فرح حزن. ومع كل حياة مأتم. فمن يحل لنا هذا التناقض؟
وفي ألمانيا عرض فيلم (التجربة Das Experiment) في شهر مارس من عام 2001 م عن العلاقة بين السجان والمسجون والجلاد والضحية فذعر الناس من رؤية الوحش المختبيء داخل كل منا ينتظر لحظة الانقضاض. كان الفيلم تكرار لتجربة (ستانفورد Stanford) التي طبقت عام 1971 في كاليفورنيا التي كانت الأولى والأخيرة في هذا النوع من تجارب علم النفس بسبب الضجة الهائلة التي أطلقتها في الوسط الأمريكي. ماهي القوة؟ يقول (فيليب زيمباردو Philip Zimbardo) عالم النفس الاجتماعي الأمريكي:(إنها متعة الالهة افروديت). ويقول الغزالي في كتابه الأحياء: (إنها أعظم اللذات قاطبة ولاتقترب منها اللذة الجنسية بحال ولاتقارن). وهي ممارسة الالوهية بدون اسمها، وهي آخر مايخرج من قلوب الصالحين، وصدق الاعرابي حينما وصف متعتها: (ياحبذا الإمارة ولو كانت على الحجارة)، أوعلى الجثث عند السياسيين. ويروى عن (لينين) قوله:(إن موت ثلاثة أرباع الشعب الروسي ليس بشيء إنما المهم أن يصبح الربع الباقي منهم شيوعيين) و(لينين) كان كاتباً محترفاً الف أكثر من 55 كتاباً ولم يمارس القتل قط ولكنه مع التربع على عرش السلطة أرسل الى الموت الملايين؟ أما (ستالين) فكان يعتبر أن موت الانسان قد يكون تراجيديا ولكن موت الملايين مسألة احصائية. وضمن الملف السري للينين الذي كشف عنه النقاب أخيراً وسمح للباحثين بالاطلاع عليه في سرداب تحت الأرض بثلاث أبواب تصمد لضربة نووية تمت قراءة خطابات لينين الأصلية وكيف كانت حياة الناس تنهى في كلمات وجمل قصيرة، فكل انسان لايزيد عن نقطة من حرف.
وعرف أن تلهفه لتحقيق أفكاره قامت على خرافة عجيبة، فمع أن كل من حوله وكل الظروف وكل أفكار (كارل ماركس) كانت تقول إن الشيوعية هي ولادة من آخر مراحل الرأسمالية، وأن المجتمع الروسي متأخر لم يدخل المرحلة الرأسمالية بعد، إلا أن لينين قام بحرق المراحل لوقوعه تحت تأثير نبوءة من سيبريا، وقول لطبيب في سويسرا، أن دماغه معتل ولن يعمر طويلاً؟
وفعلاً مات لينين عن عمر صغير وأقام شيوعية بنسخة مزورة بالارهاب الأحمر، وحرق المراحل بما فيها حرق شعب بأكمله وإرساله في طوابير لاتنتهي الى الموت. واليوم يحشد الشيوعيون كل المؤمنين به ليزوروا ضريحه فلايتجاوزوا المئات أمام عزم الحكومة السوفيتية على إنهاء خرافة معصوميته وسوق الملايين من الناس زورا في طوابير ذليلة يتبركون برؤيته ويتمسحون بقبره، وكلفة حفظ جسمه مبرداً تعمل له مؤسسة على مدار الساعة بميزانية بالملايين؟
صدق الرسول ص:(خير القبور الدَّرس). عندما يمنح انساناً مفاتيح القوة فإنه يتغير على نحو درامي في تصرفاته ومشيته ولحن قوله بل وحتى توقيعه الشخصي. لقد كانت توقيعات نابوليون أثناء ممارسة السلطة كبيرة واثقة وعند نهايته صغيرة رجراجة.
وتظهر دراسات علم النفس ثلاث حقائق: كم هو سهل أن يتحول الانسان الطيب العادي مع القوة شيطانا مريدا. وأن هذا يخص كل واحد منا فلايتفلت من هذا القانون أحد. وأن داخل كل منا يجلس فرعون عظيم جاهز لقطع أطراف السحرة وصلبهم في جذوع النخل. وأن قنص السلطة يحرض المزيد مثل نار جهنم تقول هل من مزيد فلا تعرف الشبع أبدا. " كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى " .
كانت الخلاصة التي خرجت بها تجربة (ستانفورد) تدعو للخوف حقاً وأنها (ظاهرة) تتخلل كل المستويات والشرائح الاجتماعية. إن القوة نادراً ماتظهر على شكلها العاري كما يصف ذلك الفيلسوف (برتراند راسل) في كتابه (السلطان) ولاتحتاج أن تظهر على شكل سجن وسجَّانين وهراوات وقضبان بل على شكل ألوان وملابس وشارات. فبين (مساعد) في الجيش و(لواء) تهتز من تحته الأرض شارات على الكتف. ولون المعطف الأزرق لعمال الخدمات يكتب مكانة صاحبها أمام أصحاب المعاطف البيضاء من الأطباء معلقة في رقابهم السماعات. بل وحتى بين الأطباء فكلما ثقل جيب المعطف بأدوات الفحص كان صاحبها أقرب أن يكون طبيباً مقيماً فإذا لبس الطبيب معطفاً خالياً إلا من قلم بسيط كان عنوان المهابة: إنه رئيس الأطباء. وإذا جاء (ملف) بلون معين إلى (موظف معين) دارت أعينه كالذي يغشىعليه من الموت: إنه من (المعلم) ومستعجل، ويضخ الادرينالين معها في العروق ضخاً ليرفع ضغط الدم رفعاً فكانت فاتحة لشلل وخرس وسكتة قلبية.
مازلت اذكر انا شخصياً عندما (ضبطني) شرطي في بلد عربي في مخالفة سير. كانوا كمن يلقي القبض على أفاك أثيم عتل بعد ذلك زنيم. لقد كانت متعة لهم بدون حدود في ممارسة القوة. وأتذكر بالمقابل في مدينة (براون شفايج) الألمانية عندما اقتربت مني (شرطية) لتقول لي بلطف وأدب الا ترى أنك مخالف هل تحب أن تدفع عشر ماركات؟ إنها روح تتخلل المشافي والمؤسسات الدينية والدوائر الحكومية والمدارس والشركات بل وحتى ضمن العلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة. أليست تابعاً مادياً له؟
إن المرأة يتملكها الخوف الشديد في المجتمع العربي بعد تبخر الجمال وزوال نضارة الشباب والتقدم في السن أن يطلقها زوجها ليلقي بها في الشارع بدون أي ضمانة وحماية أو تعويض عن كل رحلة الحياة. لذا تحاول الاعتماد على رفع مهر المتأخر بدون فائدة، أو تكويم الذهب ما أمكن لعله ينفعها في يومها الأسود إذا زلزلت الأرض زلزالها وانفجر بركان الرجل. إن هذا الوضع طوَّره الغرب وفي الطلاق لاتخرج المرأة خاوية الوفاض صفر اليدين إلا من مهر متأخر دراهم معدودة غير مضمونة بل بنصف ثروة الرجل.
هكذا تبدو تظاهرات القوة وفي كل مجال ومكان. أحياناً على نحو غامض وغالباً في تفصيلات مخجلة ومهينة بسبب نظام (التراتبية) في المجتمع وتقسيم الناس الى اعلى وأسفل.
وفي مجلة (اليونسكو) أظهرت لوحة الغلاف في أحد الأعداد البشر على طبقات تحمل كل طبقة مافوقها. السفلى أعرض وأمتن وفوقها تجلس شريحة مرتاحة أصغر حجماً وأشد قوة. صعوداً حتى القمة، حيث تحكم الأقلية والنخبة. وفي القاع تتمدد أكثرية خانعة خائفة محجوزة في مثلث الرعب تدفع الضرائب عن يد وهم صاغرون.
هكذا صدر المنشور الشيوعي في مطلع القرن: في القمة (القلة الحاكمة) وبجانبها كلمة (نحن نحكمكم). وتحتها شريحة أعرض من الكهنة ورجال الدين والحقوقيين وبجانبها كلمة (نحن نخدعكم). وأسفل منه الجنود بالحراب وبجانبها كلمة (نحن نقتلكم). وفي الأسفل تماماً العمال والفلاحون وبجانبها كلمة (نحن نطعمكم ونخدمكم) وطبعاً ونحمل كل ثقلكم.
اعتبر الفيلسوف (فردريك نيتشه) :(أنه حيث الحياة هناك الرغبة. ولكنها ليست الرغبة في الحياة. بل الرغبة في امتلاك القوة). ولكن فيلسوف الحداثة (ميشيل فوكو) اعتبر أن كل المجتمع غاطس في حوض من علاقات القوة (فالكل يحارب الكل) في حرب اهلية مبطنة غير معلنة.
وفي هذا الخضم العارم من النزاع وعلاقات القوة فإن الأقوياء يسعون ليس الى بناء علاقات انسانية بل إلى إزالة الطواغيت واستبدالهم بطواغيت جدد، ولذا فإن ماجاء بالقوة أعاد مرض القوة، وهذا سر استعصاء الحياة السياسية في العالم العربي لأنه مبني على علاقات القوة فمن أراد التغيير عمد الى القوة، ومن ملك أراد أن يستمر في أي صورة وتحت أي اسم، طالما لاتوجد قوة تقدر على الاطاحة به. صرح بهذا مسئول قومي وأكده مفكر اسلامي أن الحاكم يملك الرقاب تحت قانون (الغلبة والقهر) فبهذا قال فقهاء العصر العباسي. صدق فالعالم الاسلامي انفك عن احداث العالم وانفصم عن صيروة التاريخ وأمواج المعاصرة واستطاع الغرب فك هذه الاشكالية التي عجز عنها العالم الاسلامي.
إن المواطن العربي اليوم يضع على عينيه نظارة من صنع إيطاليا، ويستخدم التلفون الجوال، ويجري الجراح عملية مرارة بدون شق البطن، كما يستخدم الجندي العربي الصواريخ في الحرب، ولكن الوطن العربي يعجز عن نقل الوضع الدستوري ، وبناء الديموقراطية، والتخلص من الأحكام العرفية، وحكم المماليك البرجية والبحرية، وتجديد أدعية وخطب المستنصر بالله العباسي. وإذا نقل المعاصرة حملت في توابيت الى العالم العربي.
وهكذا فالمجالس النيابية وظيفتها أن تقول نعم للحاكم. والتعددية ديكور سياسي. والصحافة مثل البيضة المسلوقة أمام ديك أوربي يصيح على السياج، أما حرية التعبير فهي (ردة) أو (خيانة).
نحن نرى اليوم مرض (الطاغوتية) يعم البسيطة بدءً من هبل الأكبر امريكا والشرك الأعظم (الفيتو) وانتهاءً بالديكتاتوريين (الترانزستور) في العالم الثالث، أو عمالقة المال الذين يشترون كل شيء وتمتد امبراطوريتهم عبر كل القارات، فلاتغيب عنها الشمس قط، بما لم يحلم به هارون الرشيد والملكة فيكتوريا.
حيرت هذه المسألة المفكرين منذ قرون فحاولوا فك لغزها. والسؤال ما الذي يوقظ الشهية الى قوة لاتعرف الشبع؟ كيف يتقرر مصير من يسلك الدرب ليصل إلى القمة؟ وأخيراً كيف تؤثر متعة القوة في مزاج الأقوياء الجبارين؟ في الواقع تحكمنا علاقات القوة من المهد الى اللحد فمنذ الولادة ومع حرص الوالدين الشديد فقد أظهرت الدراسات النفسية أن الطفل تساء معاملته ما لايقل عن خمسة آلاف مرة في السنة الواحدة. أي أن أحدنا يخرج مشوهاً على كل حال. وحين ولوج المدرسة تبدأ لعبة الشد والجذب من جديد بين استاذ يريد ضبط الصف بالعصا بدون إظهارها أو استعمالها بل الإيحاء بها، فالعصا لمن عصا و (العصا من الجنة)؟ ومن طرف آخر التلميذ الذي يريد لشخصيته الاحترام والنمو في وسط يقتل كل نمو. ومع متوسط العمر تبدأ علاقات القوة تأخذ منحى جديدا فبعد فترة التدريب التي تعتمد الانضباط والدقة والأداء الحسن والإنتاج الغزير تتحول مع مباشرة العمل لصالح من يستولي على مفاتيح القوة. ويصعد إلى القمة ليس أفضلهم بل أخبثهم.
إنه مازال الطريق طويلاً حتى تبنى حياة انسانية. وعهد الأنبياء لم يبدأ بعد. وقشرة الحضارة رقيقة للغاية لاتزيد عن ستة آلاف سنة أمام رحلة الانسان الذي عاش مع الوحوش يطاردها وتطارده منذ ستة ملايين من السنين. وفي نهاية الحياة مع دخول أرذل العمر تتكلس المفاصل ويتراجع الدماغ بالعته وترتج اليدان بمرض باركنسون، ويجد الكثيرون أنفسهم من جديد في هذه اللحظة التعيسة أسرى رحمة الاخرين وتصدقهم بالمساعدة أو نزق مزاجهم. هذه المشكلة هزت الدكتور (زيمباردو Zimbardo) لفهم ظاهرة الطغيان الانساني هل هي إفراز للوسط الاجتماعي؟ هي تابعة للأخلاق الفردية؟ أو جينات الوراثة عند كل منا. فقام بتجربته الشهيرة التي عرفت بتجربة (ستانفورد) ونشرتها مجلة در شبيجل الألمانية (العدد 11\ 2001) لفهم سيكولوجية (السيطرة والانصياع) والتخدر بـ (أفيون القوة) وكيف يتغير الانسان عندما يضع يده على مفاتيح القوة؟ ومالذي يحول الانسان من رجل عادي بسيط إلى مجرم محترف وقاتل سادي كما يحصل مع الطغاة.
قام (زيمباردو) بانتخاب 24 متطوعاً من من أصل 75 درسهم في اختبارات الذكاء حيث ظهروا أناساً عاديين أسوياء ثم قام بتقسيمهم الى مجموعتين على نحو عشوائي فأصبح فريق منهم (مسجونين) والنصف الثاني سجَّانا. وزيادة في فعالية التجربة قام البوليس بإلقاء القبض عليهم، فعصبوا عيونهم، ثم أودعوا القبو. أما السجَّانون الذين تلقوهم بملابسهم ونظاراتهم السوداء فكانوا يوحون بأنهم شرطة حقيقية، معهم كل الصلاحيات، وفي أيديهم الهراوات مع رزمة المفاتيح، وكاميرات الفيديو تراقب مع مسجل صوتي في كل زنزانة.
في لحظات وصولهم الأولى تم نزع ملابسهم ومسح أسماءهم حيث تحول كل واحد الى رقم ومع البودرة والحمام تم تنظيفهم من القمل ولبسوا ملابس العنابر القطنية الطويلة المهترئة بدون أي ملابس داخلية وفي أقدامهم وضعت السلاسل. وأما أغطية الرأس فكانت جوارب نسائية. كان من المفروض أن تستمر التجربة 14 يوماً والذي حصل أن أن الوسط تحول الى جو إرهاب خلال ثلاثة ايام، وفي اليوم السادس دق ناقوس الخطر واضطر (زيمباردو) أن يوقف التجربة تحت ضغط زميلته في العمل أنه لايمكن تبريره أخلاقياً باسم التجارب العلمية؛ فقد تحول من طبيب الى مدير سجن. فأما السجانون فقد وصل بهم الأمر الى درجة حرمان المعتقلين من قضاء حاجاتهم الانسانية فغرقوا في قذاراتهم أو دفع البعض للمارسة اللواط ببعض. واما المعتقلون فكانوا بين من انهار أو اقترب من حافة الجنون أو حمل بمحفة إلى المشفى بحالة اسعافية.
كان كلاً من الجلاد والضحية مريضاً على نحو ما بين الذل والتجبر واحتقار النفس وجنون العظمة. والنتيجة المفزعة التي خرج بها (زيمباردو) أن مايحكم ليس الأخلاق الفردية، بل الوسط الاجتماعي، عندما تحين الفرص للتحكم بالآخرين، ولايوجد من يردع إن هم الا كالوحوش بل هم أضل سبيلا.
كانت الرسالة واضحة في التجربة :(يجب أن نستبدل قناعتنا أن مثل هذا لايمكن أن نفعله. بجملة أصدق: كلنا يمكن أن يفعل أي شيء مع تغير الوسط). وصدق ديكارت حينما قال:(إن أعظم النفوس عندها استعداد أن ترتكب أفظع الرذائل). وكان الانسان أكثر شيء جدلاً.
الجهاد والعنف السياسي
في رمضان 1424 هـ وباسم الإسلام تم تفجير حي في مدينة الرياض وقتل وجرح العشرات فانتقل وباء المرض الجزائري إلى مكان آخر. ولكن ما يحدث يجب فهمه من خلال تفكيك مفهوم الجهاد. وهو أمر حساس ومن يتناوله إما في جيب السلطة أو من يتربص بها ريب المنون؟
ومن الضروري في البدء تحرير المفاهيم. والعنف الفردي في الدفاع عن النفس كما لو هاجم شقي رجلا فدافع أحدنا عن نفسه لا يدخل في حديثنا. وورد في (الحديث) بما معناه أن من دافع عن نفسه يعتبر شهيدا. ومن قتل دون ماله فهو شهيد. ومن قتل دون عرضه شهيد.
وهذا شيء لا يدخل في العمل السياسي. والدولة حينما تأتي لتعتقل شخصاً فيجب أن لا يدافع عن نفسه. والفرق هنا كبير وجوهري في الدفاع عن النفس ضد لص والدفاع عن النفس بالرشاشات ضد رجال الدولة. فهذا الذي يجب أن يبحث.
وفي هذا المجال توجد (حادثة) و(تعليمات) من السيرة تروي حكاية الفرق بين الدفاع الفردي والسياسي: فأما الحادثة فيذكر عن صحابي أنه تعرض للإهانة من رجل قرشي فما كان منه إلا أن ضربه (بلحي) بعير فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام. فيرى الشباب ـ كما كتب أحدهم ـ أنها فتوى في ضرب رجل الدولة إذا جاء لإلقاء القبض على أحد المطلوبين أمنياً.
والفرق بين الأمرين كالفرق بين الأرض والسماء. و(تعليمات) الرسول ص كانت واضحة وكان يردد على مسامع أصحابه ""أننا لم نؤمر بقتال" امتثالاً لقوله تعالى ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة" وكان ص يمر على الصحابة وهم يعذبون فلا يزيد عن القول صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة. ولم يأمرهم بحمل السلاح وذبح الناس من أجل الإسلام بل أمرهم بالصبر على الدعوة وتحمل المحنة ثم الهجرة. ومن الغريب أن هذه الأفكار من الصبر على الأذى ألغيت من ثقافتنا فيقول أئمة العنف إنهم لا يسمحوا لنا بنشر الإسلام. والخلط هنا أن أفكارهم أصبحت تساوي الإسلام وهي لا تزيد عن خيالاتهم عن الإسلام. وقد تبتعد وتقترب بمقدار حدة الفهم. مثل موضوع اللباس واللحية والمشكلة ليس بما غطى الجمجمة من قماش أو انساب من الذقن من شعر بل بما دخل الرأس من أفكار. ولكن بين المسلمين وهذا الفهم سنة ضوئية.
واستراتيجية (الصبر على الأذى) هي من أجل تكوين جيل جديد من البشر يحلون مشاكلهم فيما بين بعضهم بعضا بروح ديموقراطية وليس بالعنف والسيف. فمن اعتاد سفك الدماء لم يتحرر منه. وأسنة الرماح قد تحل المشاكل ولكنها ليست مكاناً مريحاً للجلوس. "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين"
فهذا الاختلاط يشوش الرؤية على الشباب فيظنوا أنه يجب قتال الدولة الظالمة أو ما يخيل إليهم أنها ظالمة. ومتى أعجبت الحكومة الناس؟ أي حكومة؟
والأمر الأشد خلطا وغبشا في الموضوع هو الغزوات والسرايا التي شنها الرسول ص وتقدر بـ 23 غزوة حضرها بنفسه. وما يزيد عن ثمانين سرية لم يحضرها ص بنفسه. فيظن الشباب أن الجهاد هو ضد الدولة لأن الرسول ص استخدم القوة المسلحة. وهذا يشكل نصف الحقيقة فمتى استعمل القوة وضد من؟ وهنا السؤال الحرج .
ومن يقوم بدراسة (تشريحية) للسيرة يرى بشكل واضح أن هناك مرحلتين منفصلتين غير مختلطتين: (الدعوة) ولم يستخدم فيها السلاح. وقيام (الدولة) ومعها استخدم قوة السلاح.
وفلسفة الإسلام في العهد المكي أنه لم يستخدم القوة لأنه كان ينشر الفكر في محيط سياسي تسيطر فيه قوى قبلية. ولم تكن هناك حكومة مركزية مثل روما تتولى مصائر العباد. كذلك كانت المدن مثل يثرب تتمتع بنوع من الاستقلال السياسي ما يذكر بمدن اليونان القديمة. والرسول ص وحد الجزيرة العربية لأول مرة ضمن منظومة سياسية واحدة. وهو يفسر الآيات الواردة في سورة التوبة عن عدم قبول الشرك السياسي في الجزيرة بعد عامهم هذا.
والإسلام لم يستخدم وسيلة السيف والانقلاب العسكري للسيطرة على المجتمع لقناعته أن التغيير هو نفسي قبل كل شيء. وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولذا صبر المؤمنون حتى حصل التحول الاجتماعي وحين نضجت الأمور وانتشر الإسلام في المدينة هاجر الرسول ص إليها. فهذه نقطة حدية يجب استيعابها في بناء الدول والأنظمة السياسية.
وبسبب البيئة المستعصية في مكة فإنه حاول أي الرسول ص جاهدا أن ينشر دعوته في أي مكان آخر وهذا هو السبب في عرض نفسه على القبائل وهو يشبه التجمعات الحزبية هذه الأيام. فعندما تنتشر فكرة بين مجموعات حزبية في مجتمع ما وتتبنى الفكرة (كتلة حرجة) ينقلب المجتمع وهو ما فعله الرسول ص واختلاط هذه الأفكار هو الذي يغذي الفكر العنفي حاليا فيرون الأشياء مقلوبة وليس من بدايتها فيرون صراع الأنظمة مثل معركة بدر وأحد. وقتال الأمريكيين مثل غزوة مؤتة وحملة تبوك. فيضيع هدف الجهاد والمرحلية في تطوره.
وما يحدث من عنف في المجتمع من التفجيرات وسواها يرجع إلى طبيعة الفكر السائد. وكليات الشريعة والمدارس الشرعية تدرس الفكر الفقهي القديم بدون وعي سياسي. و تتعاون (الجامعة) و(الجامع) على إفراز الفكر العنفي في كل مكان ووقت. فماذا يفعل أحدنا أمام الحديث أنه من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق؟
وهذه الكلمات القليلة كتبتها بالتفصيل في منابر شتى منذ أكثر من عشرين سنة ودعيت لتركيب لقاحات ضد وباء العنف مثل تهيئة اللقاحات ضد شلل الأطفال وجنون البقر وسعار الكلاب. وقلت سابقا أن الدول العربية غير محصنة ضد هذه الأوبئة. ولكن لمن ينتبه أحد لما قلت. لأن الشعوب تتعلم بالعذاب فتزاد جرعة جرعة حتى يرجعوا عن الطريق الغلط.
وأوربا جربت الحروب من كل نوع زوجين من الدينية والقومية والعالمية حتى تابت عن استخدام السلاح والقوة لحل المشاكل. والآن تتحد أوربا بدون حروب تحرير شعبية وجهاد. وسيكون عدد الدول عام 2004م 25 دولة تضم 450 مليونا من الأنام. وهي آية أمام أعيننا نمر عليها ونحن عنها معرضون.
والمهم حاليا هو فك إشكالية النصوص وعلاقتها بالقتال المسلح. وما لم يحدث وعي حاد يفرق الجهاد عن الجريمة فسوف تبقى الانفجارات في طريقها للحدوث وجثث الضحايا تنقل إلى المشافي والقبور.
إن الإصلاح النبوي لم يعتمد القوة المسلحة لتغيير المجتمع داخليا فهذا واضح. والغزوات والسرايا كانت بعد قيام نظام سياسي واضح مميز لرفع الظلم عن العباد. والرسول ص كان مستعدا للدخول في أي حلف مثل الفضول للدفاع عن المظلومين. والجهاد بشقه المسلح ضد الطاغوت هو من أجل تحرير الإنسان من الفتنة. والفتنة أشد من القتل. وهي إخراج الناس من ديارهم وعقائدهم بالقوة المسلحة.
ومنه نفهم أن الجهاد بمعنى القتال المسلح لم يشرع لنشر الدعوة. وليس هناك جهاد دفع وطلب بل له آلية واضحة تظهر مع رؤية بنيوية للقرآن بالمرور على آياته في كل موضع. مثل قصة نبي بني إسرائيل حينما سألوه أن يرسل لهم نبيا يقاتلون معه في سبيل الله فقال لهم "هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟" قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟" وهنا نضع أيدينا مع أي قوة عادلة في الأرض لتحرير أي إنسان على وجه الأرض من الظلم الواقع عليه. فهذا هو الجهاد الذي دعا له الإسلام. وهو مفهوم إنساني راقي يمكن أن ننطق به في أي منبر عالمي. ويتقبل من الآخرين. ونجد من يضع يده معنا في هذه المشروع العالمي. وهو يشبه الدفاع المدني والإطفائيات لإطفاء الحرائق في الأرض وليس لإشعال الحروب وكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين.
سيكولوجية الدفاع عن النفس
سأل الله موسى عن عصاه: وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى. والسؤال ما هي المآرب الأخرى التي لم يفصح عنها؟ قد تكون لإسقاط الثمر وقد تكون (للدفاع عن النفس). وتبقى كلمة مآرب أخرى مفتوحة لاحتمالات كثيرة.
والدفاع عن النفس غريزة من أجل البقاء. ولكن مشكلة الدفاع عن النفس تختلط أحياناً بالهجوم فيصعب تحرير (الدفاع عن ا